قصي الشيخ عسكرشعر الشاعر الأمريكي: فيليب تيرمان

ترجمة قصي الشيخ عسكر


 من غروب الشمس حتى الغروب التالي

نبتلع ريقنا ونظلّ صائمين

آلام المعدة تتسع في بقعة صغيرة

على مدار أربع وعشرين ساعة

حتى تمحو بقعة الألم تلك

كلّ الخطايا التي اقترفناها عمدا طوال العام

بحقك يا الله

او الخطايا التي اقترفناها سهوا

بحقك يا الله

مرة في السنة نترك كلّ أعمالنا

نخرج ماشين

ضوء أكتوبر الناعم

يترشح من بين أوراق الأشجار

كي يملأ الحرم بالكفّارة التي تمحو خطايانا

والكاهن نفسه بقعة سوداء في بيت الله

كما لو أنه يقرأ من مخطوطات

مضاءة بالنور الذي يتقد إلى الأبد

على ذلك الضوء

نقر بشكل متناغم أخطاءنا

تقرؤها بصفتها مجموعة من الخطايا

بلايين الأصوات الضعيفة (الميتة من شدة تعب الصيام) تردد عبر أفواهنا

ومن اليمين إلى اليسار

ترتجف أصابعنا تحت الحروف السوداء الغريبة

تلك الحروف التي

تلاها آباؤنا ومن قبل أجدادنا

هي نفسها نظل نتلوها

نتلوها كل دورة قمر حتى النهاية

سوف (نرتلها بدقة)

والقبة قبة المعبد تغطي رؤوسنا

مثل قلنسوة بيضاء تتفتح

والضوء يمحو ما على ورق الرق من سطور

ولن يضطرّ أحد أن يقرأها مرة أخرى

لا أحد

كل ذنوبنا الغبية انسلخت مثل قطع اللحم

التي تجردت من هيكلها العظمي

حياتنا

شيئا فشيئا

أصبحت غريبة عنا

لقد أصابنا الهزال

وأصبحنا مفتونين بالإفطار

***

.............................

هذه القصيدة للشاعر الأمريكي فيليب تيرمان، شاعر و اكاديمي . استاذ الأدب الحديث في جامعة كلايون الأمريكية. نشر قصائده في مجموعة شعرية، أشرف على ترجة قصائد رياض الصالح الحسين إلى اللغة الإنكليزية التي ترجمها الدكتور صالح الرزوق.  وبدعم من صديقي الأديب د. صالح رزوق ومني أيضا نشرت له مجلة مزايا المحكّمة التي تصدرها جامعة مزايا في الناصريّة بحثا باللغة الإنكليزية عن شعر الشاعر محمود درويش

يلاحظ القارئ الكريم أني غيرت عنوان القصيدة من عيد الغفران إلى ذوبان الخطايا لأننا دخلنا في حرب معهم صادفت وقت عيد الغفران الذي أعجبني فيها- القصيدة- أجواؤها الصوفية العرفانية الشفافة التوحيدية الخالصة أضف إلى ذلك أن الشاعر والباحب السيد تيرمان من المناصرين لحقنا العرب تجدر الإشارة إلى أني أحتفظ منه بإيميلي برسالة من خمسة أسطر يبدي فيها إعجابه بشعر وقصص لمحة كتبتها باللغة الإنكليزي ،أحتفظ بها اعتزازا برأيه.

 

 

عادل صالح الزبيديبقلم: جيمي سانتياغو باكا

ترجمة: عادل صالح الزبيدي


 مهاجرون في ارضنا

نولد والأحلام في قلوبنا،

نتطلع الى ايام افضل آتية.

على البوابات يعطوننا اوراق جديدة،

يأخذون ملابسنا القديمة

ويعطوننا بدلات مثل التي يلبسها الميكانيكيون.

يحقنوننا حقناً ويسألنا الأطباء أسئلة.

ثم نتجمع في غرفة اخرى

حيث يرشدنا المرشدون نحو ارض جديدة

سنعيش فيها الآن. نخضع لاختبارات.

بعضنا كانوا حرفيين في العالم القديم،

ماهرين باستعمال ايدينا وفخورين بعملنا.

وآخرون كانوا بارعين باستعمال عقولهم.

كانوا يستعملون المنطق مثلما يستعمل

العلماء النظارات والكتب ليفهموا العالم.

لكن اكثرنا لم يكمل المدرسة الثانوية.

**

كبار السن الذين يعيشون هنا يحدقون بنا،

بأعين مضطربة، عابسة، مدحورة .

نجتازهم وهم يقفون كسالى حول المكان،

يتكئون على المجارف والمعازق او على الجدران.

آمالنا كبيرة: في العالم القديم،

كانوا يتحدثون عن اعادة التأهيل،

عن امكانية اكمال الدراسة،

وتعلم حرفة جيدة اخرى.

لكننا نرسل مباشرة للعمل غاسلي صحون،

للعمل في الحقول مقابل ثلاثة سنتات في الساعة.

تقول الادارة ان هذا مؤقت

لذلك نقوم بعملنا، السود مع السود،

البيض الفقراء مع البيض الفقراء،

الشيكانو والهنود لوحدهم.

تقول الادارة ان هذا صحيح،

لا تمازج ثقافي، ليبقوا منفصلين،

مثلما في الأحياء القديمة التي جئنا منها.

**

جئنا الى هنا هربا من الوعود الكاذبة،

من الطغاة في احيائنا،

الذين يلبسون البدلات الزرقاء ويكسرون ابوابنا

متى ما ارادوا، يعتقلوننا متى ما رغبوا،

يلوحون بالهراوات ويطلقون البنادق متى شاءوا.

لكن الحال ليس مختلفا هنا. كلها معسكرات اعتقال.

الاطباء لا يكترثون، اجسادنا تتحلل،

عقولنا تتدهور، لا نتعلم شيئا ذا قيمة.

حياتنا لا تتحسن، نتدهور سريعا.

**

زنزانتي تتشابك داخلها حبال الغسيل،

تجف عليها قمصاني، سراويلي  الرياضية القصيرة والعادية وجواربي.

تماما مثلما كانت في حينا:

من جميع المنازل يعلق الغسيل من نافذة الى نافذة.

يخرج (جوي) يديه عبر الممر

ليناول (فيليبي) سيجارة من خلال القضبان،

يتصايح الرجال من زنزانة الى زنزانة،

قائلين ان مغاطسهم لا تعمل،

او يصيح احدهم في الدور الأسفل غاضبا

متذمرا حول مرحاض يطفح،

او ان سخانات الماء لا تعمل.

**

اطلب من جاري (كويوت) ان يرمي لي

بقليل من مسحوق الغسيل كي انهي غسيلي.

انظر تحت وارى مهاجرين جدد يدخلون،

أفرشتهم ملفوفة على اكتافهم ،

تسريحات شعر جديدة واحذية غليظة،

يتطلعون حولهم، كل يحمل حلما في قلبه،

معتقدا انه سيحصل على فرصة لتغيير حياته.

**

ولكن في النهاية، سيجلس البعض في مكانهم

يتحدثون عن العالم القديم وكيف كان جيدا.

بعض الشباب سيصبحون افراد عصابات.

بعضهم سيموتون وبعضهم سيواصلون العيش

دونما روح، او مستقبل، او سبب للعيش.

البعض سيخرجون من هنا والكراهية في عيونهم،

لكن القليل جدا سيخرجون من هنا بشرا

مثلما جاءوا، انهم يغادرون متسائلين ما الذي حصلوا عليه الآن

بينما ينظرون الى اكفهم التي ابتعدهم مدة طويلة عن ادواتها،

بينما ينظرون الى انفسهم، بعد ان ابتعدوا طويلا عن عائلاتهم،

ابتعدوا طويلا عن حياتهم نفسها، وقد تغيرت اشياء كثيرة.

***

........................

ولد الشاعر الأميركي جيمي سنتياغو باكا عام 1952 في مدينة سانتا- فَيْ بولاية نيومكسيكو من أصول هندية مكسيكية. قامت جدته بتربيته ثم أرسلته إلى دار للأيتام . عندما بلغ الثالثة عشرة من العمر هرب من دار الأيتام وعاش حياة تشرد كان يمكن أن تصنع منه مجرما محترفا، إلا إن حياته اتخذت مسارا آخر عندما حكم عليه بالسجن خمس سنوات تحت حراسة مشددة فاستطاع خلال فترة سجنه اكتشاف موهبته الشعرية وقام بشحذها وتطويرها بقراءة شعراء أثروا فيه كثيرا مثل نيرودا و لوركا. أصدر أول مجموعة شعرية بعنوان (مهاجرون في أرضنا) عام 1979 وهو العام الذي أطلق فيه سراحه.

بعد خروجه من السجن أكمل باكا تعليمه الجامعي فنال شهادة الدكتوراه الفخرية من جامعة نيومكسيكو وقام بتكريس حياته لمساعدة من يحتاجون إلى من يعينهم على التغلب على صعوبات الحياة، فأقام المئات من ورش تعليم الكتابة في السجون والمراكز الاجتماعية والمكتبات والجامعات في أنحاء الولايات المتحدة، وأنشأ عام 2005 مؤسسة تحت اسم (شجرة السدر))تعنى بتوفير التعليم المجاني وفرص تطوير الحياة لمن بحاجة إليها فضلا عن توفير فرص الدراسة والمواد الكتابية والكتب وغيرها.

تتميز أشعار وكتابات باكا بصلتها الوثيقة بثقافته الأصلية وما تتضمنه من تراث شعبي وأساطير فضلا عن تعلقه بالأرض والتاريخ وتعبيره عن موضوعات أثيرة في الشعر الأميركي عموما مثل موضوعة البحث عن الهوية أو العودة إلى الجذور، وكان لتجاربه الحياتية القاسية أثرها البالغ في شعره. حازت مؤلفاته على جوائز عديدة، ومن بين عناوين مجموعاته الشعرية (قصائد ميسا السوداء) 1989 و(العمل في الظلام) 1992 و (أضرم النار بهذا الكتاب) 1999.

 

 

2902 victor pelevin 1بقلم: / فكتور بيلفين

ترجمة: صالح الرزوق


 أغلق شارلز داروين الرتاج، وكان فوق رأسه، بدوي صاخب، وهكذا غابت أصوات الرجال الجالسين في الأعلى على الرصيف، ثم انزلق بصمت تحت الرصيف. تمسك بيده بالسور، الذي يلمع من الاحتكاك براحات أيدي الناس، وقبض على جسم الشمعدان المزود بشمعة سميكة بيده الأخرى. وحينما ابتعد عن آخر سلمة وسمع صريرها، أفلت السور وتقدم للأمام بحذر بالغ. كانت الأرض مغسولة، وجاء من الشمعة ما يكفي من الضوء ليميز الجدران الخشنة، وبرميلا دبقا، وعدة حبات بطاطا ملقاة على الأرض، وصفوفا طويلة من حاويات خشبية متشابهة محاها الظلام المتزايد بالتدريج. وكانت الحاويات مثبتة على الجدران بأسلاك قوية، وممدودة على طرفي الممر. تقدم داروين عدة خطوات إضافية، وأمكنه مشاهدة عدة براميل نبيذ وبضع أكياس مكومة في العتمة بمحاذاة الجدار. واتسع عرض الممر. وفي نهايته شاهد شيئا يتحرك. تقهقر داروين مرعوبا، ثم أدرك فورا ما هو، فقد هبت نسمة من عمق الظلام، وجعلت النار ترتجف، والخيال يتأرجح. وبدا له ذلك مثل شيء يتحرك أمامه. وبعد أن مر داروين بجانب كل الحاويات المصفوفة على الجدران، وجد نفسه في باحة واسعة إلى حد ما. كانت الزوايا مليئة بالنفايات: بقايا أشرعة قوارب، أوان مسودة، وألواح مكومة كيفما اتفق. وتأرجح قليلا جزء من سلك أمام وجهه. رفع داروين ذراع الشمعدان ونظر للسقف. كان السلك مربوطا بخطاف ضخم مثبت بخشب السقف الخشن. دار حول السلك بحذر، وقام بعدة خطوات حول المتاح من الأرض واقترب من طاولة ودكة قرابة الجدار. شم رائحة رطوبة وفئران، ولم تكن منعشة. في الواقع حولت الفضاء لما يشبه جو البيت. كانت عصا طويلة متكئة على الجدار بجوار سلة مفتوحة لها غطاء منسوج. كانت الأشياء التي تركها بالأمس هنا في مكانها. رمى داروين للجانب طية طويلة من معطفه، وجلس على الدكة، ووضع الشمعة على الطاولة، ونظر بتأمل في الظلام. نظر للأشياء وظلالها البارزة من الزوايا المعتمة، وفكر:”ألا يجد العقل البشري طريقه بسلوك يشبه هذه التعمية؟. ألا نجد في الظلمة بعض الترابطات المتاحة لذكائنا بنفس هذا الأسلوب ونحاول توظيفها في فهمنا لهذا العالم؟. ها هو برميل، وبعده حاوية، ولكن كما أرى إنها لا تشبه على الإطلاق بقية البراميل والحاويات الموجودة في كل مكان، أينما تذهب.. لماذا أفكر بالحاويات؟. الحاويات لا تهم. ما يهم هو أن لامارك ينتقي أحد وظائف الوعي البشري ويحولها ميكانيكيا إلى طبيعة.  هو يتكلم عن تطور تجريدي للحياة من أجل الكمال الذاتي. ولكن إذا كان التطور حقا هو السبب الأساسي للتحسن والتحول في العالم الطبيعي، كما يؤكد لامارك، ستكون كل الكائنات الحية مثالية ذاتيا وعلى نفس الدرجة من الجودة. والحقيقة نحن نرى شيئا مختلفا تماما!. نوع يسمح بالمرور لنوع آخر، ثم نوع ثالث يحل محل الثاني... 

بالأمس أكدنا أن للظروف التي نشأت فيها الحياة تأثيرا حاسما. ولكن بأي طريقة؟. لماذا يموت نوع ويزدهر غيره؟. ماذا يحكم آلية التحسن؟. وأية قوة تتسبب باستمرار الحياة بأشكال جديدة؟. وكيف يمكن أن نصل للانسجام مما يبدو لنا في النظرة الأولى أنه فوضى شاملة...؟”.  عزفت بهدوء ساعة بيرغوت المودعة في جيبه ألحانا من أوبرا “روبرت الشيطان”، فانتبه داروين من غيبوبته. وكالعادة أخذته أفكاره بعيدا - لمسافة بعيدة جدا، وحينما فتح عينيه، لم يعرف مباشرة أين هو وماذا يفعل. قال لنفسه:”والآن هيا إلى العمل. سأتابع من حيث انتهيت البارحة”. نهض من جلسته، واقترب من الجدار، والتقط عصا، ورفعه فوق رأسه وضرب به على السقف ثلاث مرات. بعد لحظة ردت ثلاث دقات. ضرب داروين السقف مرة إضافية ثم أعاد العصا لمكانها. وتخلص من معطفه وعلقه بأناقة على الكرسي. كان يرتدي صدارة سوداء مصنوعة من الجلد السميك، ومغطاة بكثافة بأشواك معدنية قصيرة. خفف من الرباط حول صدره، وتراجع عن الطاولة وبدأ يؤرجح ذراعيه ويقفز في مكانه ليدفئ عضلاته قبل بداية التجربة. ولكن تقريبا لم يكن لديه وقت للجمباز. سمع في الظلام صوت فتح القفل، ثم أصوات متوعدة وغرغرة مكتومة. وسقطت حزمة من الضوء للحظة على الممر الذي جاء منه، ثم بسرعة تم إغلاق القفل بصوت مدو، وخيمت الظلمة والهدوء مجددا. ومرت عدة دقائق وقف خلالها داروين بلا حراك قرب الطاولة، بمحاولة جاهدة ليستمع. وأخيرا جاء صوت خربشة من الظلام البعيد المنتشر وراء الفسحة المضيئة - صوت جر شيء ثقيل. وصرت ألواح الخشب. وانطلق صوت شيء يشبه الضحك من مسافة بعيدة، ثم طار برميل من الممر وتدحرج حتى قدمي داروين. ضحك داروين وتنحى جانبا. فتدحرج البرميل لمسافة أبعد، وارتطم بكيس دقيق واستقر بمكانه. الصمت مجددا. فجأة أصاب شيء صلب صدر داروينثم سقط على الأرض. قفز داروين جانبا وشاهد ثمرة بطاطا كبيرة أمامه. وطارت حبة بطاطا أخرى من وراء الحاويات وأصابت كتفه. تقدم داروين للأمام، وباعد ما بين قدميه، المتعبتين من بوط ثقيل، ومال للأمام وصفر بصوت مرتفع. فظهر شكل غامض في الممر، ثم حرك ذراعه وألقى حبة بطاطا أخرى مرت قرب أذنه. التقط داروين إحدى البطاطات من الأرض وسددها ثم بكل قوته ألقاها على منتصف الخيال المبهم. ومن الظلام جاء صوت صياح استفزازي تحول إلى شخير هادئ. ثم جاء نحو داروين خيال غاضب ضخم. كان يزمجر ويهدد، وتقدم الخيال ثم جمد عند حدود الدائرة المضيئة. والآن أصبح واضحا تماما. ومع أن داروين معتاد على المنظر، تراجع أوتوماتيكيا للخلف. وأمامه وقف غوريلا عجوز، يميل للأمام ويستند على ذراعين طويلتين لامستا الأرض. كان رأسه مدببا ووجهه بارزا، ويعطيه مظهر طفل مشوه ملأ فمه بكمية كبيرة من الأطعمة. كانت شفتاه متجعدتين ومنتبجتين، وأنفه - أفطس وداكن، ولكن عيناه البشريتان لهما نظرة عنيدة وكسولة. ومن خصره نحو الأعلى كان يبدو ضخما ومنتفخا مثل أحد الزوار اليوميين لحانات إدنبرة  - شخص من عشاق البيرة الذين يتخلون عن قمصانهم في الحر.          

كانت هناك تجاعيد سميكة على صدره الأمرد تقريبا وتشبه ثديين متهدلين - وزاد من هذا التشابه حلمتاه الداكنتان الضخمتان - ولكن داروين يعلم أنه لا توجد ولو أونصة واحدة من الدهون في عضلات المخلوق الفولاذية. مع ذلك هناك شيء أنوثي في خصلات الشعر الطويلة ذات اللون الأشهب التي تنمو على جانبي جسمه الخارق، ووركيه العريضين والمصمتين وبطنه المنتفخة. رفع القرد - إنسان الغاب - ذراعيه ثم ضرب بقبضتيه برشاقة على الأرض. ورد عليه داروين بتثبيت قدميه، وبالصفير مجددا ثم التقدم للأمام. التقت العيون، وشعر داروين أن القرد فهم كل شيء كما يجب. ولكن لم يكن يعلم كيف ولا بأي صورة عكست الإدراكات الحيوانية حقيقة ما يجري، غير أنه شعر أن القرد على شاكلته، مستعد للمعركة الأخيرة، وجاهز للمواجهة العنيفة والمتوحشة من أجل البقاء في عالمه البدائي. وفهم داروين ذلك من إشارات تفهمها عينه المدربة. كانت الرقبة القصيرة للقرد المذكر ملتفة، والثنيات العميقة التي تغطيها تتمدد وتتقلص، وهذا شيء طبيعي. فإنسان الغاب يطيل جلد رقبته كلما تعرض للإثارة أو الضغط. وأحيانا يغلق عينيه للحظة ويتنفس “بهدوء” ويبدل من القدم التي يرتكز عليها بثقله - يلقي وزن جسمه الثقيل على أصابعه الأمامية، والتي تكون ملامسة للأرض.  تقدم داروين من إنسان الغاب ببطء، وتأمل كفيه الأماميين. وحينما اقتلعهما عن الأرض، جلس بسرعة. وحرك كفه الضخم لما فوق رأسه وقبض على الهواء الفارغ. أصبح داروين الآن على يمينه. فوقف فجأة وحاول أن يمسكه مجددا، فأطلق داروين نفسا عميقا وضرب القرد على صدره. وللحظة عابرة فقد القرد توازنه وحرك  ذراعيه بحماقة وطيش. ضرب داروين أنفه الأفطس الداكن بلطمات قصيرة ودقيقة، فانهار القرد على الأرض، ولكنه قفز فورا. وزعق “ووووووو”. صفر داروين وقفز القرد المذكر حوله دون أن يقترب منه كثيرا. تحرك بالارتكاز على ذراعه وقذف ساقه القصيرة المغطاة بالشعر بعيدا باتجاه جانبي. وراقبه داروين مع ابتسامة باردة، وهو يدور حول نفسه كي لا يغفل عن مكان القرد. توقف القرد، وأبعد ذراعيه عن الأرض ودق على بطنه بيدين مضمومتين رماديتين. وزعق مجددا “ووووو” وأفلت راحتيه وفتحهما. قفز داروين بسرعة وصدره للأسفل، وسقط كلاهما على الأرض. وحينما كانت أصابع داروين تضغط على حنجرة القرد المجعدة، لف ساقيه بإحكام حول بطن القرد البارزة. وحاول القرد أن يلتف بعيدا ونجح في الإفلات عدة مرات من تحته، لكن داروين تمسك به وضغط بأصابعه بقوة مضاعفة. ولبعض الوقت دقت راحة القرد على جانبه بطياشة بالغة لكن كانت الضربة ضعيفة، ثم فجأة قبض على شعره من الجانبين - من المؤكد أن القرد أراد أن يقبض على حلقه، غير أن داروين توقع ذلك ووضع ذقنه بمحاذاة صدره لحمايتها. وضغط القرد بقوة أكبر على صدغيه وجر داروين نحوه، وتقريبا وضع وجه داروين لصق وجهه. ثم استلقى القرد والرجل بلا حراك لدقيقة من الوقت. ولم يعكر الصمت غير صفير الأنفاس اللاهثة. وفكر داروين وهو مشمئز من رائحة فم القرد المزعجة:” أساسا الطبيعة واحدة. وهي عضو ضخم واحد. ولكن عدة مخلوقات وأنواع تنفذ كل بطريقتها وظائف الأعضاء والخلايا المختلفة. وما يبدو من أول نظرة معركة لا تصالح فيها في سبيل الحياة، هو عمليا لا يزيد على أن يكون تجديدا ذاتيا للعضو، وهي آلية مشابهة لما يجري في أي شيء حي حينما تموت الخلايا المسنة وتتنحى، لأسباب طبيعية، وتحل محلها الخلايا الجديدة وتأخذ مكانها... ما هو الوجود المستقل من وجهة نظر الأنواع؟. ما هو وجود الأنواع من وجهة نظر كل شيء على قيد الحياة؟. إنه وظيفته ودوره..”. لم يتحرك الجسمان. حدق زوج من العينين بالزوج الآخر. وتقابلت كتلتان، واتحدتا كما في عناق عاشقين، ولكن واحدا منهما فقط يمكنه أن يفوز، واحد فقط يمكنه أن يعيش والآخر، الأقل قوة والأقل استحقاقا للحياة، يجب أن يموت ويصبح طعاما لملايين المخلوقات المختلفة - الكبير والصغير والذي لا تراه العين أبدا - عليه أن يقاتل حتى الموت وفناء آخر خلية حية. فكر داروين وهو يجمع قواه لآخر جولة:”وهكذا إن المعركة الوحشية بين كائنين حيين هي مجرد تقابل بين ذرتين موجودتين، نوع فريد من التفاعلات الكيميائية. في الحقيقة نحن واحد. نحن خلايا لمخلوق لا يفنى ويأكل باستمرار نفسه، واسمه الحياة. الطبيعة لا تميز بين فرددددد..”. والتف إنسان الغاب، وقوس ظهره، وتدفقت منه همهمتان مليئتان بالكراهية وتحولتا إلى عواء طويل من المعاناة وحب الحياة. ولعدة دقائق كان هناك ما يشبه جسد واحد من أربعة أذرع وأربعة أقدام - وكان من المستحيل أن تحدد لمن تعود هذه الأطراف وهذا الجسم. يد قبضت على بلعوم. ويد جرت خصلة من الشعر. جذع مرتعش التصق بالثاني. وطقطقت الأضلاع، وصرت الأسنان، وبرزت الأنياب. ثم تبع ذلك فقاعة من اللعاب والغرغرة. وطرقت كعاب الأقدام على الأرض. وقاتلت كل خلية من العضلات المشدودة في معركة حتى الموت، وحاولت أن تستعمل كل القوى المخزونة فيها، كما لو أنها تشعر أن هذه هي آخر فرصة. ضغط الورك القوي على الحضن، وانتفخت السرة. والتحمت سمانتا الساقين. ونفخت ثقوب الأنف، وتدلى لسان أزرق ملبد من الفم. وارتجفت للحظة إرادتان متنافستان فوق الميزان. ولكن كانت النتيجة قد ظهرت - أحدهما انطوى على نفسه، واستسلم، وانهار وانصهر تحت ضغط الآخر. مرت عدة ثوان. اثنتان من العيون الأربعة أصبحتا غائمتين بالكراهية وابيضتا بالتدريج. وأصبح داروين قادرا على إدراك وعيه ثانية. هز رأسه، وأرخى أنامله حول الحلق المغطى بالشعر ونهض ببطء على قدميه. وهمهم كل جسمه. وآلمه ظفر مكسور في يده اليمنى، وأنت ركبته المصدوعة، ولكن لا شيء من ذلك يمكن مقارنته مع المشاعر التي خرجت من أعماق قلبه، وبالتدريج وصلت إلى عقله. وبيد مرتجفة نحى بعض النفايات عن صدره. وفكر يقول لنفسه:”يجب دائما أن تنظر للانتصار في سبيل البقاء الذي يترسب وراء قناع مقطب الملامح قوامه المعاناة والموت. جوهريا لا يوجد موت. ولكن لدينا مخاض لولادة عالم جديد ومثالي. وبهذا الخصوص كان لامارك مصيبا تماما”. نظر حوله. كل محتويات الأشياء الموزعة حوله - الحاويات، الأكياس، والبطاطا المتدحرجة على الأرض - أصبح لها قيمة جديدة. كل شيء تعمد بوهج الانتصار وبرز من داخلها الجمال المدفون فيها، مثل عذراء تخلع النقاب الذي تغطي به وجهها لتسفر عنه للمحارب الذي سباها. كانت الحياة عظيمة. تراجع داروين، على ساقين متوترتين بسبب الجهد الأخير، نحو الطاولة التي كانت عليها شمعة تحترق. وجلس على الدكة. ولم تتبادر له أفكار جديدة لبعض الوقت. ثم نظر لقبضته المغطاة بالشعر والخدوش، وتذكر لامارك. قال لنفسه:”ليس وعي الطبيعة هو المكافح في سبيل تحقيق حالة مثالية. نحن نشاهد الانتخاب يلعب دوره، والأضعف يتنحى أمام الأقوى. ولذلك إن نوعا معينا يستبعد آخر ويستعمر البيئة. ولكن السؤال الآن: ماذا يحدد بالضبط مستوى الكفاءة؟. هل هي القوة؟”. ونظر لقبضته مجددا. على قفا يده شاهد الوشم الذي يصور ثلاثة تيجان غامضة تحيط بكتاب مفتوح. وعلى صفحات الكتاب مكتوب بحروف زرق عريضة “الرب هو ضوئي - Dominus illuminatio mea”. وارتعش عرق مزرق بسرعة بين كلمتي “دومينوس” و“إلوميناتو”. وفكر داروين:”كلا. لو أن المسألة مسألة قوة بدنية، لسكنت الأرض عمليا الفيلة والحيتان. من الواضح أن المسألة شيء آخر. ولكن ما هي؟. أحيانا أشعر أنني قريب جدا من اكتشاف الإجابة..”. وضع يده على جمجمته القوية الموجودة في رأسه، وانزلق بغيبوبة طويلة. ارتعش لسان الشمعة قليلا، وذاب الشمع، وجاء صوت من فأر غير مرئي. غرق داروين بتفكير عميق. كان خياله الضخم لا يتحرك أبدا كأنه تمثال. ثم تململ قليلا. وقف، والتقط عصا مستندة على الجدار، وطرق على السقف أربع مرات. وردت أربع ضربات خفيفة فورا من الأعلى، طرق داروين مرة إضافية على السقف. ثم أعاد العصا لمكانها، وانحنى على السلة، وحمل غطاءها النسيجي، والتقط موزتين خضرواين. أودعهما في جيب سرواله الأسود العريض، وحل أزرار قميصه، وجره لفوق رأسه ورماه على الطاولة بجوار معطفه. وحينما أغلق القفل غير المرئي بصوت مسموع، وأنت ألواح الخشب على طول الممر تحت خطوات ثقيلة وبطيئة، كان داروين قد استكمل استعداداته. في هذه المرة لم تنهمر عليه ثمار البطاطا - وتحرك الضيف الجديد دون أي هيجان. وحينما تحرك، لم يجر أصابعه على الأرض. تحرك بثقة، ودون تهور. وظهر غوريلا مرعب في دائرة النور. وكان مغطى بشعر أسود متجانس - فقط كان وجهه ويداه دون شعر، وكان له شكل عملاق يرتدي بذة سوداء ضيقة. وشعر داروين فجأة أمامه أنه صغير وضعيف. كان كتفاه عريضين، ولكن قامته أقصر. فكر يقول:”وإذا”. تنفس ووقف بصلابة واستقرت الأرض تحت قدميه. قال لنفسه:”إنها ليست مسألة قوة متوحشة جبارة. ماذا يحدد خيارات الطبيعة إذا؟. ربما أن تكون قادرا على التأقلم مع ظروف الحياة؟. القدرة على استعمال أفضل لما تقدمه لك البيئة؟”. تقدم خطوة من الغوريلا. كانت عيناه الصغيرتان غائرتين في جمجمته، وتنظران من تحت حاجبيه المقوسين بحذر، ولكن دون خوف. كان فمه مثل ندبة مشوهة. وأمكن لداروين ان يشاهد إحدى أذنيه حينما التفت الغوريلا برأسه لينظر لجثة من سبقه. وكانت أذنا الغوريلا شبيهتين تماما بآذان البشر. وحينما شاهد الغوريلا الجثمان الميت ثارت ثائرته. صدر عن الحيوان همهمة منخفضة، كنواح كلب، وأبرز أنيابا صفرا ضخمة. استدار لينظر إلى داروين، والذي لم يهدأ ولو لحظة واحدة. قام داروين بخطوتين سريعتين، واستعمل كل قوته ليقفز عن الأرض ويقبض على سلك متحلزن يتدلى من السقف. وتأرجح بدنه نحو الأمام مثل بندول عملاق. وحينما فصلته عن الغوريلا مسافة تقل عن يارد واحد، تراجع الغوريلا بخوف، ورفع داروين ساقيه بسرعة نحو بطنه، ثم ركل الوجه العريض الممسوح بكعبي قدميه. في آخر لحظة حاول القرد أن يتراجع، ولكنه لم يكن سريعا بما يكفي. وكانت الركلة قوية. التف الغوريلا على نفسه، وفقد توازنه وسقط بقوة على الأرض. أصابت القرد الدهشة البالغة. وسقط واستلقى بلا حراك. قفز داروين برشاقة للأسفل على الأرض واقترب منه. وفكر:”ما هي الكفاءة إذا؟. ماذا يحدد إذا كان كائن جاهزا للحياة في بيئة معينة؟. القابلية للبقاء؟ ولكنها دائرة شرسة. الكفاءة تحدد القدرة على البقاء، والقدرة على البقاء تحدد الكفاءة. كلا. لقد فقدت خيط المنطق...”. سحب ساقه ليضرب، ولكن في تلك اللحظة فتح الغوريلا عينيه وزحف عن الأرض. وأطبق بفكيه على بوط داروين. ولحسن الحظ أن داروين تمكن من جر قدمه وتحريرها، وغاصت أسنان الوحش في الكعب، وعض الساق المعدنية الغليظة. وانسحب داروين وخرجت قدمه من البوط. وبقفزة واحدة وقف الغوريلا على قدميه. وبغضون ثوان عض البوط ومزقه ليصبح كتلة بلا شكل من جلود ممزقة. ألقاه جانبا، واقترب من العالم، وزمجر، وأشهر مخالبه. وانتصبت موجات الشعر التي تغطي رأسه. وفكر داروين:”ربما كانت قوانين الطبيعة كونية. ولكنها تعلن عن نفسها في حياة كل نوع بدرجات مختلفة؟. ذلك هو شكل من أشكال التداخل بين الأنماط المختلفة وبمجموعها تحدد نتيجة الانتخاب الطبيعي؟".

وصاح:” غوررررر”. قفز الغوريلا للخلف خطوة. سحب داروين موزة من جيبه، ولوح بها أمام وجه الغوريلا ثم رماها نحو السقف. جرح الوحش رأسه وهو يلقي مخالبة إلى الأعلى بمحاولة للقبض على الموزة، ولكن في تلك اللحظة لوح داروين قدمه العارية وركل بها بطن القرد الأعزل. شهق القرد وانكفأ على نفسه ثم أصابه خطاف قوي ألقي من جهة اليمين ورماه على الأرض. وسقط الحيوان على صدره، ولم يضيع داروين وقته، قلبه على ظهره وقبض على حلقه وضغط بقبضته الفولاذية بقوة فادحة. وفكر:”المثقف أو حتى المثقف المبتدئ - يزيد من فرص النوع بالبقاء أثناء المعركة مع أنه أضعف بالقوة البدنية...”.

وبدأت معركة البقاء. جمع الغوريلا قواه بعد أن سقط على الأرض، وزمجر وحاول أن يتدحرج على ظهره. لكن داروين فتح ساقيه على وسعهما ليمنح نفسه موقعا أفضل ويضاعف قوته. وتنحنح الغوريلا وسحب كفه للخلف. وشاهد داروين اليد المجعدة مع الجلد بين الأصابع الوسطى التي حاذت وجهه. لكنه قبض على شعره. غشيت عينا داروين من الألم وضعفت قبضته. واستفاد الغوريلا فورا من ذلك وتدحرج على جانبه بالتفاتة قوية واحدة. وتوجب على داروين استخدام كل قواه ليثبته بمكانه - لو استدار الغوريلا قليلا فقط لفقد كل وسائل الدفاع عن أسنانه. وناح داروين وشعر أنه على وشك أن يفقد وعيه. شيء ما التمع أمام عينيه، ثم شاهد بوضوح، مثل نقوش عميقة، بيتا من ثلاثة طوابق ينتصب على ضفة النهر، وينمو عليه اللبلاب حتى قرابة السقف - بيت شروسبيري الذي أنفق فيه طفولته. شاهد غرفته مزدحمة بصناديق تحتوي على قشور وبيض العصافير. ثم شاهد نفسه، حينما كان طفلا، بمعطف غير مريح وضيق، يتجول على طول البحر خلال الجزر، وينظر لرخويات وأسماك يحملها الماء. ثم شاهد بوضوح الوجه الملهم للأستاذ غرانت، أول معلم له، وكان يتكلم عن الأشكال البدائية لدودة العلق والحزازية، ثم مرت وجوه أخرى، شاهد صورها فقط لكنها كانت حية على نحو غريب - وجده إرازموس الذي مات قبل سبع سنوات من مولده. وكارل لينيوس وجين باتيستا لامارك، وجون ستيفنز (وسرعان ما تذكر الملاحظة المكتوبة تحت لوحة الخنفساء النادرة في كتاب الحشرات البريطانية “قبض عليها ش. داروين المحترم”). كل تلك الوجوه كانت تنظر إليه بتفاؤل، وكلها تنتظره ليجد القوة في داخله ليفوز ويتابع العمل الذي باشر به، وجميعا أرسلوا له المعونة والدعم عبر ظلام السنوات والمسافات. وفكر داروين يقول لنفسه:”ليس لدي الحق بالموت. لم أبرهن على كل شيء بعد.. لا يمكنني أن أموت الآن”. واستعمل قوة بشرية خارقة، وشد كل عضلات جسمه الضخم ولف يده على رقبة القرد المنبطح تحته. وسمع صوت كسر الرقبة الخافت. وتحول الغوريلا في قبضته القوية إلى جثمان، ولكن لبعض الوقت لم يتمكن داروين من تحرير يده وبقي مستلقيا على الحيوان، بانتظار أن تعود أنفاسه لطبيعتها. وفكر:”نعم، لا تكفي الثقافة وحدها دون الإرادة. إرادة الحياة. يجب أن أفكر بكل شيء مجددا”. وقف على قدميه، وتحرك ببطء نحو الطاولة، وألقى معطفه على كتفيه والتقط الشمعدان بشمعته المشتعلة. وكان صدره الجريح ينزف، وساقه تؤلمه، ورقبته المشدودة تلتهب - مع ذلك خالجه الشعور بالسعادة. كان على بعد خطوات من الحقيقة، ومن نورها الوضاء - لا تزال غير براقة لكنها مرئية بوضوح - وتنير له ظلمات روحه. وقف داروين فوق الغوريلا الميت، ودار حول ساقي إنسان الغاب المفتوحتين بوضاعة، ثم اتجه إلى الباب. وحينما فتح القفل وواجه الشاطئ، أعماه ضياء الشمس. لبعض الوقت طرف بعينيه بسرعة، وتمسك بالسور، حتى اقتربت عدة أذرع لمساعدته في الصعود إلى الرصيف. غطى داروين وجهه بيده. وحينما اعتادت عيناه على النور، فتح جفنيه وشاهد النور الساطع اللامتناهي للمحيط والطيور البيض التي تحوم وتطير فوقه. وعلى مبعدة، فوق سفينة منخفضة، ومن خلال فراغات شبكة مرتجفة، شاهد الشاطئ الأخضر لجزيرة غير معروفة، كانت تختفي تحت السفينة ثم ترتفع مجددا. صاح صوت القبطان قرب أذنه:”سيد شارلز، هل أنت على ما يرام؟”.  دمدم داروين يقول:”أستحلفك بالله لا تخاطبني بكلمة سيد”.

قال القبطان بثبات:”صدقني إنه لشرف لي و لكل الطاقم أن نرافقك بهذه الرحلة”.

صنع داروين بيده حركة خفيفة. وتأكيدا لكلام القبطان، انفجرت أسلحة بجواره وارتفعت غمامة من دخان أبيض فوق الماء.

رفع داروين عينيه. وقف البحارون بصف واحد على طول جانب السفينة - تقريبا كل الطاقم. وعشرات الأعين نظرت إليه بمحبة، وحينما لوح نائب القبطان بسيفه، وكان واقفا أمام الصف ببذته الرسمية، انطلقت صيحة “هوراه” ووصلت لكل أرجاء الرصيف والبحر. قال داروين:”أهيب بك أن لا تفعل. فعلا - هذا لا يريحني”.

قال القبطان:” أنت فخر بريطانيا. كل رجل من هؤلاء سيروي قصصك لأحفاده”.

شعر داروين بالتحسس والإحراج، ونظر بعينين زائغتين لصف البحارة. وسار على طول الرصيف. وبقربه، في محاولة للمتابعة، رافقه القبطان، ووراءه هرع مجدف الزورق بقفازات بيض، وبيده سطل يحتوي على زجاجات الشمبانيا الباردة. هبت الريح الرطبة على معطف داروين، وشعر ببرودة مريحة في صدره العاري، وعادت إليه قواه بسرعة.

سأله القبطان:”بماذا تفكر؟”.

“أنا أفكر... آه، يا إلهي. هل يمكن أن يتوقفوا عن الصياح”.

لوح القبطان بيده وصمت صوت “هوراه”. وتابع داروين بجفاء:”أفكر ببحوثي”.

قال القبطان:”سيد شارلز. حينما أفكر بآرائك الشجاعة وبالمدى والعمق الذي بلغته، ينتابني الدوار. أعلم أن أفكارك قد لا تكون مفهومة لضابط بسيط من ضباط جلالتها، ولكن لا أعتبر نفسي جاهلا حقا. أنا أيضا درست في أكسفورد...”. وبحركة سريعة، رفع القبطان كم معطفه وعرض على داروين الوشم: ثلاثة تيجان زرق وكتاب مفتوح يحمل العبارة المعروفة. وانبسطت تعابير داروين. وقال:”أنا درست في كامبريدج. ولكن ليست هذه هي المسألة. أنا أفكر بمشكلة البقاء. أن تكون حيا شيء رائع، أليس كذلك؟. إنما المعركة وحدها هي التي تبعث فيك المسرة والمتعة - معركة قاسية وحامية الوطيس من أجل أن تنتزع حقك بتنفس هذا الهواء. انظر للبحر ولتلك النوارس. هل تفهم ماذا أعني؟”.  ورفع عينيه للقبطان، وأومأ القبطان بحكمة مثل شخص لم يفهم تماما معنى الكلمات التي انصبت عليه ولكنه يفكر بها بعقله ليستنتج حكمة من معانيها لاحقا، حين يكررها لنفسه وهو بعزلته عدة مرات. تقابلت عيونهما، رفع داروين ذراعه وألقاها على كتف القبطان. وفجأة بدا أن عيني القبطان فقدتا اللون - وتحول الإعجاب تقريبا لرعب ملحوظ. ابتسم داروين وخفض ذراعه. وتقريبا شعر أن جدارا يفصله عن بقية الناس، الناس العاديين المهمومين، وكان يصعب أن تعيش بينهم إذا كنت تنتمي للأبدية والتاريخ. وحتى لا يربك القبطان، نظر داروين لصف طويل من الأقفاص الموجودة على متن السفينة. عشرات من القردة العملاقة نظرت إليه من وراء قضبان أقفاصها بلا أية عاطفة. بعضها مد راحته خارج الأقفاص المشبكة، بعضها جلس مقاطعا ساقيه مثل الأتراك حين يتربعون على الأرض، وبعضها كانت تتحرك بتململ. وضع داروين يده في جيبه، وتحسس شيئا رطبا ولزجا. وأخرج موزة مسحوقة. وكانت تلتصق بها عدة خصل من شعر أسود محمر. رمى الموزة بعيدا والتفت للقبطان، وقال:”بغضون ساعتين اسمح لآخرين بالدخول. ربما اثنان وهذا يكفي لهذا اليوم. أما الآن...”.

سأله القبطان بانتباه:”بعض الشمبانيا؟”.

قال داروين:”شكرا. شكرا. يجب أن أتابع العمل. وبصراحة أعاني من صداع فظيع”.

***

......................

* ترجمتها عن الروسية: ميشيلي أ. بيردي

* فيكتور بيلفين Victor Pelevin: كاتب روسي معاصر. حاز على البوكر الروسية عام 1993. ينتمي لـ “جماعة الصراحة الجديدة”، وهي حركة روسية نقدية تدمج الخيال العلمي مع الفلسفة وما بعد الحداثة.  من أهم أعماله: حياة الحشرة 1993، أصبع بوذا الصغيرة 1996، الجيل باء 1999، شمس حرة 2020... 

 

 

2892 Philip Metresبقلم: فيليب ميترز

ترجمة: صالح الرزوق


 إن لم تكن منحوتة من حجر

هي قطعة لازورد

مهاجرة من بلاد فارس،

ومهربة من الفارسية

إلى العربية، وملقاة

مثل طائر من غير أجنحة

عبر سماء - بحر مظلم

إلى أن تفيض

صورتها من الأفواه الإنكليزية.

فتقول: لابيس لازولي.

يا فخ الروح الجميلة،

أنت خيال..

منهك في آخر يوم

من صيف لاهب كالفرن

ها أنا أغادر المنزل

وأدخل في حقيقة غسقية

زرقاء: لا اسم آخر أفضل

من لازورد، لازورد،

ولا بيت آخر

مثل لون السماء المنبثق

والمخيم فوق هذه الأرض،

ولا طريق إلى النعيم

إلا من خلال هذا التراب.

***

...............................

* المصدر: مجلة “شعر” الأمريكية. عدد أيلول 2021.

* فيليب ميتريس Philip Metres شاعر أمريكي معاصر. له عدة مجموعات شعرية من أهمها: كي تشاهد الأرض 2008، انتظام أوراق النبات 2013، أوبرا رملية 2015، صور في معرض 2016، خريطة الشظايا 2020. يعمل بتدريس الأدب الأنكليزي في جامعة جون كورنيل، أوهايو/ الترجمة بإذن مسبق من الشاعر.

 

 

عبد الوهاب البراهميقصيدتان للشاعر الفرنسي

ستيفان مالارمي (1842-1898)

ترجمة: عبد الوهاب البراهمي


 أبـي العزيز*

لقد تعلّمت تحيّة ،

وسارعت إلى  الاحتفال بعيدك،

كانوا يتحدّثون فيه عن الشّعور

عن حبّ رقيق،  عن شوق غامر

لكنّني نسيت كلّ شيء،

حينما وصلت،

أحبّك، هي الكلمة الوحيدة التي حفظتها جيّدا.

***

.................

* نص شعري  كتبه مالارمي وهو في سنّ 12

...........................

لو شئتِ سنتحابَّ

لو شئتِ سنتحابّ

بشفتيكِ ولا نبوح

هذه الوردةُ لا تقطعه

إلاّ لتسكب صمت رهيبا

 

لن تقذفَ الأغاني

وهْجَ البسمات

لو شئتِ سنتحابّ

بشفتيك ولا نبوح

 

أخرسَ أخرسَ بين اللفّات

سِلْف في أرجوان المملكة

قبلة ملتهبة تتمزٌق

حتّى أطراف الجنيحات

لو شئت سنتحابّ.

***

..................

Titre : Si tu veux nous nous aimerons

 

Poète : Stéphane Mallarmé (1842-1898)

Recueil : Poésies (1899).

Si tu veux nous nous aimerons

Avec tes lèvres sans le dire

Cette rose ne l'interromps

Qu'à verser un silence pire

 

Jamais de chants ne lancent

Le scintillement du sourire

Si tu veux nous nous aimerons

Avec tes lèvres sans le dire

 

Muet muet entre les ronds

Sylphe dans la pourpre d'empire

Un baiser flambant se déchire

Jusqu'aux pointes des ailerons

Si tu veux nous nous aimerons.

Stéphane Mallarmé.

 

 

Titre : Mon cher papa

Poète : Stéphane Mallarmé (1842-1898)

Recueil : Poèmes de jeunesse.

(Écrit à l'âge de 12 ans.)

 

J'avais appris un compliment,

Et j'accourais pour célébrer ta fête,

On y parlait de sentiment

De tendre amour, d'ardeur parfaite ;

 

Mais j'ai tout oublié,

Lorsque je suis venu,

Je t'aime est le seul mot que j'ai bien retenu.

Stéphane Mallarmé.

 

 

2877 ماتياسبقلم: ماتياس إينار

ترجمة: صالح الرزوق


 شاهدتني وتنهدت وحزرت فورا. قالت:”هذا يستحق فعلا”. نظرت لي لفترة طويلة، وقالت أيضا:”لوسي تريد أن تساعدها بواجبها المنزلي”. ضغطت على مفاتيح الببيانو. ولم يزعجها ذلك. كانت تبدو قلقة وليس متحسسة. خائبة الأمل وليس غاضبة حقا. وقالت بصوت يرتعش قليلا:”اسمع. هل تمانع أن أخفف من صوت الموسيقا؟”.

كان ليونارد كوهين يغني قائلا: نيويورك باردة في نهاية كانون الأول.

“إذا سيمر وقتك برفقة لوسي. من الأفضل أن تعزف قليلا على الكمان. وربما تعتقد أنه يمكنك أن تشاركها العزف؟”. أرادت مني أن أعبر، أن أقول شيئا. لكن بكلمة: نعم، بالتأكيد.

قالت:”كل هذه الجهود بلا طائل”.

قلت:”كلا. ليس بلا فائدة”.

وغادرت حينما كان كوهين يقول: أنت تعيش بلا طائل الآن، أو شيئا من هذا القبيل.

كان العنوان اللعين هو “معطف المطر الأزرق الشهير”،  والأغنية حزينة جدا، أوقفت الموسيقا. ومرت بي رجفة غريبة، رجفة مطولة. كانت لوسي في غرفتها. متمددة على البساط، وتنظر في كتاب مصور يعرض صور الجياد والفرسان العالميين. وكانت ترتدي بلوزة فضفاضة ناعمة فاستلقيت بجانبها، وأصابني البرد فجأة. ابتسمت لي، وقبلتني، وقالت: انظر للفرسان، كم هم أنيقون، أليس كذلك؟.

قلت لها: نعم، هؤلاء قوزاق، قوزاق روس على نهر الدون.

“قوزاك روس؟”.

“نعم قوزاق”.

”لماذا هم بعجلة من أمرهم؟”.

ضحكت. قلت:”آه. حسنا. يسرعون إلى... إلى معركة، كما أفترض. لكن روسيا بلد. والدون اسم نهر. نهر كبير في روسيا”.

بدا كأنها تتخيل نهرا متجمدا عريضا ومئات الفرسان، تخللت بأصابعي شعرها فشخرت، قلت لنفسي: تقريبا مثل مهرة. كانت صورة القوزاق فعلا واضحة وجميلة. ويمكنك أن تشاهد قائدا نبيلا وأنيقا يقود فريقه في هجومهم والقذائف تتساقط من المدافع. من مسافة بعيدة يمكنك أن تلاحظ العدو، فرنسيين بالتأكيد، وصورة النسر المفترس ترفرف على قبعاتهم المصنوعة من جلد الدب وعلى راياتهم الخفاقة. كان هذا هو عام 1812 دون شك. ربما هي معركة بورودينو. كانت الجياد الصغيرة تلمع بالعرق. وتحتها مكتوب ما يلي ببساطة:”القوزاق الروس على الدون”.

“وكيف لا ترتعد الجياد من الانفجارات؟”.

“ليس لدي فكرة. أعتقد أنها مدربة”.

“بتفجيرات وهمية؟”.

“ربما. نعم. هذا ممكن. ولكن القوزاق أشجع الجنود. وكذلك يجب أن تكون جيادهم شجاعة أيضا كما أفترض”.

“ولا يهابون من الموت؟”.

“صحيح. يقبلون الموت في المعركة، فهي حياتهم”.

“وماذا عنك، هل تهاب من الموت؟”.

ترددت لحظة، وكنت أريد أن أقول نعم، تماما. ثم قلت:”لست متأكدا. أعتقد ذلك”.

“ولكنك شجاع جدا يا والدي”.

لم يكن بالضبط يوما يدل على شجاعة فائقة. هذا أقل ما يمكن أن تقول.

”أحيانا. مثل كل إنسان”.

نظرت لي. وأعتقد أنها تخيلتني على صهوة حصان أواجه المدفعية الفرنسية.

“وماذا عن الوظيفة المنزلية. هل سنعمل عليها؟”.

وبدأت بقصائد لبريفير وموريس كاريم، ولم أتمكن من الامتناع عن التفكير بهؤلاء القوزاق الذين يواجهون زخات الرصاص. نظرت لابنتي دون أن أصغي لها، وفكرت: للوسي عينان بنيتان جميلتان مثل أمها. وسمعت صوت سارة في المطبخ. كانت تحضر الغداء. وتركت لوسي لتمارين القواعد وعدت إلى مكتبي. فتحت دفتر الملاحظات المرمي هناك وكتبت:”آخر هجوم للروس القوزاق. لم أعرف لماذا سجلت ذلك. ثم حملت قارورة من الخزانة، وكانت فارغة بمقدار ثلثها، وشربت كأس نبيذ، بسرعة حارقة، وتدفق البخار اللاهب من فمي. وغلبني الخجل. عزفت شريط ليونارد كوهين مجددا، المعطف القديم المطرب. وسمعته يقول: كانت الساعة الرابعة صباحا. من نهاية كانون الأول.

جرعت قطرة إضافية، وقلت لنفسي: حتى القوزاق وهم على الدون يحتاجون لشراب ليصلوا لأقصى شجاعتهم. ساعد كوهين على تحويل كل شيء مرئي لضباب، واتسعت أنوار الشارع على طول الرصيف الرطب في الخارج. لم أتمكن من مغادرة المكتب. وأمكنني سماع صوت زوجتي وابنتي، كانتا تتكلمان، وهناك أصوات أطباق، وضحكات عابرة، وكل شيء امتزج بالكحول وليونارد كوهين. أغلقت الباب كي لا أسمعهما. ولم أتمكن من الانتظار هناك لفترة لانهائية. وفكرت أن أحمل سترتي وأغادر، وأشاهد أرضا بيضاء مثلجة أقفز عليها، وأنا بجزمة سوداء جلدية جميلة، مكان يمكن للإنسان أن يكون فيه حرا، حرا يدمر نفسه ولا يقوم بأي إجراء له قيمة، أو يتحلى بالشجاعة، وربما ليجد، إن كان محظوظا، عبارة مفردة ذات معنى قبل أن يوافيه أجله، على صهوة حصان، وبمواجهة عدد غير محدد من الأعداء، وذلك للمجد والسعادة القصوى، وهو يشرب جرعة أخيرة لأجل الطريق.

قالت لي سارة: مشكلتك أنك تكتب لتشرب ولا تشرب لتكتب.

قالت سارة: مشكلتك أنك تعيش في عالم غير موجود.

قالت سارة: مشكلتك أنك ضحية أسطورتك الشخصية. 

ودخلت لوسي بكل رشاقة دون أن تستأذن. ولم تلاحظ الكأس الذي بيدي، ولم تلاحظ كم مضى علينا منذ أن رأتني لآخر مرة وبيدي كأس، ولم تقل لي: لم اليوم، يا والدي، لم ليس الأمس، ولماذا ليس الغد، لماذا اليوم بالتحديد. لم تسألني عن أي شيء مثل هذا أبدا.

حملت كمانها وصاحت: تعال يا والدي. دعنا نعزف، ماما تقول تأخر الوقت.

أوقفت معزوفة كوهين، كان يغني: واقتربت جاين مع خصلة من شعرك.

كان للوسي شعر والدتها المبهر، فكرت: تصبح جميلة جدا حينما تعزف بالكمان.

جلست خلف البيانو. ومدت سارة رأسها من الباب بمجرد أن سمعت عزفنا.

قلت لنفسي: نحن هذه النغمات الثلاثة للمفاتيح. كنا وسط العزف، ثلاثتنا نخفق مثل ثلاثة غربان بانتظام، كل منهم يلتزم بمداره، لا يتجاوزه، ولا يلمس رفيقه.

حاولت أن لا أنظر لعيني سارة. كانت أنغام الفالس البطيئة الصاعدة محزنة جدا، للغاية. طمرت نفسي في نغماتي، وتغلغل الكمان داخلي، وهكذا تمضي الحياة.

قلت لنفسي. إنها خفقات، ذبذبات مؤلمة في الفضاء، سباق بين جياد مندفعة في ثلوج الخوف الغزيرة.

***

.....................

الترجمة من الفرنسية: أليكس أندرياس.

 

ماتياس إينار Mathias Énard: روائي فرنسي. درس اللغتين العربية والفارسية وعاش لفترة طويلة في الشرق الأوسط. عاش 15 عاما في برشلونة. وفترة بسيطة عام 2013 في برلين. من أهم أعماله “شارع اللصوص / 2014” الحائزة على الغونكور عام 2015، البوصلة 2015، أخبرهم عن المعارك والملوك والفيلة 2010، منطقة 2008، ....  

 

 

مها العتوميسقط

للشاعرة مها العتوم

ترجمة: نزار سرطاوي


 

Maha Alautoom

Translated by Nizar Sartawi

Broken I was like a sunset light

and turned upside down on the shelf like utensils

What’s grief doing beside utensils?

And what says the sunset to the glassware ready 

to fall?

What has been falling

is falling still

the row of utensils

and my heart

***

......................

يسقط

الشاعرة مها العتوم*

كنت مكسورةً مثل ضوء الغروب

ومكفيةً كالأواني على الرفّ

ما يفعل الحزن قرب الأواني؟

وماذا يقول الغروب لصف الزجاج المعدِّ

ليسقط؟

ما كان يسقط

ما زال يسقط

صف الأواني

وقلبي

**

د. مها العتوم شاعرة وأكاديمية أردنية

 

2861 سوروكينبقلم: فلاديمير سوروكين

ترجمة صالح الرزوق

بعبارة مباشرة خلط يورا  بين فريازينو وفريازيفو، وتابع بالاتجاه الخاطئ. ولكن ناتاشا شرحت له كل شيء قائلة: اذهب إلى محطة يارسلافسكي واستقل القطار المتوجه إلى فريازيفو أو إلى شيلكوفو. كانت محطته هي زاغوريانسكايا ولا تتوقف كل القطارات هناك. قطار فريازيفو يتوقف. أما قطار فريازينو فيتابع دون تمهل. وقد ركب يورا بالخطأ قطار فريازينو.

قالت له ناتاشا وهي تقف في محطة دينامو وتمتص مثلجات بين قطعتي بسكويت هش:”يوجد قطار في الساعة السادسة والربع - ويأتي بموعده في أيام العمل”. ثم أضافت:”ذلك القطار يتوقف في هذه المحطة دائما”. المثلجات كانت تقدمة من يورا.

قال يورا وهو يقضم من مثلجاته وبسكويته:”وكم يستغرق... ممممم. ليصل القطار إلى هنا”.

ابتسمت ناتاشا وقالت:”أربع وخمسون دقيقة. وستكون في محطتي في السابعة”.

كانت هذه ثالث مرة يلتقيان بها، ولكن لسبب ما كانا يستعملان الصيغة الرسمية في التخاطب.

“هل ستكون الحلقة كبيرة؟”.

ضحكت ناتاشا وقالت:”لا أحب الحلقات الصغيرة”. وهزت رأسها.

كانت تهز رأسها باستمرار إذا نطقت بشيء مضحك. ولهذا السبب، كانت تبدو صادقة وربما ساذجة بحماقة، لكنها ليست غبية. واستنتج يورا ذلك سريعا. وبدأ يحبها. كانت قصيرة، مسمرة، نحيفة، واضحة، ودائما مبتسمة - ومن الواضح أن الدم الذي في يجري في عروقها جنوبي. مولدافي أو أرمني. وربما يهودي. ولكن يورا لم يستفسر عن جذورها. دائما هناك موجة من السعادة تشع من ناتاشا. كان شعرها أسود، ومربوطا بجديلتين تطوقان عنقها. سألها وهو ينهي مثلجاته السائلة:”وهل أتوقع أن أقابل زمرة كبيرة من معجبيك؟”.

هزت ناتاشا رأسها مجددا وقالت:”بلا شك!”.

“هل لديك مسدس خاص بالمبارزات؟”.

“لدى والدي مسدس بأسطوانتين”.

“سأوفر لك الذخيرة”.

“اتفقنا”.

نظر يورا لشفتيها، المبتسمتين والمغطاتين بمثلجات تلمع، وتخيل أول قبلة له معها. ربما... قبالة حديقة من الليلك.

وسألها:”هل يوجد أحواض زهور ليلك في بيتك؟”.

“لدينا حوض. مرتب. لكنها تموت، وقد قطعها الوالد. ولم يتبق منها غيرالجذامير”.

أنهت ناتاشا الحلوى، وأخرجت منديلا من جيب سترتها، ومسحت شفتيها، والتقطت وشاحها، الممدود على ساقيها السمراوين الرفيعتين طوال الوقت، ولفته حول ذراعيها، وربطته عند بطنها. ثم قالت:”حسنا. سأنصرف”. وأحنت رأسها ونظرت نظرة جانبية نحو يورا، وأضافت:”أراك يوم السبت يا يورا”.

رفع يورا قبضته بتحية وقال:”يوم السبت يا ناتاشا”.

التفتت ناتاشا وأسرعت بالابتعاد نحو النفق. ابتعدت عنه بالسرعة المعهودة التي فارقته بها في أول لقاء، وكأنها تسير على عارضة توازن في ألعاب الخفة. ثم تدحرجت بسرعة على العارضة، كما لو أن أحدا يدفعها، وقفزت في الهواء، ويداها ممدودتان للجهتين ورأسها مرتد للخلف، ووجها المحمر عرضة للعيون. كانت طالبة جمباز متفوقة، وتدرس في معهد التربية وتشارك في أستاد الطلبة. لكن يورا كان طالب سنة ثانية في الصحافة بجامعة موسكو الحكومية، وبترتيب 63، ويكتب في مجلة الجامعة. وبهذه الطريقة تقابلا. ثم شاهدا معا فيلما فرنسيا هو “تحت سقف باريس” وكانا قد شاهداه من قبل: يورا مرة، وناتاشا ثلاث مرات. ثم ترافقا بنزهة في حديقة غوركي. ثم دعته ناتاشا إلى حفل عيد ميلادها. والآن... ها هو يورا يفقد الفرصة.

كان يحمل هديتين. زجاجة شمبانيا، ومجموعة أشعار والت ويتمان بترجمة كورني شوكوفسكي. كان الكتاب مطبوعا بإخراج جيد في منشورات أكاديميا، واحتفظ به يورا في بيته، بين بقية الكتب، التي جمعها جده. لكنه نظر إليه مرة واحدة، وقلّب فيه بسرعة وأعاده لمكانه على الرف. ولكن حينما فكر ماذا يقدم لناتاشا في عيد ميلادها تذكره. كان قد أنفق جعالته الطلابية على ثلاثة تسجيلات جاز أمريكية، اشتراها من دكان صغير في كوزينتسكي موست. بقية النقود كانت تكفي الشمبانيا فقط بصعوبة. ولم يطلب يورا من والديه النقود لشهرين متتاليين.

شاعر جيد وكتاب أنيق. قال لنفسه. وأودع ويتمان والشمبانيا في حقيبة جلدية صفراء، ثم ألقى الحقيبة على كتفه. قرأ ويتمان على متن القطار. وأدرك بوقت متأخر أنه بالاتجاه الخاطئ. سأل رجلا رفيعا يحمل عكازة وعلبة في حقيبة من القماش:”هل يمكن أن تخبرني متى نصل إلى زاغوريانكا”.

رد الرجل المسن بتأتأة:”لن تصل. أنت تستقل قطارا لا يذهب إلى هناك”.

“ماذا؟”.

“حسنا... قطار فريازنو لا يتوقف في زاغوريانكا”.

قفز يورا ونظر من النافذة. كانت الأدغال وأعمدة الهاتف تزحف أمامه.

“يا للمصيبة..”.

“الموقف التالي هو محطة غرين باين. غادر هناك، واستقل القطار العائد إلى ميتيشي، ثم استقل القطار الذاهب إلى فريازيفو”.

ضرب يورا راحته بحنق وقال:”اللعنة”.

قال العجوز:”لا ضرورة للسباب”. ونظر بشكل مبهم من النافذة.

شتم يورا حماقته، وحمل حقيبته وتقدم نحو الفسحة.لم يكن لها باب، وكان هواء حزيران يتدفق فيها. ورن صوت من وراء ظهره يقول:”أنت. يا رجل. أعطني سيجارة”.

استدار يورا. شاهد رجلا خشنا يستند على الجدار في الزاوية. لم يلاحظه يورا لحظة وصوله. ونظر إليه بغيظ وأخرج من جيب سرواله علبة نصف فارغة من سجائر آسترا وعلبة ثقاب.  تناول سيجارة له، ثم مد يده بالبقية. انفصل الشاب عن الجدار، وتقدم بسرواله الأسود العريض، والتقط بصمت سيجارة، ووضعها بين شفتيه الضخمتين. أشعل يورا سيجارته وألقى بعود الثقاب المحترق وراء ظهره.

قال الشاب بصوت آمر:”هات النار أيضا”.

تردد يورا، وفكر أن يخبره أن يجد ولاعة خاصة به، ولكنه أشعل عود ثقاب وقربه من طرف سيجارة الرجل. وبدأ الشاب بالتدخين. كان وجهه شاحبا ونحيلا بعظام وجنتين عريضتين وذقن مائلة.

سأله يورا بعصبية:”هل غرين باين قريبة؟”.

رد الشاب:”من يعلم بحق الجحيم. أنا مزمع على مقابلة صديق في إيفانتيفكا. أنا لست من هنا. وأنت مثلي، أليس كذلك؟”.

وافق يورا بحركة من رأسه. فحص الشاب يورا بلا مبالاة، ثم عاد يستند على الجدار، والسيجارة بين شفتيه المبتلتين، وعيناه نصف مغمضتان. استدار يورا ونفخ الدخان من إطار المدخل. كان القطار يتتقدم  ببطء. هذا القطار يزحف كالسلحفاة، قال يورا لنفسه بحنق. بليد. أحمق. منقرض....

وبسرعة أنهى سيجارته وألقى العقب على العشب المغبر الذي يمر القطار من خلاله. وعاد للعربة. كان نفس الركاب يجلسون على نفس المقاعد. وشعر أن بعضهم نظر إليه بتهكم. قال لنفسه: أنا مادة للضحك. وهذا صحيح.

فتح يورا كتاب ويتمان وعاود القراءة فيه. بعد ثماني صفحات، أعلن صوت مجلجل بمكبر الصوت :”غرين باين”. حمل يورا حقيبته، وغادر الفسحة، لم يكن الرجل ذو الشفتين الكبيرتين في مكانه، وقد انتقل إلى جوار ثلاث سيدات من مختلف الأعمار: امرأة عجوز، امرأة ضخمة متوسطة العمر، وشابة. وتوقف القطار بشخير مزعج. وغادره يورا برفقة النساء ونظر حوله. وهبط عدد محدود من المسافرين نحو المنصة الخشبية للرصيف، وهرعوا باتجاه القرية التي تشاهدها من مبعدة بين الأشجار. وزحف القطار مغادرا. وأدرك أن عليه أن ينتقل للرصيف المقابل. قفز يورا على القضبان وتخطى السكة، وهو يقفز على الخطوط الحديدية، وكانت حارة بسبب الشمس. وحينما وصل الطرف الآخر، مسح الرصيف بعينيه، ووقع بصره على سلالم خشبية، فصعد عليها. لم يجد أحدا على الرصيف. كانت بعض أعقاب السجائر ملقاة بإهمال على الأرض. وعلى الإشارة الطويلة الشبكية لم يبق غير كلمة “باين”. وأمكن يورا أن يشاهد ظل الكلمة المفقودة “غرين” والتي كانت هناك في يوم من الأيام.

قال يورا ضاحكا بشكل فاتر:”لا بد أنهم يطلون الباين بلون احمر”. واقترب من مقعد تقشر طلاؤه الأبيض، وجلس عليه. نظر للساعة الكبيرة التي قدمها له والده حينما كان في جامعة موسكو الحكومية:  بلغ الوقت السادسة واثنتين وأربعين دقيقة.

قال: “سيبدأون دوني”.

أخرج سجائره، ثم أعاد التفكير، وأبعدها. قال مجددا:حماقة”. ونظر لأشعة النور التي علقت بأغصان أشجار السرو، وبصق على أرض قذرة.

مرت اثنتا عشر دقيقة.

ثم بعدها ثلاثة عشر.

عشرون.

لكن القطار لم يظهر.

“اللعنة علي. عيد ميلاد سعيد يا ناتاشا”.

نهض يورا وتقدم على الرصيف. لم يكن هناك روح واحدة على مرمى النظر. وكانت الشمس تهبط من السماء، وهبطت بين جذوع الأشجار. كانت حقيبته على ظهره، وبدأ يتقدم على ألواح مغبرة، ويضرب عليها بصندله بغضب.

“قذارة!.

“محزن!

“مقرف!”.

أنت الألواح بغباء تحت خبطات قدمي يورا. وأغضبه أنينها. وبعد أن سار مسافة تعادل كل الرصيف، استدار وبدأ يعدو، وجمع كل قوته وحاول أن يقوم بقفزة طويلة مثل لاعب جمباز، ينتقم من هذا الرصيف المتهدم.

“غباوة!

“هراء وقذارة!”

وقعقعت الألواح. اقترب يورا من اللافتة الشبكية الحاملة لكلمة “باين”.

“يوم باين!

“أنا باين من أجل القطار!

“آه، ماص أعضاء الذكورة!! متى! سيحين! وقت! قدومه!؟”.

قال صوت ما بنبرة عالية:”بغضون ثماني دقائق”.

استدار يورا. كان رجل يجلس على المقعد وقد قفز من جواره للتو. كان هذا شيئا غير متوقع لذلك جمد يورا. رأى رجلا بوجه بدين منفوخ وبثياب صيفية خفيفة وكان يبادله النظر.

دمدم يورا:”ماذا؟”. ولم يصدق عينيه.

رد الرجل:”القطار سيصل في غضون ثماني دقائق”.

لم تكن هناك تعابير على وجه الرجل الضخم الأبيض الشبيه للكمثرى. بلا تعابير على الإطلاق. تماما بلا تعابير. كانت هذه أول مرة يرى فيها يورا في حياته وجها من هذا النوع.

“قطارك الكهربائي”.

ثبتت عينا الرجل الفارغتان من التعابير على وجه يورا. وبدا ليورا أن وجه الرجل متجمد. وأن الرجل نفسه... خرج من المشرحة. جثة. رجل ميت. أصاب يورا فجأة الدوار. بنفس الطريقة التي شعر بها حينما ضربته الشمس في باكو في الصيف المنصرم. وارتعشت ساقاه.

قالت شفتا الرجل المتجمدتان:”اجلس من فضلك. تبدو كأنك تلقيت ضربة شمس. الطقس شديد الحرارة بالنسبة لبداية حزيران”.

همد يورا على المقعد. تنفس بعمق، وعادت له أحاسيسه، ومسح بيده العرق من جبينه.

نصحه الرجل بقوله:”من الأفضل أن لا تقفز قفزة طويلة في هذا الجو الحار”.

ولاحظ يورا كم كان الرجل بدينا. لم يتحرك أبدا واستمر بالنظر باستقامة للأمام. كانت ثيابه من طراز قديم: قبعة باناما بيضاء، بذة صيفية بلون بني خفيف، دراعة بيضاء نوع كوزوفوروتكا مع قبة مطرزة. حذاء قماشي أبيض يبرز من تحت سرواله العريض البني الخفيف. كان صديقا طريفا من أيام جده الراحل - يحب حمع النقود المعدنية، والنكات، ويخمر كثيرا - وقد ارتدى بهذه الطريقة في الصيف، ثم إنه ميت. حذاء الرجل البدين المضحك - عمليا كان بوطا بساق منخفضة - أعاد يورا لوعيه. أطلق أنفاسه. ملأ رئتيه بالهواء. طرد أنفاسه مجددا. كان وديعا. وانتهت الفترة الضبابية. وشعر بالرشاقة والمرح.

فكر يورا: من أين جاء؟. من حيث لم يتوقع... لماذا لم ألاحظه؟. هل ارتفعت حرارتي وأصابتني الحمى؟.

وتابع الرجل البدين ينظر نحو الأمام بلامبالاة هادئة ودون أي تبديل في موضعه. 

سأله يورا:”ثماني دقائق، أليس كذلك؟. أنت تعرف المواعيد؟”.

“أصبحت سبع دقائق”.

“هل في عقلك ساعة منبهة أو شيء من هذا القبيل؟”.

“أبدا”.

وبدأ يورا يشعر بالخفة وليس المرح. وضحك بطمأنينة وحك قفا رقبته.

“أنت تعرف ما يتوجب عليك أن تعرفه؟”.

“تقريبا”.

“حسنا. ما هو ميتينسبيل؟”.

“منتصف لعبة في الشطرنج”.

“صحيح. ماذا عن... منكب الجوزاء Betelgeuse؟”.

“نجم في مدار أوريون. أحمر وعملاق له نفس قطر مدار جوبيتر حول الشمس”.

“بالضبط!. الآن أخبرني من هو دايف بروبيك”.

ضم الرجل البدين شفتيه المتجمدتين وصفر صفرة جميلة من نوع “تايك فايف - *لحن جاز”.

شهق يورا وقال:”هوهوووو”. وصفق ركبتيه. ثم قهقه. وقال:”أنت موسيقي. هذا هو أنت، صحيح؟. والموسيقيون يجيدون الشطرنج؟. هل تعزف الجاز؟”.

رد الرجل البدين بهدوء:”لا”.

“هيا اعترف لا بد أنك كذلك. ماذا تعزف؟. الساكسوفون؟ الترامبيت؟”.

لزم الرجل البدين الصمت.

“حسنا. نلعب لعبة التخمين. أخبرني إذا: أين... هممم. المستنقع الفاسد؟”.

“هو في منطقة سيليجاروفسكي التابعة تفيرسكايا أوبلاست”.

تعرض يورا لصدمة. المستنقع الفاسد هو موقع معروف في خوتور فقط، وهي قرية صغيرة وكان معتادا على الصيد فيها برفقة والده وجده. وهي فعلا في مقاطعة سيليجاروفسكي. المستنقع الفاسد هو مستنقع تحيط به غابة. والشلالات تتفجر فيه. كيف أمكن للرجل البدين أن يعلم بذلك؟”.

كان لا يزال جالسا على المقعد دون حراك. هل كان موهوبا بالتخاطر؟. ينوم مغناطيسيا؟. لا بد أنه ينوم مغناطيسيا!. وربما اعتاد أن يعمل مع وولف ميسنغ... إذا. يجب على يورا أن يخدعه بطريقة ما. تفحص محيطه. وفجأة، وسط المسافة، وأمام مبنى من طابق واحد مشيد من أحجار السيليكات البيض، شاهد إعلانا باهتا مثبتا على لوح كبير: “هدفنا هو الشيوعية”.

وكانت صورة لينين واضحة تحت الشعار. يورا طلب منه بصوت مرتفع، وهو يعقد ذراعيه بتكبر على صدره:”أخبرني عن فلاديمير إليتش لينين؟”.

رد الرجل البدين بهوادة:”الرجل الذي قاد هرم الزئير الأحمر”.

فتح يورا فمه.

“ماذا؟. الهرم؟. الأحمر... ماذا؟”.

“الزئير الأحمر”.

“ما هذا الهرم؟”.

“مصدر الزئير الأحمر اللامتناهي”.

“وأين هو؟”.

“في مركز عاصمتنا”.

“أين بالضبط؟”.

“حيث المركز”.

“في الكرملين؟”.

“لا. في الساحة الحمراء”.

“في الساحة نفسها؟. هرم؟”.

“نعم”.

“ولكن أين في الساحة؟. هل هو مرئي؟”.

“قاعدته تحتل كل الساحة”.

“كل الساحة؟”.

ضحك يورا. واستمر الرجل البدين بالجلوس بهدوء لا يتزعزع.

قال يورا:”يجب أن تعلم أنا أعيش قرب الساحة الحمراء، في بيانتنيسكايا. ولكن لم أشاهد هرما أحمر هناك”.

“لا يمكنك رؤيته”.

“وأنت تراه؟”.

“نعم”.

حسنا. قال يورا لنفسه. هذا الشاب يهلوس.

“وماذا يفيد هذا الهرم؟”.

“يصدر عنه زئير أحمر”.

“مثل مكبر صوت؟”.

“تقريبا. لكنه يزعق بموجة صوتية مختلفة. بذبذبات مختلفة”.

“ولماذا يفعل ذلك.. لماذا ينفخ أصواتا؟”.

“ليعدي العالم كله بالزئير الأحمر”.

“لماذا؟”.

“ليخرب بنية الجنس البشري من الداخل”.

“يخربها؟. لماذا؟”.

“وهكذا لا يكون البشر بشرا”.

فكر يورا هذا يبدو جنونا. ونظر حوله.

ولكن لم يشاهد أحدا على الرصيف.

“وهل لينين من بنى الهرم؟”.

“لا. هو من دعاه ليكون”.

“كأنه ضغط على زر؟”.

“شيء من هذا القبيل”.

“ومن بناه إذا؟”.

“لا أحد يعلم”.

ضحك يورا وقال:“ربما الألمان؟. أو ماركس؟ أنغلز؟”

“ليس الألمان”.

“اليانكي؟”.

“لا”.

رد الرجل البدين:”من هناك”. ثم أضاف:”قطارك يأتي من هناك”.

نظر يورا إلى الهواء الحار، ونظر يساره نحو المسافة التي تنقص باستمرار حتى الأفق. لم يشاهد شيئا. استمر واقفا وألقى أنشوطة حقيبته على كتفه. وعاود النظر في لوحة لينين.

“وماذا عن الشيوعية؟”.

نقل الرجل البدين عينيه المتجمدتين إلى يورا وقال:”ماذا عن الشيوعية؟”.

“حسنا. أليست هي من اختراعنا.. المستقبل الناصع؟”.

“هي ليست مستقبلنا الناصع ولكنها الزئير الأحمر في الوقت الحاضر”.

في اللحظة المحددة، انطلق نفير بوق من بعيد. وشاهد يورا هذا القطار. لا يزال بعيدا، ولم تكن حركاته مسموعة. رغب يورا أن يودع الرجل البدين، وأن يقول له شيئا مرحا ومستفزا، ولكن فجأة أعاد التفكير بذلك. وقف هناك، يتأرجح بمكانه كما يحب، ونظر بالرجل الغريب. كان الرجل لا يزال جالسا ونظره للأمام. أمكن يورا أن يشاهد القطار الآن. وكان يحبو باتجاه الرصيف. وفجأة أصبح متأكدا أنه لن يرى هذا الرجل غير العادي مجددا. وتأكد أن هذا الرجل سيستمر بجلسته على الرصيف الفارغ والمغبر. وأنه لن يركب القطار إلى موسكو. وربما لن يركب أي قطار. ولم يكن واضحا إلى أين يمكن أن يتوجه هذا الرجل. وبدا كأنه خرج من المقعد نفسه. وشعر يورا بحزن ومرارة. وامتلأت عيناه بالدموع. وتوقف القطار بشخيره المعهود. واقترب يورا أتوماتيكيا. ودخل في العربة وجلس. ومسح عينيه بقفا يده. ونظر من النافذة للرصيف. كان الرجل البدين جالسا تقريبا بنفس مكانه على المقعد. وينظر للأمام. وكان هناك شيء مألوف ومؤلم حياله. ثم انطلق القطار. تجمد يورا بمكانه. وشعر بحنين شديد. اشتياق عارم. ولم يكن لديه مكان يقصده. ولا فكرة تشغله. وعوضا عن التفكير تذكر ببساطة أن آخر كلمات الرجل البدين هي:”الزئير الأحمر في الوقت الحاضر”.

نظر يورا من النافذة مشلول الحركة وسكب نظره على العشب، وأعمدة البرق والهاتف، والبيوت الصغيرة، والسيارات، والنفايات، والمخازن والرافعات وأكوام الفحم الحجري والنباتات الحارة والناس والطيور والماعز والكلاب...

ونسي تماما حفلة عيد ميلاد ناتاشا. وفاتته محطة ميتيشي. واستعاد وعيه فقط حينما توقف القطار في محطة يارسلافسكي. ولحظة وقوفه، تخلص من شلله. وقف وغادر القطار، وانحدر نحو الرصيف مع بقية الركاب، وفورا ابتعد عن الحشود. وأخرج سجائره. وماذا عن حفلة عيد الميلاد؟ زاغوريانكا؟ ناتاشا؟ وتذكر كل شيء.

قال وهو يبصق بتذمر:”أحمق!”.

أشعل سيجارة. وتجول في شوارع موسكو التي حل عليها المساء. وعبر باحة الحديقة. وتابع لشقته في بيانتيسكايا.  وأعاده التدخين لإحساسه بالواقع.

وقال يورا لنفسه:”لا بد أنه منوم مغناطيسي”. وبدأ يضحك ويقول:”وأنا وقعت بخدعته كأحمق صغير. الزئير الأحمر!. زئيييييير أحمر! هرم!”.

أخرج زجاجة الشمبانيا من حقيبته وفتحها وهو يمشي. وطارت الفلينة مع فرقعة عالية، وأخافت سيدة مسنة، وسقطت على جدار المبنى. واندلعت الشمبانيا الدافئة نصف الحلوة من الزجاجة، وجرع منها يورا، وأغرق نفسه بها خلال ذلك. شرب كل الزجاجة الدبقة وهو في طريقه للبيت، وتركها على حافة نافذة شخص ما. في البيت، قرأ عددا جديدا من “الشباب” ثم أوى لسريره أبكر مما اعتاد. ومر يوم الأحد. في يوم الاثنين، أجرى يورا امتحانين. وفي يوم الثلاثاء زار دينامو، وكانت مباريات الجمباز في مراحلها الأخيرة. دخل إلى صالة الرشاقة، وتقريبا اصطدم بناتاشا. كانت بثوب أزرق مشدود، ويداها بيضاوين بسبب مسحوق التالك. وكانت بطريقها لغرفة الثياب.

قال وهو يتوقف:”مرحبا”.

ردت:”مرحبا”. مع ابتسامتها الدائمة، وتابعت طريقها. ولم يلتقيا مجددا أبدا. تخرج يورا من جامعة موسكو الحكومية وتزوج من ألبينا، ابنة أحد أصدقاء والده القدماء. وبمساعدة والده، موظف هام في وزارة المواصلات، حصل على عمل في كوسمولوسكايا برافدا. وأنجب هو وألبينا ابنا سمياه فياجيسلاف. في نهاية الستينات، انضم يورا للحزب، وحصل على عمل في إزفستيا. وأنجب هو وألبينا ابنة سمياها يوليا. في منتصف السبعينات، شغل منصب رئيس قسم في أوغنيوك. في صباح يوم من تموز، تناول إفطارا سريعا، كما هو شأنه، وركب سيارة والده الفولغا البيضاء القديمة، وانطلق إلى مكتب المحررين. ولحظة وصل جسر موسكفوريتسكي ، انقبض قلبه وخفق بطريقة منعته من التقاط أنفاسه. أوقف يورا السيارة عند الرصيف. وحاول أن يلتقط أنفاسا منتظمة ودلك نقاط التقاء الإبهام مع راحة يده كما علمه طبيبه. كان يورا يعاني بالفعل من عدة مشاكل في القلب. بدأت بعد نشر مقالة خلافية في الأزفستيا، ووافق عليها رئيس القسم “بتسرع”، حينما كان رئيس التحرير بعطلة. واستدعي يورا للاستجواب أمام هيئة الحزب في فرع المدينة. قال رجل بوجه ذئبي:”لقد تجاوزت الخط المقبول”. وإثر ذلك أعفي رئيس القسم من مهمته بسرعة البرق. وتعلق مستقبل مهنة يورا بطرف خيط. وبمعجزة استمر بمكانه. وأسعفته ارتباطات والده في الحزب أكثر من أي وقت مضى. ولكن قلبه اضطرب، وأخبره الأطباء أنه يعاني من أزمة قلبية بسيطة. أنفق شهرين مع ألبينا في المصحة. واضطرب قلبه للمرة الثانية حينما تورط ابنه بقصة مشينة: اغتصاب جماعي في مأوى الطلبة. كان والد يورا قد توفي للتو، ولم يكن هناك أحد ليطلب منه النجدة. وزار يورا عدة مكاتب، يطلب معونتهم ولو أهان نفسه. لكنه أنقذ ابنه: كان نصيبه إطلاق سراح مشروط. وبعد ستة شهور بدأ يورا بتعاطي أدوية القلب. وانتهت الأزمة.

ولكن الآن. الآن. الآن.

بدأ قلبه يخفق.

لم يشعر بهذا الإحساس من قبل. ولم يتمكن يورا من التقاط أنفاسه. وغادر سيارته واقترب من دعامة الجسر، ووضع يديه على الغرانيت البارد، وحاول أن يتنفس بانتظام. وهو يراقب نور الصباح الذي يشع على نهر موسكو. طزاجة المياه المنعشة هبت عليه وهو على الجسر. وحاول تهدئة نفسه. ولكن استمر قلبه بالخفقان. ومثل حيوان صغير ينتفض في قفص - كما لو أنه يرقص.

يرقص كان كان.

يرتدي القفطان.

وأطرافه خفقان.

تنفس يورا، تنفس، تنفس.

كان رأسه يدور ويعسوبان فولاذيان يئزان في أذنيه. ارتعشت ساقاه. تمسك بالدعامة ومال عليها. كان الماء يلمع بالأسفل. كان الماء يلمع. والماء البراق التمع بلمعان خاطف.

همس يقول لنفسه:”قف، قف، قف”.

القلب. القلللللب. قللللللبببببه. توقف عن الخفقان.

توقف. تو...

قفففف.

توقف للأبد.

وساد الصمت

داخل يورا.

وبآخر ما لديه من قوة، حاول أن يقف.

تمسك بالدعامة.

وفجأة شاهد الهرم الأحمر. كان يعلو فوق الساحة الحمراء، وقاعدته تشغل كل مساحة الساحة. وارتجف الهرم وهو يرسل الزئير الأحمر. وجاء الزئير بشكل موجات، وغمر كل شيء حوله مثل إعصار، وكان يتدفق حتى الأفق باتجاه أركان الأرض الأربع. وكان الجنس البشري يغرق في هذا الزئير الأحمر. يغرق وهو يحاول أن يجدف قدما. مشاة، ركاب، واقفون، جالسون، نائمون - رجال ونساء ومسنون وأطفال.  لقد غمر الزئير الأحمر كل شيء. وموجاته ضربت وضربت بعنف كل شخص، شخص، وداخل كل شخص، شخص، ضوء، ضوء، والزئير الأحمر يزأر وينبض وينبض قادما من الهرم الهرم كي يخمد يخمد الضوء الضوء ولماذا ينبض بنبض بهذه الطريقة المخيفة المخيفة وموجات موجات حمر خابية خابية تنبض تنبض ولا يمكن لا يمكن أن تنبض تنبض ولماذا لماذا لا يمكن لا يمكن تنبض تنبض هذا الغباء الغباء العنف العنف بستة أجنحة ستة أجنحة أنت هنا هنا قرب قرب مجنح بستة أجنحة ستة أجنحة أنت براق براق أنت كثير كثير أنت أبدي أبدي أنت مرحبا مرحبا ستة أجنحة مجنحة ستة أجنحة تعود تعود أنت كنت كنت مختلفا مختلفا بدينا بدينا سخيفا سخيفا حذاء أبيض أبيض بوط منخفض الساق حذاء اسمك اسم.

دمدم يورا:”يوم باين”. وابيضت شفتاه وهو يحاول أن يبتسم.

وانهار.

***

..........................

 (ترجمها عن الروسية ماكس لوتون Max Lawton).

نشرت في النيويوركير/ عدد 4 تشرين الأول 2021

فلاديمير سوروكين  Vladimir Sorokin روائي روسي معاصر. يكتب أيضا المسرح والقصة والسيناريو. من أهم أعماله “يوم في حياة أوبريشنيك” 2006،“العاصفة الثلجية”2015، “الجليد”2002، “الطابور”1983، و“قلوبهم الأربع”1991. يكتب الخيال العلمي والفانتازيا، وينتقد عيوب الاتحاد السوفياتي التي قادت لانهياره.

 

 

2848 توكارشوكبقلم: أولغا توكارشوك

ترجمة: صالح الرزوق


 يمضي أشير روبين في الظلام، عبر باحة بيت إليشا الموحلة، حيث تم ذبح إوزة للتو، بعد تربيتها طوال فصل الصيف، وكانت معلقة ورأسها للأسفل. دخل من بوابة ضيقة واشتم رائحة البيض المقلي مع البصل، وسمع صوت طحن فلفل في هاون يأتي من مكان ما. النساء صاخبات دوما في المطبخ. وكان الهواء البارد مختلطا بتيار من البخار القادم من هناك، ويصدر عن الأطباق المحضرة للطعام. وبعدها فاحت رائحة الخل، وجوزة الطيب، وأوراق الغار. ومعها عبير اللحم الطازج الحلو والمسبب للدوار. هذه الروائح تجعل هواء الخريف يبدو أبرد وأدعى للامتعاض. وكان الرجال وراء الحواجز الخشبية يتكلمون بمزاج عدواني كأنهم يتجادلون. وبإمكانه أن يسمع أصواتهم ويشم رائحة شمع الإنارة والرطوبة المتغلغلة في ثيابهم. كان البيت مزدحما لدرجة الانفجار. مر أشير بأولاد. لم ينتبه له الصغار منهم، كانوا مستغرقين بالتحضير للحفلة. وعبر بباحة ثانية، وكانت ضعيفة الإضاءة، ينيرها شعلة واحدة. وعند أعتاب الباب، مر بيهودا المخمور، وكانت كل العائلة تناديه ليب. والحق يقال اسم روبين ليس روبين أيضا. إنما هو أشير بين ليفي.

والآن في هذه العتمة الخفيفة تجمع الضيوف، كل الأسماء تبدو سائلة لحد ما، يمكن التبديل بينها، كما لو أنها شيء ثانوي. وفي النهاية لا يوجد مخلوق فان يتمسك باسمه لفترة طويلة. دون أي كلمة قاده يهودا بعيدا في أعماق البيت وفتح بابا يفضي لغرفة صغيرة حيث هناك نساء صبايا تعملن، ولمرأة عجوز مستلقية في سرير قرب الموقد، كانت تتكئ على وسائد، ولها وجه جاف شاحب. حيته النساء بحمية وتوزعن حول السرير، بفضول واستعداد للمراقبة.

كانت يانتي صغيرة ونحيلة، مثل دجاجة مسنة، وبجسم متهالك. كان قفص أضلاعها الرقيق يعلو وينخفض بسرعة فائقة. وفمها نصف المفتوح محاط بشفتين رقيقتين جدا، وممصوصتين للداخل. ولكن عينيها السوداوين تابعتا حركات الطبيب. كان يتفحص المشاهدات المنتشرات في أرجاء الغرفة. ثم رفع الغطاء ونظر لكل جسمها. كان بحجم طفلة، ونظر ليديها المنحوتتين من عظام وهما تتمسكان بحبال وأشرطة جلدية. كانت مربوطة حول رقبتها داخل جلد الذئب. فقد اعتقدن أن جلد الذئب يجدد طاقة وقوة الإنسان. وفكر أشير: كيف سيتمكن من جر هذه المرأة العجوز بما تبقى لها من حياة ضعيفة في داخلها؟. كانت تبدو أشبه بثمرة فطر قديم ممزق. ووجها الأسمر تحدد ملامحه كيفما اتفق أضواء الشمعة، فتبدو صورة غير بشرية. وتولد إحساس لدى أشير أنها سريعا سوف تكون شيئا لا يمكن تمييزه عن بقية عناصر الطبيعة - لحاء شجرة، خشب متيبس، حجرة خشنة. لم يكن هناك شيء غريب في رغبتها بحضور عرس أقاربها، باعتبار أنه سينضم أيضا أبناء عم من مورافيا ومن لوبلين النائية.       

جلس أشير القرفصاء بجوار السرير المنخفض واشتم مباشرة ملوحة العرق البشري ثم - فكر لدقيقة من الوقت، محاولا تحديد نوع الرائحة - ورأى أنها رائحة تفوح من الأطفال. في عمر يانتي، تكون رائحة الإنسان مثل رائحة الطفل مجددا. كان يعلم أن هذه المرأة لا تعاني من شيء - بل هي ببساطة تحتضر وتموت. فحصها بعناية ولم يجد شيئا غير التقدم بالعمر. كان قلبها ينبض بخفوت وبلا انتظام، كما لو أنها منهكة. وكانت بشرتها نظيفة غير أنها رقيقة وجافة، مثل رقعة ورق. وعيناها زجاجيتان وغائرتان. وصدغاها يغوصان للداخل أيضا، وهي بالتأكيد إشارة على الانحدار للموت. وفي حلقها، تحت قميصها غير المزرر بإحكام، يمكنه رؤية بعض الخطوط والعقد. لامس إحدى قبضتي المرأة العجوز المضمومتين، فقاومته قليلا، ثم، كما لو تملكها الخزي، تفتحت يدها كزهرة الصحراء. وفي راحتها وجد قطعة من الحرير، مغطاة بكاملها بحروف عريضة: ש״ץ (*شاتز). وبدا تقريبا أن يانتي تبتسم له بفمها الأدرد. وبعينيها الغائرتين السوداوين اللتين تعكسان بريق الشمعة المشتعلة.

وشعر أشير كما لو أن هذا الانعكاس يأتيه من مسافة بعيدة، من أعماق غير مقدرة يمتلك مثلها كل البشر. سأله إليشا فجأة وهو يقتحم ذلك الفضاء المزدحم:”ما خطبها؟. ما خطبها؟”. 

نهض أشير ببطء ونظر لوجهه المضطرب. قال:”ماذا تعتقد؟. هي تموت. لن تعيش حتى يوم الزفاف”. أجاب وجه أشير روبين دون كلام: لماذا أتوا بها إلى هنا وهي بهذه الحالة؟. قبض عليه إليشا من كوعه وجره جانبا. قال:”لديك طرقك التي لا نعرفها. أليس كذلك؟. من فضلك أنجدنا يا أشير. اللحوم أصبحت جاهزة، وقشرنا الجزر. ونقعنا الزبيب في الأطباق. والنساء ينظفن القريدس. ألا ترى عدد الضيوف الكبير؟”. قال روبين: “لكن قلبها يدق بصعوبة. ليس بيدي شيء. ما كان يجب حملها على القيام بهذه الرحلة”. وبدماثة حرر كوعه من قبضة إليشا شور وتوجه إلى الباب.

باعتبار أن يانتي هي أكبر الموجودين بالعمر، كل من حضر الزفاف عمد لزيارتها أولا. وتدفق الضيوف نحو غرفتها الصغيرة في البيت الثاني والموجودة في نهاية المتاهة، وعلى الطرف المقابل من شارع المقبرة، ولذلك توجب عليهم المرور بباحة إضافية.  واختلس الأطفال النظر من شقوق في الجدران - لا يزال يوجد وقت لسدها قبل موسم الشتاء. أما هايا ابنة إليشا فقد جالستها لبعض الوقت. وضعت يانتي يدي هايا على وجهها، ولمست عينيها، شفتيها، وخديها - وشاهد الأطفال ذلك. ثم ربتت على رأسها. أحضرت لها هايا حصتها، وقدمت لها حساء الدجاج لتشربه، وأضافت له ملء ملعقة من دهن الإوز، وعركت يانتي شفتيها الجافتين والرفيعتين بعد أن انتهت، ولكن الدهن لم يمنحها القوة الكافية لتنهض. وما أن وصل المورافيان سلمان زالمان وشنايدل، زوجته اليافعة، أسرعا لزيارة خالتهما المسنة. استغرقت الرحلة من برون قرابة ثلاثة أسابيع للوصول، واضطرا للمرور من زلين وبريشاو، ثم دروبيش، ولكن الخطة لم تتضمن العودة من نفس الطريق. فقد هاجمهما بعض الجناة الهاربين في الجبال، وتوجب على زالمان أن يدفع فدية كبيرة - ومن حسن حظهما أن الجناة لم يسلبوا كل شيء يحملانه. وقررا العودة من كراكوف، قبل هطول الثلوج. كانت شنايدل حاملا بطفلها الأول، وللتو أخبرت زوجها بالنبأ. وغالبا ما كان ينتابها الدوار.  

ولم يكن ينفع أن يحييها عبير القهوة والبهارات لحظة الدخول إلى دارة شور الكبيرة، أو في المتاجر. وكذلك لم تعجبها رائحة يانتي العجوز. كانت تخشى من هذه المرأة، بثيابها المربكة وشعرها المنسدل على ذقنها كما لو أنها حيوان بري. في مورافيا تبدو سحنة النساء المسنات مرتبة ومريحة - تلبسن قبعات منشاة ومآزر نظيفة. واقتنعت شنايدل أن يانتي ساحرة. وخافت من الجلوس على طرف سريرها، رغم إلحاح الجميع أن تفعل ذلك. كانت تخاف أن تمرر العجوز شيئا لجنينها. شيئا مسحورا. جنونا مطبقا. وحرصت أن لا تلمس أي شيء في الغرفة الصغيرة. ولم تتوقف رائحة الغرفة عن إلحاق الغثيان بها. وكان أقاربها المنتسبون إلى بودوليا يظهرون لها بمظهر ضار ومتوحش.

وفي النهاية دفعوا شنايدل نحو المرأة العجوز، فقبعت على طرف السرير، متأهبة للفرار في أية لحظة. كانت تنبعث منها رائحة الشمع - فقد كانت تشم بالسر الشموع المشتعلة - ومعها رائحة الطين الممزوج بروث الجواد، أضف له الآن كما تعلم الفودكا. وكان زالمان أكبر منها بشكل واضح، ببنية متينة وبطن منتفخة، وهو بأواسط العمر وله لحية، ومعتز بزوجته الجميلة، التي يقدم لها بين كل لحظة وأخرى جرعة من الفودكا. تذوقت شنايدل الشراب ولكن لم تتمكن من ابتلاعه. ولفظته على الأرض. وعندما جلست الزوجة الشابة، مدت يانتي يدها من تحت جلد الذئب ورمتها على بطن شنايدل. لم تكن بطنها منتفخة، لكن أمكن يانتي أن ترى الروح الثانية التي تسكن في جوف شنايدل، روح لا تزال غير واضحة. ويصعب وصفها لأنها تضاعفت. هذه الأرواح الحرة والفريدة توجد في كل الأرجاء، بانتظار الفرصة لتقبض على شيء لا نملكه. والآن هي تتقمص كتلة صغيرة، تبدو قليلا أشبه بشرغوف، مع ذلك لا يوجد شيء مادي و ملموس فيها، مزق فقط، أخيلة وظل. ويتغلغلون فيها، ويجربونها. الأرواح تتشكل من خطوط: صور وتراكم وذكريات أفعالنا، وشظايا عبارات لم تكتمل، وحروف. لم تشاهد يانتي كل ذلك من قبل بهذا الوضوح. و إن شئت الحقيقة لم تشعر شنايدل أنها تشارك في هذا الإحساس بذلك الحضور - كما لو أن دستة من الأيدي الغريبة تضغط عليها، كما لو أن مئات الأصابع تلمسها. ولم تكن تريد أن تلجأ لزوجها - وفي كل حال لم تكن لتجد الكلمات المناسبة.  جلس الرجال في غرفة منفصلة، واجتمعت النساء في غرفة يانتي، التي اتسعت لهن بصعوبة.  

وبين حين وآخر يأتي شخص بالفودكا من المطبخ، فودكا الزفاف، بطريقة شبه سرية، مثل مهرب، ولكن طبعا هذا أيضا، كان جزءا من اللعبة.

وكان المحتشدون والمتأهبون للحفل، ينسون أنفسهم و يبدأون بالتهريج، ولم يكن يبدو أن ذلك يقلق المريضة يانتي - وربما سرها أنها مركز هذا المرح. أحيانا يسترقون منها نظرة، مرتبكة مغمورة بمشاعر الذنب وهي تغط بغيبوبتها، ثم بعد لحظة تستيقظ وعلى وجهها ابتسامة طفولية. منحت شنايدل هايا نظرة معبرة، حينما مهدت هايا جلد الذئب للمرأة العجوز، ولفت وشاحها حول رقبة يانتي، ولاحظت القلادات التي ترتديها - جيوب جلدية صغيرة مربوطة بخيط، قطع خشبية صغيرة تحمل كتابات رمزية، أشكال منحوتة من العظام. ولم تجرؤ هايا أن تلمسها. فالنساء تنقل عنها حكايات مرعبة - أشباح، وأرواح مفقودة، وأشخاص يفنون وهم أحياء، ولعنات شريرة. قالت تزيبا، امرأة مثقفة، وزوجة المسن نوتكا:”لو علمنا عدد الأرواح الشريرة التي تحشر نفسها في نقطة دم منا، سنتوجه جميعا قلبا وقالبا لخالق هذا العالم”.

سألت واحدة من العجائز بهمسة مرتعشة:”وأين هي هذه الأرواح؟”. حملت تزيبا عصا من الأرض المتسخة وأشارت لطرفها وقالت:”هنا!. هنا موجودة كلها. انظرن جيدا”. حدقت النساء بطرف العصا، وطرفت عيونهن بطريقة مضحكة، وبدأت إحداهن تقهقه، وبضوء الشموع القليلة المشتعلة شاهدن ظلين أو ثلاثة، ولكن لم تقع أنظارهن على أية روح.

في الليل حينما ذهب الجميع للنوم، خط أليشا شور وهو يكتب بضوء الشموع الحروف التالية على رقعة صغيرة من الورق: המתנה, המתנה, המתנה (تهيأ، انتظار، انتظار) 

Hey-mem-tav-nun-hey . Hamtana. انتظار.

وقفت هايا بثوب النوم الأبيض، وتابعت دائرة غير مرئية مرسومة بالفراغ حولها. والآن حملت رقعة الورق فوق رأسها. ووقفت بهذه الطريقة لفترة طويلة. كان فمها يتحرك. ونفخت على الورقة عدة مرات، ثم لفتها بعناية فائقة ودستها في إسطوانة خشبية بحجم الإبهام. وانتظرت هناك لفترة طويلة، صامتة، رأسها منكس، ثم فجأة مصت أصابعها ومررت شريطا من ثقب في التميمة، التي مررتها لوالدها. وانزلق أليشا والشمعة بيده من البيت الغارق بالنوم والذي ينبعث منه الشخير، وعبر من الممر الضيق، للغرفة التي تنام فيها يانتي. وجمد عند الباب يصغي. ولم يزعجه أي شيء سمعه هنا، ثم فتح الباب بحذر، واستسلم له الباب بطواعية دون أي ضجة، وشاهد مساحة مزدحمة مضاءة بضوء خفيف يأتي من فانوس زيتي. كان أنف يانتي الحاد شامخا للأعلى، نحو السقف، ويلقي ظلا صامدا على الجدار. وتوجب على أليشا المرور من الممر كي يضع التميمة فوق رقبة المرأة المحتضرة. وحينما مال عليها، خفق جفناها، وتجمد أليشا في منتصف حركته، ولكن لم يكن هناك شيء. كانت بوضوح تحلم. كانت أنفاسها خفيفة جدا لدرجة لا تشعر بها. ربط أليشا نهاية الشريط ومرر التميمة تحت ثوب نوم العجوز. ثم استدار على رؤوس أصابعه واختفى بهدوء كما جاء. وعندما انخفض نور الشمعة في شقوق الخشب، فتحت يانتي عينيها، وبيد ضعيفة، لمست التميمة. كانت تعلم المكتوب عليها. قطعت الشريط، وفتحت الأنبوب، وابتلعت قطعة الورق كأنها حبة دواء. وتابع الخدم القدوم لغرفة يانتي الصغرة والمزدحمة يحملون معاطف الضيوف. ألقوها ناحية أقدام السرير. وعندما شرعت الموسيقا تعزف، كان من العسير أن تشاهد يانتي تحت أكوام الملابس، وفقط عندما أتت هايا رتبت الأوضاع، ونقلت المعاطف إلى الأرض. انحنت هايا على خالتها المسنة وأصاخت السمع لتنفسها، كان يبدو أضعف من نسمات تصدر عن خفقات أجنحة فراشة. لكن قلبها كان ينبض. كانت هايا محمرة قليلا بفعل الفودكا، وقد ضغطت أذنها على صدر يانتي، وفوق تجمع التمائم، والخيوط، والأشرطة، وسمعت دقات خفيفة، بطيئة، نبضات متباعدة تعادل تباعد أنفاس يانتي. نادت هايا بهدوء:”بابكيا يانتي”. وتولد عندها شعور أن عيني العجوز نصف المفتوحتين خفقتا، وتحرك بؤبؤاها، وأن شيئا شبيها بابتسامة ارتسمت على شفتيها. كانت ابتسامة شاردة - غير مستقرة، أحيانا زوايا فمها ترتفع، وأحيانا تنخفض، ثم بدا الموت على يانتي. كانت يداها دافئتين، وليس باردتين، وبشرتها ناعمة وشاحبة. سرحت هايا شعر يانتي، فقد ظهر من تحت منديلها. ثم مالت على أذنها قالت:”هل أنت معنا؟”. ومجددا ظهرت تلك الابتسامة من مكان مجهول وشقت طريقها على وجه العجوز. ولم تستمر إلا دقيقة ثم اختفت. ونبه هايا من بعيد صوت أقدام تقرع الأرض، فقبلت العجوز من خدها الدافئ وأسرعت للرقص.

من غرفة يانتي لا يمكنك أن تميز الألحان بشكل واضح، فقد حجزتها الجدران الخشبية، والممرات الملولبة التي تحول كل نغمة إلى دمدمة خافتة. وكل ما بوسعك أن تسمعه هو صوت خبط خطوات الرقصات، ومن حين للآخر زعقات عالية. شعرت يانتي بالفضول لتعرف ماذا يجري هناك. وأدهشها أنها انزلقت من جسمها وأصبحت معلقة فوقه، ونظرت لوجهها بعينيها، كان متخاذلا وشاحبا، ويغمره شعور غريب، وسرعان ما انجرفت بعيدا، وانزلقت مع تيار الهواء، وذبذبات الأصوات، ومرت بلا صعوبة من خلال جدران وأبواب خشبية. وأصبح باستطاعة يانتي أن تشاهد كل شيء من أعلى، ثم عادت نظراتها إلى تحت جفنيها المطبقين. وهكذا مرت بقية الليلة. تطير وتخمد. تجتاز الحدود وتعود. وأتعبها ذلك. لم تبذل جهدا كما هو حالها الآن، ولا حتى حينما كانت تعتني بالحديقة. ومع ذلك لم يكن الطيران والسقوط يخلوان من المتعة. الشيء الكريه الوحيد هو تلك الحركة، الهامسة ولكن المصممة، والتي حاولت أن تجرها لمكان بعيد، لما بعد الأفق، تلك القوة، الغريبة والفظة، والتي يستحيل مقاومتها، أو منعها بالتمائم التي تحمي جسمها من الداخل، وتعكس مفعولها. شيء غريب - طارت أفكارها في أرجاء المنطقة. قال صوت ما في رأسها:”الريح”. ولا شك أنه صوتها. الريح هي رؤيا الأموات حين يتأملون العالم الذي أتوا منه. كانت تريد أن تقول إلى هايا: ألم تشاهدي حقلا من الأعشاب، كيف الأوراق تنحني للأسفل وتتباعد؟. هذا لأن شخصا ميتا يراقبها. إذا أحصيت عدد الأموات ستلاحظين أنهم يتوفوقون بالعدد على الأحياء. أرواحهم مطهرة، باعتبار أنهم مروا بعدة أطوار من الحياة، والآن ينتظرون المسيح، الذي سيظهر لينهي مهمته. وهم يتابعون كل شيء. ولهذا السبب تهب الريح على الأرض. الريح هي نظرتهم التي ترعى حياتنا.

بعد لحظة من التردد الاضطراري، انضمت للريح التي تطير فوق بيوت روهاياتان بمساكنها الصغيرة المتواضعة، فوق العربات المتجمعة في ساحة السوق على أمل مرور زبون، وفوق المقابر الثلاثة، وفوق الكنائس الكاثوليكية، والمعبد اليهودي، والكنيسة الأرثوذوكسية، وردهة روهاياتان - ثم تابعت، وهي تخشخش بين الأوراق المصفرة التي تغطي التلال، في البداية دون نظام، وبعشوائية، ولاحقا، كما لو أنها كانت تتعلم كيف ترقص، ضاعفت من سرعتها على ضفاف الأنهار طوال الطريق حتى بلغت دنيستير. وهناك تمهلت. فقد غلت الدهشة يانتي حينما شاهدت التعرجات العجيبة التي يتبعها مجرى النهر، تعرجاته مثل خطوط حرف ג (جيميل) وحرف ר (راش). ثم تابعت فوق الحدود التي ارتطمت بالنهر لتقسم بلدين - مع أن يانتي لا ترى ببصيرتها مثل هذه الحدود. ووجدت يانتي نفسها في الريف، قرب بريزيجاني. هذا هو اليوم الذي حملتها أمها به. واليوم فقط يمكنها الشعور بذلك. بهذه الحالة الغريبة وجدت يانتي نفسها، فهل هي قادرة على تبديل الأشياء قليلا؟. التأثير باتجاه الأحداث؟. هل يمكنها ذلك؟. لو بمقدورها ستبدل هذا اليوم بالتحديد.

شاهدت امرأة شابة تمر عبر الحقول ومعها سلة بيدها، وفيها إوزتان. كانت رقبتاهما تتحركان مع إيقاع خطواتها، وعيونهما المستديرة تنظر حولهما بثقة تألفها الحيوانات الأليفة. واقتربت دورية فرسان قوزاق وجاءت قفزا من الغابة، وكانت تكبر كلما أمعنت النظر بها. وأصبح الوقت متأخرا على الهرب. وقفت المرأة مرعوبة، وغطت وجهها بالإوزتين. وحاصرتها الجياد. وأحكمت الحصار. ترجل الفرسان كأنهم في مهمة، وجرى كل شيء بسرعة، وبصمت. ألقوها بهدوء على العشب، سقطت السلة، وخرجت منها الإوزتان، لكن لم تبتعدا، كانتا تنفخان قليلا، وبهدوء، يشبه التهديد والتحذير أنهما شاهدتان على ما يجري. قبض اثنان على الجياد، وفك الآخر حزام سرواله المجعد والعريض واستلقى فوق المرأة. ثم تبادلوا الأدوار. الثاني كان أسرع من سابقه كأنه توجب عليه أداء هذه الحركات بتسرع. ولم يكن توجد إشارة تدل على استمتاع الرجال بذلك. كانت بذورهم تنسكب في المرأة ثم تنثال على العشب. الأخير ضغط على رقبتها، واستسلمت المرأة لفكرة أنها ستلقى حتفها.  لكن الآخرين قدما له زمام جواده، وعاد الرجل على صهوة حصانه. نظر إليها دقيقة إضافية، كأنه يريد أن يتذكر ضحيته. ثم ابتعدوا بسرعة. استغرق الحادث عدة دقائق. جلست المرأة وساقاها مفتوحتان، والإوزتان الخجولتان تنظران لها، وتقرقران بعدم رضا. بقطعة من معطفها مسحت ما بين ساقيها، ثم اقتلعت بعض الأوراق والأعشاب. وأسرعت للجدول ورفعت تنورتها عاليا وجلست في الماء، لتطرد كل الكائنات المنوية من داخلها. واعتقدت الإوزتان أنها تشجعهما، وترنحتا نحو ضفة النهر. وقبل أن تعزما على السباحة، وتلجما إفراز الأنسرين، أعادتهما المرأة إلى السلة. وعادت لطريقها. وأبطأت عندما اقتربت من القرية، وأصبحت خطواتها أضعف، ثم توقفت، كأنها بلغت حدودا غير مرئية. هذه أم يانتي. وهذا هو السبب الدائم لمراقبة ابنتها عن مقربة، في النهاية، كبرت يانتي واعتادت على نظرات أمها، نظرة الشك التي تأتي من مكان جلوس أمها عند الطاولة وهي تقوم بواجب ما، أو وهي واقفة تقطع الخضار، أو تقشر البيض المسلوق، أو تنظف الأواني. 

كانت أمها تحرسها كل الوقت مثل ذئب، مثل كلب مستعد ليغرس أنيابه في حلقها. ومع الزمن، بدأت تظهر رواسب من أثر هذه الحراسة: ارتفاع بالشفة السفلى، حتى كادت أن تلمس أنفها - ليس تعبيرا عن الضغينة أو الغضب، لكنها مرئية قليلا، وغير ذات أهمية. وتذكرت كيف أن أمها، وهي تسرح شعرها في أحد الأيام، وجدت وحمة سوداء فوق أذنها وتفاءلت بها. قالت لوالد يانتي:”انظر. لها وحمة بنفس مكان وحمتك، ولكن على الطرف الآخر. كأنها انعكاس بالمرآة”. وأصغى الوالد بذهن شارد. لم يكن يشك بأي شيء طوال حياته. وتوفيت أم يانتي وبقي سر وفاتها معه. ماتت وهي ترتجف بغضب. لا بد أنها كانت مثل وحش ضار. كانت يانتي مولودها الحادي عشر. وسماها أبوها يانتي، ويعني “هي التي أذاعت الأخبار”، و"هي التي تعلم الآخرين”. ولم يكن لدى والدتها قوة للعناية بها - كانت هشة بالروح والجسد. وكبرت يانتي في حضن النساء الأخريات اللواتي كن تتجولن في أرجاء البيت - أبناء العم، خالة، ولبعض الوقت، جدتها. وكانت تتذكر كيف كانت أمها تتخلى عن قبعتها في المساء - وهكذا يمكن ليانتي أن ترى من فوق وعن مقربة، شعر أمها البائس، وهو مشذب جدا، لينمو على جلدها الرقيق وغير المعافى.

ليانتي ستة أخوة أكبر منها، سافروا إلى يشيفا، لكن في الوطن، نسخوا فقرات من الكتاب المقدس بتأن بينما هي تنتظر عند الطاولة التي جلسوا عليها، فقد كانت يافعة جدا ولا يمكن أن تقوم بأعمال نساء ناضجات.

كذلك لديها أربع أخوات أكبر منها، إحداهن متزوجة. وتم بذل جهود محسوسة لتزويج الثانية. أما أبوها فقد تعرف على اهتمامها وطاقاتها بما يخص الحروف الهجائية، واعتقد أنه يمكن أن يعرضها عليها مثل صور صغيرة، مثل جواهر ونجوم. الألف المحبوب، مثل صورة مخالب الهرة. شين، مثل قارب بشراع مصنوع من الخشب الذي يطفو على الماء. لكن يانتي التي تعرف متى وكيف، تعلمت الحروف بطريقة مغايرة - بطريقة تساعدها سريعا على صناعة الكلمات. ضربت أمها يديها بعنف مفرط، كما لو أن يانتي تعالت كثيرا. لم تكن أمها تعرف كيف تقرأ. لكن كانت تصغي بحبور حينما يكون والد يانتي في بعض المناسبات، أو في مناسبات متكررة حين يكون أبراميك المشلول، وهو من الأقارب البعيدين، يروي للنساء والأولاد حكايات من كتب مكتوبة باليديشية. كان أبراميك يفعل ذلك دائما بصوت بسيط، كما لو أن الكلمات المكتوبة بطبيعتها تقبل الحزن والرثاء.       

كان يبدأ في الظلام الباكر، مستعينا بنور الشمعة الخفيف، وهكذا يتابع القراءة، ويظهر في البيت في الأمسيات حينما تكون القرية تحت وطأة أحزان القبالة التي لا تحتمل. فقد كان يوجد منهم عدد قليل في تلك الأيام. وقد احتفظ الناس بذكريات تلك الأحزان بنفس الطريقة التي أغرم بها البعض بالفودكا. والجميع يغلب عليهم الحزن الأسود ويصبحون جاهزين للنواح والشفقة. ثم يلمسون بأيديهم كل شيء رواه أبراماك، ويحنون لشيء ملموس - ولكن لم يكن هناك أي شيء منه. كان العجز فظيعا. ويتبعه اليأس العميق. كل ما حولهم ظلام وبرد ورطوبة خانقة. في الصيف، غبار وأعشاب يابسة وحجارة. أين كان كل ذلك، ذلك العالم، تلك الحياة؟. أين كانت الفردوس، وكيف يمكننا أن نصل؟. بالنسبة ليانتي الصغيرة كانت كل أمسية تتخللها تلك القصص تبدو خانقة، ومظلمة، وغير نفوذة، ولا سيما إذا قال إبراماك المشلول:”من الشائع أن الفضاء في العالم مليء بالأشباح والأرواح الشريرة، التي تتكاثر من خطايا البشر. فهي تطفو وتسبح في الهواء، كما هو مسجل تماما في الزوهار. كان علينا حراستها والتستر عليها ونحن بالطريق إلى المعبد، ولذلك كان علينا أن نفهم المكتوب في الزوهار، بالتحديد أن مصادر التهديد تنتظرك في طريقك من الجهة اليسرى، فقد كانت الميزوزا محفوظة على الجهة اليمنى، وعلى الميزوزا تجد اسم الله، شاداي، وهو يتكفل بإلحاق الهزيمة بمصادر الضرر. وهذا وحده يفسر معاني الميزوزا:” وشاداي سيكون واقفا على عتبة باب بيتك”. أشاروا برؤوسهم علامة الموافقة. هذا شيء نعلم به. الجهة اليسرى. ويانتي تعلم هذا. همست أمها تقول:”هذا الفضاء مملوء بالعيون”. وجعلتها تدور حول نفسها مثل دمية من القماش تريد تبديل ثيابها.

“إنهم يراقبونك. فكري بطلبك، وسترد الأرواح فورا. كل ما عليك أن تتحلي بالقدرة على الاستفسار. ولتجدي تلك الأجوبة التي تتلقينها: في الحليب الذي سال منك بشكل حرف ساميخ، بشكل أثر حافر الحصان المشابه لحرف شين. اجمعي، اجمعي هذه الحروف، وسريعا ستقرأين الجملة كلها. أين الفن بقراءة كتاب كتبه الإنسان بينما كل العالم كتاب وضعه الله، حتى طريق الغضار يقود إلى النهر؟. انظري إليه. ريش الإوز أيضا، والحلقات الجافة في خشب ألواح السور، والصدوع في الغضار الذي نشيد منه جدران المنازل - هذا بالضبط هو مثل حرف الشين. أنت تعرفين كيف تقرأين، إذا اقرئي يا يانتي”.

كانت تخاف أمها، وكيف. هي امرأة رفيعة وصغيرة، وكانت تتمتم دائما شيئا، ودائما باحترام. “ناشزة” هذا ما كان يقول عنها كل أهل القرية. وذهنها يتبدل بسرعة ولا تعرف يانتي إذا كانت أمها، ستجلسها في حضنها، وتقبلها وتحضنها أو تعصر كتفيها بقوة وتهدهدها. ولذلك فضلت أن تبتعد عن طريقها حسب. كانت تراقب يدي أمها النحيلتين وهي تودع آخر قسط من مهر عرسها في الصندوق المحكم الإغلاق - فقد جاءت من أسرة كريمة المحتد وثرية من يهود السيليزيان، ولكن لم يتبق من تلك الثروة إلا القليل. وقد سمعت يانتي والديها ينوحان على سريرها، وعلمت أن والدها يلاحق الديبوك (*روح شريرة لدى اليهود) الذي تقمص أمها، وهذا شيء أسره لنفسه ولم يعلنه لبقية العائلة. 

في البداية حاولت أمها أن تهرب منه، لكنها أخذت نفسا عميقا، مثل شخص يغمر نفسه في الماء البارد، في ميكفاه، الماء المثلج (*اسم طقس الغمر بالماء عند اليهود)، حيث يمكنها الاختباء من الشيطان. وحينما كانت يانتي في فاقة ومجاعة راقبت بالسر ذات مرة أمها وهي تأكل حصص الجميع - كان ظهرها منحنيا، ووجهها مسترسلا، وعيناها فارغتين. كانتا سوداوين ولا يمكن ملاحظة البؤبؤين فيهما. وعندما بلغت يانتي العام السابع من عمرها، توفيت أمها أثناء الولادة، مع الطفل الذي لم يكن يقوى على شق طريقه من داخلها. وبالنسبة لتفكير يانتي كانت تراه دايبوك (روحا شريرة)، أكلته أمها حينما سرقت الحصص المقدرة للبقية، ولم يتمكن الوالد من طرده خلال أوقات الشدة تلك. فقد وجد دايبوك في معدة أمها مخزنا لها ولم يرغب بمغادرته.

والموت - كان هو العقاب.  

في الصباح حينما كان الجميع ينامون بعد الزفاف في كل زاوية من البيت، وحينما أصبح الغبار في الغرفة الكبيرة بعد أن وطأته الأقدام يبدو ترابا، دخل إليشا شور لغرفة نوم يانتي. كان متعبا، وعيناه محمرتين. جلس بقربها على السرير، وتأرجح للأمام والخلف، وهمس:”انتهى كل شيء يا يانتي. يمكنك أن ترحلي. لا تغضبي لأنني تركتك لفترة طويلة. لم يكن لدي بديل”. ثم ببطء سحب من تحت رقبتها حفنة من الخيوط والأشرطة الجلدية، ونظر لواحد منها على وجه التحديد، ثم مررها واحدا بعد الآخر بين أصابعه. وافترض أن عينيه المرهقتين لم تلاحظا ذلك. كرر ذلك عدة مرات - وعدّ التمائم الصغيرة، والأكياس والجيوب الجلدية وأقراص العظام التي عليها تعازيم. الجميع يتحلى بها. لكن النساء المسنات مثل يانتي ترتدينها بشكل خاص. لا بد أنه تتواجد عدة عشرات من الملائكة تطير حول يانتي، ومعها أرواح حارسة، وكائنات أخرى، لا يمكن تسميتها. ولكن قلادته المسحورة لم تكن موجودة. وجد الخيط المربوط بها فقط، وكان محلولا، وبلا أي شيء يتعلق به. لقد اختفت القلادة المسحورة - التميمة. لكن كيف حصل ذلك؟. تصلب أليشا شور، وأصبحت حركاته عصبية. وبدأ يتفحص العجوز. رقدت يانتي هناك مثل كلب، دون حراك، وابتسامتها تتوسع على وجهها، نفس الابتسامة التي لاحظتها ابنته هايا سابقا.  

جر جسمها المستلقي وبحث تحت ظهرها، وتحت وركيها، وكشف كل أجزاء يانتي الهزيلة، قدميها العظميتين الضخمتين، واللتين برزتا من تحت تنورتها. وفتش في ثنايا قميصها، وتأمل راحتيها، وفي الختام، بمزيد من الرعب، بحث في وسادتها، في الملاءات، اللحاف، الغطاء، وتحت السرير وحوله. كيف أمكن ذلك؟. كان مشهدا هزليا، هذا التفتيش الملحاح لسرير امرأة مسنة وبيد رجل ناضج، كما لو أنه أخطأ بها واعتقد أنها شابة وكان يحاول بخراقة أن يتعلق بها.

قال لها بهمسة ثاقبة:”هل ستخبرينني بما سيحصل يا يانتي؟”. كان كأنه يكلم طفلا ارتكب خطأ فادحا، ولكنها، طبعا، لم تستجب، ارتعش جفناها فقط، وتحركت مقلتاها لطرف للحظة واحدة، ثم لطرف آخر، وارتعشت ابتسامتها قليلا، بشكل غير واضح تقريبا، لكن لم تذهب من شفتيها.

سألت هايا أباها:”ماذا كتبت عليها؟”. كانت نائمة بقميص النوم ومنديل على رأسها، وقد جاءت تركض بعد أن ناداها. كان إليشا مضطربا، والتجاعيد على جبينه تتحول لتموجات متتالية وناعمة جذبت نظرات هايا. هكذا دائما يكون شكل أبيها حينما يشعر بالذنب.

قال:”تعلمين ماذا كتبت. كنت أمسك بظهرها”.

“هل علقتها حول رقبتها؟”.

أومأ والدها برأسه.

“من المفروض أن تضعها في علبة مقفلة يا والدي”.

تنهد والدها بيأس وقالت هايا:“أنت مثل الأطفال”. وفورا شعر بالتحسس والغضب. “كيف يمكنك ذلك؟. ضعها حول رقبتها فقط؟ حسنا، أين هي الآن؟”.

“إنها ليست في أي مكان. لقد اختفت”.

“لا شيء يختفي هكذا”. وبدأت هايا التفتيش، ولكنها سريعا انتبهت أن لا جدوى من ذلك.

قال:”لقد اختفت. لقد بحثت”.

قالت هايا:”أكلتها. ابتلعتها”.

ارتعش والدها بصمت. ثم قال بمزيد من اليأس، والقنوط يرتفع مع صوته:” لن تموت الآن”. وظهر تعبير واضح يدل على الصدمة والشك على وجه هايا. ثم ببطء أصبحت دهشة. ضحكت بهدوء في البداية، ثم بصوت أقوى وأقوى، حتى ملأ هدير عميق الغرفة الصغيرة وتفجر من الجدران الخشبية. غطى والدها فمه بيديه. الورقة التي ابتلعتها يانتي استقرت في المري قرب قلبها. وبللها لعابها. والحبر الأسود المحضر بطريقة خاصة ذاب الآن، وفقدت الحروف شكلها. ضمن الجسم البشري الكلمة انشطرت لاثنتين: المادة والجوهر. وعندما يتلاشى الأول، الثاني يستسلم دون شكل، وربما يمتصه نسيج الجسم، باعتبار أن الجوهر دائما يبحث عن ناقل في المادة - ولو أن هذا هو السبب لعدد من المناسبات السيئة. ذات يوم ستفهم يانتي أن الأجسام مثل الأوراق، هي مستودع النور، لفصل واحد، لعدة شهور. ثم تسقط ميتة وتجف، وتطحنها العتمة وتحولها لغبار، حتى إذا إذا جاهدت الأرواح داخلها بكل قواها لتجديد دورة الحياة والدخول بدورة تقمص جديدة.

والآن، وهي مستلقية ومغطاة حتى رقبتها بجلد الذئب، ابتسمت يانتي ببساطة، وهي تعلم أنها خدعت الجميع.

***

.........................

* الترجمة عن البولونية: جينيفر كروفت. منشورة في النيويوركر عدد 13 أيلول 2021.

* أولغا توكارشوك  Olga Tokarczuk  كاتبة بولونية. حازت على نوبل. من أهم أعمالها “رحلات”2018،” بيت النهار، وبيت الليل” 2003، “الروح المفقودة” 2021....

 

 

 

عبد الوهاب البراهميأندريه شديد   Andrée Chédid 

ترجمة : عبد الوهاب البراهمـي


 " الأنا آخر" أرتير. رنبو

من فرط ما أكتب لنفسي

أعرف نفسي قليلا

أبحث عن الآخر

فأتبيّن عن بُعْد

المرأةَ التي كنتُ

أميّز حركاتها

أنساب على عيوبها

وأتسلّل إلى الداخل

بوعي غائب

أستكشف نظرتها

مثل لياليها

أكشف وأعرّي سماءً

دون جواب و دون صوت

أجتاز ميادين أخرى

وأبتكر لغتي

وألوذ بالشعر

نُثاٌر على أرضي

أردّد فيها همسًا

إبداعاتي وذكرياتي

من فرط ما أكتب لنفسي

أعرف نفسي قليلا

وأعثر على الآخر.

***

............................

* قصيد غير مطبوع  - أوصى به " ربيع الشعراء" 2008

* ولدت "أندريه صعب" (شديد) شاعرة وأديبة من أصول سورية - مصرية ولدت 20 مارس 1920 بالقاهرة وماتت 6 فيفري 2011 بباريس .

الرابط:

https://www.poetica.fr/?s=l%27autre+andr%C3%A9e+ch%C3%A9did&submit.x=21ا&submit.y=19

...................

L’Autre

Andrée Chédid

« Je est un autre. » Arthur R.

À force de m’écrire

Je me découvre un peu

Je recherche l’Autre

J’aperçois au loin

La femme que j’ai été

Je discerne ses gestes

Je glisse sur ses défauts

Je pénètre à l’intérieur

D’une conscience évanouie

J’explore son regard

Comme ses nuits

Je dépiste et dénude un ciel

Sans réponse et sans voix

Je parcours d’autres domaines

J’invente mon langage

Et m’évade en Poésie

Retombée sur ma Terre

J’y répète à voix basse

Inventions et souvenirs

À force de m’écrire

Je me découvre un peu

Et je retrouve l’Autre.

 

Andrée Chédid

Poème inédit commandé par le Printemps des Poètes 2008.

Berthe Morisot, "Devant le miroir"

 

 

2842 رسل أدسنبقلم: رسل أدسن

ترجمة: عادل صالح الزبيدي


  الشيء الكبير

يدخل شيء كبير.

يقول شخص، اخرج ايها الشيء الكبير.

يخرج الشيء الكبير ويعود ثانية.

يقول شخص، اخرج ايها الشيء الكبير وأبق في الخارج.

يخرج الشيء الكبير ويبقى في الخارج

ثم يبدأ ذلك الشخص نفسه الذي كان يأمر الشيء الكبير بالخروج

بالشعور بالوحدة فيقول، ادخل ايها الشيء الكبير.

ولكن حين يصبح الشيء الكبير في الداخل، يقرر هذا الشخص نفسه

ان من الأفضل على الشيء الكبير ان يخرج.

يقول الشخص نفسه، اخرج ايها الشيء الكبير.

يخرج الشيء الكبير.

اوه، لماذا قلت ذلك؟ هكذا يقول الشخص الذي يبدأ بالشعور بالوحدة ثانية.

ولكن في هذه الأثناء عاد الشيء الكبير على أية حال.

فيقول الشخص نفسه للشيء الكبير، حسن، كنت على وشك ان ادعوك لتعود.

***

....................

رسل أدسن (1928 – 2014): شاعر أميركي يعد أبرز من كتب قصيدة النثر في أميركا. نشر أحدى عشرة مجموعة من قصائد النثر ورواية واحدة بعنوان (أغنية برسيفال بيكوك)(1992) و مجموعة مسرحيات بعنوان (المرض الساقط)(1975). من عناوين مجموعاته الشعرية: (احتفاليات في فضاء عازب)1951، (الشيء عينه الذي يحدث) 1964، (المسرح الهادئ) 1977، ((الفطور الجريح) 1985، (النفق)  1994، (المرآة المعذبة) 2001 ، و(زوجة الديك) 2005.

 

 

سهيل الزهاويبقلم: إلين ال. آبيَ لوند

ترجمة: سهيل الزهاوي من النرويجية


 حزني على الطائر الأسود.

 حين يفقد الأمان في الشتاء القارس،

وهو يحلق هاربا

 ولكن احيانا،

يرتفع الطائر عاليا ،

عندما يكون في الأفق،

تحت أشعة الشمس.

تسْطَعُ أجنِحَتُه لاَمِعَةٌ بلون ذهبي.

***

..........

إلين ال. آبيَ لوند: شاعرة نرويجية كتبت هذه القصيدة ضمن المجموعة الشعرية (رسالة السماء) بعد أن فقدت طفلها البالغ من العمر ثمانية ايام، قصائد لتخفيف عبء الحزن

عامر كامل السامرائيللشاعر المجري: شاندور چوري

ترجمها عن المجرية: عامر كامل السامرائي


 نظرت خَلْفي

وأين كنتِ من قبل، أيتها الجزيرة!

سعفُ نخلكِ كطيور تَلكُمُ الماء

لَجَّت

في وهج الشمس،

وهَرِمتْ كأفراس نهر.

قواربك المطلية بالقار،

 

حَّرَرَ البحر يداً من أفقكِ -

فانتظرتُ أن ينساب خلفي،

غير أن وجهه الذي ألفاني كان متقداً.

مُدهّماً كنت ومختلجاً من لوعة الوداع،

كدهّمةَ تماثيلك الخشبية.

استيقنتُ، أن هذا الصيف الشاسع سيقصيني بلا رجعة

وتنتظرني أوروبا بثمانية وعشرين درجة تحت الصفر،

وبعشرة آلاف طن من سخامها،

وبضباب يرقرق الأعين،

وبشوارعها التي تشبه أنفاق الكهوف،

لا تفضي إلى منفذِ

وألفي عام من الابتسامات المهذبة تنتظرك،

ومبادئ للدعاية،

كلمات الزجر،

أن: هذا غير مسموح بهِ،

أو: ذاك غير ممكن؛

أصدقائي ممددين في المقاهي معصوبي الأعين

يواريهم دخان السجائر.

 

مع نسائكِ وسنا شمسك

أمسيت مُوارباً.

ومن شجاعتك طفلاً،

حَسَمَ في خياله

كل حروب الاستقلال في العالم،

مرتدياً قميصاً مفتوحاً على الصدر

ولم يعد يتهيأ للحرب،

إلا من أجل الحُب.

برتقالكِ الصيفي مثل قذائف مدفع،

يتساقط هنا بالقرب مني.

***

...............................

نبذة عن حياة الشاعر:

ولد الشاعر شاندور چوري، في الثالث من فبراير من عام 1930.

كان شاعراً وصحفياً وكاتب مقالات سياسية. أكمل دراسته في الإعدادية البروتستانتية التصحيحية عام 1950، التحق بعدها بمعهد ألتا، لكنه ترك الدراسة بسب المرض. عمل في العديد من المجلات والجرائد مثل الجريدة الأدبية خلال الفترة ما بين 1953 و 1954، ومن 1955 إلى 1956 كان محرراً لقسم الشعر في دورية "الصوت الجديد".

 ظهرت قصائده الأولى في عام 1953، مما أثار ضجة كبيرة وانتقاداً لعصر الرئيس راكوتسي. وسرعان ما لاحظت السلطات أن الشاعر لم يكن من أنصارها. ففي كتاباته كان ينتقد تأثير الديكتاتورية على شخصية الإنسان ومصيره خصوصاً على السكان في الريف. كان تحت المراقبة، بل استمرت مراقبته في بعض الأحيان لسنوات. لم يحصل على جوائز. عاش في بودابست، حيث كان يلتقي بأصدقائه، وبالأخص المخرج السينمائي المشهور ميكلوش يانتشو، والشاعر أوتو أوربان، وجورج كونراد، و فيرينس كوشا.

توفي الشاعر عن عمر يناهز 86 عاماً بعد صراع طويل مع المرض في 12 سبتمبر 2016.

 

 

2801 كارلا كورديروبقلم: كارلا كورديرو

ترجمة: عادل صالح الزبيدي


 

 كل شيء بحاجة الى اصلاح

في ثلاثينيات العمر كل شيء بحاجة الى اصلاح.

ابتعت صندوق ادوات لهذا الغرض.

ملأته بالمعدات التي كان أبي يمتلكها في الماضي

كي يقي منزلنا من الانهيار. ابتعت ادوات لها اسماء ووظائف اجهلها.

انظر اليها جالسة فوق رفوفها بحزم بلاستيكية ملصق عليها قصاصات الأسعار

وهي تصرخ: "أيتها السيدة، انك تحتاجين هذا!"

كأنني أتمكن يوما ما ان امنح منزلي وكل شيء يعيش فيه هبة الخلود،

ليكون نصبا تاريخيا سيصطف الجيران في طابور

ليزوروه حتى بعد رحيلي ويهتفوا: "اللعنة ذلك منزل جميل!"

امتلك مثقابا الآن، مع مئات ومئات من القطع المعدنية

التي من المحتمل انني لن استعملها او استعملها بالطريقة الخاطئة

ولكن مما انا متأكد منه هو لا يزال عدم تأكدي أي الأدوات

تصلح الكلبَ الذي يكبر بالسن، نبات الثعبان الذابل،

التجاعيد تحت عينيّ، الركبة المتصلبة او الظهر التالف.

وربما هكذا هو الوضع— كيف تتحلل اجزاء كوننا الصغير

مثل مكعبات السكر في الماء—نداء يدعونا

لنبطئ من انفاسنا المنهمكة كي نتمكن من ان نندهش

من سحره. لأنني حين كنت طفلة اسقطت

مرطبان كعك على شكل سفينة نوح،

ميراث العائلة الذي تناثر اجزاءً مهشمة.

تحررت الحيوانات، حمر الوحش ركضت تحت مائدة المطبخ،

الأسد المكسور زأر عند الباب الأمامية

ومن خزانة الأدوات انتزعت شريطا لاصقا وغراء خزف،

وأعدت كل حيوان الى وضعية رحلته المزمعة.

ذلك لأنه في ذلك العصر حين عاد والدي من العمل اعترفت

فأجلس المرطبان على المنضدة ليس الا ليملأه بالمعجنات.

نظرت الى شقوق العطب التي اصلحتها يداي كم تبدو مثلمة.

رقاقات الطلاء موزعةً شرائحَ على رقبة وحيد قرن.

اصطفت جميع الحيوانات البرية في طابور امام القارب—

وفيض من الحلوى اللذيذة ينتظرهم في الداخل.

***

........................

كارلا كورديرو: شاعرة وناشطة أميركية تنحدر من شعب الشيشيميكا على الحدود الأميركية المكسيكية حيث نشأت في المدينة الحدودية الصغيرة كلاكسيكو بولاية كاليفورنيا الأميركية. نشرت اولى كتاباتها في كتيب بعنوان (جنادب أمام الآلهة) عام 2016 وظهرت اول مجموعة شعرية لها عام 2018 تحت عنوان (كيفية انتزاع الأرض) لتنال جائزة كتاب سان دييغو لعام 2019. تقوم كورديرو بتدريس الكتابة الابداعية في كلية مدينة سان دييغو وكلية ميراكوستا.

 

2804 sillitoeبقلم: ألان سيليتو

ترجمة: صالح الرزوق


 في إحدى المناسبات شاهدت رجلا يحاول أن يقتل نفسه. لا يمكن أن أنسى ذلك اليوم لأنني كنت وحدي في البيت، في أمسية من أمسيات يوم السبت، ومشاعري سوداء كالحة ويغمرني القنوط. فقد كان كل أفراد العائلة في صالة السينما، ما عداي. ولسبب من الأسباب تركوني وحدي. وطبعا لم أكن أعلم أنني سريعا سوف أرى بعيني شيئا لا يمكن أن أراه في الأفلام، شاهدت رجلا حقيقيا يعلق نفسه بحبل. كنت صغيرا يومها. ويمكنك أن تتخيل كم استمتعت بالحادث.

لم أعرف عائلة لها وجوه تسود وتكتئب حين يصيبها القنوط مثل عائلتنا. كان رجلنا الكبير يبدو بوجه أسود وثقيل وحافل بالنوايا الإجرامية إذا لم يجد لفافة أو إذا توجب عليه استعمال السكارين لتحلية الشاي، أو دون أي سبب منطقي ومفهوم. وكنت أنسحب من البيت كلما ابتعد عن كرسي الموقد بجانب لسان النار المشتعل ليبحث عني. كان يجلس، تقريبا على لسان النار، وقبضتاه، الملوثتان بالزيت والمضمومتان، أمامه وراحة كل منهما قبالة الثانية. وكتفاه الثخينان نحو الأمام، وعيناه البنيتان الداكنتان تتأملان النار. وبين حين وآخر يطلق شتيمة بذيئة، دون أي سبب مقنع، أسوأ الكلام يمكن أن تتوقعه منه، وإذا بدأ بهذا الهراء تعلم أنه حان الوقت لتختفي. وإذا ورد اسم الوالدة، هذا دليل أن الأمور ستسوء جدا، فهي ترد عليه بلسان سليط. تقول:”لماذا أنت مكفهر لدرجة لعينة يا عاثر الحظ؟”. كأن ما يحصل بسبب تصرفاتها. وقبل أن أفهم ماذا يجري يركل الطاولة ويقلبها على قفاها، بكل ما عليها من أطباق، وحالا تهرب الوالدة من البيت وهي تعول. ثم يعود الوالد لينحني قرب النار ويتابع شتائمه. وقد يكون كل ذلك بسبب علبة لفافات.

وفي إحدى المرات رأيته خامدا أكثر من أي وقت آخر، وتوقعت أنه فقد رشده على نحو ما - حتى مرت ذبابة على مبعدة ياردة منه. فهاجمها بيده، وضربها، ورأيتها تسقط مشلولة في النار الملتهبة. وبعد ذلك دبت فيه أنفاس الحياة والبهجة قليلا، وجهز بعض الشاي.

حسنا، هكذا انتقلت إلينا عدوى النظرة السوداء. وهذا هو السبب الحقيقي للكآبة التي نتقاسمها مع الوالد.  كانت حياته كلها تسير بهذا الاتجاه. صدقا. أصبحت النظرة السوداء من طباع العائلة. بعض العائلات لها نظرة حالكة، وبعضها الآخر لا تمتلك هذه النظرة. وعائلتنا تنتمي للنوع الأول مباشرة، وهذا مؤكد، ولذلك إذا شعرنا بالضجر نبدو ضجرين حقا. ولا أحد يفهم لماذا نسأم إذا بلغنا درجة عالية من السأم، ولا أحد يعلم لماذا تسوّد وجوهنا. بعض البشر يكتئبون ولا يبدو عليهم الشر أو السوء. ترى أنهم سعداء بطريقة مثيرة، كما لو أنهم حصلوا على حريتهم من زنزانة بعد عقوبة على خطيئة لم يرتكبوها، أو أنهم انصرفوا من صالة السينما بعد الجلوس متحجرين على المقعد لثماني ساعات من أجل مشاهدة فيلم بارد، أو أنهم أخطأوا بتوقيت الحافلة بعد أن جروا وراءها لحوالي نصف ميل، وتبين لهم بعد نهاية الجري أنها ليست حافلتهم - في عائلتنا الشعور بالضجر لا يختلف عن ارتكاب جريمة بالنسبة لبقية العوائل. 

سألت نفسي العديد من المرات ما هذا، ولكن لم أصل لأي إجابة حتى لو انتظرت بمكاني وفكرت بالموضوع ساعات. هنا يجب أن أعترف أنني لم أجد الطاقة لأفعل ذلك، ولكنها فكرة طيبة أن أفعل. لكن أنفقت ساعات وأنا أجهد ذهني بأمور هذه الدنيا، حتى قالت لي الوالدة، وهي تراني منكفئا قرب النار مثل الوالد:”لماذا تبدو أسود؟”. ثم توقفت عن التفكير بالأمر حتى لا تشتد كآبتي وينتابني الضجر القاتل وأتحول لشخص يشبه والده، وأركل الطاولة وأقلبها بكل الأواني المصفوفة عليها. وغالبا أفترض أنه لا يوجد شيء يستحق هذه الكآبة. إنها ليست غلطة أحد، ولا يمكنك أن تلوم أحدا، إذا أصبحت كئيبا وأنا متأكد أنه شيء يجري في العروق مع الدم.

في مساء هذا السبت كنت أبدو كئيبا جدا، وحينما عاد الوالد من مكتب المراهنات قال لي:”ماذا بك؟”.

قلت وأنا أنفخ:”أشعر بالاستياء”. كانت تنتابه نوبة غضب حين أقول له أنا كئيب لأنني لم أذهب إلى صالة السينما.

رد يقول:”حسنا. اغتسل إذا”.

قلت له:”لا أريد أن أغتسل”. وكانت هذه حقيقة.

صاح بملء فمه:”حسنا، اذهب واحصل على هواء منعش من الخارج”. ونفذت ما نصحني به، بسرعة مضاعفة، لأنه إذا وصل الأمر بوالدي أن يطلب مني أن أتنفس هواء منعشا، هذا يعني أنه حان الوقت لأغيب عن نظره.

في الخارج لم يكن الهواء منعشا حقا، بسبب معمل الدراجات الهوائية اللعين الذي تجده في نهاية الباحة. ولم أعرف أين أذهب، وهكذا ذرعت الباحة قليلا وجلست قرب بوابة خلفية ما.

ثم رأيت الرجل صاحب البيت، ولم يكن مضى عليه بيننا في هذه الباحة فترة طويلة. كان طويلا ورفيعا وله وجه مثل رجل دين تقي. وكان يرتدي قبعة مسطحة وبشارب غزير، أضف لذلك يترك لديك الانطباع أنه لم يتناول منذ عام مضى وجبة طعام محترمة. لم يتبادر لذهني أي شيء من هذا القبيل في حينها: مع ذلك أتذكر أنه التفت نحو نهاية الباحة. وهناك ظهرت امرأة شديدة الفضول وكثيرة الإشاعات ولا تغادر مكانها، باستثناء لحظات قليلة حينما ترافق زوجها لحانوت الرهونات، ويكون بأفضل بذة لديه أو على دراجته، ونادت بملء فمها: “ما الغاية من ذلك الحبل الذي معك يا صاحبي؟”.

رد بصوت مرتفع:”لأشنق به نفسي يا آنسة”. قهقهت لطرفته المرحة والشئيمة، واعتقدت أنها لم تسمع نكتة طيبة من هذا النوع في حياتها كلها. مع ذلك في اليوم التالي ستضحك بالجانب الآخر من وجهها الممتلئ.

مر الرجل من جانبي وهو ينفخ لفافة ويحمل إسطوانة من الحبال الجديدة، وتوجب عليه أن يقفز وهو يتخطاني. وتقريبا لمس كتفي بحذائه القاسي، وحينما أخبرته أنه عليه أن يحذر ويعرف موقع قدميه، لا أعتقد أنه سمعني، حتى أنه لم يلتفت حوله. ولم يكن يتواجد عدد ملحوظ من البشر في حينها. كل الأولاد كانوا في السينما، ومعظم الأمهات والآباء كانوا في وسط المدينة يشترون اللوازم.

وتابع الرجل طريقه في الباحة باتجاه بوابته الخلفية، ولأنه لم يكن لدي عمل أهتم به، وبسبب عدم ذهابي إلى السينما، تبعته. وترك باب بيته مفتوحا قليلا وبدفعة بسيطة تمكنت من الدخول. ووقفت هناك، أراقبه فقط، وأمص إبهامي، بينما اليد الأخرى في جيبي. وأفترض أنه انتبه لوجودي، وبدأت عيناه تتحركان حركة طبيعية، ولم يكن يبدو عليه أنه يمانع.

سألته:”ماذا تريد أن تفعل بذلك الحبل يا شريك؟”.

قال:”سأشنق به نفسي يا ولد”. وكان صوته يوحي كأنه فعل ذلك مرة أو اثنتين أو أن الناس وجهوا له مثل هذا السؤال سابقا.

“ولماذا يا شريك؟”. لا بد أنه اعتقد أنني متشرد صغير السن وفضولي.

قال:”لأنني أريد ذلك، هذا هو السبب”. ونظف الطاولة من الأطباق وجرها نحو وسط الغرفة. ثم وقف عليها ليربط الحبل بحامل النور. وتألمت الطاولة من وزنه ولم تكن تظهر آمنة، ولكنها أعانته حتى أنهى مهمته.

قلت له:”لن يتحمل طويلا يا شريك”. وفكرت أنه من حسن حظي أن أكون هنا وليس في السينما أشاهد سلسلة جيم فتى الأدغال.

ولكنه سرعان ما أصبح داكنا، والتفت نحوي وقال:”هذا ليس شأنك”.

وتوقعت أن يطلب مني أن أختفي من بيته وأخرج ومعي الغبار والنفايات، لكنه لم يفعل. وانتبهت أنه عقد أنشوطة رائعة بالحبل، كما لو أنه بحار أو ما يشبه ذلك، وحين كان يربطها لم يتوقف عن الصفير لنفسه بلحن رخيم. ثم هبط من الطاولة وأعادها لمكانها السابق عند الجدار، ووضع كرسيا تحت الأنشوطة. لم يكن يبدو أنه حاقد على نفسه أبدا، ولم ألحظ شبح الكآبة والسوداوية التي أراها في عيون ووجوه عائلتي حين يصيبها الضجر. ولو أنه كان نصف كئيب مثل والدي الذي تنتابه الحالة مرتين في الأسبوع، لشنق نفسه قبل سنوات. ولم تذهب هذه الفكرة من رأسي. كان يؤدي عمله بمهارة مع هذا الحبل وأصبح كل شيء على أتم ما يرام، كأنه خطط للتفاصيل كثيرا، أو أن هذا آخر عمل يقوم به في حياته. ولكن كنت أعلم شيئا لا يعرفه، لأنه لم يكن يقف حيث أنا أقف. كنت أدرك أن الحبل لن يصمد، وأخبرته بذلك مجددا.

قال:”أغلق فمك”. كأنه يقول:” وإلا ركلتك خارجا”.

ولم أود أن يفوتني ما يجري. لذلك لزمت الصمت. تخلص من قبعته وألقاها على طاولة الزينة، ثم خلع معطفه ولفاحته، ومددهما على الكنبة بحرص. ولم أشعر ولو بالقليل من الرهبة، كما لو أنني بالسادسة عشرة من عمري، وكان الموضوع شيقا بنظري. كنت يومها في العاشرة فقط ولم تتوفر لي من قبل فرصة رؤية رجل يشنق نفسه. وتقاربت مشاعرنا، أصبحنا معا قبل أن يلف الرجل الحبل حول رقبته.

قال لي:”أغلق الباب” نفذت ما طلب. قال:”أنت ولد طيب بالنسبة لسنك”. كنت أمتص إبهامي. تحسس جيبه وأخرج كل محتوياته، وألقى حفنة من الأشياء والنقود على الطاولة: علبة لفافات ونعناع، بطاقة رهونات، مشط قديم، وعدد من النقود المعدنية. تناول بنسا وقدمه لي قائلا:”أصغ لي أيها الصغير. سأشنق نفسي. وعندما أتأرجح أود أن تركل هذه الكرسي بكل ما أوتيت من قوة وتبعدها للخلف. هل فهمت؟”.

أومأت له. وضع الحبل حول رقبته، ثم تخلص منه كأنه ضيق ولم يتسع لرقبته.

سألته ثانية:”لماذا عزمت على ذلك يا شريك؟”.

قال وهو يبدو بغاية التعاسة:”لأنني ضجرت، ولأنني أريد ذلك. امرأتي تخلت عني، وأصبحت عاطلا عن العمل”.لم أود أن أجادل، بسبب لهجته اللئيمة، وكنت مدركا أنه لا يمكنه أن يختار طريقا آخر سوى شنق نفسه. وظهرت مسحة مضحكة على وجهه: وحتى عندما تكلم معي كان كأنه لم يكن يراني. أقسم على ذلك. كانت معالمه مختلفة عن وجه والدي الداكن اليائس. وأفترض أن هذا هو السبب الذي يمنع رجلنا الكبير من شنق نفسه، حظ سيء، أنه لا يسعه أن ينظر لظروفه مثل هذا الرجل. نظرات رجلنا الكبير تحدق بك، ولذلك يجب أن تتراجع وتطير لتبتعد بأسرع ما يمكن عن البيت: نظرات هذا الرجل تنظر من خلالك، ويمكنك مواجهتها وأنت تعلم أنها لا تضرك. ورأيت أن الوالد لن يقتل نفسه لأنه لا يحسن تبديل ملامح وجهه بشكل صحيح، مع أنه عمليا بلا عمل معظم الأوقات. ربما يجب على الوالدة أن تهجره أولا، ثم يمكنه أن يفكر بذلك. ولكن، كلا - نفضت رأسي - الوالدة لن تهرب، مع أنه يفرض عليها حياة تشبه حياة كلبة.

ذكرني:”لن تنسى أن تركل ذلك الكرسي؟”. وأرجحت رأسي لأقول له لن أنسى. وجحظت عيناي، وراقبت كل حركة قام بها.

وقف على الكرسي وأحكم ربط الحبل حول رقبته في هذه المرة. وتابع صفير لحنه الرقيق. وأردت أن أنظر نظرة أفضل للأنشوطة، لأن صديقي سيسأل ليعرف ماذا حصل، وإن أخبرته سيخبرني عن السينما وما حصل في سلسلة جيم فتى الأدغال. وهكذا أحصل على الكعكة. ثم ألتهمها. وهذا جزاء المحسنين كما تقول الوالدة. ولكن قررت أنه من الأفضل أن لا أسأل الرجل عن أي شيء.  وتمسكت بمكاني في الزاوية. كان آخر شيء قام به هو التخلص من عقب السيجارة من بين شفتيه ورميه في أتون النار الفارغ. ثم تبعه بعينيه حيث استقر في صدر الموقد الأسود - وكان يبدو كأنه كهربائي يزمع على القيام بصيانة لسلك النور.

وفجأة اهتزت ساقاه الطويلتان وحاولت قدماه ركل الكرسي، وساعدته حسب وعدي له. وقمت بركلة قوية مباشرة مثل لاعب في فريق نوتنغهام فوريست وانزلقت الكرسي للخلف وارتطمت بالكنبة، وتدحرجت كاتمات صوت أرجل الكرسي على الأرض بينما انقلب الكرسي. تأرجح الرجل قليلا، وجدفت يداه بطريقة فزاعة عصافير تطرد الطيور بعيدا، وصدرت من حلقه أصوات غريبة كأنه جرع كمية من الأملاح، ويحاول جهده أن يبلعها. ثم صدر صوت آخر، ونظرت للأعلى ورأيت صدعا كبيرا في السقف، مثل الذي تراه في السينما بعد حدوث هزة أرضية. وبدأ المصباح يدور حول نفسه مثل سفينة فضاء. وكنت أوشكت أن يصيبني الدوار، وشكرا للمسيح، أنه سقط في تلك اللحظة مع صوت خبطة قوية على الأرض وتوقعت أنه كسر كل عظمة في بدنه. اختلجت قدماه لبعض الوقت، بطريقة كلب يشعر بمغص قوي. ثم استلقى هامدا.

لم أتمهل لأنظر إليه وأسرعت بمغادرة المنزل. وأنا أقول لنفسي:”أخبرته أن الحبل لن يتحمله”. وكنت أتمتم أن عمله لم يكن متقنا، ويداي في جيبي وتقريبا أبكي من هذه الفوضى العارمة التي ارتكبها. وأغلقت بوابته بقوة وبخيبة أمل حتى كادت أن تخرج من مفاصلها.

وحينما كنت أشق طريقي في الباحة عائدا للبيت لأشرب الشاي، آملا أن الآخرين عادوا أيضا من السينما، ولن أضطر للدخول في الكآبة وحدي، مر بجاني شرطي، وتوجه لباب الرجل. كان يسرع بخطواته الواسعة ورأسه يسبق قدميه، وعلمت أن أحدا وشى به. لا بد أن أحدا شاهده يشتري الحبل ثم نقل المعلومة للشرطة. أو تصادف أن المرأة المسنة في الباحة علمت بالموضوع. أو لعله أخبر أحدا، وكنت أفترض أن الرجل الذي شنق نفسه، لم يكن يدري تماما ماذا كان يفعل، وهذا واضح من النظرة التي رأيتها في عينيه. قلت لنفسي: المهم أن هذا ما حصل. وتبعت الشرطي لبيت الرجل، الرجل البسيط في هذه الأيام لا يمكنه حتى أن يشنق نفسه.

عندما وصلت كان الشرطي يقطع الحبل من حول عنقه بسكينة رفيعة، ثم قدم له جرعة من الماء، وفتح الرجل عينيه، لكن لم أحب الشرطي، فقد أرسل اثنين من أصدقائي لمدارس إصلاحية بسبب سرقة أنابيب حديدية من دورات المياه.

سأل الرجل وهو يحاول أن يساعده على النهوض:”لماذا كنت تريد أن تشنق نفسك؟”. كان يجد صعوبة بالكلام. وكانت إحدى يديه تنزف من نقطة كسر زجاجة المصباح. كنت موقنا أن الحبل لن يحمله، ولكنه لم يستمع لي. عموما لن أفكر يوما بشنق نفسي، ولكن إن عزمت على ذلك سأحرص أن أربط الحبل بشجرة أو شيء من هذا القبيل، وليس عروة مصباح.

“حسنا لماذا فعلتها؟”.

رد الرجل بصوت مبحوح:”لأنني أردت ذلك”.

قال له الشرطي:”عقابك سيصل لخمس سنوات حبس”. زحفت لداخل البيت وأنا أمتص إبهامي من نفس المكان.

قال الرجل:”هذا رأيك. كل ما أردته أن أشنق نفسي”. وكانت له نظرة عادية تدل على الرعب.

قال الشرطي وهو يحمل دفتره من جيبه:”حسنا. ألا تعلم أنه تصرف مخالف للقانون.”.

قال الرجل:”كلا. لا يمكن. إنها حياتي أليس كذلك؟”.

قال الشرطي:”أنت تعتقد ذلك. ولكن للقانون رأي آخر”.

بدأ بامتصاص الدم من يده. كان جرحا لا يذكر ولا يمكن رؤيته. قال:”هذه أول مرة أسمع بهذا الكلام”.

قال الشرطي:”ها أنا أخبرك”.

طبعا لم أخبر الشرطي أنني ساعدت الرجل على شنق نفسه. أنا لست ابن البارحة. ولم أولد يوم أول أمس.

قال الرجل:”شيء رائع. لا يمكن لرجل أن يتحكم بحياته أيضا”. كان لا يزال يفكر بالأمر.

قال الشرطي:”حسنا. لا يمكنك أن تقرر”. وبدأ يقرأ من كتابه بمتعة بالغة. ثم قال:”هي ليست حياتك. وأن تنتحر جريمة ضد القانون. هذا معناه قتل النفس. انتحار”.

تحجرت نظرات الرجل، كما لو أن كل كلمة من كلمات الشرطي تعني ست سنوات سجن بارد. وشعرت بالأسف نحوه، وهذه حقيقة، ويا ليته استمع لما قلت له، ولم يعتمد على عروة المصباح. الأفضل أن يفعلها بشجرة أو شيء يعادل شجرة.

ثم رافق الشرطي في الباحة مثل حمل وديع، واعتقدت أن هذا هو نهاية كل ما جرى.

ولكن بعد يومين انتشر الخبر بيننا كشرارة - وحتى قبل أن يصل للصحف - لأن امرأة من باحتنا كانت تعمل في المستشفى بغسيل الأطباق وتوضيب المكان. وسمعتها تفشي السر لشخص من الباحة.

“لم يخطر ببالي ذلك. توقعت أنه اقتلع تلك الفكرة المخبولة من رأسه حينما أخذه الشرطي. ولكن كلا. العجائب لا تنتهي. ألقى نفسه من نافذة المستشفى عندما غاب الشرطي الذي يحرس سريره لحظة ليتبول. هل تصدق ذلك؟. مات؟.لم ينتظر طويلا”.

هجم على الزجاج، وسقط مثل حجرة على الطريق. من جهة لم أشعر بالأسف له، ولكن على من جهة أخرى أسعدني ذلك. فقد أثبت للشرطة ولكل الناس أيا كانوا أنه يملك حياته وهو حر التصرف بها. كان ذلك مدهشا، كيف وضع الأحمق ابن الزانية نفسه في عنبر في الطابق السادس، وهكذا أنجز عمله، وهذا أفضل حتى من أن يتدلى من شجرة. ودفعني ذلك للتفكير مرتين بالكآبة التي تنتابني أحيانا. كيس الفحم الأسود المودع في داخلي، والنظرة السوداء القاتمة التي تظهر على وجهي، لا يعني أنني أزمعت على ربط نفسي بحبل أو إلقاء نفسي تحت عجلات حافلة من طابقين، أو الهبوط من نافذة مرتفعة أو ثقب حنجرتي بغطاء علبة سردين أو وضع رأسي في فرن غاز أو رمي الكيس الذي تحتمي به روحي على قضبان القطار، لأنه حينما تتمكن منك المشاعر السوداوية لا تستطيع أن تتحرك من الكرسي الذي تجلس عليه ثم ارتكاب هذه الحماقات.

عموما لن أكون أسود لدرجة أن أشنق نفسي، لا يعجبني مرأى الشنق، ولم يعجبني أبدا، كلما تذكرت الرجل الكبير “مهما كان اسمه” وهو يتدلى من عروة المصباح.

يغمرني السرور الذي لا يدانيه شيء لأنني لم أذهب إلى السينما في مساء ذلك السبت، حينما شعرت بالسوداوية وأصبحت جاهزا للإقدام على ارتكاب خطيئة. كما تعلمون لن أقتل نفسي. ثقوا بي. سأستمر في هذه الحياة مثل نصف مجنون حتى أبلغ مائة وخمسة، ثم بعد أن تتحرر روحي سأتهم الموت بجريمة غير أخلاقية، فأنا أريد أن أبقى حيث أنا على وجه هذه الأرض.

 ***

................................

الترجمة من” قصص جديدة ومختارة”. منشورات Early Bird Books. 2016.

نسخة Open Road Integrated Media.   

 ألان سيليتو Alan Sillitoe كاتب بريطاني من مواليد نوتنغهام. عمل بالجيش البريطاني في ماليزيا. وأصيب بذات الرئة. عاد للحياة المدنية وعمل بالكتابة. تجول في أوروبا وزار الاتحاد السوفياتي. وكتب في أدب الرحلات والخيال العلمي. له عدة مسرحيات ومجموعات شعرية. اشتهر بكتابه الأول “مساء السبت صباح الأحد - 1958” وفيه سيرة نصف ذاتية تنقل معاناة الطبقة العاملة وظروف الحياة في شوارع نوتنغهام في فترة الحربين. دافع عن حق إسرائيل بالوجود، وأيد غزو أمريكا للعراق عام 2003. وتسبب له ذلك بعدد من الإحراجات مع بقية زملائه اليساريين. يعتبر سيليتو واحدا من أفراد “الجيل الغاضب الشاب”. لكنه لم يكن يحب هذا التصنيف. وتابع الكتابة منفردا وجرب عدة تقنيات وأساليب لكتابة تاريخ سردي لأبناء الطبقة العاملة وفقراء أوروبا. في بواكيره استعمل اللهجة الدارجة ولغة كلام الشوارع. من أهم أعماله “الجنرال” 1960، “الباب المفتوح” 1989، “مفتاح الباب” 1961، “الترحال في نهيلون”1971، “شجرة تحترق”1967، “عيد الميلاد” 1999، “رجل مناسب لعصره” 2004 ....

 

 

 

2786 إليف شافاقبقلم: إليف شافاق

ترجمة: صالح الرزوق


 مر أسبوع على ليلة رأس السنة، وكانت حبال أضواء الاحتفالات لا تزال تتدلى من الأشجار والنجوم الفضية تزين النوافذ، وحينها اكتشفوا وجود عصافير ميتة. في البداية دستة منها ثم أكثر. بالإجمال أربعة آلاف وستمائة وثمانية وعشرون عصفورا. حساسين ذهبية. حساسين خضر. طيور الدغناش. عندليب مهاجر. درسة الغاب. درسة صفراء. الذيل الفضي. وجشنة الحلق الأحمر - تلك الطيور التي تهاجر لمسافات طويلة بصدرها البرونزي وصوتها العالي. كان المفتش السلوفيني الذي اكتشف ذلك رجلا بعينين بنيتين ناعمتين وكومة من الشعر الأبيض الذي لحقه المشيب. وكان اسمه ماركو. وهو بوظيفته منذ خمس سنوات خلت، ولم تعد له مهمة رسمية، ولكن شكليات، حبر على ورق وبروتوكول. لكن في أوروبا لا تعرف ماذا يخبئ لك المستقبل - كان يقول لنفسه: الخطوط القديمة يمكن إحياؤها. والخطوط الجديدة يمكن أن تتغير دون إنذار. والماضي في هذه القارة ليس ببساطة شيئا مضى وانتهى أمره. هنا التاريخ يشبه أحد الأقارب المزعجين وتتمنى لو تستطيع أن لا تزوره ولكن لا يمكنك أن تتخلى عنه نهائيا.    

وقد تدهور نظره مؤخرا. ولم يذكر ذلك أمام أحد. لا لزملائه ولا زوجته. لم يكن يجد مشكلة في قراءة أرقام لوحات الشاحنات القادمة والذاهبة، وكانت المسافات القريبة هي التي تزعجه. ولذلك حينما رأى الأجساد الميتة والصغيرة، مصفوفة بخطوط الواحد بعد الآخر، اعتقد أنها ديكور جديد. كان قد اكتشف منذ عدة سنوات قمرية شيئا من هذا النوع، حينما كان شابا ويمكنه أن يبدل باتجاه حياته في العالم. داخل صندوق خشبي اكتشف بعض الحلي الأثرية وبيوض فابرجي، وكانت مرتبة بأناقة في جيب سري، وتلمع مثل ذبابة التنين في الظلام. وأصبح من الواضح أنها تعود بملكيتها لزوجة قائد آسيوي شرير من آسيا الوسطى معروف بقمع الأعداء، وإسكات الإعلام وسحق المعارضة، ولكنه اشتهر في الغرب لأنه حليف قوي.

وأغلقت القضية بعد فتح ملفها سريعا. ولم يتلق ماركو جائزة ولم تطبق عليه عقوبة، وربما كان هذا هو الجزء المخزي من المشكلة، أن تفهم أنك سواء أديت واجبك على أتم وجه أو أغفلته، لن يتغير شيء. ثم منذ خمس سنوات، بعد تعرضه لأزمة قلبية أنهكته، تم إرساله لهذه المحطة على الحدود بين سلوفينيا وإيطاليا. وأخبروه أنه سيؤدي مهمة أبسط. عمل لا يجهد قلبه. وأدرك معنى هذا الكلام: إنهم يجهزونه للتقاعد، وبالتدريج. ولربما كره الفكرة، مع أنه لم يبق منه غير نصف رجل بالمقارنة أيامه السابقة، لكن لم يعد أمامه لا الوقت ولا الطاقة اللازمين للغضب. مثل أي شيء آخر في الحياة، الغضب فن.

وليكون بأفضل حالاته، كان عليه أن يتمرن. أضف لذلك لديه طفلة يتوجب رعايتها. وهي ابنته الوحيدة. نور عينيه. كان يخطط هو وزوجته لإنجاب أولاد آخرين ولكن لم تنجح الخطة. ومن حسن حظه أن الناس توقفوا عن طرح الأسئلة عليه. وهذا جانب طيب من جوانب التقدم بالعمر. لم يعد أحد يهتم بحياته الجنسية بعد الآن. وربما يعتقدون أنه بلا حياة جنسية. كانت سوزانا تعيش في لندن. وهي طالبة في الجامعة الإمبراطورية. وكان ماركو يحب أن يردد ذلك بأعلى صوته وكان يستغل كل مناسبة ليقول لأصدقائه وللغرباء على حد سواء: ”ابنتي تدرس في إنكلترا. يا لها من بنت ذكية”.

وكان ينتظر منهم أن يلقوا عليه بعض الأسئلة. وإن فعلوا أو لم يفعلوا، يتابع قائلا باعتزاز:"ابنتي سوزانا تدرس في كلية الطب. نعم يا سادة. ذلك هو مكانها”.  

كانت تخرج الكلمات هامسة وعذبة من لسانه. الإمبراطورية.. الطب... لندن.. كانت سوزانا تبتسم في الصور التي أرسلتها إليه، ومعها حلقة من الصديقات. وكلما ورد المزيد من هذه الصور الثمينة، كان ماركو يتمنى لو أنها تلتقط غيرها مع بيغ بن أو برج وجسر لندن أو قصر الملكة أو على الأقل حافلة حمراء من طابقين. ليعرضها على الآخرين بمثابة رموز قوية وواضحة. ولذلك حينما سافرت حافلة من بوخارست إلى لندن ووصلت لمحطته الحدودية قرابة منتصف الليل، قفز ماركو فورا على قدميه، ليفتش حمولتها، وليتكلم مع السائق، الذي قد تكون لديه فكرة عن الحياة في المملكة المتحدة. وتحت الضوء الضعيف القادم من مصباح الشارع، اقترب ماركو من الحافلة الخضراء، وتأمل وجوه المسافرين. رآها شاحبة ومرهقة ويغلبها النعاس وكل شخص في عالم منفصل.

رجال يعملون في المطاعم، والفنادق، ومغاسل التنظيف الجاف. القليل منهم في مجال البناء. ونساء أيضا. نادلات، ومرافقات، وراقصات في النوادي. نساء تعلمن أن لا تنظرن للأخريات بغاية المقارنة، ونساء لا تقبلن القذارة من الآخرين، ونساء تتركن أولادهن، بعضهم أطفال، برعاية الجيران أو الأقارب الكبار بالسن، مع وعد بإرسال النقود شهريا، ونساء تركن عاطفتهن خلف ظهورهن. ليس كل مسافر في الحافلة سيصل إلى إنكلترا. العديد منهم سيهبط على الطريق. وهكذا تصبح أوروبا واسعة وضيقة. راقصة النادي يمكن أن تربح 900 يورو في كل ليلة في ألمانيا، ولكن بعض الليالي قد تكون قاسية أكثر من سواها. بهذا المبلغ يمكن أن تعيل نصف دستة من أقاربها - الوالدين والأخوة وأبناء العم. كل مسافر يعيل جماعة.

ثم لاحظ ماركو في نهاية الحافلة امرأة شابة ومتحفظة، وكان شعرها الكستنائي مسرحا بأناقة فوق رأسها. ربما كانت بعمر سوزانا. وفكر ماركو لعلها طالبة أيضا. ولكن هذا شيء غير محتمل. لم تفهم سوزانا أنها كانت محظوظة. في الأحد الماضي عندما اتصلت بالبيت، مثل كل أسبوع، كان صوتها مضطربا. وقالت الظروف أصعب مما تخيلت. كانت لندن مرتفعة التكاليف ومتطلبة. “ربما أعود أدراجي. أعلم يا أبي أن النقود محدودة. سمعت أنك بعت عقد الجدة”. وتبع ذلك صمت طويل وكان من الواضح أنهما غير قادرين على الكلام. ثم أضافت همسا:"لا أريد يا أبي أن أزيد من متاعبك”. ولكن هذه المكالمة أقلقت ماركو. ولا يزال يشعر بالاختناق في صدره وهو يفكر بكلامها. كيف يمكنها أن تصبح عبءا يفاقم من متاعبه.

هي نور حياته. نعم، وهو يأسف لبيع العقد. لأنه أصلا من ممتلكات جدة زوجته، وتناقلته الأجيال في ليالي الزفاف. وهو يعلم أنه كسر قلب زوجته حين حمله لحانوت المضارب، ولم تكن قادرة على مسامحته تماما. كان حلية جميلة، عقدا بقلادة لم يشاهد ماركو مثلها. ذبابة تنين بجسم يلمع، عينان ماسيتان وجناحان كريستاليان بمنتهى النعومة والرقة حتى أنك تعتقد أن الحشرة ستطير في الجو وتنزلق أمام عينيك. إنه إرث عائلي مرت عليه المحن، وتنقل كثيرا، وعاصر الحروب العالمية، والنازية، والجوع، والفاقة... ولكنه الآن ليس لهم.

مع ذلك ليس على سوزانا أن تقلق بسببه. ألا تعلم أن الطب هو هدفها في هذه الحياة، وأنها مختلفة عن والديها، ومصيرها شيء أكبر وأفضل من مصير أبناء قريتها أو المسافرين الآخرين على متن هذه الحافلة. وفي أحد الأيام - ولم يكن يوما بعيدا - ستجد سوزانا العلاج للأمراض المعدية أو فشل القلب أو السرطان. وسيسجل اسمها في كتب الجامعة، وستذكره الصحف، وستعقد محاضرات لتكريمها. وحينما يحين أجل ذلك اليوم، سيعلم ماركو أن عناءه لم يكن بلا هدف، وكل هذا التعب، وتعب زوجته أيضا، والسعادة التي لم يشعر بها لفترة طويلة، ستشتعل في روحه مثل الألعاب النارية في السماء المظلمة، مثل ماس براق، وكريستال، ولآلئ.

***

حينما ركب ماركو متن الحافلة لاحظ وجود رائحة في الجو - بيض مسلوق وخنزير مدخن، وعلكة للمضغ وأوراق الملفوف. رائحة يعلم أنها ستتفاقم. استمرت الرحلة من بوخارست إلى لندن 44 ساعة. وهذا ما صرحت به الشركات في مواقعها على الإنترنت. ولكن في الحقيقة قد تستغرق فترة أطول، حسب الطريق والطقس وظروف الحدود. أحيانا يجمع الركاب النقود لتقديمها للموظفين خلسة. ومع أن الرشوة ليست سهلة كما كان الحال سابقا لكنها ليست مستبعدة. طوال هذه السنوات لم يقبل ماركو مبالغ من وراء الظهر، لكنه يعلم أن زملاءه، لا سيما الشباب، يفكرون بطريقة مختلفة.

سأل ماركو السائق:”هل ستنتظر في لندن لفترة طويلة؟. أنت رجل محظوظ. ابنتي سوزانا هناك. وتدرس في الجامعة الإمبراطورية”.

كان السائق أصلع متين البنية وبالخمسينات. أشعل سيجارة وأخذ نفسا عميقا منها. ورد بحركة بطيئة تظهر عدم اهتمامه بالموضوع أو الدخول في محادثة جانبية. وحاول ماركو أن لا يشعر بالإهانة. وحينما فتحوا حقيبة الحافلة كان ماركو يزمع أن ينظر للحقائب المكومة نظرة عابرة، ويتأكد من أوراق السائق بسرعة، لتعود الحافلة إلى مكانها على الطريق، ويعود المسافرون لنومهم على المقاعد، الواحد بعد الآخر. ولكن شيئا لفت انتباهه. شعور غريب استيقظ في صدره. نوع من جرس الإنذار. طرف بعينيه أمام الحقائب. بين حين وآخر يتلقون تحذيرات، وفي هذه المرة لم يبلغ مسامعه شيء. ليس في هذه الرحلة. ولم يكن لديه سبب لينتقي حقيبة بنية من الجلد ويطلب فحصها. ولكنه فعل ذلك. وتسارعت دقات قلبه كما لو أنه يتوقع شيئا لم تشاهده عيناه. تقدم خطوة، يقوده حدس غير مؤكد.

قال:"افتح هذه”. نفخ السائق سحابتين من الدخان من منخريه. وتردد لحظة. ثم ببطء وهدوء نفذ ما طلبه منه. لم يجد شيئا غير عادي، من أول نظرة، داخل الحقيبة. قمصان وبلوزات. مطوية بعناية. ربما بعناية فائقة. سأل السائق بقليل من العصبية:”هل يمكن أن أغلقها الآن؟”.

ولكن ماركو كان قد ارتدى قفازيه. ولم يستغرق طويلا ليجد الجيب السري. هناك حيث كانت العصافير. كانت مثبتة وراء أعواد ليمونية وشبكة ضبابية من الصمغ. كانت قد نفقت بطريقة مؤلمة. محاصرة وليس أمامها خيار سوى أن تنتظر. حمل ماركو عصفور نقشارة الغاب، كان مثبتا بالصمغ بالمقلوب، ولمس منقاره، وكان مفتوحا عند منتصف أغنية يغنيها. هذا ما كانوا يسمونه “طعام الذواقة”. يقدم في المطاعم الفخمة ذات المطابخ الآثمة بنفس الوقت. كان هناك كثير من الناس الذين يرغبون بدفع مبلغ إضافي لقاء مقبلات نادرا ما تظهر في القائمة وتكون فقط لخاصة الزبائن. ملايين من العصافير المغردة كانت تقتل بهذه الطريقة كل عام. وتوفرها السوق السوداء، التي تتوسع باستمرار. وقد ربحت منها عصابات المافيا أرقاما ضخمة، لفترات طويلة، طالما هناك زبائن لا يسألهم أحد عن مصادر الطعام الذي تراه في أطباقهم. قتل العصافير سياحة أيضا مع أنها ليست قانونية. ويلتقي الصيادون ويتناقشون على صفحات الفيس بوك. ويتواصلون بالواتس أب، ويطيرون بأسراب جماعية إلى قبرص ومالطا ورومانيا، وهي بلدان عند تقاطع طرق هجرة الطيور. يسافرون بحقائب فارغة سوف تمتلئ سريعا بأجسام صغيرة ميتة. ويحصلون على بنادق وبواريد أوتوماتيكية لدى وصولهم، وتكون جزءا من برنامج العطلة. توجد ثغرات في القوانين وفروقات في المعايير بين بلد وآخر. ولا يهتم بها أحد. وبصراحة في هذه الأيام العالم مشغول بأشياء كثيرة قاتمة وكئيبة - من لديه الوقت أو حرية التفكير لينفقه على عدد من أموات الجو؟.

انحنى السائق واقترب منه قليلا وقال: “آه. حضرة المفتش. هل يمكن أن نتبادل الكلام؟”. كانت ابتسامته مصطنعة. وأخرج علبة سجائر بجزدان من الفضة وقدم لماركو سيجارة.

هز ماركو رأسه وقال:”كلا. شكرا. لا كلام بيننا. أريد أن تفتح كل هذه الحقائب”.

“ولكن هذا سيؤخرنا. كثيرا. من فضلك لا تفعل ذلك. اسمع. هؤلاء الشباب لديهم مقابلات للعمل. ارحمهم. أشفق عليهم. سيفقدون فرص عملهم إن لم يصلوا بالوقت المناسب”.

“قلت لك افتح”.

بدقائق معدودات ارتفعت كومة من الحقائب فوق الرصيف. وكانت متراصة دون انتظام. واجتمع المسافرون مثل قطيع من الأغنام في عاصفة، ووقفوا بالدور على الرصيف، وراقبوا المشهد بعيون قلقة. وفي كل مرة تنتقى فيها حقيبة كان صاحبها يقترب ثم يتراجع بخطوات مترنحة عجيبة. بعض الحقائب كانت ملفوفة مثل مومياء بأحزمة من البلاستيك التي توجب قطعها بالمقص. لم يكن أصحابها سعداء على الإطلاق، وكانوا يغمغمون بأصوات خافتة، ويشتمون.

وكانت المتعلقات الشخصية تظهر للعيان - صور الأحبة، لحظات عائلية، أغذية مغلفة، قلائد وتعاويذ، ثياب داخلية ومجلات بصور جنسية عارية.. ثم حان دور الطيور المغردة. مئات تلو المئات. بعد سنوات عديدة من العمل، فهم ماركو أن الناس تعبر الحدود لأنهم يشعرون برغبة قوية ومكتومة أن يكونوا مثل العصافير - أحرارا ولا يقف أمامهم مانع. ولو صح ذلك ماذا عن هؤلاء السفاحين الذين يطاردون هذه العصافير لقتلها؟. ما هو أملهم؟.

قال ماركو:”حسنا. لدينا هنا مشكلة. من صاحب هذه الحقائب؟”.

حول السائق نظراته وقال:”لا أعرف يا سيدي. انظر. أنا لدي اهتمامات كثيرة. الناس يلقون متاعهم في صندوق الحافلة بأنفسهم. وإن لم يكونوا هنا، هذا يعني أنهم غير موجودين. كيف يمكنني ملاحظة تصرفات كل شخص؟”. 

وقف ماركو بلا حراك. وهو يقضم شفته السفلى.

هو متأكد أن الرجل لن يكشف ارتباطاته. ولكنه مؤمن أن العميل موجود بالحافلة، وهو أحد المسافرين، ربما تلك المرأة اليافعة ذات الابتسامة البريئة. يمكنه أن يكون أي شخص. وواجبه أو واجبها التأكد من وصول الحقائب إلى محطتها الأخيرة بأمان. 

كل شيء مرتب له بعناية فائقة. لا يمكن أن يكون الشخص الذي وضع هذه الطيور في هذا الصندوق إنسانا يعمل بمفرده. ولا بد أنه ينتمي لشبكة واسعة. كان بوسع ماركو أن يهدد المسافرين بالاحتجاز لفترة من الوقت بمحاولة لإجبارهم على الاعتراف، لكنه لم يتوقع نتائج باهرة من هذه الطريقة. لا أحد يريد أن يعبث مع عصابات المافيا التي تقتل الطيور المغردة داخل بلدان الاتحاد الأوروبي.

قال السائق وطبقة رقيقة من العرق تغطي جبينه:”يا سيدي. أعتذر عن هذه الفوضى. وسأحاول أن أتأكد أن لا تتكرر. من فضلك، لا تحمل نفسك أكثر مما تحتمل”. وعرض عليه بتهذيب مظروفا وضعه بيد ماركو قسرا. أمسك ماركو أنفاسه، وشعر بثقل النقود بين راحتيه. وفكر بسوزانا. إمبراطوري.. طب.. لندن.. وابتسامتها التي ترصع بها صورها، وكيف تبدو أكبر من عمرها الطبيعي. وعبارتها: لا أريد أن أكون عبءا ثقيلا عليك. وفكر بزوجته. كان كلاهما يافعا حينما تزوجا. واستغرق منهم تسوية الخلافات وسوء التفاهم فترة طويلة. لقد تأخر الوقت على الحب الآن، ولكن الحياة المريحة تنبسط أمامهما حاليا. وفجأة شعر بالتعاسة من نفسه. لماذا يجب أن يأخذ موقفا رومنسيا من الطيور مع أن الكثير من البؤس والألم والظلم موجود حوله في كل الأرجاء. ولماذا عليه هو المفتش في محطة حدودية منسية، أن يزعج نفسه؟. طبعا هو يشعر بالأسف على هذه الطيور المغردة، ولكن ماذا ينفعهم أسفه؟. لقد ماتت بالفعل. وهي تغرد الآن في جنة الطيور والعصافير.

هي ليست غلطته. إذا قبل النقود، سيستخدمها لهدف طيب. لا يوجد أنانية بالموضوع. فقط لمصلحة غيره - لابنته وزوجته. وربما أمكنه مد يد العون لأصدقائه القدامى. ومع أنه توقف عن التدخين من سنوات، ندم على التفريط بتلك السيجارة. كان السائق يراقب كل حركة من حركاته، بمحاولة لقراءة تعابير وجهه. صالب ماركو ذراعيه على صد ره، واختفى المظروف وراء قبضته اليسرى. وتقريبا ظهرت ابتسامة رفيعة وخفيفة على وجه السائق، ابتسامة تقول: لا يوجد أحد في هذا العالم ليس له ثمن.

تجمد ماركو. وتطلب منه الكثير من الصبر كي لا يصفع الرجل. ثم فك ذراعيه المعقودين وأعاد له الظرف قائلا:”لقد سقط منك هذا”. واضطرب وجه السائق. عبس والتقى حاجباه.

سأله:“هل تري المزيد؟”.

قال ماركو كأنه لم يسمع:”سأخبرك علام عزمت؟. سنكتب تقريرنا. لا يمكن لهذا الحادث أن يمر بلا تقرير. وهذا يعني أنني سأحجزك لبعض الوقت. سنستجوبك - ومعك الركاب”.

وبتشنج وقف السائق كالعصا المستقيمة، وفي عينيه لهيب يلتمع. ثم التفت برأسه نصف التفاتة وبصق على الأرض. وحافظ على صمته. لم يهتم ماركو. وشعر بلمسة في قلبه ذكرته بليلة مظلمة لم يشرق فيها القمر مثل هذه الليلة. حينما وجد ممنوعات تخص زوجة حاكم في آسيا الوسطى.

ولأول مرة منذ سنوات بعيدة شعر بالعطف على نفسه الشابة. أشار لزملائه. فاقتربوا من الحافلة، وجلس هو على طرف الممشى. ربما لا توجد قرارات هامة في الحياة. ولا نظريات ذات وزن. ولا هويات ملوكية. لا شيء من ذلك حقا. هناك فقط لحظات طافية يمكن خلالها للإنسان أن يذهب بهذا الاتجاه أو ذاك، أن يسير لليسار أو اليمين أو أن يختار الممر الذي يعبر من بين الجهتين. في تلك اللحظات الوجيزة تتشكل هوياتنا وأقدارنا. هكذا خلقنا وأصبحنا على ما نحن عليه، وهكذا خلق العالم وأخذ صورته النهائية. وهذا كل ما يهم في النهاية. القرارات صغيرة وبسيطة وفاترة ولكنها في خاتمة المطاف اضطرارية ومؤثرة مثل الطيور المغردة.

***

.......................

الترجمة عن السبيكتاتور. عدد 25 نيسان 2020.

 

إليف شافاق  Elif Shafak  كاتبة تركية مولودة في ستراسبورغ.

 

      

سالم الياس مدالوكتابة وترجمة : سالم الياس مدالو

the sad rose

in the neck of the lover bird

and in the wing of beautiful butterfly

is complaining from the wind

brought to it s beautiful petals

black thirst and thorns of the fire,

and to it s roots mist of darkness

and rock harshness

the rose

the rose

the sad rose

in the heart

of that sad deer

is complaining

from the black thirst

from the chattering

of the thistle and locust

and yearing to the bright

cloud, cloud of love

and rain

 ...........................

القصيدة مترجمة الى اللغة العربية

الوردة الحزينة

في عنق الطير الحبيب

وفي جناح الفراشة

الجميلة

تشكو من الرياح

التي جلبت الى

بتلاتها الجميلات

العطش الاسود

واشواك النار

والى جذورها

ضباب الظلام

وقسوة الصخور

الوردة الوردة

الوردة الحزينة

في قلب تلك الغزالة

الحزينة تشكو من

العطش الاسود

ومن ثرثرة

الشوك والجراد

تتوق الى سحابة

 سحابة  مشرقة

سحابة الحب

 والمطر .

***

كتابة وترجمة سالم الياس مدالو

 

2779 اليشيا اوستريكربقلم: اليشيا اوستريكر

ترجمة: عادل صالح الزبيدي


غزل: أميركا الجميلة

أ تتذكرون جديتنا صدقنا

في الصف الأول حين كنا نتعلم الغناء لأميركا

 

الجميلة وللعـَلم المرصع بالنجوم

وترديدنا قسم الولاء لأميركا

 

كنا نضع أيدينا على قلوبنا في الصف الأول

ونشعر بالفخر اننا مواطنو أميركا

 

كنت أقول "امة واحدة غير مرئية" حتى يتم تصحيحي

ربما كنت محقة حول أميركا

 

أيام الدراسة أيام الدراسة أيام القاعدة الذهبية القديمة العزيزة

حين كنا نتعلم كيف نتصرف في أميركا

 

ماذا نلبس، كيف ندخن، كيف نحتقر والدينا

الذين لم يفهمانا او يفهما أميركا

 

ولم نتعلم الا فيما بعد ان (العلـَم) و(الجميلة)

يسكنان على الجهتين المتقابلين للشارع في أميركا

 

ولم نكتشف الا فيما بعد ان المال السلطة اللون الجندر الجنس

يمكنها ان تقسم أمة أميركا

 

نفهم ذلك الآن ان هذه الأرض أرضان

واحدة متنمرة منتصرة وواحدة لا تزال الواعدة أميركا

 

أتخيل أمواج القمح الذهبية تهب في الريح

جبال قرمزية وما من مشردين في أميركا

 

لم ازل احيانا اضع يدي برفق على قلبي

لم ازل بطريقة او بأخرى تأسرني أميركا

***

.......................

اليشيا اوستريكر: شاعرة أميركية من مواليد بروكلين بنيويورك لعام 1937، تلقت تعليمها في جامعة برانديس ونالت شهادة الدكتوراه من جامعة ويسكونسن-ماديسن ليكون أول كتاب تنشره أطروحتها للدكتوراه عن الشاعر الرومانسي البريطاني وليم بليك. نشرت أولى مجموعاتها الشعرية تحت عنوان (أغنيات) عام 1969. نالت أشعار اوستريكر العديد من الجوائز وترجمت الى عدة لغات. من عناوين مجموعاتها الشعرية: (مرة أخرى خارج الظلام) 1974؛ (امرأة تحت السطح)1982؛ (الصدع في كل شيء) 1996؛ (ما من جنة) 2005؛ (كتاب السبعين) 2009؛ و(بانتظار النور) 2017.

 

جمعة عبد اللهميكيس ثيودوراكيس وداعاً

ترجمة : جمعة عبدالله

 قصائد وأغاني


 قصيدة: ايها الإغريقي لا تبكي

هنا الطيور صامتة

الأجراس صامتة

مرارة الإغريقي صامتة

مع الأموات

من الحجر الصامت

ينحت بأظافره وحده دون غيره

معبداً للحرية

أيها الاغريقي لا تبكي أينما ذهبت

لا تنحني للسكاكين حين تصل الى العظم

تشد الحزام على البطن

ها هي بداية الشرارة تنطلق

تنمو وتكبر

تصيد الوحش

بحربة الشمس .

***

وهذا رابط الاغنية:

https://youtu.be/fLh9IxuW00M

...................

معزوفة زوربا

ميكيس ثيودوراكيس

هذه الاغنية أقيمت في برلين الشرقية عام 1987.

***

الطريق مظلم

 حين نلتقي سوية

لابد أن يظهر وسيطاً لنا الاثنين

أضع يدي في يديك

افرش البساط لنا

لك ولي

نتعانق من البداية

حتى القيامة

اعانقكَ وتعانقني

أخذكَ وتأخذني

أتيه في عينيك

هذا قدر الحكمة

افرش البساط لنا

نتعانق من البداية

حتى القيامة .

***

...................

* رحل الموسيقار اليوناني العالمي (ميكيس ثيودوراكيس) عن عمر يناهز 96 عاماً، كرس حياته للنضال في سبيل الوطن منذ نعومة أظافره، واعتنق الفكر اليساري . شارك في المقاومة الوطنية ضد الاحتلال النازي. تعرض في حياته الى الاعتقال والتعذيب والسجن والنفي طوال حياته منذ بداية الاحتلال النازي، وآخرها في زمن الدكتاتورية العسكرية . وقد أفلحت حملة التضامن العالمي في مقدمتهم فرنسا في إطلاق سراحه من سجون النظام العسكري الدكتاتوري، ولم يعد الى اليونان إلا بعد السقوط النظام الدكتاتوري عام 1974، عقب انتفاضة كلية الهندسة في أثينا ، التي امتدت شرارتها الى بقية القطاعات الاخرى، بانتفاضة شعبية عارمة أجبرت الدكتاتورية على الانهيار .

* بعد زمن الدكتاتورية فاز عدة مرات بمقعد عضو في البرلمان اليوناني . سواء عضواً من جبهة اليسار، أو عضواً من جانب حزب الديموقراطية الجديدة (يمين وسط) .

 * اشتهرت الحانه الغنائية الشعبية والثورية بشهرة على نطاق واسع في الداخل والخارج .

* فاز عدة مرات بجوائز الأوسكار الموسيقية، واشتهر أسمه على النطاق العالمي سمفونياته الموسيقية . ومنها معزوفة فيلم (زوربا) وكذلك موسيقى فيلم (Z) الذي يتحدث عن اغتيال السياسي البرلماني اليساري (لامبراكيس) عام 1963 .

* لقد اخترت الأغنية الاولى وهي الحفلة الجماهرية الاولى في ملعب كبير ، مباشرة بعد سقوط الدكتاتورية. واخترت من احدى قصائد الحفلة، القصيدة الثورية للشاعر اليوناني يانيس ريتسوس بعنوان (ايها الاغريقي لا تبكي) وقد اشتهرت على نطاق شعبي واسع .

وهذا رابط الاغنية: معزوفة زوربا

https://youtu.be/Xjnlcs-3xDM

 

2767 لوركافريديريكو قارسي لوركا

الشاعر والروائي الاسباني

(1898-1936)

ترجمة: عبد الوهاب البراهمي


أنشودة الماء

وأنشودة الماء

تظلّ شيئا أبديا...

كلّ أنشودة

هي ماء ساكن

للحبّ.

كلّ نجم ساطع

هو ماء ساكن

للزمن.

عقدة

للزمن.

وكل تنهّد

ماء ساكن

للصّياح.

فريديريكو قارسي لوركا ، شعر 1

......................

رقصة "الصوليا"

مكسّوة خُمْرٌ سوداء

تظنّ أن العالم صغير جدّا

والقلب كبير

مكسوّة خمْرٌ سوداء.

تظنّ أنّ التنهّد الرقيق،

والصيحة، تختفي مع الريح.

مكسوّة خمْرٌ سوداء.

تركت نافذتها مفتوحة

وفي الفجر من النافذة

تسلّلت كلّ السماء

آه!

مكسوّة خمْرٌ سوداء!

***

فريديريكو قارسي لوركا

...............................

Et la chanson de l’eau

Reste chose éternelle…

Toute chanson

est une eau dormante

de l’amour.

Tout astre brillant

une eau dormante

du temps.

Un nœud

du temps.

Et tout soupir

une eau dormante

du cri.

Federico Garcia Lorca, Poésie I

 

La soleá

Vêtue de voiles noirs,

elle pense que le monde est bien petit

et le coeur immense

Vêtue de voiles noirs.

Elle pense que le tendre soupir,

le cri, disparaissent

au fil du vent.

Vêtue de voiles noirs.

Elle avait laissé sa fenêtre ouverte

et à l'aube par la fenêtre

tout le ciel a débouché.

Ah!

Vêtue de voiles noirs!

Le livre Cac cante jando

do comprend quatre poèmes introduits par le poète intitulé «Petite ballade des trois rivières».   Le premier de ces grands poèmes est le «Poème de la Seguiriya»,  dans lequel l'un des petits poèmes fait une référence explicite au mot.

Cante Jondo

Federico García Lorca

(1898-1936)