المثقف - نصوص أدبية

مدوّنة اليقين وخلافه

wadea shamekh3متى أصبح على ظل بلا نخلة عاقّة

ارمي نردي

وارسم العالم قُبلة


 

مدوّنة اليقين وخلافه / وديع شامخ

 

أثق بالأحجار والعظام وبقايا الحكايات الملفوفة في رقاع بليل،

أثق بجدتي كثيراً، وبصوت الرياح التي تحمل بشائر المطر، أثق بالعواصف التي تصحبها الزوابع، أثق بالليل وهو يوقظنا لمواقده ، أثق بالأسرار التي تلقى في قنانٍ محكمة لفم المياه، أثق بالشرفة حين أوصد البوّاب القلوب، أثق بنصف الاشاعة  ونصف اليقين معا، أثق بالتاريخ حين تطهره العاشقات بمجنون أكيد، أثق بالجغرافيا الخارجة من زرقة الكرة الارضية، أثق بالماء وبقايا الزيد المتراكم على شواطيء البحيرات، أثق بالأنهار التي لا تقيم صلاة الغائب على المحيطات، أثق بمخارج الحروف حين تنطق الرواية دون حرج

***

اليقين موكول الى قوافل القلق

لا أثق بأيوب كثيرا، لا أثق بالمياة المالحة حد الحكاية، لا أثق بالحروب والجنرالات وارباب السوابق، لا أثق بالاسراف في العشق، لا أثق بالدمى المحشوة بالقطن، لا أثق بالخيانة، لا أثق بالمناطيد الحرارية، لا أثق بقصة التفاحة وعشيقها نيوتن، لا أثق بأرخميدس ومجرات الغرقى، لا أثق بأبي الذي تزوج أمي مرات وأنجبني رواية، لا أثق بالعمائم وأسلحة التدمير الشامل، لا أثق بالحياة المرسومة  في دفاتر الانشاء، لا أثق بالإذاعات الصديقة، محطاة التلفزة الحكومية، وساعة بك بن، وأضواء برج ايفل، وجموح نصب الحرية، لا أثق بالشعراء ورواة الحديث، وابطال المسلسلات التركية العسيرة الهضم، لا أثق بالمذيع الأنيق، والسياسي المعطر ببخور الأدعية، لا أثق بالسماء ..

***

بين السماء والحروف يكمن اللغز

كيف أثق والجدات هاجرن الحكايات ، المواقد ترتطم بشفاه الانهار العظيمة بلا جدوى، كيف أثق والجبال العظيمة ترفع الحداد على ما تبقى، كيف أثق والعطور تسبح في بثر الوشايات، كيف أثق والنادل يمضي على المراسيم الملكية بهمّة رئيس وزراء عاطل، كيف أثق والسماء أقفلت بابها جزعا من بخار السموم البشرية، كيف أثق واللغز ماثل ؟؟

***

بمن أثق:

 والقيود تتوسل السياط، الظل يشي برابعة النهار، الشحاذ يستل سكاكين المودة ليغرسها في بستان الحياة،

 بمن أثق :

حارس المدينة تكلّس على مفاتيحه

ابواب المدينة أكلتها عثة السؤال

الأسوار تتناهبها الأفاعي

سلحفاة على طريق يقين

 بمن أثق :

بالصوت أم بالصدى

بالمطر أم بالوصايا

 بالمذيعة التي لطخت أفكارنا بأحمر الشفاة

بالأسوار المركونة لولادة الملوك

؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

***

متى أُصبح ؟؟

والشمس حليقة الذقن من ليل المياه الآسنة

 الكأس الأخيرة خالية من بكارة الضمير

الكون يدون يومياتيه على ألمي ؟؟؟؟

متى أصبح ؟

 واليقين يكسر المرايا بقسوة نادرة

السؤال يتقافز فتات زجاج في المعنى ؟؟

 متى أصبح ؟؟

والنادل لا ينوب عن التاج

الخمرة عن الدنان

الداليات عن العطر

متى أصبح ؟

والسؤال غابة.

الحطابون لا مساء لهم

فؤوسهم مترعة بالعواء

 الفأرة المقعية تحت رداء المراسيم

الجرذ الرصاصي

السلام الجمهوري

الصنوج والنساء

متى أصبح على ظل بلا نخلة عاقّة

ارمي نردي

وارسم العالم قُبلة

......................

.....................

بمن أثق

وديع شامخ

.

.

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

وديع شامخ الشاعر المبدع
ودّاً ودّا

يتلألأ الشعر في هذا النص كما تتلألأ اسماكٌ فضيّة في شبكة صيّاد رضي الله عنه .
نصٌ يمثّل قصيدة النثر خيرَ تمثيل بلغته المنحوتة بانسياب , وزوغان دواعيها وعبورها من فتحات
شبكة المنطق الى ما بعده من إدهاش و تقاطع بين أكيد ٍ جارح و حدسيٍّ يتلمّظ
بلسانٍ يغسل ما يصل اليه بصدق لُعابه .

الثقة هنا في هذا النص (مفردةٌ : مفتاح ) ولكن هذا المفتاح لا يفتح حتى يهتدي القارىء
الى الباب , والباب في هذا النص ليس ما يستخلصه القارىء من إشارات مبثوثة في النص
عمّا يراه بطل النص سلبياً في ما حوله وعمّا يراه ايجابياً بل في هدوء النص وانسيابه
الغنائي , في شعريته المطلولة على النص من أقصاه الى أقصاه : يجدها القارىء في الصور
وفي الإيقاع الدائري كأن ( أثق ) مركز الدائرة والنص محيطها حيث تتناوب الثقة ونقيضها
كقطبية إيقاعية تعزز شعرية النص وتحميها من الإنثيال العشوائي .
الواقع الذي تغذّى عليه النص لا يعدو كونه جسراً للعبور الى ضفّة غاباتها دائمة الخضرة .
دمت في صحة وإبداع أخي وديع

جمال مصطفى
This comment was minimized by the moderator on the site

الصديق المبدع جمال مصطفى
شكرا من القلب لعمق مجساتك وحواريتك الثاقبة في قراءة النص ، لقد افرحتني تماما وانت تدون شهادتك الجمالية على نصي

وديع شامخ
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4165 المصادف: 2018-01-30 09:06:15


Share on Myspace