 قراءات نقدية

الآفات الاجتماعية السيئة في المجتمع

سنتناول في مقالتنا هذه الآفات الاجتماعية  في المجتمع  في كل وجوهها السيئة، ورموزها المنجزة شعرياً، عند الشاعر البسطي(1)، وتتمثل في رغبة الشاعر في جعل تلك الصور دلالات عميقة، مملؤة بحمولات نفسية واجتماعية، تضمر كل ما تنطوي عليه مقصديته، لاسيما في ميدان العلاقة، او التعامل مع الآخرين وما يتصل بتلك العلاقات من تجليات شعرية، بث فيها الشاعر انفعالاته بالتعبير المباشر بطريقة صياغة اللوحة والمشهد والحكاية، على وفق خصائص توصيلية ساهم في انضاجها، إذ ما من نص كبر او صغر لا يخلو من نظرية توصيل إن ديدننا  من وصف تلك الآفات الاجتماعية، وما آلت اليه من انحلال في مستوى العلاقات، واستفحال مرض التكالب على اللذة والانغماس بها (2)، هو للتعبير عن الرؤيا النصية لكل ذات، داخل النص، وتحديداً ذات الشاعر، ويبدو إن هذا المستوى من التعبير لم يكن ناجماً من فراغ سواء أكان على صعيد الرؤيا، ام على صعيد التعبير الشعري، فالذات الشعرية تتخذ من كل اشياء الحياة مادتها لصنع تجربتها، وهي في الاعم الاغلب تتجسد في عرض الموضوع عن طريق الوصف العام في القصيدة ضمن اسلوب تداعي الافكار وتجدر الاشارة هنا ان الشاعر، وهو يورد كلماته في تلك المشاهد لا تكون  ـ عند رؤية الشاعر لها ـ منفصلة عن شخصيته، فهي ليست اشياء رؤيت في براءة الرؤيا دون ان تلامسها عواطف الشاعر، وهذا من الاهمية بمكان، لان الشاعر يتوجه نحو اشياء العالم ليكتشفها، وبذا فهو يكتشف نفسه، وهو ينظر اليه (3)، فضلاً عن قدرتها الشفائية في جانب المتلقي، لأنها تزوده بمصرف أمين للعواطف القلقة، وتهيئ له حالة نفسية مريحة(4)، فقد أشار ارسطو في وقت مبكر الى وظيفة التراجيدا، بوصفها"مسرباً للاضطراب العاطفي، وتحقق الرضا الجمالي في النفس، وتبعث عليها الراحة والهدوء(5).، وانّ صدق الشاعر في نقل تجربته، يعني ان يصدق في التعبير عن عاطفته التي أحس بها فعلاً، وإعلان عقيدته، التي اعتقادها من دون ان يملي عليه  ذلك ان "يكون تام المطابقة للواقع في كل حذافيره"(6)، فالبسطي يحاول ان يصور الواقع  كما نراه ونعتقده، ممزوجاً بعاطفته، لأنه يصور ما وجده في صميم عاطفته هو" وكان دافعه ان ينفس عن هذا الشعور الشخصي"(7). فهو يدعونا الى ان "نتقبله تقبلاً انفعالياً متعاطفاً ذهنياً بارداً"(8) ولعل أوضح الدلالات لتلك الآفات الاجتماعية، هي صورتها عندما تكون معادلاً موضوعياً للانفعالات، إذ يسعى الشاعر الى تجسيد رؤياه ضمن صور او معطيات، قد نظن أنها تمثل موضوعات متباينة، او تعكس محكاً موضوعياً مكروراً قوامه الشكوى والتعريض، ولكنها في الوقت ذاته تتخذ من هذه الاشكال علامات او صور يعكس فيها الشاعر رؤيته، اذ يقول(9):

أيُّ لَيْثٍ ببسطةٍ قد تقضَّى          لِـرعَـايَـا بَهـائـمٍ فــي مَفـازهُ

منعَ الجائزَ المباحَ ريـاء            والحرامُ المحظور شرعاً أجازهْ

ومضى حكمهُ بذاكَ مضاءً       ليس منه في نفسه من حزازه

وأستوت عنده الحقيقة جهلاً      مَعَ مـا أحكـم الكتـابُ مجازَهْ

يرتشي دائماً ويبدي لمُرشٍ       عند لقـيــاهُ هشَّـةٍ واهتـزازهْ

همُّه في سؤالِه مَنْ يُلاقِي         هل سمعتُم في يومنا عن جنازه؟

أو رأيتمُ مُخبِّراً عن مريضٍ       لِمنـايّـا مُعِــدَّةٍ جَـهِّــازَهْ

لم يَزَل معروفاً بذا مذ تقضى      وبه قُدمّا مازَهُ مَنْ مَازَهْ

أخلف الله مالاً ابتُزَّ ظُلمَّا            لمن ابتزّ واستباحَ ابتزازهْ

وأنال القضاءَ بالعزلِ عنه         عن قريبٍ كرامَةً وعَزَازه

لقد بنى البسطي قصيدته على وفق اسلوب الصور المتجاورة المكثفة، كالجهل، والارتشاء، والجور، والتعسف في الاحكام، التي يكون تأملها على وفق الصيغة التي وجدت فيها، إذ يكون ذلك كشفاً لتجربتها الكلية، وقد آثر الشاعر خلقها او عرضها في ضوء معطيات واقعه، فضلاً عن معطيات اللغة الشعرية،ويظل الشاعر يعرض بأناس مدينته، بهذا المعرض الفني يكشف عن نوع من الصراع، هو صراع الحياة ذاتها، إذ يعمد الى التحصن بذلك القدر المناسب من الكفاح والتآسي، فيقدم الشاعر من خلال ذلك نموذجاً باهراً للمقايسة والاعتبار، فقد أصبح الفقيه والعالم عندهم أقل قيمة من الكلب، فالفقيه في أسوأ حال، اما الكلب فمعزز مكرم، يقول(10):

الكلبُ صار ببسطةٍ    أعلى وأشرف من فقيهْ

أنّى فقيه يْعتلى لمـحلّــــــــه او يــرتـقيـهْ

الكلب مالِكُه بها         مِنْ كُلِّ ما يخشى يقيهْ

وفقيهها من أهلها       ما ساءَ منهم يتّقيهْ

فتراه عند خروجه      يرتاع مِمّن يلتقيهْ

أفعاقلٌ يرضى بها      وطناً لِسُكنى ينتقيهْ

 

وتبرز صور الحياة الاجتماعية السيئة بعلاقتها بالذات الشاعرة، إذ تنعدم الثقة بين الناس لتحل محلها الريبة والحذر، فقد نجح البسطي في تحويلها الى شيء ملموس، أقرب من المعرفة، واكثر مباشرة، او انها التجربة الانسانية نفسها، او لحظة من لحظات التجربة الانسانية(11)، فيقول(12):

بلدةٌ فيها الهوى مُنحرفٌ        كمزاجِ النّاس فيها انحرفا

أكثرُ النّاسِ بها من تَلقهُ         بكلا الوصفينِ فيها عُرفا

ومن هنا نلمح إن انحلال  مستوى العلاقات الاجتماعية، واستفحال مرض التكالب على اللذة، والانغماس بها(13)، تمثل تصعيداً فنياً يجلي فيه الشاعر رفضه للواقع الفاسد الذي يعيشه، والذي يكشف عنه منذ اللحظة الاولى في قصيدته لاستبطان أدق مشاعره، فيقول(14):

الى كم إلاه الخلقِ يا جاهلاً تعصي         مع العلم قطعاً إنه عالِمّ يُحصّي

وترضَى بتضييع الفرائض عامداً          وأنتَ على اللذّات مستكملُ الحرصِ

وتقطـعُ بالتـفريـط يـومـكَ كلَّه             وليلكَ بالفعل القبيح وتستقصي

وتلبس أدران الجرائم جاهداً               وِ تعرى من الطاعات عن أشرف القُمصِ

وتظهر في زي الآمين تصنعاً            وإنّك لِص الطبع قُبحتَ من لِصِّ

 

وتبرز صورة الآفاة الاجتماعية بعلاقتها بالذات الشاعرة نابعة من الغيرة على الوطن والدين أنشدها، وهي تجلي طريقة ولوجها في النص كلمحة فنية مفعمة بالحيوية، والتي تنبثق من دلالة المعنى السطحي الاول، فإن الطبقة الخيرة من مجتمعه الذين كان يعدهم قدوة ومثالاً لغيرهم، ونبراساً أمامهم يهتدون به، كخطباء المساجد وشيوخ المعرفة، يرميهم بالتحاسد والتباغض والشر، وذلك يدل على تردي الوضع الاجتماعي، فالأولى له ترك مدينته وما فيها،ليقول(15):

حسبتُهم عُدّةً مِن أفضل العُددِ  واستمسكتْ بهمُ دون الأنام يدي

حتّى أنجلى أنّهم مِنْ كثرة الحسدِ       إذا رأوا نِعمةً لاحت على أحد

أضحى الجميع وما منهم بها راضٍ

كبيرهم بالحشا من حقده مرضٌ        بالشَّرّ منبسطّ بالخير منقبضُ

وإنَّ أصغرهم بالسوء مُعترضُ         فهجرهُم واجبٌ عليَّ مفترضُ

كان من الممكن أن تساهم صور الأفاة الاجتماعية المتردية في مضاعفة حزن الشاعر عبر تأجيح مشاعر الحزن والمعاناة، ومن ثم فإنها تستجيب لرغبات الذات الشاعرة ومطامحها في تجاوز الانهيار الحاصل في المجتمع، لتخرج بعدها  اكثر قوة وحياة، كاشفة عن حضورها بتميز داخل الأزمان الضيقة، كما يقول في ذلك وهو يواصل حديثه عن صديق له كانت نفسه تطمئن له، فيودعه اسراره ولكنه يفضح سره، فيذكر عدم إخلاصه وتحوله من صديق الى عدو، ليقول(16):

إن شئتَ من دنياكَ حسنَ تخلُّصِ       لاتطمئنَّ الى صديقٍ مُخلصٍ

وإذا تخالِطهُ نهـارَك عُدَّه       في النّاس كالمجذوم او كالابرصِ

وإلزمْ سكوتَكَ عنده وإذا اقتضى       منكَ الكلامَ بما قتضاه تَربِّص

وأنظرَّ محاسنّهُ التي يزهو بها          ويتيهُ إعجاباً بعين الاحوص

ويبدو من خلال هذه الانجازات القولية الصورية، أن الشاعر تمكن من التعبير عن معاناته، ورغبته في عالم تحكمه المتناقضات والمفارقات، وقد انتقلت من زمنها السلبي الثابت، نحو عالم الانجاز القولي، وبذلك يكفل لنفسه استمرارية في الابداع والتفرد .

وفي مقطع آخر يعبر البسطي عن دواخل شخصيته في رفضه للمواقف السلبية، كالغش، وهي تجليات ذاتية عكسها الشاعر في مواجهة حاضره، مما يجعلنا نرى فيها تعبيراً عن دلالات نفسية خاصة، أنضجتها ظروف حاضره الراهن الذي يعكس حالة التوتر النفسي، والحزن العميق الذي تمثله تجربة الشاعر، وهكذا يتنامى حس الصراع الذي يتشكل فيغلف صور الغش،  ويشكل عمدتها ومحورها الاساس على أكثر من مستوى، وصولاً الى أنجاز فكرة الانتصار على ذلك الفساد، او موازاة قوة الذات في الزمن الحالي، واظهار قدرتها على تجاوز قوى الفساد، وصولاً الى المشاركة في إحداث توازن يلغي التشتت والتفتت الذي تعاني منه الذات كما تجلى ذلك جلياً في نص البسطي،إذ يقول(17):

الغشُّ عيبٌ وهو في صرفنا   قد أحكم التضييعُ إفراطه

فصرفنا دِرهمه لم يُعب         من ذمَّهُ او ذمَّ قيراطهُ

ولعل ما مضى من الشواهد تؤكد إن البسطي كان يستجمع كل قواه وأفعاله السابقة لمواجهة قلق الذات من التغيير والتبدل الحاصل في الوضع الاجتماعي بين الناس،فتكشف ذات البسطي عن تجربتها في التصدي ومواجهة سلبيات المجتمع من خلال عرضها في مشاهد، يتداخل فيها الواقعي والنفسي والحلمي، فينسج فيها عالمه ويسجل الاحداث التي تختزل رحلته في الحياة.

 

الاستاذ المساعد ليلى مناتي محمود

كلية اللغات ـ جامعة بغداد

...........................

المصـادر :

1 -  وهو محمد عبد الكريم القيسي الاندلسي، اخر شاعر عاصر سقوط الاندلس في عصر بني الاحمر.

2 - الفتن والحروب وأثرها في الشعر،د.جمعة شيخة، المغاربة للطباغة والنشر والاشهار، تونس،1994م،ج1 ص342.

3ـ الشعر والتجربة،ارشيبالد ماكليش، ترجمة سلمى الخضراء الجيوشي، مراجعة توفيق صالح، منشورات دار اليقظة العربية للتأليف والترجمة والنشر، بيروت،1963م، ص3.

4 - ينظر: مناهج النقد الادبي بين النظرية والتطبيق،ديفيد ديتش، ترجمة محمد يوسف نجم، مراجعة إحسان عباس، دار صادر، بيروت، 1967م،ص71.

5- النقد الادبي مدارسه الحديثة، ستانلي،ستانلي هايمن، ترجمة إحسان عباس ومحمد يوسف نجم، دار الثقافة، بيروت، 1958م، ص23.

6 - محاضرات في عنصر الصدق في الادب،معهد الدراسات العربية، جامعة الدول العربية، 1959م،ص6.

7 ـ المصدر نفسه، ص79 .

8ـ قضية الشعر الجديد، دار الفكر، ط2، 1971م، ص13 .

9- ديوان عبد الكريم القيسي الاندلسي، تح د. جمعة شيخة ود.محمد الهادي الطرابلسي، المؤسسة الوطنية للترجمة والتحقيق والدراسات، بيت الحكمة، 1988م، ص245.

10ـ الديوان، ص311 .

11ـ ينظر: الشعر والتجربة، ارشبيالد، ص83 .

12ـ الديوان، 468.

13ـ الفتن والحروب واثرها في الشعر ج1 ص342

14ـ الديوان، ص298 .

15ـ الديوان، ص181 .

16ـ الديوان، ص442.

17ـ الديوان، ص355 .

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5209 المصادف: 2020-12-09 01:10:40


Share on Myspace