 نصوص أدبية

مفاجأة كابوسية

ناجي ظاهرلفت نظري خلال تفحصي لما حمله إلي البريد قبل ايام، مغلّف بسيط متواضع، تم وضع طابع البريد عليه في الاسفل بدل الاعلى كالعادة، وكتب عليه بخط مشوّش بالكاد تمكنت من قراءته: إلى حضرة الكاتب ناجي ظاهر المحترم. استوقفني هذا المغلف، وشعرت بقلب الكاتب انه يحمل لي رسالة مختلفة. فتحت المغلّف بيدين متطلعتين متوقعتين، لاطلع على مادة ما لبثت ان تبينت انها يمكن ان تكون قصة مؤثرة. القصة ببساطة تحكي عن ابن وحيد .. انتهت نهاية كابوسية. وقد بدا من طريقة كتابتها ان مرسلتها امرأه متواضعة التعلُّم، ولفت نظري في سردها قصتها المؤثرة، انها كتبت على السليقة ودون اية دراية بالكتابة. الرسالة/ القصة، راقت لي وها انذا انشرها بعد اجراءات طفيفة اقتضتها الكتابة الفنية.

سيدي الكاتب

انا امرأه من قرية مهجرة. قذفت بي يدُ النكبة عام 48، من قريتي الوادعة.. الى الناصرة. يومها كنت وحيدة.. في الاربعين من عمري. تعرفت على رجل مهجر مثلي يصغرني ببضعة اعوام، ولم يمض سوى قليل وقت حتى عرض علي الزواج فقبلت طلبا للسترة وتيسير العيش. بعد سنتين رَزقني الله ابني رِزق، ولم يهبني بعدها غيره، وقد تمنينا، زوجي وانا، لو ان الله يتكرّم علينا باخت أو أخ له، إلا ان ما تمنيناه بقي في ظهر الغيب ولم يتحقّق، وقد كنّا نرى في "رزقنا" منتهى سرورنا وقرت به عيوننا، فكنّا نتابع نموه يوما اثر يوم واكاد اقول ساعة بعد ساعة، فكان اذا ما افتر ثغره عن ابتسامة، تفتّحت على شباك بيتنا وردةٌ جديدةٌ واملٌ مقبل مشرق، واذكر لك ان زوجي ما كان يصدق على الله ان يعود من عمله في الفاعل*، حتى يجرى إليه ليتمعن في وجهه وليطمئن قلبه عليه، وكان خلال نظره اليه في سريره يمطرني بوابل من الاسئلة: كيف كان رزق اليوم. اكل.. شرب.. غيرتيله.. ارتاح؟ كل اسئلته كانت تنصب على رزق وكأنما انا غير موجودة.. ولم يكن هذا يضايقني.. بالعكس كنت افرح لتلك السحابة الرائعة التي دخلت بيتنا والقت بظلها على بيتنا.. لتعطي حياتنا الفقيرة الحزينة.. قوةً ودفعًا، كان من نتائجه ان زوجي ضاعف مجهوده في العمل، فبحث عن عمل اضافي آخر في احد افران البلد. حتى وجده.

قبل اكتمال السنة الاولى من عمر رزق، كان قد مشى على رجليه، وكنا خلال متابعتنا اليومية له، نوقّع قلوبنا على ما يقوم به من حركات، فاذا ما قلب على بطنه قلبنا، زوجي وانا، على ظهرينا من الضحك، واذا ما حبا، حبت معه قلوبنا، اما حينما وضع خطواته الاولى على ارضية بيتنا، فقد حلّق قلبانا حوله.. وعندما تعثر وسقط على الارضية، شاله قلبانا، وامسكت بيديه ايدينا، لتعينه على الانتصاب ومواصلة السير الى الامام.

هكذا رعينا رزقنا بعيوننا، بروحينا وايدينا، وعندما بلغ الثانية من عمره. فاجأنا، رزق وانا، زوجي المحب بكرتونة كبيرة طريفة، وقبل أن اسأله عما احتوته.. راح يزيلها وهو يبتسم، لتظهر دراجة حمراء صغيرة وظريفة.. ويمسك رزق قائلا له: تعال.. يللا اركب.. بدي اياك تتعلم القيادة من إسه. والتفت الي وهو يقول: رزق ولد فتح.. لازم نعطيه كل اشي.. بلكي عوّضنا فيه الله عما لحق بنا من خسائر واضرار.. وما زلت اتذكر كأنما هو يجري امامي الان، ان رزق فاجأنا، نحن والديه، بامتطائه تلك الدراجة الصغيرة:. وانطلق بها يجوب انحاء غرفتي البيت. وما ان امتدحناه او كدنا حتى انقلبت به الدراجة فسقط عنها وراح يصرخ باكيا. هرعنا نحوه وتفحصناه جيدا. لم يكن فيه اي اثر لجرح او حتى خدش. ومع ذلك كان فيما تلا من وقت ما ان يهدا حتى يعود الى صراخه وبكائه. ولم يكن امامنا والحالة هذه الا ان نحمله ونهرع به الى عيادة الدكتور عزيز السروجي. في العيادة لم ننتظر في غرفة الاستقبال طويلا، وما لبث الدكتور ان فتح باب غرفته المغلق، ليخرج منها رجل في مثل عمر زوجي وشعرت انه يشبهه، وليطلب منا ان ندخل. وضعنا رزق على سرير الفحص الطبي. عاينه الدكتور عزيز وسط صراخه وبكائه. وربت على قفاه وهو يقول له: بكفّي عهر. والتفت الينا وهو يطمئننا: الولد مفيهوش اي اشي. بس ليش بصرخ وببكي كل الوقت يا دكتور؟ بعرفش السبب.. يمكن بتدّلل عليكوا. اطمأن قلبانا وخرجنا، زوجي وانا، من عيادة الدكتور دون ان نفكر بما قاله لنا.. "المهم ان رزق سالم سليم"، قال زوجي. ومضينا في طريقنا إلى بيتنا المستأجر البسيط المتواضع في بئر الامير. في طريقنا إلى بيتنا فوجئت بزوجي يدخل الى حانوت لبيع الحلويات، ويخرج بسرعة وبيده "صفط" صغير. وتوجه إلى صغيرنا رزق قائلا له: كل هذا كرمى لعينيك.

في البيت واصل رزق صراخه وبكاءه، وكان عندما يتناول قطعة من الحلوى، يلتهمها..، ويواصل البكاء، الامر الذي كان يدفع اباه لان يحضر له الماء ليسقيه اياه من يده، وكان رزق يشرب الماء. وما ان يهدأ حتى يعود إلى البكاء، فيهرع إليه والده سائلا اياه: مالك يا حبيبي؟ شو جرالك؟..الغريب ان رزق كان كلما قدّم اليه والده شيئا، او توجه إلى حانوت الحارة واشترى له ما يملأ فمه او يشغل به نفسه، يصمت.. ليعود إلى الصراخ والبكاء.

كبر رزق ومضت السنوات تترى واحدة وراء الاخرى، ونحن نقدّم لرزق كل ما يطلبه و.. حتى ما لا يطلبه، وكنت الاحظ ان زوجي يضاعف من عمله وعندما سالته عن السبب نظر الى رزق وهو يبتسم وقال.. كرمى لعيني حبيبنا. عندما بلغ ابننا الخامسة ادخلناه مدرسة الحي، وما ان دخل غرفة الدراسة، وولينا حتى وجدناه يركض وراءنا. طلبت منه ان يعود الى المدرسة، فطلب مني زوجي ان اصمت، واحتضنه قائلا له: ولا يهمك. في اليوم التالي سلك في المدرسة. بعدها بيوم رفض التوجه الى المدرسة، وهكذا بين رفض وقبول، امضى وقته، وما ان وصل إلى الصف الرابع، حتى ابتدأت علامات عنف مستهجنة تظهر عليه. يومها سألت زوجي عما يمكننا أن نفعل معه.. فطلب مني ان اصمت واردف يقول: بديش اياه يطلع خنجعة*، بدي اياه يكون زلمة قد حاله.

بعدها جرت الايام لنفاجا بأم احد الطلاب تشكو رزقًا قائلة انه ضرب ابنها، و.. تتالت الشكاوى على رزق وسط تشجيع والده له على القبضنة*، وصراخه المبتسم له امام الشاكين منه وعليه. عندما دخل رزق الصف السابع، فوجئنا بخبر.. سيكون له ما بعده في حياتنا. كان ذلك عندما جاء مَن يخبرنا أن رزق قد قام بطعن احد زملائه في المدرسة. يومها جرينا إلى المدرسة. سألنا عن رزق، فأجابنا مدير المدرسة انه الآن في مكتب ضابط الاحداث. ركضنا الى المكتب. وعندما طرقنا بابه الموصد، طلب منا ان ننتظر قليلا، بعدها طلب منا ان ندخل الغرفة، لنرى رزق وقد اتخذ مقعده قبالة الضابط واضعا قدمه على اختها.. بكل صلف. سأل زوجي المسكين عما حدث فأجابه الضابط قائلا: ان الوضع خطير، وانه يجب نقل ابننا الى الاصلاحية في عكا. وطمأننا قائلا: ان الحديث يدور حول اعادة تأهيل وليس حول سجن، واصطحب زوجي إلى خارج الغرفة وهو يربت على كتفه قائلا.. كثير افضل لابنك انه يكون في الاصلاحية.. اذا بقي خارجها ربما يسلك طريق الاجرام. عرفت هذا فيما بعد بالطبع. اما حينما عاد زوجي إلى غرفة الضابط فقد لاحت في عينه دمعة تابي النزول.. قابلتها دمعة.. قبلت النزول.. من عيني.

في اليوم ذاته انتقل رزق إلى الاصلاحية، لينتقل قلبانا معه. ولتبدأ فترة جديدة في حياتنا، وكنا، زوجي وانا، نزور ابننا في عكا مرة كل اسبوعين.. كما تسمح الظروف، ومضت السنة الاولى على وجوده هناك. ليتوّجها بعطلة صيفية، يعود بعدها إلى اصلاحيته، وكنا للحقيقة نتلقى، بين الحين والآخر، شكوى.. مفادها ان رزق ضرب زميلا له بعصا او اوقعه ارضا لتنكسر يده او ساقه.

قضى رزق في اصلاحية عكا ثلاثة اعوام، احدثت تهذيبا ملموسا في شخصيته، الا انها لم تقضِ على ما اتصف به من عنف. واذكر اننا سألناه ذات ليلة سمر هادئة عن سبب غضبه المتواصل، ففاجأتنا برد لم يسبق ان خطر في بالنا، قال: بدي العن ابو العالم اللي طردكوا من قريتكوا وبيوتكوا.

سيدي الكاتب

الآن اصل إلى سبب كتابتي هذه الرسالة.. وإلى لب معاناتي وآلامي.. لم ينفذ رزق شيئا مما اوحى به الينا، وانما فعل امرًا عظيمًا ها انا ذي ارتجف وانا اصل إلى الحكي عنه.. كان ذلك قبل ثلاثة شهور. عندما عاد رزق في آخر احدى الليالي المعتمة المظلمة وبرفقته فتاة سرعان ما تبين لنا انها روسية. دخل الغرفة علينا، وطلب منا ان نخصص سريرًا.. لتنام عليه مرافقته. استجبنا له. اعددنا السرير في الغرفة الثانية من بيتنا.. دخلت الصبية اليها لتستلقي هناك على السرير. بعد حوالي الساعة من القلق والترقب. انسلّ رزق متوجها إلى الغرفة المجاورة، وفوجئت بزوجي يهتف به.. إلى أين؟.. إلى الغرفة الثانية.. مش راح اسمحلك تعمل بيتنا كرخانة*، اتركني افوت قبل ما تضرب التوريم* عندي. يا با اتركني.. والا بعرفش شو بصير.. وشو ممكن يصير، اطلع برة انت وشرموطتك... شو بتقول؟.. وجاءت المفاجأة الرهيبة.. المفاجأة غير المتوقعة.. ولا.. في اقسى الكوابيس.. استلّ رزق سكينا من جيبه وغرسها في قلب والده.

البقية باتت واضحة سيدي الكاتب.. في تلك الليلة القاسية.. فقدت اعز اثنين: زوجي وابني.. وها انا ذي اكتب اليك لعلي اخرج بعضًا مما امتلأ به قلبي من اسى.. لوعة.. فقد و.. خسارة.

***

قصة: ناجي ظاهر

...................

* العمل بالفاعل: الشاق *خنجعة: يتناول عن حقه *قبضاي: شجاع *كرخانة: بيت دعارة *التوريم: الاسلاك الكهربائية.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5257 المصادف: 2021-01-26 03:19:14


Share on Myspace