 قضايا

محمد أركون.. هل الإسلام نائمٌ؟

علجية عيشالمسلمون حاولوا منع حرية التفكير العقلاني والعلمي فظلوا منغلقين

ارتكزت أطروحات المفكر الجزاري محمد أركون على معرفة أهل الأديان التوحيدية ومقارنتها من حيث سلوكاتهم اليومية وعلاقتهم بالآخر، ولذا نجد محمد أركون في تساؤلاته يركز على الدوافع والظروف التي انبثقت فيها وتطوّرت الأنسنة العربية والإسلامية في القرنين العاشر والحادي عشر ميلادي؟ وكيف أفُلَت؟ (بضم الفاء وفتح اللام)، ووقف على أن الأنسنة في العالم الإسلامي غائبة، وهذا راجع بدوره إلى تغييب العقل الناقد، العقل المنفتح، المستنير، وقال أن العقل الإسلامي فقد مسؤوليته المعرفية، وأصبح عاطلًا عن التفكير والتجديد والنهضة والإصلاح، وهذا لأن الأمة الإسلامية ممزقة إلى فرق دينية ومذاهب متناحرة (سُنّة وشيعة)

حين أزور المكتبات وأنقِّبُ عن الكتب التي أرغب في اقتنائها و قراءتها أجدها قليلة جدا، بل تكاد أن تكون منعدمة، لاسيما الكتب الفكرية، فباستثناء كتب الفيلسوف مالك بن نبي التي تملأ رفوف المكتبات العمومية، وتشهد مبيعات رغم غلاء سعرها، إلا أن مؤلفات المفكر الجزائري محمد أركون فهي لا تظهر، وكأن الأمر مقصودٌ، رغم أن الإثنان خاضا معا القضايا المتعلقة بعالم الأفكار، كلٌّ وله زاويته الخاصة، وهذا يدعو إلى الشك بأن كتب محمد أركون ممنوع عرضها للبيع، في ظل تناقض آراء النخبة المثقفة في ما يخص "الفكر الأركوني" واختلاف مواقفها بين مؤيد ومعارض، كون الرجل تطرق إلى القضايا التي تدخل ضمن "الطابوهات"، قضايا يراها بعض المتعصبين ثابتة بل مقدسة ولا يجوز الخوض أو الجدل فيها إن صح القول، ومن يخوضها في نظرهم يعدُّ "كافرا"، وهو الجهل بعينه، فمحمد أركون سعى من خلال أطروحاته تنوير الرّأيُ العام، بأفكار تدعو إلى الانفتاح والتحرر من الإنغلاق، والتوحش الفكري، وإعمال العقل في التّعامل مع الموروثات المختلفة، ولذا يقف الكثير من النقاد المختصين في الفكر الإسلامي ضد الرجل لأنه في نظرهم لامس المناطق المحرّمة.

الملاحظ أن الكتابات التي تطرقت للفكر الأركوني بأقلام جزائرية شحيحة جدا، فما نقرأه عن هذا الرجل هو بأقلام عربية أو مغاربية، فهل يعود ذلك لأن محمد أركون مفكر "أمازيغي" وينتمي إلى التيار الفرانكفوني؟ أم لأن قراءته للفكر الإسلامي مختلفة ولا ترضي بعض الأطراف وبخاصة التيار الإسلاموي المتعصب، خاصة وأن محمد أركون انتقد الفكر العربي الإسلامي، ودعاه إلى تأسيس فكر إسلامي حُرّ، مُنْفَتِح، مُجَدِّد، يحترم روحانية الدين، والمعروف عن رؤية محمد أركون للعالم الإسلامي تتقارب مع رؤية من سبقوه، فهو يرى العالم الإسلامي بعقلي التنويري منتهجا في ذلك مذهب ابن مسكويه في الدعوة إلى تهذيب الأخلاق، وتغيير الصورة النمطية للإسلام،، حيث دعا إلى التجديد وإعادة النظر في التراث الإسلامي.

وعلى خطى المفكر مالك بن نبي، فقد تحدث محمد أركون أيضا عن الظاهرة القرآنية، تناول فيها كتب أبي حيّان التوحيدي، ومسكويه، وأبي الحسن العامري، واستخلاص النتائج لتحرير الأمة الإسلامية من التحجر والإنغلاق، ومسائل كثيرة تتعلق بالإنسان،عالج فيها إشكالية "الأنسنة" وكانت محور اهتمامه لتحقيق التواصل بين الجماعات الثقافية والطائفية، وارتكزت أطروحاته على معرفة أهل الأديان التوحيدية ومقارنتها من حيث سلوكاتهم اليومية وعلاقتهم بالآخر، ولذا نجد محمد أركون في تساؤلاته يركز على الدوافع والظروف التي انبثقت فيها وتطوّرت الأنسنة العربية والإسلامية في القرنين العاشر والحادي عشر ميلادي؟ وكيف أفُلَت؟ (بضم الفاء وفتح اللام)، ووقف على أن الأنسنة في العالم الإسلامي غائبة، وهذا راجع بدوره إلى تغييب العقل الناقد، العقل المنفتح، المستنير، وقال أن العقل الإسلامي فقد مسؤوليته المعرفية، وأصبح عاطلًا عن التفكير والتجديد والنهضة والإصلاح، وهذا لأن الأمة الإسلامية ممزقة إلى فرق دينية ومذاهب متناحرة (سُنّة وشيعة).

يرى بعض الكتاب المعاصرين يرون أن ما وصلت  إليه أوروبا من تطور لم يكن من قبيل الطفرة ولا كان هبة أو فتحا نزل عليها من السماء بل كانت قد خرجت من قرونها المظلمة (في عصورها الوسطى) بعد نخاض طويل وعسير وبعد مواجهة شتى أشكال التخلف والتحجر والنزعة الظلامية الملتزمة بحرفية النص الديني، عكس المسلمين الذين حاولوا منع حرية التفكير العقلاني والعلمي وظلوا منغلقين، حيث ألغوا دور العقل في الإسلام، بل اعتقدوا أن الدعوة إلى إعادة النظر في النص الديني (القرآن) ضرب من الكفر، وأن المتنورون كفار وملحدون، بل كل مشاريعهم تغريبية، تدعو إلى تحرر الإنسان من كل القيود، السؤال الذي يمكن أن نطرحه هنا كيف نقارن بين فكر ملك بن نبي ومحمد أركون وكلاهما عالجا "الظاهرة الإنسانية"، وكيف نقارن فكر الرجلين بمفكرين آخرين على غرار المفكر المغربي مهدي المنجرة، محمد عابد الجابري، محمد جابر الأنصاري ومفكرين آخرين في كل البلاد العربية فرانكفونيين كانوا أم عروبيين، محافظين أم إصلاحيين ومنهم الأستاذ الغرباوي من العراق الذي بدأت أطروحاته حول النص الديني تظهر إلى العيان وحظيت بمناقشات عديدة باعتباره مفكرا مجددا.

فالأنسنة مشكلة تعالج بناء الإنسان ونهوضه من جديد، وهي الأطروحة التي تحدث عنها مالك بن نبي وهي "القابلية للإستعمار" في كل جوانبها الفكرية والدينية، والتمسك بالقديم يُعَدُّ ضربا من الجنون، لأن الزمن يتغير، في ظل التطور التكنولوجي والتحديات التي يشهدها العالم، حيث وجب إعادة النظر في التراث والإنفتاح على العالم، فلو أخذنا على سبيل المثال كتابه "حين يستيقظ الإسلام" (غير متوفر في المكتبات العمومية)، يتبادر إلى ذهن القارئ العادي ان الإسلام كان نائما، والواقع أن محمد أركون يخاطب في هذا الكتاب الأمة الإسلامية لكي تنهض من سباتها وتجدد خطابها الديني، والدعوة إلى الثورة على المناهج التقليدية التي تحجب على المسلم نور القرآن وهدايته، بمعنى الإجتهاد في إعمال العقل قصد الفهم الصحيح للتراث الإسلامي ثم العمل به وتبليغه للأجيال، ومن ثم بناء حضارة إسلامية والإرتقاء بها.

 

علجية عيش

 

 

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5159 المصادف: 2020-10-20 00:58:20


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5741 المصادف: الاربعاء 25 - 05 - 2022م