المثقف - أقلام ثقافية

رشيدة الركيك: حوار مع الذات.. المشهد السادس: الأخلاق

rasheeda alrakikالقيم، المثل العليا، المبادئ، الخير، الحق والعدل،الإنصاف والمساواة، الحب والصداقة،التسامح  والحرية الواجب.. مفاهيم شتى يتخذها الإنسان شعارا له في الكثير من الخطابات، وفي تحديد العلاقات الإنسانية، وتتباهى الذوات بالحديث عنها وكأنها معيار للسلوك الإنساني بل قد تكون فن تدبير الحياة الإجتماعية.. بكثير من الجمالية وفي عالم ما ينبغي أن يكون. فكيف تتراقص الذات بين ماهو كائن وما ينبغي أن يكون؟   بين الخطاب وبين الواقع؟

منذ السنوات الأولى من الطفولة المبكرة والإنسان يتلقى الكثير من المبادئ والقيم وكأنه يطلبها لذاتها

 ولما تحمله من معاني، مع أن طبيعته الخيرة أسمى مما يتعلمه من الوسط الذي يعيش فيه، فالطفل لم يعرف الكذب إلا كضرورة اجتماعية يستطيع من خلالها التملص من المسؤولية....

بالأخلاق على ما يبدو تبحث الذات عن التحرر من سلطة الطبيعة وقوانينها لتضع لنفسا قوانين إنسانية سامية  متميزة عن أي وجود آخر وبتفرد واضعة معايير للسلوك في صيغته المثالية فتطير محلقة لتسقط في عالم المثل فتظهر شبه قطيعة مع الواقع، وتسكن القيم الأخلاقية  في عالم اللغة أي العالم الرمزي بعيدة كل البعد عن الواقع الإجتماعي.

ومع ذلك تحمل كل ذات إنسانية قيما إنسانية تسعى لتجسيدها في علاقتها مع نفسها ومع الغير من خلال مفهوم الواجب وممارسته بوعي داخل المجتمع والحديث عن مشروعية إلزامه والتي لا تخلو من المرغوبية على اعتبار أن الإنسان كائن راغب بامتياز.

وتبقى الضرورة الوجودية للقيم، إذ أنها الشموع التي تستعمل عند انتشار الظلام الدامس والخوف من الوحشية والهمجية  التى قد تؤدي إلى حرب الكل ضد الكل على حد تعبير هوبز.

و هكذا، الحديث عن القيم هي ما تبقى لكل ذات حين تسيطر عليها الأهواء والغرائز والنرجسية، فهو وجود يتميز بنوع من السادية لتعذب الذات نفسها بالحديث عما ينبغي أن يكون في مقابل ما هو كائن، وكأن التفكير في هذا الاتجاه ضرورة يفرضها الوعي الإنساني والحيطة من كل إقصاء وتهميش عند رفع القناع عن الحقيقة الهمجية للوجود الإنساني في  الكثير من الوضعيات حين ينتشر العنف والقهر والظلم الغير المبرر سوى أنه نوع من التحقيرو التظاهر بالقوة  والإحساس بالذات على حساب ذوات أخرى...

هكذا تبدو الحقيقة المزدوجة للوجود الإنساني من حيث أنه كائن يجب أن يتحكم في سلوكه باعتباره مخلوقا ثقافيا يتباهى بمختلف المظاهرالثقافية بالكثير من الوعي والتحليل والنقاش.

 غير أنه وهو يقاوم نزواته وسلوكاته الطبيعية ليظهر بطابع راق يواكب طموحه ومشروعه الإنساني يقتحم نسق من المفاهيم تتجاوز قدراته لتدخله في عالم المثل متلذذا بالحديث عنه كما يتلذذ ببحثه عن الحقيقة وعن العالم الأبدي الخالد في إطار ما ينبغي أن يكون، ليجعل لوجوده عالما من المعاني والدلالات كوجود متفرد.

أفلا يمكن القول إذن أن المفاهيم الأخلاقية لها قيمة وجودية أكثر مما لها معنى لتضع الإنسان فوق جميع كائنات الطبيعة؟؟

حقيقة أنها مفاهيم وجودها يجب أن يكون محل نقاش في إطار ما ينبغي أن يكون وكأنها ألوان  تعطي للوجود الإنساني جمالية وليظهر في  أبهى صورة بل في لوحة فنية إنسانية رائعة:

 نتحدث عن الحق والعدل والحرية والسلام والإنصاف وكأنها رسالتنا في الوجود لنطالب بها حتى للحيوان كدليل على الرقي الإنساني،فيضعنا أمام إشكالات صارخة:  أوليس من خلق هذه المفاهيم أول من خرقها؟ وهل يكتفي الوجود الإنساني بالحديث عن عالم القيم ليدخل في تناقض مع نفسه والإحساس بنوع من الغربةعن ذاته؟ ثم أليس تمسكنا بالحديث عن الأخلاق الحميدة سببا في ظهور أخلاق مناقضة لها؟..؟..؟...

كثيرا ما تطالب الذات بحقائق غير ممكنة فيدخل العقل في خلق عالم من الأوهام وبفعل تكرارها ينسى بأنها أوهام، هي أكاذيب في شكل لغة تخفي أكثر مما تكشف، لغة تغطي عيوبنا وتحاول إظهارنا بشكل اجتماعي مقبول أمام ذوات أخرى تفرض عليها أنساقا فكرية ونماذج سلوكية جاهزة، وندخل من جديد في الرياء والنفاق الاجتماعي المقبول من أجل التكيف الإجتماعي كدليل على سلامة الذات وتوازنها .

هكذا يعيش الإنسان دون غيره من الكائنات نوعا من ازدواجية الأخلاق واللاأخلاق  في إطار ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، مأزق وقع فيه الكائن العاقل لن يستطيع الخروج منه إلا بالخروج من الحياة الاجتماعية.

فالانفرادية، العزلة، الانطوا ء، قد يبدو في كثير من الأحيان حلا للذات للخروج من معاناتها ومن قلق الحضارة،لأن نزوع الإنسان الطبيعي للعدوانية لن يتحقق إلا في إطار العيش الجماعي، حماية للذات منه ورفضا منها لأي قانون القوة.

غير أن خروج الذات من الجماعة كحل سيطرح إشكالا يخص المجال والفضاء والمؤسسة التي سيتعلم فيها الإنسان الأخلاق من جديد بعيدا عن ذوات أخرى، ثم كيف أعرف نفسي ظالما دون ارتكاب الظلم؟

 فهل سيتخلى الإنسان عن ما راكمه عبر السنين بالكثير من الافتخار ويعود من حيث بدأ لحالة الطبيعة والعنف والبقاء للأقوى والانتقام وقانون الغاب؟ أم أننا سنبعد الأخلاق عن كل تفكير براغماتي نفعي لتصبح مطلوبة لذاتها؟؟؟

لا شك أن لكل منا مصلحته بل وقد تتعارض المصالح، فيكون لكل منا أخلاقه التي تتفق مع مصلحته  والتي قد تتغير بتغير المصلحة، مما يقودنا إلى طرح السؤال: فهل للأخلاق صبغة ذاتية وبالتالي على الذات تغيير المبادئ كلما تعارضت مع مصلحتها؟ أم لها صبغة كونية تخص الإنسان أينما حل؟

تتخبط الذات دائما بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون في إطار وضع معايير أخلاقية نميز فيها الخطأ من الصواب ومع ذلك نقوم بالخطأ دون الصواب لذلك كان على العقل العملي الأخلاقي الكانطي أن يكون شعارا لكل تنشئة إجتماعية، وإن كان التاريخ يتحدث عن حكاية التجمع البشري كحل لإنقاده من قساوة الطبيعة ومن التوحش الحيواني أمام ضعف الإنسان الجسدي وقوته العقلية...

إلا أننا اليوم يقف الوجود الإنساني، وتقف كل ذات حائرة أمام مرآتها وحقيقة هويتها، بين كائن أخلاقي متميز وبين كائن يتحول بين لحظة وأخرى إلى لا عاقل ولا أخلاقي، في حالة من الجنون والتشرد والضياع حين يصبح كل جوهر لا جوهر،عندما ترتبط الذات بالتفكير البراغماتي ضاربة عرض الحائط كل المعاني فتبحث عن وضع نهاية لها لتعلن استسلامها...

 لذلك رفقا بك سأحاورك أيتها الذات وأنصت إليك وأتفهم تقلباتك على أمل أن نعود معا لرشدنا وإن تهنا الطريق ننتظر حلول الصباح بشمسه ونوره سوف نجد آثار من سبقونا ونسير على دربهم بفطرة طفولية سليمة تقذفنا دائما في عالم الممكنات دون المستحيلات....  ويستمر الحوار مع الذات

 

بقلم : رشيدة الركيك

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3711 المصادف: 2016-11-02 03:26:12


Share on Myspace