 نصوص أدبية

مجزرة الغابة

ناجي ظاهريجد المسافرُ المقترب من مدينة الناصرة من الناحية الشرقية الجنوبية، نفسه رويدًا رويدًا، داخل غابة، يُهيأ له انها غير متناهية، ويزيد في شعوره هذا تلك الاشجار المتشابكة في العديد من المواقع فيها، وتلك الاشجار المعمّرة المرتفعة كأنما هي خُلقت لمناطحة السحاب.

واذا قُيّض لهذا المسافر، وقد قيض لي، ان يمرّ من هذه الغابة عند هبوط الظلام، وئيدًا وئيدًا، فسوف يُفاجأ بعالم كاملٍ من الوحوش المتصارعة المتناحرة وإلى جانبها في أماكن بعيدةٍ وتحت اشجار ومغائر اخرى، كائنات اخرى آثرت طريق السلامة، والعيش بأمن وامان، فانشغلت بهمومها المُلحة وراحتْ تسعى في مناكب الحياة من أجل الحصول على اللقمة الهنيئة المرئية.. وهداة البال المبدعة.

خلال مكوثي في إحدى مغائر تلك الغابة، قُيض لي أن أعيش تجربة غابيّةً، كأنما هي تجربة حياتية، وقد كان ذلك عندما ابتدأت اراقب بتلك الكائنات الوحشية المسالمة طالبةَ الامن والسلام، الطامعة في حياة ملأي بما تريد وتحب من هواء وماء، وكان اكثر ما يلفت اهتمامي في هذه الكائنات، انها كانت تبذل الجهدَ تلو الجهدِ.. من أجل معيشتها ومعيشة صغارِها، حتى انه خيّل لي في لحظة تأمل، اعتدت عليها في تلك الغابة، أنها تعيش اعمق اعماق الحياة، غير طامعة الّا في الكينونة .. واستمراريتها.

حدث في احدى العتمات.. ان سطع ضوءٌ في تلك الغابة، فأشرقت وجوه هذه الكائنات الوحشية التي آثرت السلامة، معتقدةً، على ما بدا، ان الله عطف عليها اخيرًا.. وارسل اليها ما رجته وما تمنّته خلال سنوات وسنوات من الانتظار، وكان ذلك عندما أنبتت الارضُ منّا وعسلا، فتوافدت كائناتُ الغابة السعيدةِ تحملُ صغارَها وتُقبل على ذلك الغذاء المشتهى المنتظر، غير انها ما ان انزلت صغارها ومدّت ايديها وافواهها، إلى ما انبتته الارضُ، حتى حدث ما لم يكن في الحسبان. فجأة انشقت الارضُ واخرجت وحوشًا لم ارَ خلال فترة مكوثي في تلك الغابة مثلها.. رغم طول مدة وجودي فيها.

هجمت تلك الوحوشُ الشرسة على المنّ والسلوى، هجمة المُدّرب العارف المدرك، ورغم انني لم ارَ تلك الوحوش هناك.. في تلك الغابة سابقًا، فقد شعرتُ أنني رأيتها في كل مكانٍ من اماكن الغابة، دون أن اتمكّن من تحديد مكانها او اماكنها، وقد خُيّل لي انني رأيتها في كل مكان وكأنما انا لم ارها. زاد في اعتقادي هذا انها ما أن اوشكت ان تصطدم وتلتحم في معركة مصيرية طاحنة.. مع تلك الكائنات الصديقة، حتى آثرت هذه الانسحاب جانبًا بانتظار أن تسنحَ لها الظروفُ في أخذ نصيبها من الغنيمة.. او الغنائم.

عندما تقدّم الليلُ وسادتِ العتمةُ اكثرَ فأكثر، قامت الكائنات الوحشية الاولى بالتجمّع كما لم تفعل من قبل، وقد اعتقدت أنها تنوي أن تشن حربًا شعواء على تلك الطالعة بكل شراستها من تحت الارض، بعد ان شمّت على ما بدا رائحةَ المنِّ والسلوى، غير ان ما حدث فيما بعد.. ان بعضًا منها قام بالاقتراب من الغنائم الارضية، محاولًا أخذ نصيبه.. مما انبتته الارض واحتضنته الاشجار، مستغلًا نومَ تلك الوحوش المستشرسة، إلا أن ما حدث هو أن وحشًا من ذلك المعسكر الشرس، اطلق عواءً دمويًا، ما جعل الغابة تشب واقفة على قدميها، وقد رأيت فيما بعد، منظرًا لا انساه ولا يمكنني أن انساه، فقد هجمت تلك الوحوش على ذلك الكائن المسكين، هجمة واحدةً، مستفردةً به، وقامت بغرس أنيابها في جلده الغضّ الطري، فانتفر منها الدم وكأنما هو نافورة وحتى ناعورة دموية، واعترف أنني استغربتُ لكلِّ ما حدث خلال ذلك الانفجار الدموي الاحمر، فقد رأيت ما كذّبه الخيال وصدّقه الواقع، رأيت مَن يُمزّق جثة ذلك المسكين في انتظار عددٍ آخر من الوحوش المستشرسة ليشرب دماءه، وكأنما هو يودُّ ان يبعثَ رسالةً إلى ابناء قبيلة الفقيد، مفادُها اياك والاقتراب من هذه المطقة المحرّمة.. وإلا فان نصيبك لن يكونَ أفضل من نصيب زميلك مقتحم المكان ومصطنع البطولة.. وقد بالغت هذه الوحوش في توصيل رسالتها إلى أبناء الطرف الآخر، فقامت بحمل الهيكل العظميّ للمجترئ المسكين، وقذفت به بمنجانيق خاص.. ليستقرّ فيما بينهم.. وتحت اشجارهم.

اقترب أبناءُ جلدةِ ذلك الكائن المسكين صانعين حلقة حوله، وفوجئت بأنثى وحش تقترب من هيكل الكائن الوحشي الملقاة بين المجموعة، تُقلّبها وتحاول التعرف إليها، وما أن قلبتها وتشمّمت رائحتها، حتى اطلقت صرخة باكيةً.. ملأت الغابة.. ففرتِ الطيورُ من على أشجارها شاقةً الظلام وسديمَه.. ربّما لاعتقادِها أن الغابةَ زلزلت زلزالها.

وفي حين تحوّل ذلك المكان إلى ساحة للبكاء والندب، واللطم على الصدور والوجوه، وتقطيع الشعر، رأيت كائنًا وحشيًا كبيرًا، فهمتُ انه حكيمُ المجموعة وقائدُها، أطلق هذا الكبيرُ صرخة مدوّيةً، تبعها تفرّق وتجمّعٌ وركضٌ في كلِّ الاتجاهات. قاس ذلك الكبير مساحةً بدا أنها تتساوى مع طول الضحية المسكين، وأخذت الكائنات النائحةُ في الحَفر، وتحضير أغصان الشجر لمواراة ذلك الوحش المجترئ الشجاع.. لأخذ نصيبه من المنّ والسلوى. هكذا رأيتُ قبيلةَ الكائنات الوحشية تودّع عزيزها الراحل.

في الجانب الآخر، حيثُ انبتت الارض منّها وسلواها، رأيتُ أمرًا آخر، فقد اجتمعت الوحش المستشرسةُ، ذات الانياب الدامية، وأخذ سُمناؤها ومتكرّشوها في التشاور، فيما بينهم، ولفت نظري، أن أولئك، بقدر ما انتابهم الحزن والهلع، انتاب هؤلاء الشر القاتل، فراحوا يرقصون ويزعقون في حالةٍ من النشوة. بعد ان شبعوا رقصًا وزعيقًا رأيتهم، يتنظمون في صفوف متراصّة، وينطلقون إلى الطرف الثاني من الغابة، كانوا يركضون ويركضون وكأنما هم يريدون ان يُصفّوا حسابَهم الأخير مع من ازمعوا الصلاةَ على فقيدهم العزيز، وكان أن توقّف هؤلاء لحظةً وهم يرسلون النظرات النارية من جمار عيونهم، فيما تقطر انيابهم دمًا، بعدها هجموا على المصلّين، في محاولة واضحةٍ لمحو كل اثر لهم، غير أن بعضًا من هؤلاء تمكّنوا من الفرار.. أما مَن تبقّى منهم فقد قام المهاجمون بتمزيقهم شرَّ ممزقةٍ.. وأقاموا في المكان ذاته متربّصين بمن يتجرّأ ويقترب مما انبتته ارضُ الغابةِ من.. مَنٍ وسلوى.

 

قصة: ناجي ظاهر

.......................

ملاحظة: القصة متخيلة بكل تفاصيلها وبود صاحبها الاشارة إلى أن أي تشابه بين احداثها واحداث اخرى سبق ووقعت على ارض الغابة.. ما هو إلا توارد خواطر.. وتشابهٌ غير مقصود.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5217 المصادف: 2020-12-17 01:12:17


Share on Myspace