 قضايا

مجدي إبراهيم: أقلامٌ غير مسئولة

مجدي ابراهيمعندما تختل القيم وتتراجع المبادئ ويسْوَدُ الواقع من حولك، ينشط في الإنسان "ضميره" ليحرِّك ما قد تبقى فيه من قوة نحو التغيير إلى ما هو أفضل، فتقع المسئولية كلها على ضمائر الأمة: كتَّابها ومفكروها وأصحاب الرأي ودعاة التهذيب وأهل الوعي فيها، والبقية الباقية عندها مِمَّن توافرت فيهم المقدرة على الإصلاح بمقدار ما استطاعوا إلى الإصلاح سبيلاً؛ وإذا لم ينشط في الأمة ضميرها الباقي وفاعليتها الروحية النافذة، انتكست حتى لتنطمس فيها معالم القوة، فتبهت على الفور سماتها الناهضة أو المبشرة بالنهوض؛ فترى الأرواح فيها فقيرة كسلانة، والضمائر مبددة فاسدة تلفانة، والأقلام غير مسئولة، والقيم ساقطة، والمبادئ معوجة والراية منكوسة وميادينها الحيويَّة كلها مصابة بالداء العضال!

فلا كأن للإنسان فيها شرفاً يدَّعيه؛ إذا كان من عزة الشرف لديه أن يعتقدُ في تحقيق "المبدأ"، وأن يتولى بالرعاية والعناية مجموعة المبادئ، هى في الأصل تشكل "منظومة القيم"، يفرزها عقله ويرعاها ضميره؛ لتستقر في أعمق أعماق وجدانه، وينظر إليها كل حين نظرة الاحترام والتقدير، سواء كانت هذه "القيم" مما يؤيده الدين ويقره الشرع  أو كانت من جنس المبادئ العقلية التي لا يختلف على تعقلها اثنان، ولا يغفل عن الإيمان بها إلا ذلك الذي لا يعرف للعقل قيمة ولا يستولي عليه قانون المعرفة بحال.

ربما تزعزعت فينا المبادئ المثلى وانكمشت لدينا قيمتها، لكن الاعتقاد فيها لا يتزعزع مطلقاً؛ غير أنه - مع الأسف - اعتقادُ فقط يخلو من التطبيق الفعلي على واقع الحياة؛ فإذا نحن تكلمنا ترانا نجيدُ فنون القول حتى لكأننا لم ندع حديثاً إلا أجدناه، وإذا كتبنا بالغنا في الكتابة إلى أقصى حد يستطيعه الكاتب، فتخلو - من ثمَّ - كتابته من المسئولية الملقاة على عاتقه، إخفاقاً من حيث يريد التوفيق! وهى (أي المسئولية): أن يكون لكل ما يكتبه دليلُ من ذات نفسه أولاً ثم قبول للواقع لمّا عساه يقول؛ فلن يكون مسئولاً وهو يتحدث من أفكار الآخرين: يسطو عليها، ينهبها أو يسرقها؛ ليكوِّن لنفسه مجداً زائفاً أو ربحاً طائلاً يعود عليه على حساب نكوص القيم وفساد الضمير !

ولمّا كانت الكتابة قيمة من قيم الوجود الإنساني (قيمة كبرى لا شك فيها عندي)؛ وكان القلمُ - ولم يزل كما كان - نبراساً يضيء سُدَف الظلام، فليس لهذه القيمة أن تهتز في أعماق وجودنا؛ إذْ نتصوّر يائسين أن زمن الأقلام قد ولي وأنهار، وأنه لا جدوى من الكتابة ما دامت لا تغيِّر شيئاً في حياة الناس. الكتابة لاشك قيمة وجودية عالية كسائر القيم التي تستقيم بها حياة العقل المفكر، لا لشيء إلا لأنها قيمة حضارية عرفتها العقول التي أقامت لأممها مجداً تليداً وحضارة باقية. يوم أن نفقد الأفكار على الورق، كما فقدناها في تحقيق الواقع، لهو اليوم الذي نشعر فيه بالحزن والمهانة وبلادة العقول والأذهان، لا بل هو شعورنا بالموت؛ إذْ الكتابة حياة دونها الموت! إن الواقع لا ينصلح بغير أن تنصلح في الإنسان مقومات وجوده، وكيف تنصلح مقومات الوجود على الإطلاق والقيمة الوجودية الفاعلة معطلة عن التحقيق؟!

لن أبالغ إذا أنا قلتُ بأن الصورة الواقعة التي تفضح كثيراً من الأقلام إنما هى صورة النسخ والسلخ؛ بل والسرقة العلنية، مشهودة يعلمها الجميع ممن يقرأون ويكتبون؛ لكنهم - مع علمهم لها - يتغافلون عن إدراك عواقبها - وأقلها "فقدان مصداقية الكاتب لدى قارئه" - لأنهم كانوا من قبل قد تغافلوا عن مساربها ونفاذها إلى أقصى ما تستطيع الوصول إليه دونما رادع يردع عنها غوايتها، إلى أن وصلنا لمثل هذه الحال التعسة من التدني الأخلاقي والمهانة العربية على جميع مستوياتها.

ولم يشأ هؤلاء مِمَّن يعلموا على الحقيقة صورة ما وصل إليه "الضمير العربي" من تمزق وفراغ واعوجاج وانقسام مزري على المستويين: الداخلي والخارجي؛ أن يصلحوا شيئاً ممَّا عَسَاهم أن يقدِّمهم ولا يؤخرهم، أو ممّا عساه يرفعهم في طريق التقدم ولا يخفضهم إلى درجة الذلة والمهانة واستبداد الآخرين ممَّن طالت في الباطل قاماتهم وعلت في الزور والبهتان كعابهم، حين فرضوا عليهم  بالقسر أن يكونوا جميعاً مستعبدين! وحيث لا ترابط ولا وحدة، لا في الواقع ولا في الفكر؛ فإن الاستعباد هو النتيجة الحتمية المتوقعة لأناس خانوا أماناتهم حين خانوا مسئولياتهم؛ فلم يدركوا من التوحيد إلا شكله البرَّانيِّ، ولم يعرفوا من "الاتحاد" العاصم من الفرقة إلا الاسم الظاهر والقشرة السطحية ليس إلا.

لا شيء عندي أعز على الكاتب من قلمه، وكيف لا؟ والعلاقة بين الكاتب وقلمه هى هى العلاقة بين الكاتب وعقله، وهى هى العلاقة بين الكاتب وضميره. ولما كانت الكتابة في الأصل قيمة من قيم الوجود الإنساني، كما وصفنا فيما تقدَّم، وكان القلم في الأساس - ومن المفروض أنه لم يزل كما كان - نبراساً ينير عقول الباحثين؛ فليس لهذه "القيمة" أن تهتز في أعماق وجودنا الإنساني؛ فإذا هى حانت ساعة الفقدان لتلك القيمة فاهتزت في ضمائرنا؛ فقدنا بالتالي كل قول صادق وكل كتابة واعية، وقلنا وكتبنا على غير قناعة بما نكتب وعلى غير صدق فيما نكتب وعلى غير إخلاص في القول والعمل، فيجيء مدادنا كله لعنة علينا من حيث أردنا به خدمة الله والوطن.

أبشع المفارقات على الإطلاق في عالم الكتابة والتفكير؛ أن تجد الكاتب بلا قلم، وأن تجد الأوراق بياضها أشرف من سوادها؛ وكتابتها أخذى على كاتبها من فراغها بغير كتابة جادة، يقف عندها القارئ وقفة الانتباه والتقدير، أو وقفة التعليق والتبرير والتقييم، هذا فضلاً عن وقفة الهداية الرشيدة والقدوة الصالحة لتغيير قيم الوجود وقيم الحياة التي ينبغي أن تعتدل بها حياة الناس فيسيرون على هداها جادين لا هازلين.

فإذا نحن تذكرنا، ولم ننسى أن فراغ العقول لدينا يتأتى يوم أن نضرب بجدية الكتابة عرض الحائط لنهيم هيام السوائم مع الغافلين في غير نفع قليل أو كثير؛ إذْ كدنا نفقد "الفضيلة العقلية"، حين فقدنا بالفعل الإحساس بالكلمة العالية، وفقدنا معها روح الكتابة المستنيرة. أقول؛ إذا نحن تذكرنا هذا؛ تذكرنا معه: لِمَ يجيء مداد أكثرنا معلوناً؟! وأكبر دليل على لعنة هذا المداد ما كنا قرأناه للأديب الأستاذ "فاروق جويدة" قديما في (الأهرام يوم 19 ديسمبر 2004)؛ فقد ساءني جداً ما كتبه في "هوامش حرة" تحت عنوان  " قضية أخلاقية" من أن سفيراً سابقاً كتب مقالاً بإحدى الصحف العربية التي تصدر في "لندن" بعنوان:" السقوط الأخلاقي لحضارة معاصرة أضاعت تراثاً إنسانياً مشتركاً"، وأن هذا المقال مسروق من مقال فاروق جويدة الذي كتبه في 28 يوليو من نفس السنة بعنوان "بين السياسة والأخلاق". فهذا السطو البشع على أعمال الآخرين كارثة فكرية وعقلية تضاف إلى الكوارث التي يرزح تحت وطأتها المجتمع، وهو كذلك قمة السقوط الأخلاقي، وقد كان الأحرى بالسارق أن يجعل العنوان هكذا:" السقوط الأخلاقي لأقلام معاصرة أضاعت مجد أولها"،  لكن الكاتب لم يحزن على سرقة المقال، بحروفه ونقاطه وكلماته، بمقدار حزنه على شيء جليل وضخم: اختلال القيم وفساد الضمير الأدبي والثقافي، وهو الأديب الذي انفق من وقته وجهده كثيراً في درء المفاسد ورأب الصدوع فيما يتصل بهذه القيم، فأشع من بين كلماته بحق نور الفكر الهادي إلى طريق قويم. إذ ذاك مضي يقول:" والشيء المؤسف أن الكتابة في جوهرها ينبغي أن تكون عملاً أخلاقياً، فلا هى تجارة ولا هى وسيلة ارتزاق، ولا هى طريق يؤدي لجمع المال. إنها نشاط إنساني رفيع؛ بل هى أرفع وأنقى ما وصل إليه السلوك البشري مجسداً في العقل، تلك الهبة الإلهية العظيمة التي فضلت الإنسان على باقي المخلوقات. إنّ الكتابة تجسد أحلام وأفكار ومشاعر البشر في أكثر صورها اكتمالاً وجلالاً، وهذا يعني أنها أكثر الرسائل الأخلاقية لبناء إنسان أفضل، وعندما تتحول هذه الكتابة إلى وسيلة من وسائل الهدم أو الارتزاق أو بيع الضمير؛ فإنها تصبح كارثة تهدد الشعوب في أمنها وسلامة أهدافها " (من مقال قضية أخلاقية: الأهرام، هوامش حرة، نفس التاريخ).

هذه أقوال رجل كاتب: أديبُ ومفكر، عرك الحياة الأدبية والفكرية عركاً، وجرَّبها ممارسة وأختبر أهوالها ومصاعبها، وعانى كثيراً فيما كتب ولم يزل يكتب - أطال الله بقاءه - إنْ في جلال النثر أو في جمال الشعر؛ فمن المؤسف حقاً أن نجد من ينهب أفكاره بلفظها ومعناها ثم لا تقوم فينا نخوة الغيرة على مثل هذا السطو الأدبي المقيت.

وما يُقال عن سرقة المقالات الأدبية يقال بنفس القدر وأكثر منه في سرقة البحوث العلمية والرسائل الجامعية، بلغ من الشيوع والانتشار حداً جاوز المعقول.

ألا فليرحم الله "زكي نجيب محمود" حيث قال في "رسالة الكاتب" المشروطة في رأيه بشرط جوهري وهو:" أن تنصبَّ صناعته على فكرته هو، على رسالته هو، لا على أفكار الآخرين ورسالاتهم. والكاتب الحق هو من يتحدث عن أمته - أو ربما عن الإنسانية كلها - في الوقت الذي يتحدث فيه عن فكرته، وأن الكاتب الحق ليستمد قيمته، لا من مقدار كسبه المالي أكثير هو أم قليل، ولا من اتساع جمهوره أهو شامل للعدد الأكبر أم منحصرُ في العدد الأصغر؛ وإنما يستمد قيمته من جوهر فكرته التي يعرضها، ومدى اتصالها بنبض العصر الذي يعيش فيه، أو المستقبل الذي يريد أن يمهد العقول لإقامة بناءه" (أ.هـ).

وفي مقدمة تحقيقه لكتاب "الإشارات الإلهية" للتوحيدي، قال الدكتور عبد الرحمن بدوي:"الكتابةُ كالصلاة: ضربٌ من العبادة". وهذا القول في ذاته حقيقة أمينة واعية، فالكتابة جلال مستمدُ من جلال الرسالة المقدسة، وأكثر الناس للأسف يكتبون ولا يعلمون عن أسرار هذه الرسالة شيئاً، ففي القلم الذي أقسم الله به سر عظيم قد لا ندركه، وإذا كانت العبادة ضرباً من الاتصال بين العبد والرب فكذلك الكتابة: ضربٌ من اتصال الفكر الملهم بخالقه؛ ليصلح ما قد كان أفسده هوى الإنسان على الأرض ففي الكتابة أحلام وآمال كبار يجسدها الفكر ليسعى إلى تحقيقها العاملون في دنيا العمل. وفي الكتابة هموم وأوجاع يعاني منها المفكر لعلَّها هى نفس الهموم والأوجاع التي يعاني فيها العابد في محرابه، فلا تزول عنه ضروب المعاناة حتى تتكشف له الحقائق رويداً، رويداً، ولم يزل يعاني ويتألم إلى أن تنقشع سحب الظلم والظلمات عن بني الإنسان .. وهيهات ثم هيهات!

لكن الفرق بين معاناة الكاتب ومعاناة العابد أن الأول يعاني حُجُب الجهالة وظلمة العقول والأفكار: معاناته في أنه باستمرار يحمل مصباح ديوجانس ليضيء للناظرين من خلاله كل جوانب يكتنفها الغموض بوعي الاستنارة. أما معاناة الثاني ففي إزالة حُجُب الغفلة عن قلبه، ورفع الظلمة عن وعيه، والاتصال بالنور على التحقيق؛ فلئن كان هناك فرق بين الكاتب والعابد في درجة المعاناة ففي شراكة المعنى فيها لا فرق.  إنما الفرق في الدرجة لا في النوع.

 

د. مجدي إبراهيم

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5415 المصادف: 2021-07-03 02:27:45


Share on Myspace