 آراء

كاظم الموسوي: عن مؤشرات قوة ردع العدوان

كاظم الموسوياحد عشر يوما من المقاومة الرادعة لعدوان ضروس قدمت مشهدا معبرا وصورة أخرى لواقع اخر للمنطقة العربية، ولحركة التحرر الوطني العربية، عموما، والفلسطيني خصوصا. فقد حصلت تطورات بارزة ومعلومة لها دلالاتها الحسية وتاثيرها على المسارات القائمة وعلى المشهد السياسي الراهن والقادم، مستفيدة من دروس التجارب السابقة ومن تطورات ميدانية مجربة، ومن طاقات وقدرات وخبر عملية ناجحة.

لأول مرة ترد فصائل فلسطينية بقوة نيران، أصابت العدو رغم فارق القوة التي يمتلكها، عدة وعتادا، ورغم الدعم الأمريكي والغربي المفتوح عموما له، اصابته اصابات مباشرة، وفرضت معادلات جديدة عليه وفي أساليب الصراع والمواجهة.معه، ودفعته للبحث عن مخارج وضغوط خارجية للهدنة اولا والعمل بطرقه في التآمر والخداع بعدها ثانيا، وتشغيل ادوات نائمة له في أكثر من ساحة أو مستوى أو مجال ثالثا، واعتبارها تحديات مصيرية له رابعا. وخامسا وربما سادسا وما بعدها أمور أخرى متشابكة ومشتركة في علاقتها بوقائع ما حصل بعد تلك الأيام.

وأمام هذه التطورات الجديدة، ومن بينها، أعادت الإدارة الأمريكية النظر بعلاقاتها وتحركت بسرعة لتكرار مواقفها الرئيسية ولإعادة الهيمنة والاستحواذ على سياساتها في المنطقة لمقابلة المتغيرات فيها. فاسرعت بارسال وزير الخارجية الأمريكي، انتوني بلينكن، رسميا وعلنيا، وهو لا يختلف عن رئيسه بدعم الكيان والتعبير عن صهيونيته رسميا، واعلن في فلسطين المحتلة: "طلب مني الرئيس بايدن الحضور إلى هنا لأربعة أسباب: لإظهار التزام الولايات المتحدة بأمن إسرائيل، والبدء في العمل من أجل استقرار أكبر، ودعم المساعدات الإنسانية وإعادة التأهيل العاجلة لغزة، ومواصلة البناء وعلاقاتنا مع الفلسطينيين والسلطة الفلسطينية". وأضاف بلينكن: "إن الدبلوماسية وراء الكواليس للرئيس بايدن الذي عمل عن كثب مع رئيس الوزراء ساعدت في التوصل إلى وقف لإطلاق النار. وخلف كل عدد من الضحايا هناك أسرة، وصديق، وأب، وابن. الحياة هي خسارة الجميع، سواء أكانوا إسرائيليين أم فلسطينيين". وهذه الاسباب ليست جديدة فهي اهداف ومهمات السياسات الإمبريالية الأمريكية في المنطقة، ولكن الظروف الجديدة تطلبت اعادتها والتأكيد على استراتيجيات التعامل والعلاقات في المنطقة والحفاظ على المصالح المشتركة أساسا.

هذا ما كشفه  الوزير الأمريكي في زيارته للمنطقة، خلال تصريحاته العلنية، ولم يخرج عنها في مباحثاته ولقاءاته المباشرة، ولا عن تناقضها في وصف الحالات والوقائع التي حصلت على الأرض والمفاجأة التي هزت الإدارات الرسمية في أكثر من عاصمة. وما يفضح ازدواجية الموقف الأمريكي هو استمراره في وصف المقاومة المشروعة بالعنف، والعبث، ويعكي الدفاع عن النفس، دون حرج، الى الكيان المدجج بالاسلحة، ويحرمه من الأبرياء الساكنين في بيوتهم وأعمالهم، مؤكدا " بالنسبة لبايدن، يعتبر هذا الالتزام شخصيا وكان أحد أقوى مؤيدي إسرائيل منذ 50 عامًا". كما ذكر أنه أجرى محادثات مفصلة حول احتياجات إسرائيل الأمنية وملء صواريخ القبة الحديدية الاعتراضية، وقضايا أخرى مشتركة أو متبادلة.

خلاصة القول، تفضح تصريحات المسؤول الأمريكي انحيازه الكامل للكيان الإستيطاني ومحاولة تشويه الكفاح الوطني التحرري لأبناء الشعب الفلسطيني،  لاسيما وقد أدرك حجم الانتفاضة الشعبية الفلسطينية وفشل سياسة الأسرلة الصهيونية، وصمود الشعب الفلسطيني في كل مدن وقرى فلسطين المحتلة، وكان وصفه له "بأعمال شغب" بين اليهود والعرب في فلسطين المحتلة فضيحة كاملة لنهج وإدارة منحازة مسبقا ومخططة لمشاركتها في العدوان والحرب، ولكنه لا يجد بدا من الإقرار: "نعتقد أن للإسرائيليين والفلسطينيين الحق في مناقشة السلام والأمن والتمتع بالديمقراطية والاحترام". حسب المفهوم الأمريكي والمشروع الصهيوني في فلسطين المحتلة. فكيف تصبح هذه السياسات وما هي مهمات الإدارة الأمريكية في التحكم في المنطقة؟!.

مع كل هذا الوضوح للمواقف الأمريكية، زادها هياجا واستعجالا للرد، اعتراف القيادات الفلسطينية الميدانية بالدور الإيراني الداعم لهذه القوة العسكرية التي مكنتها من التصدي ورد العدوان السافر وكسر غطرسة السلاح الصهيوني، باحدث صناعاته واخر مدياته. وهذا يعني في النهاية قوة وصدق الدعم الحقيقي وليس اللفظي أو بيانات المؤتمرات والاجتماعات المخادعة للقضية المركزية، كما تنشر في البيانات والتصريحات، بينما قدمت الصواريخ البالستية والكورنيت والطائرات المسيرة وهندسة الانفاق وبناء الخطط والوعي والتدريب والدعم المالي وغيره، مؤشرات قوة الرد  والقدرة في الصمود والصبر وتحمل نتائج العدوان وقسوته.

الشكر الفلسطيني الصريح للقيادة الإيرانية خصوصا والسورية وكل قوى محور المقاومة عموما لما قدمته من دعم متعدد الأشكال والأنواع وضع القوى الفلسطينية في موقع المواجهة والدفاع عن شعبها وارضها، وإعادة خطط الرعب التي كان العدو يمارسها إليه وإلى قواته العسكرية ومستوطنيه المستعمرين لفلسطين، وفضحت صور الفيديوهات والنقل المباشر عبر الفضائيات طبيعة العدو ووضعه النفسي والاجتماعي، وصولا إلى التفكير بصوت عال في الهجرة المعاكسة والهروب من "أرض الميعاد"!. وفرض الرد الفلسطيني على العدوان أن يصرح المسؤول الأمريكي في جولته في المنطقة: "إن التئام الجروح يتطلب قيادة من جميع الجهات والجيران وقادة المجتمع وغيرهم ".

تناقض المواقف الأمريكية يوازى بمواقف ناطقة بالعربية، وحتى من يحسبون أنفسهم من أصحاب القضية، معتبرين عدم إنكار الشرفاء من القيادات الميدانية الفلسطينية لدور إيران وكل من قدم الدعم والإسناد مبالغات أو له حسابات اخرى، الأمر  الذي ميز المواقف وفضح المتخادمين مع السياسات الإمبريالية ومزدوجي المعايير والانتماءات، حسب وعيهم وارتباطاتهم وتنكرهم للحقائق والوقائع الدامغة.

وهذا ليس بعيدا عن التناقض والازدواجية، وخاصة نشر التقرير السنوي الذي تصدره وزارة الخارجية، ويعبر عن مواقف للولايات المتحدة، حيث يفضح التناقضات والقيم التي تدعيها لفظيا وتمارس خلافها فعليا، لاسيما في المنطقة العربية.. ومن بينها تصريح  الوزير في 30  آذار/ مارس 2021 حول انتهاكات حقوق الإنسان المتزايدة حول العالم، وضرورة احترام الدول للمواثيق الدولية التي تعتبر قواعد عامة وعالمية، غايتها تحقيق الاستقرار والسلام والأمن. وتاكيده بشكل متكرر الى عدم استثناء أحد من المحاسبة، سواء كانوا حلفاء أو شركاء أو منافسين أو أعداء، ولكنه كما سبق الكلام ينكشف معدنه عند قضايا العرب العادلة.. ولعله فضح اكثر حين نوه بالتزام الرئيس الأمريكي جو بايدن بإعادة حقوق الإنسان إلى مركز السياسة الخارجية الأميركية، وأنه كوزير خارجية يأخذ ذلك على محمل الجد، وسيستعين بكل الأدوات الدبلوماسية للدفاع عن حقوق الإنسان، فهل هناك اكثر اختبارا لأقواله من العدوان والحرب على الشعب الفلسطيني؟!  وفضيحة ازدواجية المعايير في الممارسات الفعلية.. يشاركه فيها الكونغرس الأمريكي وما يصدره من قوانين وقرارات عقوبات مختلفة الاهداف وتدخلات في الشؤون الداخلية لبلدان ابتليت بهذه السياسات. وهو ما حاول فرضه على الفصائل الفلسطينية المقاومة للعدوان والرادعة لحربه على الشعب الفلسطيني والمطالبة برفع الحصار عن غزة ووقف الاستيطان والاحتلال وتهجير السكان واعتقال آلاف الأسرى، من مختلف الأجناس والاعمار، الأمر الذي يفضح بكامله كل الادعاءات الأمريكية بحقوق الإنسان وغيرها. ويرسم بوضوح معنى قوة الردع الفلسطينية ومصادرها الملتزمة بها والمضحية معها.

 

كاظم الموسوي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5412 المصادف: 2021-06-30 04:40:01


Share on Myspace