ريكان ابراهيمإن صرخة الطفل الأولى ساعة ولادته هي صيحة الإعتراض الأولى على الوجود، والسؤال الأول عن (لماذائية) الخروج من بيئة الرحم إلى بيئة الحياة.

معنى هذا أن أول عمل يقوم به الكائن البشري - مختلفاً في ذلك عن الكائنات المولودة الأخرى - هو الإعتراض، والإعتراض يحمل سؤال الإختلاف، وسؤال الإختلاف يحمل ظاهرة إنعدام التوافق. إن كل شقاء الإنسان اللاحق وأمراضه النفسية والعقلية وحتى الكثير من الأمراض الجسدية يٌعد ناتجاً من إنعدام القدرة على التوافق أو التوافق على نحوٍ خاطىء.

معنى هذا أيضاً  أن الإنسان كائن يقوم على الرفض أكثر من قيامه على القبول. وتعرف الأمهات أكثر من غيرهنَ ما يكابدنه من مشقة في إقناع الطفل الجائع حتى يرضع مع انه في حاجة إلى ذلك. ويكبر الطفل قليلاً ليزداد تمرده على رفض الأشياء التي حوله. فهو لا يلعب مع الدمية التي تٌقدم إليه بل يكسرها ليعرف ما فيها غير مقتنع بجمالها الخارجي. ويسبق دماغ الطفل في نضوجه النوعي حجمه أو وزنه، ولكن ذكاءه - وهو عمل إدراكي مبكر - يسبق لغته - وهي أداة أو وسيلة للتعبير عن هذا العمل الإدراكي. وكٌلما تقدم الذكاء أو العمل الإدراكي على اللغة مال الطفل إلى (معملية) الأداء وقصَر في (نظرية) الأداء، حتى إذا تأخر الطفل عن النطق بكلمات مفهومة عَبرَ عن ذلك بالمزيد من الفهم وقوة الملاحظة.

ولهذا نجد أن عطل اللغة يرافقه غالباً حدة في الذكاء صعوداً إلى مرحلة (الأخرس) الذي كثيراً ما يتمتَع بذكاء عالٍ (بإستثناء حالة واحدة وهي وجود الصمم).

* * *

إنَ الطفل لا يتعلم النطق لأنَ النطق قدرة مولودة يشترك فيها الدماغ (منطقة بروكا  Broca’s area في الفص الجبهوي) والحبال الصوتية في الحنجرة. هذا هو النطق. أما ما يتعلمه الطفل في مجال اللغة فهو الكلمات في لغة الوالدين والأسرة بكل إنشطاراتها في السؤال والجواب وعلاقة الأشياء بأسمائها. وحين تنضج منطقة فيرنكا ( Wernicke’s area ) في الفص الصدغي المسؤول عن فهم الكلمات، تصبح اللغة مفهومة ويٌصبح النطق المولود قادراً على ترديد المكتسب واستعادته. ويمٌر الطفل في مرحلة مبكرة بفهم الكلمات فهماً رمزياً يساعده على الدلالة ونعني بذلك اللغة السميائية Semantic language.

* * *

إن الطفل يبدأ باسئلة كبرى على عكس ما كان يٌقال سابقاً عن سذاجة أسئلة الطفل. ويركز الطفل مبكراً في السؤال عن مغيِبات مثل الخالق الذي خلقه وعن الخالق الذي خلق مَن خلقه، وعن الجنس، وعن المصير بعد أن يموت الإنسان.

وعلى مدى ذكاء المجيب، أٌمَا كان أو أباً، يبني الطفل فهمه للظاهرة ولكنه لا يبني بالضرورة قناعته، وفَهمُ مجردٌ من القناعة يقود إلى الشك. وبالمنطق السيميائي للغَة ينظر الطفل إلى الأشياء المجهولة حوله على أنها كرة أكثر من كونها شكلاً هندسياً آخر، ولذلك تبدأ مهاجمته للأشياء على أنها كرات مغلقة، ويقع في ذلك ثدي الأم الذي يٌمثل عنده سراً يرضع منه حليبه ويعضه بأسنانه في محاولة لتحطيمه وإكتشاف محتواه.

ومن هذا المنطق السيميائي تبدأ رحلة الكشف عن (المجاهيل) بما فيها الإله والولادة والموت.

* * *

إن فوضى الأفكار التي لدينا، نحن الكبار، حول الظاهرات الكبرى التي ذكرناها (ومنها الله تعالى) ناتجة من الفوضى الأولى في حياتنا ونحن أطفال، يوم كنا نتلقى أجوبةً أضعف من أسئلتنا ومعلوماتٍ أقل من قناعتنا.

ان (جان بياجيه) يشير الى ظاهرة الحس على أنها بداية الإدراك ( Sensory-motor-st) . ماذا يقول بياجيه عن بداية الأسئلة الإدراكية عند الطفل قبل تنامي معالم الحس بما فيها معلَم الإدراك السمعي والبصري؟

يشير الحديث إلى أن الطفل يٌولد على الفكرة وإنما أبواه هما اللذان يٌنصرانه أو يٌهودانه، وهذا على مستوى الدين ولكنه ينطبق على الإيمان بالله أيضاً.

والفطرة عند الإنسان لجوجة، متسائلة، قلقة، غير مستسلمة، كما أنها جموحة لا تقنع بشيء في سهولة. والذي يحدُ من تمرد الفطرة بتقادم عمر الإنسان هو مجموعة عوامل منها:

1- العقلنة: أي دخول حسابات العقل في الإجابة عن سؤال الكينونة والمصير.

2- اليأس من فائدة التمرد: ان التمرد  في حياة الإنسان لا يضع حلا لاسئلته، وكلما تقدمت السنوات يبدأ هذا الكائن بالإيمان بعبثية التمرد لأن الأخير يجعلة في حلقة مفرغة تحيله إلى (لا جدوى الأسئلة).

3- التأثر بالمجتمع: حيث يخضع الفرد المٌتمرد للناموس الإجتماعي والعٌرف العام شاء أم أبى لكي يٌحقق الإنسجام حيث لا يٌحقق التمرد (سايكولوجية التوافق).

4- الخيبة الذاتية: يملك الإنسان بالفطرة ظاهرة النظر إلى ذاته نظرةً مركزيةً مملوءة بالنرجسية حيث يعد تلك الذات مركزاً للعالم الذي يدورحوله حتى إذا تعب من هذه المداولة بدأ بمشاعر الخيبة من قدراته على حل السؤال بجواب مغلق لأن أجوبته عن أسئلةٍ فتحت وتفتح أمامه أسئلةَ أخرى لا تنتهي.

5- قصور المحسوس أمام اللامحسوس: يٌحاول السلوك الفطري في الإنسان أن يفهم كل شي عن اللامحسوس فِهماً مباشراً بوسائط الحس وهذا الشيء صعبٌ تحقيقه. حيث لا يعني غياب اللامحسوس عن الإدراك الحسي أنه غير موجود، فقد يكون غائباً لأنه موجود في مكان آخر أو في صورة أخرى.

* * *

إن الطفل يخاف ولكنه لا يستحي من شيء، فهو كائن غير منضبط لأنه لم يخضعٌ بعد للعيب الإجتماعي ولا لسطوة القانون ونتائج تطبيقهِ. وبسبب هذا الخوف وهذا الفقدان للحياء من شيء ما تبرز قدرته على إثارة الأسئلة التي تبحث عن إجابة تمحو خوفه. وهذا الكائن الفطري يٌلقى إيمانه بطريقة التخويف من الإلحاد فينشأ مؤمناً بالتلقين وليس القناعة.

لكنه لو لم يُلقن بل تٌرِك حٌراً طليقاً لوصل إلى ربه عن طريق عقله لأنه لا يوجد إنسانً بعقل ما لم يكن مؤمناً أو باحثاً عن إيمان. إن علينا أن نٌفهم هذا الكائن الفطري أن هناك فرقاً بين (الإلحاد) و(الإنكار)، فالإلحاد يعني الإيمان بأن لا يوجد إله بينما الإنكار يعني معرفة الإله مع التنكر لحقيقتها، ويظلُ الملحد باحثاً عن ربِه بينما يظل المٌنكر إنساناً عارفاً بالحقيقة لكنه يتنكر لها، وهذا أخطر من الأول.

* * *

إن الدين الأول هو دين الفطرة التي جَبل الله الإنسان عليها. وسٌمي الدين (أي دين) بهذه التسمية لأنه معارفٌ لا تحتاج الى الكثير من العناء في الإطمئنان إلى وجود الله.

ففي الصف المدرسي الأول، وقبله في البيت، يستطيع أيُ منا أن يقول للطفل: ما دام لك خالق فإذن لابد لهذا الكون من خالف فيكون الله.

هذا مثال بسيط على كيفية الوصول إلى مشارف الفطرة وبأبسط الأمثلة، وإذا أردنا أن نضع منطلقاً للفرد الطفل في بداية عمره في تحديد موقفه: هل هو كائن مفطورُ على الإلحاد أو مٌهيأ للإيمان أو مٌولع بالإنكار، فإنَ أفضل تسمية منا لهذا المنطلق هي: مرحلة (اللاأدري).

ففي هذه المرحلة يكون الطفل مٌهيأ لكل شيء طبقاً لثقافة من سيوصل المعلومة إليه. ولهذا نشير كما أشرنا إلى أن طريقة التعريف بالله هي الأساس في صياغة إيمان الطفل وإبعاده عن الإلحاد أو المكابرة وفيها الإنكار.

إن أسئلة الطفل الأولى عن الله تقع في (المنطقة المحايدة) فهو ليس مؤمناً وليس مٌلحداً لكنه ينتمي إلى (اللاأدرية). وكثيراً ما تٌقمع أسئلة الطفل بأجوبة لا اقناع فيها بسبب جهل المجيب أو ضعف ثقافته أو ضبابية إنتمائه إلى الله.

وكثيراً ما يقودنا الغرور بالإنسان المحدود فنسمي حركات الإلحاد بالله تسمياتٍ فيها من البريق اللفظي أكثر مما فيها من المعلومات ونسمي أصحابها روادَاً في ( الوجودية) و(العبثية) و(ما بعد الحداثة) و(العدمية).

نسميهم هكذا وننسى أنهم ما زالوا أطفالاً كبروا  أجساماً حسب فظلوا يرددون أسئلة طفولتهم الأولى، يختلفون عنها ببريق التخريج اللغوي والتزويق الإصطلاحي وهذا في حقيقته لا يعدو كونه انتصاراً لصالح المبنى على المعنى والشكل على الٌمحتوى.

* * *

1. جئتٌ لا أعلم من أين ولكنني أتيتٌ

ولقد أبصرتٌ قدامي طريقاً فمشيتُ.

حينما قالها شاعرها، سٌميَ فيلسوفاً شعرياً يبحث عن سبب المجيء وعبثية الإتجاه مستقبلاً، وننسى كما ينسى شاعرها أنها كلماتُ سبق أن قالها الطفل بكلمات أٌخرى تفتق  إلى العروض الشعري الذي لا يعرفه الطفل.

2. إلهي الذي في السماء

أٌناديك من هذه الأرضِ

يا قاهر الأقوياء.

يتصور هذا الشاعر أن ربَهٌ في السماء حسَب. هل يختلف هذا الشاعر (الطفل الكبير) عن الطفل الذي يسأل أٌمه: أين الله؟

فتجيبه - وهي منشغلة بإعداد وجبة الغداء - فوق، في السماء.

الإختلاف هو في شيء واحد. أن الطفل الكبير يجيد كتابة السؤال في قصيدة.

هل ولدنا أطفالاً صغاراً لنموت أطفالاً كباراً؟

* * *

لماذا يسأل الطفل عن الله؟

سؤالُ جديرُ بأن يٌثار. ألا يكفي هذا الطفل إنشغاله بالأكل لكي لا يجوع، وبالدفء لكي لا يبرد وبالبرودة لكي لا يضايقه الحر وبالنقود لكي لا يحرم من اللعب، روادعَ له عن إثارة سؤال كوني يتعلق بالولادة والخلق والموت والمآل؟

إنه يسأل عن الله بفضول كبير:

1- ما معنى الله؟.

2- ما شكله؟.

3- أين مكانه؟.

4- كيف خلقَنا؟.

5- من خلقهٌ؟ .

6- لماذا هو خالد؟.

إن الطفل يسأل مثل هذه الأسئلة لأنه محكومُ بالعالم الحسي الذي حوله وبمحدودية هذا الحس في العالم. إنه الكائن الذي يحاول إدراك اللامحسوس بالمحسوس. إنه لم يُدرِك بعد معنى (مفهوم المٌطلق والجزئي).

إن هذا الكائن الفطري يتعلم ما هية الله عن طريق وسائل أخرى وبأيدي أبويه - اللذين لا يٌقدمان بالضرورة إقناعاً له. خٌذ مثلاً:

1- أنه يتابع الطقوس في دين أبويه فيصعب عليه إكتشاف العلاقة بين ممارسات طقوسية مرئية وخالقٍ لا يمكن رؤيته.

2- أنه يسمعٌ من أبويه استخدامات لفظية تصف الله بلغتهما التي تختلف في معانيها عن لغته. (يدٌ الله فوق يد الظالم) و(يحرسكالله الذي عينه لا تنام) و(كرسيه على الماء) و(أقربٌ اليك من حبل الوريد) و( أنى تٌولوا وجوهكم فثَم وجه الله). هذه الأقوال وفيها الآيات، يستخدمها الناطقون بها بلغة المجاز  التي لا يعرفها الطفل لأنه ما زال في طَور عقلي يٌفسر ولا يُؤول.

3- كثيراً ما يخاطب الناس ربهم بلغةِ دٌعاء فَجة تٌوحي إلى من يجهل رحمة الله ولطفه بأنها لغة تذمر وضجر من مظلومية يتنزه عنها الله الذي لا يظلم أحداً (ليس ربك بظلام للعبيد). وترديد مثل هذه اللغة أمام الطفل تٌشوه في عقله الكثير من صورة الله المشرقة العادلة فيبدأ بإثارة أسئلة أمام والديه في دواخل نفسِه.

4- يٌعلم الأبوان الطفل الكثير عن الله بطريقة التخويف منه وليس الحٌب له، لأنهما خائفان أصلاً والخائف لا يستطيع أن يٌعلم خائِفاً آخر درساً في الطمأنينة. هنا يبدأ الطفل بإثارة الأسئلة في داخله حول هذا الجبَار المخيف وليس هذا الرحيم الرحمن اللطيف.

5- يٌقدِم الأبوان صورةً عن الله للطفل فيها الكثير من الفهم الأرضي المحدود لهذا المٌطلَق ومن أمثلتها: أن الإنسان إذا كان تقياً فإن الله يٌغدق عليه شآبيب الغنى والصحة. وهذه المقايضة مهزوزة تجعل الطفل يٌفسر رضا الله بأنه نوع من تبادل العطايا بين خالق ومخلوق كما تجعل الطفل يبتعد عن مفهوم (الله المٌطلَق) الذي لا يٌمكن ان تٌجزأ قدرته وكٌليتِه.

6- كثيراً ما يٌفهم الأبوان الطفل أن أسئلته التي ذكرناها هي نوع من أنواع التشكيك الذي يجب  أن لا يٌثار. والممنوع في كل ظاهرة يٌعدُ عاملاً مٌحرضاً على السؤال عنه.

* * *

إن إمتداد طريقة التفكير فيحياة الإنسان في الطفولة إلى العٌمر الناضج (وهذا مايحدث كثيراً) يقود إلى استمرار طريقةٍ مغلفة لا تٌوفر الإنفتاح المطلوب.

فالذكاء الذي لدينا يرتكز على التعلم (learning). والتعلم يقوم على ثلاثة أنواع من الوسائل:

1- التعلم بالتطبيع على الشيء (Conditioning learning).

2- التعلم بالمٌحاكاة والملاحظة (Observation learning).

3- التعلم بالمٌقارنة (Comparison learning).

ومن هذه الثلاثة ينشأ الحاصل النهائي للذكاء وهو الذكاء الإستنباطي (Abstractive intelligence). وكلما تأخر ظهور الإستنباط تأخر الدماغ في تحقيق حالة الفكر الحٌر الذي يقود إلى الإبداع. ويٌعَدُ الأفراد الذين يتأخر عندهم ظهور الإسنتباط أطفالاً استمر لديهم التعلم بواحدة من الوسائل الثلاث فظلوا أسرى ارتباطهم بفهم يقوم على محاكاة المألوف والتطبع عليه فيتأخر عندهم الإستنباط. ويٌعدُ الأخير (الإسنتباط) أرقى أنواع الذكاء الذي يتميز به الإنسان في الوصول إلى إدراك اللامحسوس بالمحسوس واستقراء الأسباب بمناقشة النتائج، ومن ذلك معرفة الله الخالق بمعرفة آثاره في الخَلق والتكوين على أساس قاعدة بسيطة غاية في البساطة، مثلٌها يقوم على أن الكرسي صنعه نجار والبيت بناه بنًاء ولولا النجار والبنًاء لما رأينا الكرسي ولا رأينا البيت.

معنى هذا أن العقل الذي لا يقدر على استنباط لن يقدر على معرفة وجود الله. والإستنباط ميزةُ للعقل البشري لا تملكها أدمغة الكائنات الأخرى مع أنها تملك بسائط أخرى للتفكير حيث تأكل عندما تجوع وتشرب الماء عندما تعطش.

ولما كان الإستنباط ميزة فهو لا يظهر فجأة إنما يتدرج، وبذلك فهو يبدأ في الطفل ليزداد وضوحاً في النضج، وكلما عجلنا في تعليم الطفل الإستنباط عجلنا في جعله ناضجاً مٌبكراً. وخيرٌ طريقة نٌعلمها للطفل في كيفية النظر إلى وجود الله والإيمان به هو أن لا يطلب ممن يواجهه أن يٌثبت له وجود هذا الإله العظيم بل يطلب من الآخر ان يٌثبت عدم وجود الله، وهذا موضوع يٌحرج الملحد أو المنكر لأن معرفة الظاهرة (أية ظاهرة) تقوم على مرتكزين:

1- إثبات الظاهرة بالأدلة.

2- إثبات عدم وجودها بالأدلة.

وحينما يعجز منكر الله عن نفيه سيكون بذلك عاجزاً عن إنكاره فينقاد إلى إثباته وبذلك تبطل الثقافة المضادة التي تنفي وجود الله.

* * *

إن أطفال المجتمعات البدائية كالمجتمعات الوثنية أو التي تٌقدس الحيوانات والنباتات وترفعٌها إلى مقام الآلهة يعانون كثيراً من هذا الفكر الوسيط ونعني به الفكر الذي يجعل الإيمان بالإله في حاجة إلى وسيط كصنم أو الأفعى أو البقرة أو شخصية الكاهن أو الضريح، مثلُهم مثل أطفال المجتمعات التي تؤمن بالظاهرات الطبيعية  كالمطر والرعد والنجوم على أنها آلهةُ تعبد أو تجب عبادتها.

وفي مثل هؤلاء الأطفال تنشأ ظاهرة التعلم بالمشاهدة أو المراقبة للكبار عن أبناء مجتمعاتهم وبذلك يزرع فكر هذه المجتمعات في الأطفال تفكيراً ساذجاً مدعوماً بالخرافة والتأويل (الميثولوجي). وفي مقابل هؤلاء الأطفال تبرز معاناة أطفال المجتمعات الموحدة لإله واحد حينما يتعلم الطفل منهم دينه بالتلقين من دون إبداء المرونة لهذا الطفل في أن يسأل ما يريد لأنً كبت أسئلته بالتخويف سيجعله يؤخر إعتراضه اللاشعوري إلى يوم يثور فيه على قناعته الزائفة الخجولة.

إن أبرز الأسئلة عند الطفل ثلاثة هي:

1- ما معنى الله؟.

2- أين الله؟.

3- كيف الله؟.

وما لم يٌفَهم الطفل معنى (المٌطلق) في مقابل محدودية (المجزوء) فإنه لن يدرك الإجابة عن هذه الأسئلة. وخير طريقة لإفهام الطفل حقيقة الله هي توجيه ذهنه إلى آثار الله  في خَلقه، ونبدأ في ذلك بتوجيهه إلى فحص نفسه وفهم أسرارها لأنها أقرب الأشياء إليه.

لقد كان الكثيرون من المعلمين الدينيين يميلون إلى تحذير الناشئة من أسئلة الشك وتخويفهم بالعقاب إذا مارسوا عملية الشك في خطابهم.

إن التخويف من الله هو صورة من صور التخويف من بعض المفردات في ذهن الطفل كالخوف من الوالد القاسي أو المعلم المتشدد أو القانون أو المحاكم وهنا تٌصبح صورة الله مخيفة لدى الطفل ويبدأ بممارسة حياته خائفاً من الرقيب.

إن اليقين المصطنع ينتظر يوماً يتحول فيه إلى شك بينما يقود الشك في كثير من الحالات إلى اليقين الذي لن يتزعزع. إنَ (مع العسر يسراً) أقوى وأفضل من (إن مع اليسر عسراً) ولذلك استخدم القرآن الكريم القول الأول ونأى عن إيراد القول الثاني. والشك عٌسر ولكنه يقود إلى اليسر الذي يحققه الإيمان.

* * *

إن أسئلة الطفل تختلف عن أسئلة الكبار في موضوع شكها حيث تنطلق من التلقائية فيما تنطلق أسئلة الشك عند الكبار من (القصدية) التي تتوزع على ثلاثة أنواع: نوع يبحث عن مٌزيل لها باليقين، ونوع من الإصرار على نكران المشكوك فيه ونوعٍ محايد يبحث عن الإستقرار  على الإيمان أو الإستقرار على الإلحاد (النوع الثالث لا يحمل سوء النية بل يحمل المٌحايدة). إن فتح الباب باكراً  أمام أسئلة الطفل مهما كانت جرأتها  أو نوعها أو لغة بنائها يقود إلى الآتي:

1- زوال القلق عند الطفل ونعني به قلق السؤال والخوف من الرقيب.

2- تنشئة حرية التفكير في وجود الكينونة وقصدية المصير.

3- إزالة مفهوم (المٌقدس المٌحرم) وإثبات مفهوم (المٌقدس غير المٌحرم الذي يمكن السؤال عنه بالممكن من الكلمات في إنتظار الممكن من الجواب).

4- نشوء الفهم عند الطفل لآلية الفصل بين الظاهر الذي يمكن الإجابة عنه والغيب الذي لا يمكن الإجابة عنه لأنه شيٌء فوق الحس أو أداء أعضاء الحس وسيد إدراكها، الدماغ.

5- إزالة الحذر من القوى التي تَتَمثل نوعاً من سلطة الخوف مع الطفل كسطوة الأب أو الشرطي أو السجن أو العقوبة أو القانون الصارم.

6- بظهور المعالم التي ذكرناها (من 1 - 5 ) يتخلصٌ الطفل من النشوء المبكر للأمراض النفسية التي تتعلق بالموت المخيف واندحار الكائن كما يتخلص من (قلق الإغتراب) في المكان الذي يٌفترض أن يكون مكاناً للطمأنينة.

7- نشوء سلامة الشخصية لدى الطفل وإنعدام ظاهرة (البارانويا) التي تقوم أساساً على الشك المريض الخفي الذي من نتائجه ظاهرة الإنكار الواهمة (Persecutory delusion).

إن ظاهرة قَمع الطفل عن الله، على جلالة قَدره وعظمته، لها مثائل أدنى في المهمة لكنها شبيهة في النتائج  ونعني بها  أسئلة الطفل المٌحرمة عن الجنس والسياسة وقٌدسية الحاكم. إن تعليمنا الطفل صعوبة الثقافة الجنسية مثلاً هو الذي جعلنا نتأخر عن إفهام الطفل ظاهرة أصلية لا يلبث أن يمارسها لاحقاً في حياته. ومثال ذلك ما يسري على السياسة وقدس الحكومات مهما كان ظلمها وصعوبة مناقشتها من الأفراد والمحكومين.

فالإنفتاح على أسئلة الطفل في دلالة (الله) العظيم بحرمة تٌهون انفتاحه على ظاهرات أرضية وتجعل من الطفل فرداً  حٌراً  يبحث عن الحقيقة.

* * *

إن الطفل، أي طفل، فيلسيوف مبكر. فيلسوف يسألأ ولا يجيب حتى إذا لم يجد جواباً في من سبقه عٌمراً عمَد إلى وضع أجوبة من عنده. ولهذا ظنَ بعض الكبار  أن الفلسفة تراثٌ طفولي إمتدَ به العمر وبذلك فرق هذا (البعض) بين الدين والفلسفة بإعتبار الأخيرة مثيرةً لأسئلةٍ لا جواب لها. 

إن للدين فلسفة تٌعلم الإنسان ضرورة الإيمان بالله ونعتقدٌ أن فلسفة الإلحاد شيٌ عابث ينطلق بها أصحابها من منطلق العجز عن الإجابة. إن أسئلة الطفل الثلاث التي ذكرناها (معنى الله؟، أين الله؟، كيف الله؟) هي أسئلة فلسفية  مٌبكرة مما يؤكد وجود فلسفة للدين الذي تَدرج بالإنسان من مرحلة تعدد الآلهة وطوطمية الإنتماء وتابوية المصير إلى مراحل الدين السماوي الذي توفرت فيه عناصر الإله الواحد ومٌبلغ الرسالة (الملاك)، والمحتوى (الكتاب المٌنزل) والرسول المبعوث، وهذه الثلاثة (الكتاب والوحي والنبي) ليست مثيلاً للوسيطية التي فيها الصنمية، بل أنها تبسيط واقعي لطريقة تبليغ الناس بالرب الواحد خالق كل شيء.

وهنا تجب علينا إجابة الطفل الذي قد يكون ذكيَاً فيسألنا عن الفَرق بين الصنم الذي يتوسله الناس وصولاً إلى الله ومفردات الدين السماوي الذي يتسلسل على النحو الآتي (إله        ملاك          كتاب          رسول بشري). هذا الفرق يتوضَح أما الكفل، إذا استطعنا توضيحه كالآتي:

1- الصنيم يصنعه الناس بأيديهم حجراً  أو حيواناً  أو نباتاً  أو طائراً  خرافياً بإتجاه الله. بينما يبدأ الدين السماوي من الله وبأمره عبر الملاك المٌوحى  وضمن محتوى الكتاب وعلى لسان النبي، نزولاً من الله بإتجاه البشر.

2- مفردات الدين السماوي مفردات نقاش تملك حركة اللغة وحياة الخطاب وقوة الحجة بينما لا تملك مفردات الوثن إلا الجمود وفقدان الحجة.

إذا استطعنا أن نضع أمام الطفل مثل هذا الإيضاح نكون أستطعنا تحطيم مفهوم الوسيطية عنده والجأناه بمحبةٍ ولطف إلى فهم الفَرق بين الصنم الجامد والدين المتحرك حتى في فهم الثوابت وعلى رأسها  الله الواحد الأحد.

 

د. ريكان إبراهيم

 

علي محمد اليوسفهل المنهج ضرورة معرفية تلازم الباحث بالتفكير ومعالجته لقضية أو مشكلة هي قيد الطرح والمناقشة والتجاذب التنظيري المختلف بشأنها؟ مالمقصود بمنهج البحث؟ وهل منهج البحث في العلوم الانسانية هو نفسه منهج البحث العلمي الطبيعي؟ هل منهج التفكير يقي الباحث ويجنبه الانزلاق نحو/ في التشتت التفكيري المليء بالاحتمالات ووجهات النظر المتباينة المختلفة التي تعتورها الاخطاء وتفتقد معيارية المرجع اليقين؟ حينها تكون المادة البحثية أو القضية التي يتم تناولها المعرفي والنقاشي تفتقد الرؤية التفكيرية الممنهجة في رغبة الوصول الى تثبيت حقائق مرسومة سلفا في ذهن الباحث ولا يحققها له غير منهج تناولها التفكيري. كي تخلص قراءة كل نقد لا منهجي من الضياع الفكري المشتت في ثنايا الموضوع المراد بلوغ حقائقه اليقينية.

كل منهج تفكيري هو وعي قصدي عقلي في الوصول لهدف مرسوم سلفا في الفكر قبل أعتماد وسيلية المنهج القائم على قواعد وضوابط وأحكام خارجية تحضر كقوالب أحتواء التفكير العقلي لا يحيد عنها التوزيع المعرفي الممنهج كما هو في قانون وحدة الاواني المستطرقة الفيزيائية.. بمعنى أحكام وقواعد التفكير لا يمكنها الخروج على ما هو معد سلفا لها في تطويعها لما يراد صبّه فيها من منهج.

ومنهج التفكير الفلسفي كان مطروحا ومارسه غالبية فلاسفة اليونان قبل سقراط وبعده وصلنا في أبرز قطبين كانت افكارهما تتسم بالمنهجية الاستقرائية والاستنباطية التي تقود الى قناعات لم تكن موضوعة محتواة خارج تفكير الفيلسوف الوصول لها، كما هو حال أختلاف منهج افلاطون عن ارسطو من حيث الاطار العام وليس من حيث التفاصيل التي يكمن فيها الانزلاق نحو اللامنهج كقالب يمتلك محددات صارمة في الاحتواء. فقد تكون الاطر العامة هي الغالبة في تحديد منهج التفكير ولا تمتلك التفاصيل غير الاجتهاد البحثي الانطباعي الفردي الذي ربما يكون لا ينسجم بالتبعية المنهجية عن الاطار العام للمنهج البحثي.

المنهج الذي يعتبره الباحثون الفلاسفة هو مجموعة القواعد والاحكام والاساليب التي تقود الوصول الى حقيقة الشيء هي محددات خارجية منهجية في اطارها العام لكنها لن نجدها تدخل تفاصيل المبحث قيد الدراسة المنهجية. لذا يكون المنهج اطارا عاما فقط وتغلب على معظم التفاصيل الداخلية الاجتهاد الفكري للباحث ورؤيته النقدية الانطباعية الخاصة به لا بالمنهج..لا يوجد منهج يحكم الموضوع أو قضية البحث في مجمل اطارها العام مع تلازم منهج محتواها.

ديكارت والمنهج

أول من أثار أهمية المنهج في مبحث الفلسفة الحديثة على اساس يقوم على الشك الذي يقود الى الحقيقة الصائبة اليقين هو ديكارت في القرن السابع عشر في كتابه (مقال في المنهج) الذي أصبح ايقونة فلسفية في عصره وفيما تلا عصره ايضا وفيه يجيب ديكارت على سؤال مالمقصود بالمنهج قوله " المنهج جملة قواعد مؤكدة، تعصم الالتزام بها ومراعاتها ذهن الباحث من الوقوع في الخطأ، وتمكنه من بلوغ اليقين في جميع ما يرغب معرفته دون أن يستنفد قواه في جهود ضائعة"1.

وربما سبقه بهذا التوجه بيكون في كتابه الاورجانون عام 1630، والفرق بين الاثنين هو أحدهما ديكارت كان يبحث عن المنهج التفكيري الفلسفي العلمي على نطاق منطق الفكر التجريدي فلسفيا، وليس كما سعى له بيكون في رغبته الجامحة أن يكون منهج كل تفكير يروم تحقيق هدف علمي تطبيقي يخدم الحياة يكون مصدره هو العقل لا غيره. ومات بيكون كما هو معروف في اصابته بنزلة برد قوية اثناء تتبعه نتيجة تجربة علمية قام بها حين دفن دجاجة ميتة منزوعة الريش واحشائها الداخلية تحت الثلوج في سعيه البرهنة على أن درجة الانجماد تمنع تفسخ الخلايا العضوية للكائنات الحية. كما هاجم بيكون فلاسفة اليونان وسخر منهم وأعتبرهم اناسا لا شغل يشغلهم غير تصفيف الكلام المجرد المنطقي الذي لا علاقة تربطه بمعنى الحياة وفهمها فهما عمليا، وأعتبر مباحث الفلسفة التي لا تعتمد المنهج العلمي هي مضيعة للجهد والوقت.

ويعتبر مؤرخو الفلسفة أن كتاب ديكارت مقال في المنهج هو الذي خلد اسمه كفيلسوف متفرد في تاريخ الفكر الانساني عبر العصور، والكتاب لم يولد من فراغ بل جاء رد فعل على ما وجده بعصره "ماكان شائعا في زمانه من أختلاف في الاراء بين العلماء والفلاسفة ورجال اللاهوت، حين وجدهم يتخبطون في بحوثهم وأنظارهم ويسيرون فيما يشرعونه على غير هدى دون أن تكون لديهم خطة مدروسة مرسومة أو منهج محدد واضح " 2.

من المهم التنويه الى أن بذرة الشك المنهجي التي زرعها ديكارت لم يكن منحازا فيها تماما ناحية تجريب العلم المعرفي كما فعل بيكون، بل اراد من خلال المنهج خلق نوع من التوليفة التكاملية المفتعلة بين الفلسفة والعلم والدين، واراد ارضاء الجميع على حساب تغييبه منهج العلم بالتفكير الذي يقوم على الواقع وكيفية الوصول الى نتائج قطعية في المباحث العامة. بمعنى رغم النزعة العلمية التي نادى بها ديكارت في المنهج بقيت معلقة على مستويين الاول قطيعته مع اللاهوت الديني وقضايا الميتافيزيقا عموما، والثاني تقاطع المنهج الديكارتي على صعيد الفلسفة مع منهج التجريب العلمي التطبيقي بالحياة.

يترتب على هذا الايجاز الديكارتي حول تعريفه المنهج عدة تساؤلات نحاول طرح بعضها ليست كمسلمات تدحض المنهجية الشكية عند ديكارت فهذا ليس من مهام هذه الورقة بل تحدونا الرغبة الاجابة الصائبة الصحيحة عن سؤال هل المنهج في قواعده وأحكامه قابلا التطبيق الميداني في عمل الفكر المعرفي عبر العصور بكل تنوعاته أم لا؟ وهل بالامكان أعتبار مساواة معنى أحكام المنهج تسري على الافكار الفلسفية المجردة، تماما كما تجري في تجارب العلوم الطبيعية؟ أم لكل منهما منهجه الخاص به المتلازم مع خاصيته المعرفية. لم يكن مثل هذا التمييز ماثلا في ذهن ديكارت في دعوته لمنهج الشك و رغبته دمج علم الرياضيات بمواضيع الفلسفة.

قلنا في أسطر سابقة أن المنهج كما فهمه بيكون هو تفكير العقل التجريبي في ارساء حقائق واقعية تطبيقية بالحياة ولم يهتم بيكون بالنزعة المنطقية للفلسفة على حساب العلم. بيكون اراد أن يكون الموضوع هو ما يستحث منهج معالجته الخاص به، ولم يعتبر الاحكام والقواعد المنهجية أدوات بحثية ليست متداخلة تماما مع موضوع تناولها. وصول منهج العلم لحقائق يقينية لا يمكن دحضها لا كما في النظريات المجردة في منهج وضع أحكام قبلية مسبقة على الباحث أعتمادها في الوصول الى حقائق بحثه على مستوى الفكر المجرد لا تقبل الدحض النقدي وهو ما فهمه تعبير ديكارت من المنهج القائم على الشك بكل شيء لا يقبله العقل كبديهيات معرفية واضحة اكتسبت صدقيتها من تجارب الحياة التي لا تقاطع العلم ولا الدين..

ديكارت اراد المنهج وسيلة اتصال لاعتماد ماهو بديهي واضح بالحياة لا يناقض العقل ولا يقاطع اللاهوت. ولم يكن يدعو لاخضاع كل شيء لمنطق تجريبي علمي صرف لتدارك تحسبه من الوقوع في تقاطع حقائق العلم التجريبي بالضد من ميتافيزيقا اللاهوت الذي كان من محرمات الفلسفة.. .

ميزات المنهج الفلسفي

- الشك الملازم لكل موجود لا يفرض على الباحث منهجا محكمّا بقواعد وأحكام مسبقة هي غير المنهج الانطباعي الذاتي على مستوى الفكر النظري فقط الذي يحمله الباحث كمعرفة قبلية ليست فطرية بل تراكم خبرة مكتسبة. في تناوله موضوعا معينا قابلا للنقاش في تعدد القراءات لكل مادة قيد التناول المنهجي النقدي، الشك ليس بداية ضرورية في تطبيق قواعد منهجية كي لا تذهب بالباحث اراؤه مذهب التشتت التفكيري واستنفاد الجهد الضائع من الوصول الى حصيلة يتوخاها الباحث من تناوله لموضوع هو ملكية مشاعية لكل من يستطيع الدلو بدلوه فيه، بل المنهج في كل الاحوال فعالية نقدية يحدّها التفكير العقلي ولا تقولبها القواعد والاحكام اللاواقعية غير الملزمة التطبيق. والمنهج التنظيري هو غيره المنهج التطبيقي.

عليه يكون المنهج في مباحث المعرفة هو بداية تفنيد كل خطأ يرد بصورة وشكل قضية فكرية مطلوب مناقشة أعتلالها الخاطيء. هنا الخطأ بالاشياء والظواهر هو يقود الشك كلازمة، وليس الشك وحده يقود اكتشاف الاخطاء المحجوبة عن الادراك. الشك يلازم كل شيء يدركه عقل الباحث، وليس كل شيء يلازمه الخطأ. ولا يشترط الانطباع النقدي الذاتي للباحث غير الممنهج على أسس وقواعد ملزمة وتوفره على أحكام واجب تطبيقها هي غير الانطباعات النقدية الذاتية. بمعنى الشك بحد ذاته يمثل منهجا مستقلا بالتفكير لا يحتاج قواعد (قبلية) خارجية توجب السير بمقتضاها للوصول الى دحض كل شك يلازم قصدية الوصول لحقيقة قضية معينة..

الشك هو معالجة كيفية (نوعية) في مراجعة كل قضية معرفية تحمل أخطاءها قبل التزامها توافر قواعد المنهج في معالجتها. مثال ذلك منهج ديفيد هيوم الشكي هو غير منهج ديكارت الشكي وهكذا الحال مع أكثر من فيلسوف تناولوا مباحث مشتركة تتوزعها بينهم رؤى مختلفة لا يحكمها المنهج كقواعد. مثل سبينوزا ومالبرانش وباسكال على سبيل المثال. فالمنهج المثالي بالتفكير عن هؤلاء الفلاسفة وعديدين غيرهم ليس واحدا ولا متشابها، مما يجعل من منهج البحث ليس مجموعة أحكام وقواعد تلغي جهد الباحث، وهذا يصدق على منهج العلم التطبيقي ايضا الذي نفترض فيه الحيادية الموضوعية التي تحكمها التجربة العلمية وليس رغبة الباحث.

الخطأ المعرفي أيا كان مصدره يكون محط نقد انطباعي ذاتي قبل استخدام وسائل تفنيده منهجيا. وتلعب ذاتية النقد الانطباعي دورا ليس في أهمية أسبقية تناول تصحيح أخطاء قضية معرفية فكرية معينة وحسب بل في أعتماد الباحث مكتسبات الخبرة المعرفية المخزّنة لديه قبل تطبيق قواعد وأحكام التفكير المنهجي بمعالجتها.

بمعنى المنهج هو مصطلح تأطيري للظاهرة أو الشيء وليس منهجا تحليليا في الوصول لمعرفة حقيقة تفاصيلها الداخلية الدفينة التي هي من أختصاص علمي وليس من اختصاص تطبيق منهجي تجريدي..حتى النزعة الانطباعية في دخولها مجال نقد التفاصيل التي يؤطرها المنهج تكون معرضة للخطأ اكثر من تحقيقها الصواب.

- هل منهج التفكير الفلسفي في العلوم الانسانية والسرديات الكبرى هي مجموعة القواعد والالتزامات القبلية الماثلة في تفكير الباحث في طرحه فكرة أو موضوعا؟ بمعنى هل ما يحدد التفكير المنهجي بقضية يلزم عنها الالتزام التام بقواعد ومحددات من التفكير الملزم للباحث، أم يكون المنهج يتحدد ضمن قناعات قبلية يؤمن بها الباحث هي انطباعات ذاتية راسخة بالذهن ولا يمكن زحزحتها عن ايمانه المطلق بها خاصة في مجال تطبيقات المنهج على الاداب والفنون ومختلف السرديات التي يصبح نعت ذلك وتلك الممارسة هي الخروج على قواعد وأحكام المنهج تأتي في اولويات تغليب الانطباعات النفسية والمدركات الخبراتية الذوقية الفنية المكتسبة من التجربة الانفرادية الذاتية التي لا تحكمها قواعد وأحكام منهجية. المنهج لا يحد الفكر المجرد كما تفعل معه تجربة المنهج العلمية.

بهذا المعنى هل من الممكن أعتبار المنهج النقدي الثقافي بالادب هو مجموعة القواعد والاحكام الواجب اتباعها كي يكون النص المنقود قائما على تمام الايضاح ما بعد الحداثي؟ وما سبقه من مدارس نقدية هي في حقيقتها غير منهجية تماما وأصبحت مجاوزتها قائمة طواها الزمن؟ بسبب أن المنهج بمفهومنا له أنه مجموعة من القواعد والاحكام الواجب أعتمادها أم المنهج هو خاصية انفرادية لاعلاقة لها بالاحكام القبلية في السعي محاولة قولبتها النصوص الادبية فيها؟ هذه الحقيقة بأسطورية المنهج الكاذبة رافقت البنيوية والوجودية والتحليلية والتاويلية والتفكيكية، اذ تبيّن من خلال ادبيات تلك الرؤى الفلسفية المتباينة فقدانها التام لمنهج قابل التطبيق على كل ظواهر الوجود والحياة. ولا تلزم غالبية تلك الفلسفات الباحث في تطبيق رؤاها الفكرية الفلسفية على منهج كل تفكير.وبهذا يكون منهج الفلسفة هو منهج الفضاء المتحرر من كل قيود واحكام سابقة على أجتهاد ورؤية الفيلسوف البحثية الانفرادية المستقلة.

- ما ذكرناه يقودنا الى صعوبة التزام الباحث مجموعة من قواعد وأحكام خارجية ليست هي خاصية معارف قبلية في منهج لم يبتدعه هو بمخيلة نقدية يلتزمها طيلة مسيرة تجربته في الحياة، ما يجعله هو يستحدث منهجه الخاص في طرح افكاره بحرية تامة ضمن رؤية مسؤولة نسقية لا يعتريها التشتت ولا تتسيدها الاحتمالات غير الموثوقة القابلة لاحتواء الاخطاء.

ثم أن الموضوع مادة البحث هو الذي يحدد نوع التفكير المنهجي الذاتي معه أو ضده لذا تكون الانطباعات النقدية مسالة خلافية خارج قواعد عدم الالتزام بالمنهج كقواعد ملزمة.. وليس معنى هذا أن البحث المنهجي معصوم عن التناول النقدي في تعرية أخطائه وثغراته. ونجاح المنهج قرين وخاصية امتلاكه تطبيق الاحكام والقواعد المسبقة التي تقود الباحث ولا يتمكن من الخلاص من اقتفاء اثره في أعطاء وجهات نظر متحررة من كل قيود تحديد حرية التفكير خارج أحكام المنهج. المنهج رؤية متحررة وليس التزاما باحكام وقواعد لا نجدها على مستوى التطبيق البحثي.

- ما هو الشيء الذي يحكمنا بالمنهج كتفكير نقدي يسعى بلوغ هدف أو محصلة معرفية، هل هو الانطباعات الذاتية التي يحركها الذهن والعقل؟ أم تلك التساؤلات التي يطرحها موضوع التفكير، بمعزل عن الاراء المسبقة التي تأخذ صفة محددات وقواعد المنهج الواجب اتباعها والالتزام بها.؟ أم هي الآراء الانطباعية النقدية التي تضفي على موضوعة التناول أجوبة وقراءات متعددة كفائض معنى خاص تفصح عنه دلالة اللغة في فهم وتفسير الواقع وليس العكس.؟ ولا يشترط أخضاعها لمنهج يمثل مجموعة الاحكام والقواعد والاشتراطات التي بها تحكم الباحث والقضية معا في تطويع موضوعة التفكير النقدي ضمن تلك الاشتراطات التي تسمى المنهج كقوالب لا تتقبل الخروج عنها ضمن الاجتهاد الفردي حتى على مستوى التفاصيل برؤية انطباعية لا يمكن للباحث الفكاك منها..

المنهج والتطبيق

من المسائل المترتبة على أعتماد المنهج في التفكير بقضايا علوم الانسانيات والسرديات هو غيره المنهج التجريبي المعتمد في معالجة أمور وقضايا العلوم الطبيعية  التي تقوم على مباحث تحقيق براهين تجريبية لا تقبل الخطأ، وبهذا تكون حقائق البحث العلمي هي التي تعرض على الباحث منهجيتها المدخرة فيها ولا ترضخ لاحكام وقواعد مسبقة قبلية على التجربة العلمية. ذكرنا أن منهج التفكير في قضايا العلوم الانسانية، هو غيره منهج العلوم الطبيعية التي تقوم على التجربة العلمية التطبيقية، ولا يمكننا مقايسة معيارية النجاح في ميدان التجربة العلمية في سحبها الاسقاطي التطبيقي على منهج تناول السرديات في العلوم الانسانية كنظريات لا تحتمل التجربة ولا التطبيق.

خلاصة القول المنهج هو أجتهاد نقدي ذاتي متحرر من وصاية الاحكام القبلية المسبقة عليه.كما أن مطالبة بعض الفلاسفة المحدثين أن يكون وضوح التجارب العلمية كمنهج تناولي هي التي يجب علينا سحبها التعميمي بوضوح تعبير اللغة في العلوم الانسانية، هذا الوضوح يقودنا على حد زعمهم الى بديهيات اقناعية برهانية لا أختيار لنا فيها غير مقبولية تصديقها.

وضوح اللغة في محاولة تيسير الوصول الى قناعة منهجية صادقة، ليس هو المعيار الصحيح السليم في أن نعتبر كل ما هو واضح لغويا هو قناعة بديهية لا مجال الشك بمصداقيتها. المنهج خاصية ذاتية لا يمكن أستنساخها معرفيا في التعميم. كما أن الاكثر صوابا أن مايدركه العقل حقيقيا صادقا من الصعوبة أدحاضه كمنهج أو بغيره باعتباره أصبح بديهية اثبتها العقل الادراكي في وضوحها المقبول الذي يبطل أهمية التحقق منها في التجربة العلمية.

المنهج والعقل

تميز القرن السابع عشر بميزة هامة هي عناية المفكرين فيه بمسالة (المنهج) أو الطريقة الواجب اتباعها في البحوث العقلية، والكتب التي عالجت قضية المنهج (العقلي تحديدا) عديدة منها ظهور كتاب بيكون الاورجانون عام 1630، تلاه كتاب ديكارت "مقال في المنهج" ثم نشراسبينوزا رسالته بعنوان "اصلاح العقل" ونشر مالبرانش " البحث عن الحقيقة " كما كتب لايبنتيز عدة رسائل تحت عنوان المنهج.3 . من الملاحظ في عناوين هذه الكتب هو قصدية تمرير ما كان محرما تحريما صارما ذلك العصرالقرن السابع عشر دعوة تفكير العقل تحت مسمى اتباع المنهج. فاعادة تغليب نزعة العقل النقدية هي ليست الالتزام بمجموعة من الاحكام والقواعد والمحددات التي تنطوي تحت معنى "المنهج" حيث من المحال أن لا يكون تفكير العقل الغائب والغاطس بميتافيزيقا تلك القرون الاوربية الوسطى أنه اختراع منهجي لا عقلي، فالعقل هو خاصية انفرادية بمنهجية التفكير يمكن لكل فرد العمل بموجبه.

بهذا المعنى لا يوجد منهج لا يهتدي بمرجعية العقل، والعقل يحتوي كل مناهج المعرفة ولكن تلك المعارف المنهجية لاتحتويه وتحتكره منهجا في التفكير لا يكون عقليا. حتى الخروج على مواضعات تحديد احكام وقواعد المنهج والخروج عليها هي بالمحصلة منهج استدلالي يقوده العقل. وبغير هذه الصفة لا يصبح هناك معنى لاتباع رؤى تصحيحية معرفية وفلسفية.

بهذا المعنى نستطيع الجزم  بحقيقة تداخل تسمية المنهج بدلالة اعتماد منهج العقل لا يجعل من تفكير العقل منهجا تم أختراعه الفلسفي في القرن السابع عشر مع بدايات مرحلة التنوير الاوربية بعد عصر النهضة. حتى الاساطير والميثالوجيا والخرافة والسحر والوثنيات الدينية وغيرها كانت تعتمد مرجعية العقل بمفهومين متاضادين أحدهما يعتمد العقل كتفكير في فهم الحياة والميتافيزيقا على حقيقتهما يقابله المنهج التضليلي الزائف الذي أعتمد العقل كاسلوب تفكير منحرف في جعل كل خرافة يقاطعها العقل يمكن تمريرها باسم ايمان ميتافيزيقا العقل ذاته عبر التسليم الغيبي بها. الحقيقة المتداولة عبر عصور غابرة ماضية بعيدة كانت تعتمد التفكير الميتافيزيقي الزائف باسم منهج العقل بالتفكير التضليلي الخادع مع الفرق باسلوب منهج التفكير.

محددات التفكير المنهجي

كيف نثبت فاعلية العقل الفلسفي من الاقتراب المنهجي السليم في تحقيق الالتقاء بيقين العلوم الرياضية والعلمية عموما،كما يراها فلاسفة المنهج في:

- أن لا ننشغل الا بمعاني واضحة متميزة، أي معاني مضمونها بديهيا كل البداهة. وما اطلق عليه الثورة الديكارتية كان مرتزها الذي حدده لها ديكارت هو البداهة والوضوح قبل التسليم بكل يقين، الذي لا يقبل غير حكم العقل. 4

- أن نذهب دوما من المعاني – تعبيرات اللغة التجريدية -  الى الاشياء. المقصود في واقعها المادي وليس التصوري لغويا.5

- أن نرتب افكارنا في نسق خاص حيث يكون كل معنى منها مسبوقا بجميع المعاني التي يستند عليها، وسابقا على جميع المعاني التي تستند اليه.6

لو نحن أمعنا النظر الدقيق بهذه المحددات التي اعتبرها فلاسفة المنهجية الخطوط العريضة التي تحكم القضايا الفلسفية، لوجدناها تتميز بخاصيتين هما اولا (لا) منهجية ممكنة بدون مرجعية عقلية تجعل من كل تفكير هو وعي قصدي في الوصول الى غاية أو هدف معين، والثانية هذه الاحكام التي هي مواصفات المنهجية لا تشكل أسلوبا منهجيا بحثيا وحيدا يصلح لجميع قضايا الفلسفة والفكر والمعرفة بمنطقها العلمي الرياضي.. ربما تنجح هذه الاحكام والمحددات المنهجية في معالجة بعض القضايا الفلسفية التي تحاول التقرب من منهجية العلم التجريبية،لكنها لا تشكل بديلا عنها، ولا تشكل تكاملا معرفيا نسقيا معها.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

....................

الهوامش:

1- د. امل مبروك، الفلسفة الحديثة، ص 75

2- نفسه ص 74

3- نفسه ص 76

4- نفسه نفس الصفحة

5- نفسه نفس الصفحة

6- نفسه نفس الصفحة

 

 

لكل حقبة أوهامها، ولكل مؤدلج هلوساته وهذياناته وأحلامه، والواقع ليس معطى أزلياً ولكنه نتاج "بنى الهيمنة"، والواقعي ليس عقلياً بالضرورة كما أن "الحياة الواقعية" قد تكون نقيضاً للعقل، لكن هذا لا ينفي صحتها سيكولوجياً، وإذا استدعينا مقولة هيجل الشهيرة عن أنّ ما هو معقول هو واقعي حقيقة، وما هو واقعي حقيقي هو معقول، فإننا سنميز بين الواقع الحقيقي والواقع الحادث أو الفعلي، إذ يمثل الأول واقعاً تغلب على التعارض بين الممكن والموجود في حين أن الآخر يمثل الواقع المتعارض مع العقلي، والعقل هنا ليس عقل الأصولي أو الأيديولوجي أو حتى "المثالي" وإنما كما عبر عنه كانط بمبدأ الحكم الذاتي أو العقلانية النقدية لبوبر، وبهذا سوف نخضع الواقع المعطى إلى معايير العقل وليس تكييفه وتدجينه حسب ما يقتضيه النظام القائم والقيم السائدة أو التفكير الرغبوي.

مثلاً فكرة أفلاطون عن أن لدى كل إنسان مصدراً إلهياً للمعرفة يكمن في روحه التي كانت تعرف كل شيء قبل أن يولد ولكنه بعد الولادة ينسى كل شيء إلا أنه يمكن أن يتذكر تلك المعرفة القبلية إذا رأى الحقيقة وتأكد منها، لأن الحقيقة تعلن عن نفسها، وهذا ليس معياراً للحقيقة كما أنه ليس هناك معيار ثابت للحقيقة، وطالما أن المعرفة شيء إنساني فإنها رهينة بكل مظاهر النسبية التي تشكل الوجود الإنساني، لأن منتج النظرية قد يكون عرضة للتأثر ولو بشكل لا شعوري بآماله ومعتقداته الشخصية ومهما تكن عبقريته فهو محدود بتراثه الثقافي وأفقه المعرفي، لذلك أفلاطون بعد أن استحوذ عليه اليأس تراجع عن هذه الفكرة وحَصَر المعرفة في عدد قليل من الصفوة المختارة في كهفه الشهير، فلو غادر أحدهم الكهف لوجد صعوبة بالغة في فهم ذلك العالم الجديد.

إن كثيراً من المفاهيم الأخلاقية ليست ذات طابع كوني وأبدي بل تخضع للبعد الزمني، إذ المراحل اللاحقة للفكرة الأخلاقية الأولى تحوي ضمناً المراحل السابقة كتقدم ديالكتيكي وأن الفكرة الأولى مهدت الظهور للمرحلة الثانية وهكذا دواليك، وعلى سبيل المثال، لاحظ الفيلسوف ألسدير ماكنتاير أن كلمة أخلاقي "moral" كما نفهما اليوم، لم تكن هناك أي كلمة في اللغة اللاتينية، وهي لغة التواصل في أوروبا قبل عصر التنوير، ولا في اللغة اليونانية القديمة، يمكن ترجمتها بصورة صحيحة إلى كلمة أخلاقي بالمفهوم الحديث، بل لم يكن ثمة كلمة مثل هذه إلى أن ترجمت كلمة "moral" بالمعنى الحديث إلى اللاتينية. ويتسق هذا مع أطروحة وائل حلاق عن "الدولة المستحيلة" الذي ينفي أيضاً وجود مرادف دقيق في اللغة العربية قبل القرن التاسع عشر لكلمة "أخلاق" بكل ما تحمل من دلالات اليوم في الفلسفة الأخلاقية والقانونية. ويمكن أن نجادل أن مفردة "أخلاق" عند مسكويه، في تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق، أو مكارم الأخلاق للطبرسي، التي اتسعت دلالاتها مع القراءات الحديثة، لا تعدو عن كونها إسقاطاَ للحاضر على الماضي واستعادة الماضي مُحَدَّثاً في الحاضر. وإذا كان هذا الاستقراء فيه فيه نظر؛ فماذا يمكن أن نقول عن مفهوم لا خلاف على حداثته كمفهوم "حقوق الإنسان" مثلاً وإن كان له إرهاصات في الفلسفة اليونانية وكذلك الفلسفة العربية وحتى عند كبار المتصوفة ورسائل إخوان الصفا وخلان الوفا؟ ولكن هل يمكن اعتباره مكافئاً أو مرادفاً للمفهوم الحديث؟

من هنا كان مأخذنا على الراحل عبد الوهاب المسيري في محاولته ابتكار نموذج إدراكي تحليلي جديد لدراسة دور الدين وقضية الجنس والنزعة الاستهلاكية أو"الإمبريالية النفسية" في المجتمع الأمريكي، المسيري الذي كان مفتوناً بهيجل وماركسياً على سنة الله ورسوله، أراد أن يروض "الذئب الهيجلي" في داخله فوقع من حيث لا يدري فريسة له، لأن هوسه بالمابعديات وتجاوز ما سمّاه بالقوالب الإدراكية الجاهزة، دفع به إلى أن يجمع أشتاتاً من حقول مختلفة، كالجمع بين التجريد والتنظير والشمول الهيجلي ونقد مدرسة فرانكفورت، وبأن يكون تحليله مركباً متعدد الأبعاد وبأن لا يسقط في هوة "النسبية العدمية" وأن يستنير كبديل عن ذلك بـ"النسبية الإسلامية" التي تعني بأن يؤمن الإنسان بأن هناك مطلقاً واحداً هو كلام الله وما عداه اجتهادات بشرية، وأن يدمجها مع مقولاته التحليلية مثل نهاية التاريخ والفردوس الأرضي والثالوث الحلولي، بعبارة أن لا يكون اختزالياً تبسيطياً في قراءته لعوالم شديدة التعقيد والتركيب، عوالم الإنسان وأسراره. فماذا كانت النتيجة بعد كل هذه الهرطقة والتوليفات غير المتجانسة في الجمع بين الشيء ونقيضه؟

يجادل المسيري أن الإنسان لا يمكن أن يشعر بحريته ومسؤوليته الأخلاقية إلا إذا جمع بين الثنائية الأساسية، ثنائية الخالق والمخلوق، لا الثنائية الفضفاضة، ثنائية الإنسان والطبيعة، لأنه يستحيل حسب تصور المسيري تفسير الإنسان ضمن إطار الطبيعة بسبب أسبقيته عليها، كما أنه لا أحد يعلم حقيقة الإنسان في كليته إلا الله، فهو، أي الإنسان، ليس جزءاً لا يتجزأ من العالم الطبيعي كما يقول المسيري، إنما جزء يتجزأ منه.

إن هذا مدخل ضروري لفهم النموذج الإدراكي التحليلي للمسيري، الذي يغلب عليه الغرق كثيراً في التعميمات والانطباعات الشخصية وتحويل الجزيئات إلى كليات والعكس وإطلاق الأحكام المتسرعة والتفسيرات الاختزالية ذات البعد الواحد، فتجده مرة يتحدث بلغة الباحث البارع والحاذق عن صور التنميط والضبط الفوكوي والتحكم في السلوك والاغتراب التي تسم أشكال الحياة في المجتمع الرأسمالي مستعيناً بأجود أدوات هيجل التجريدية ودمجها مع خلاصة من نظريات فرويد والماركسية المطورة وبشيء من أصالة فيبر وحرفية مدرسة فرانكفورت النقدية وأطروحة ماركوز عن الإنسان ذي البعد الواحد فتهتز طرباً لموسوعيته وهضمه لتلك المقولات والنظريات كما أنه أجاد في مجمل تحليلاته للخطاب العقدي المناصر لإسرائيل في أمريكا وتأكيده على أن الخطاب الرسمي وجانباً كبيراً من الخطاب الديني سيما أغلبية المتشددين من البروتستانت هو خطاب برجماتي وأحياناً عدائي عنصري حينما يتعلق الأمر بحقوق الفلسطينيين والعرب وكذلك عقدة الإثم التي تسم الخطاب الأمريكي في تعامله مع اليهود ورغبته في تعويضهم عما نالهم من أذى في الغرب المسيحي، فإسرائيل أصبحت ملاذاً ووريثة لملايين من ضحايا المحرقة وحارسة دين "لم يعامله التاريخ بلطف"، لكن سرعان ما تشعر بخيبة أمل كبيرة وصفعة تعود بك من سكرات الافتتان إلى الواقع حينما يتعثر بقضية الجنس أو الدين فيغفو "الذئب الهيجلي" ويستيقظ الشيخ أو الدرويش المتربص في داخله، فيعزو مثلاً "السعار الجنسي" في بعض جوانبه إلى رغبة إنسانية في الوصول إلى نقطة ثبات يقينية كردة فعل على عالم "النسبية السائل" أو سيولة القيم، ويسوق في هذا السياق حكماً غريباً وهو أن النسبية "المعرفية والأخلاقية" تنزع القداسة عن العالم وتجعل كل الأمور متساوية، فيصبح الظلم مثل العدل، والنزعات الثورية والراديكالية لا تختلف عن بواعث المحافظة، وهذا على عكس المقولة الهيجلية عن صراع الأضداد وأن كل سلب تعيّن وأن كل تصور يحمل في داخله ضده، فالنقيض كامن في ذات الشيء وقد يجتمع النقيضان على الصعيد النفسي لا العقلي وحسب، وهذا الضد في صيرورته يشكل حركة تصاعدية بلا نهاية، وبصراع الأضداد تولد الحركة ويبعث التطور في الواقع الاجتماعي، بل لا توجد حالة قط إلا وهي "تنطوي على ما يناقضها، فلا تبلغ تمامها إلا ظهر منها النقيض الذي تنطوي عليه"، فالحرب تكون ضماناً للسلم واللاحرية شرطاً للحرية، كما يكمن الإلحاد في الدين، والوثنية أو الكثرة في الوحدة، والثورة في المحافظة، والشيطان أيضا لم يكن سوى ذلك "الملاك المخلوع"، وكما يقول المثل العربي:" العنب إن صح فسد وإن فسد صح"، ومن هوية الضدين يمكن أن يتشكّل مركّب جديد أو هوية جديدة تحتفظ بشيء من الضدين معاً في ذاتها، وهذا الطابع الدينامكي للمعرفة يؤكد على طبيعة التغير والحركة المستمرة حتى في صميم المجتمع الذي يبدو ظاهرياً متماثلاً وخاملاً وثابتاً، بل هو سيرورة الحرية التي تهتدي إلى نفسها أو قل هو "المقاومات العشوائية" ضد تفاقم قوى القمع، غير أن المسيري يؤكد في حديثه عن "المغترب" على أنه من "المستحيل على الإنسان الفرد أن يتخذ أي قرارات بشأن أي شيء" وبالتالي من السهل الهيمنة عليه، وهذا التحليل الذي توخى التركيب والشمول لا يصح حتى على الخراف المدجنة وفئران التجارب في المختبرات العلمية فما بالك بالإنسان، كما أنه لا يصح حتى مع توخي أقصى درجات التجريد في ديالكتيك السيد والعبد عند هيجل.

لا يوجد علاقة شرطية ضرورية صارمة بين الهوس الجنسي أو إدمان الجنس الذي هو مرض كمرض الإدمان على القمار مثلاً وعدم إيمان المرء بشيء مفارق، فالنشاط الجنسي وإمكانات المتعة في أي مجتمع سواء تعلق الأمر بمحرضات التحليل والتحريم النبذ والتثبيت لا يمكن أن تفهم دوافع هذا النشاط من خلال الاستعانة بالبعد الإيماني للباحث أو بالدين كمقولة تحليلية لتفسيره هذا إذا أردنا أن نفهمه، كما أن خضوع المرء لأنظمة الدولة والمؤسسات الثقافية حد العبودية ليس مرتبطاً بسيولة القيم وغياب "قاعدة أخلاقية صلبة"، وكذلك فإن "اختفاء المعايير وفقدان المقدرة على الحكم" لدى "المغترب" لا يعزى إلى كونه كائناً نسبياً وحسب وكأن هذا الافتراض بل هذا الكلام المُرسل يضمر مثلاً أن المتدين أو المؤمن سيكون أكثر قدرة على الحكم على الأشياء فقط لكونه متديناً ولديه مرجعية متجاوزة للطبيعة. بيد أن المسيري يصر على الربط بين مفهومه المشوه عن "النسبية المعرفية" و "الانحلال الأخلاقي"، وهذا طبعاً تبسيط مخل ولا يليق إلا بقارئ مبتدئ في الفلسفة، فيقول إن أستاذاً للفلسفة وهو أحد دعاة الحرية الأخلاقية والنسبية المعرفية، رغم أنه كان "إنساناً فاضلاً" وكأن ذلك أثار غيظ المسيري لأنه يشي بأن ثمة تناقضاً بين الفكر والممارسة بحسب تصوره، ولذلك قال له المسيري ساخراً:" إذن ستذهب أنت إلى الجنة أما أفكارك فستذهب للجحيم". كما أن المسيري يبالغ في الربط المتعسف بين ضمور النزعة الطوباوية وتفاقم السعار الجنسي وكأن عالم الجنس هو التعويض المادي للمدينة الفاضلة، وكلما توارى المطلق في حياة الفرد زاد هوسه بالجنس، وربما لو تصفح بعض كتب الفقه لكان له رأي مغاير، إن الجنس كما يقول المسيري "ميتافيزيقا من لا ميتافيزيقا له" ثم يفسر "المثلية الجنسية" أو "الشذوذ الجنسي" بتعبيره، بأنها بسبب البحث عن "اللذة الجنسية الخالصة الفردوسية"،  ولست أدري ما الذي يعنيه باللذة الجنسية الفردوسية، ولا أظن أن أحداً قد وصل لهذه اللذة الفردوسية ولا يزال حياً. ويرى المسيري أن هذه الممارسة الجنسية هي النتيجة المنطقية والترجمة الأمينة لمبدأ اللذة النفعي، فالمثلي يحاول أن يتغلب على اغترابه وضياعه في هذا الكون الذي ترك فيه بلا رعاية مفارقة بشكل مؤقت فيرتبط في علاقة عابرة مع شخص من جنسه دون التورط في متطلبات "العلاقة الحقيقية"، وكذلك يربط بين "حركة تحرير المرأة" وازدياد عدد "الشذاذ من النساء" على حد قوله. فهل كان أبو نواس مثلاً يستعيض بعلاقاته المثلية كبديل عن شعوره بالضياع في عالم هجره ربه؟ وهل يا ترى أن أبا نواس ورفيقه والبة بن الحباب شعرا بهذه اللذة الجنسية الخالصة الفردوسية؟

لكن الأغرب من هذا وذاك هو حديثه عن رواج أفلام "snuff movies" وبأنها كانت تعرض في دور السينما الأمريكية، وهي أفلام إباحية عنيفة وغالباً ما تنتهي بحسب رواية المسيري بمشهد قتل بطلة الفيلم وهي في حالة نشوة جنسية، ويتم "قتلها في اللحظة التي تقذف فيها". والقتل هنا حقيقي على حد زعمه، أي أن البطلة تذبح كرمى للمشاهدين، لأن هذه الأفلام صورت في أمريكا اللاتينية، وإن كانت تعرض في دور السينما الأمريكية تحت دعاوى "حرية الإبداع والثورة الفنية" كما يقول المسيري ساخراً. وطبعا هذا نتيجة للموقف النسبي وإنكار الحدود الأخلاقية باسم الحرية المطلقة! ولست أدري في أي دور عرض شاهد المسيري هذه النوعية من الأفلام! ولتعزيز هذا الوهم يستمر في ذكر أمثلة غرائبية فيقول مثلاً: هناك أستاذة علم اجتماع في جامعة كاليفورنيا دربت طالباتها في الصف الدراسي على "الاستمناء" كي "يمكنهن الاستغناء تماماً عن الرجال" في مادة "سوسيولوجيا الحياة الأمريكية". ثم يقارن بين المجتمع الأمريكي والمجتمع المصري في أواخر الستينيات فيصف عالم الإنسان المصري بأنه أكثر امتلاء وأكثر صلابة، لأنه قادر على الحب والكره، التعاون والتآمر، حب الذات وحب الوطن، ولذلك ليس من السهولة أن يصدق كل ما يقال له، وكاد يقول إنه ديكارتي بالفطرة، بينما الأمريكي فهو على عكس المواطن المصري، يُسهل خداعه، ويؤمن تماماً بكل ما يُقال له، وعلى الرغم من أنه يدعي الاستقلالية والاعتماد على النفس فإنه يقذف بأطفاله إلى سوق العمالة في مرحلة مبكرة. وهكذا تفرغ من قراءة كتابيه وإذا بك لا تعرف شيئاً ذا بال عن المجتمع الأمريكي اللهم إلا جزءاً من الجانب "الإمبريالي" للإمبراطورية وبعض الشذرات عن "عالم السلع الفردوسي"، أما الجانب الاجتماعي والديني والثقافي فإنك ستعرف عن طبيعة القوالب الإدراكية الجاهزة للمسيري أكثر من الحقول والمواضيع التي خضعت لمقولاته التحليلية. رحم الله المسيري ووقانا لوثة الأصول!

 

نضال البيابي

.............................

المصادر

1- عبد الوهاب المسيري، الفردوس الأرضي: دراسات وانطباعات عن الحضارة الأمريكية الحديثة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت 1979 الطبعة الأولى

2- عبد الوهاب المسيري، رحلتي الفكرية في البذور والجذور والثمر، الهيئة العامة لقصور الثقافة القاهرة 2000 الطبعة الأولى

3- هيجل، فنومينولوجيا الروح، ترجمة ناجي العونلي، المنظمة العربية للترجمة بيروت 2006 الطبعة الأولى

 

 

علي محمد اليوسفوليم اوكام1300-1350  William occam  كان اكثر الفلاسفة الانكليز الذين أثّروا في القرن الرابع عشر، ويعتبر اوكام الوريث الشرعي للنزعة العلمية التجريبية التي بدأها روجر بيكون الذي أخذ عنه اوكام مقولته الفلسفية "التجربة هي الاساس المعياري لكل معرفة ". معتبرا "مباديء العلم الطبيعي لا يمكن البرهنة عليها وأثباتها وحسب، وأنما هي أساسية لا يمكن أجتنابها وتعتمد الخبرة. وقضايا العلم الانفرادية التي يعتمدها العلم الطبيعي كقضايا واضحة هي ليست واضحة ذاتيا"1.

هنا يؤكد اوكام عدم وجود معرفة كليّة نسقية هي مجموع التجارب العلمية الانفرادية التي تبقى بلا وضوح منهجي في تعبثرها اللانسقي، ولا تكتسب تلك التجارب الانفرادية نسقيتها العلمية في الوجود المعرفي الكلي ألا داخل العقل كتجريدات فكرية فقط وليس خارجه كحدوسات وأحساسات واقعية معرفية متفرقة..

يطرح أوكام مسألة بالغة التعقيد مفادها "كل ما يوجد خارج العقل موضوع فردي ومنفرد لا وجود للكلي معه، بمعنى أن معرفتنا العالم الخارجي يجب أن تكون عن طريق الادراك الحدسي. وهذا النوع لا يمكن الاستدلال عليه قياسيا. فالمعرفة الحقيقية يتم التزود بها على اساس هذا الادراك الحسي أي من الخبرة المباشرة."2 يمكننا القول بضوء عبارات اوكام المار ذكرها أنه:

- يعتبر  التجربة العلمية لا تعبّر عن حقيقتها في وضوح ذاتي كاف لها، أي بمعنى التجربة العلمية التي لا تنمّي وتزيد تراكمها بالخبرة المعرفية الدائمة لا تكون دليلا علميا قاطعا في انفرادها الذاتي غير النسقي. معتبرا اكتساب الخبرة المعرفية لا تتم من غير وسيلة الادراك الحسي.

- تعبير أوكام كل ما يوجد خارج العقل فردي ومنفرد ولا وجود للكلي معه، بمعنى كل ماهو انفرادي لا يمثل نسقا كليا لتعامل العقل مع معارفه المكتسبة. العقل رغم طبيعته البيولوجية التكوينية في منظومة الادراك أنه نسق كلي معرفي شامل في معرفته للوجود، الا أن ما هو مكتسب من معارف العالم الخارجي لا يمثل غير ذاته في عدم الوضوح ولا يمثل كليّة العقل العلمية المعرفية النسقية التي تشكل فيها المعارف المنفردة معيارا قياسيا لمنهج العقل المعرفي التجريبي حسب فهمنا لاوكام.

- من الصحيح جدا بضوء فهم اوكام أن كل انجاز فردي علمي لا يمكن تعميمه على نسق علمي كليّاني للعقل. من حيث أن كلية العقل النسقية المعرفية العلمية لا تحددها المنجزات الفردية المتفرقة الانفرادية خارج العقل في عالم الوجود الخارجي. كليّة العقل النسقية العلمية هي تراكم خبرة دائمية من تعاقب معرفي. لكن لا يمكن الوثوق بمعارف أكتسبت تجربتها العلمية أن تكون معرفة كليّة وحتى أن تكون معرفة معيارية للنسق العقلي الكلي الذي يتعامل في بناء كليته النسقية العلمية على معطيات تجريدية هي أفكار لا تتوائم مع تجارب علمية لم يكتسب العقل تراكم خبرة كافية منها.

ايضا هذا الرأي الذي ادرجناه هو بحسب قراءتنا اوكام. رغم أن اوكام يعتبر صلاحية الخبرة الانفرادية المكتسبة لبرهانها العلمي خارج العقل من العالم المدرك المحسوس من الممكن أن تكون دلالة معيارية في البرهنة على قضايا أخرى مطلوب اثباتها. هذا الاستنتاج المعياري التطبيقي صحيح على صعيد معالجة قضايا متفرقة بمنهج علمي، لكنه لا يمثل نهجا نسقيا يمثّل العقل في التفكير والمعالجة التطبيقية.

- يعتبر اوكام في منتهى الارباك الفلسفي التعبيري له في قوله ما معناه العقل ليس كلّية، والكليّة العقلية هي فكر مجرد أي هي موضوع يتم عمله من خلال العقل وليس له وجود فعلي الا في تصورات النفس.

أننا لا نجانب الخطأ في تحفظنا على قول أوكام أن التجريد العقلي هو من تصورات النفس، وأن العقل لا يمثل كليّة معرفية. فتجريد العقل في كليته النسقية التجريدية مع حقائق ومعارف الوجود خارجيا واستبطانيا ليس للنفس الدور الريادي الفصل في هذا التجريد العقلي.فالعقل التجريدي يتقدم النفس وملاحقها المتعالقة بها من عواطف وضمير ووجدان وغير ذلك.

وكما يتم تصنيع أي موضوع تجريدي داخل مصنع الحيوية الدائمية لفعالية العقل التوليدية للافكارالمعبّرة عن الواقع أو عن مواضيع الخيال، كذلك يكون تصنيع العقل للنفس هي من ميزة العقل التوليدية الانشائية لنمط الافكار التجريدية التي تعبر عنه في فهمه الاستيعابي لمجمل تمظهرات الحياة التي يعيشها. النفس هي أدراك عقلي مصدره التاثر بالعالم الخارجي، وعالم الاحاسيس الجوّانية التي تعتمل داخل جسم الانسان المستمدة من أجهزة وتكوينات بايولوجيا الجسد، من مهامها تشكيلها انبعاث العواطف والوجدانات والضمير ونزعة الحب وغيرها. بمعنى النفس وما يتفرع عنها من عواطف ومشاعر شعورية ولا شعورية يكون مصدرها العقل ولا تولد النفس وتعبيراتها الملحقة بها من فراغ خارج وصاية العقل عليها.

حين نقول العاطفة بكل اشتمالاتها تقاطع العقل صحيح لكن أن لا يكون للعقل تداخل من الوصاية العاطفية امر مشكوك التسليم به، اذ يؤكد هذا علم النفس بمختلف تفرعاته الاختصاية.

اوكام والميتافيزيقا

كما يطرح اوكام مسألة فلسفية هي في غاية الارباك الفلسفي رغم نزعته الفلسفية العلمية في أعتباره (الميتافيزيقا) بمعنى البرهنة على وجود الله هي ليست (علم واقعي) بالمعنى الذي وردنا وورثناه على لسان جميع الفلاسفة الذين سبقوه في تاكيدهم قضايا الميتافيزيقا، والميتافيزيقا هي أوهام ماورائية لمدركات الطبيعة التي تحدها القوانين الثابتة التي ندركها بالتجربة العلمية ولا ندرك ما وراءها من تخيلات وهمية. ولم يطرح الفلاسفة قبل اوكام الميتافيزيقا علما واقعيا يمكن البرهنة التجريبية عليه كما زعم اوكام امكانية البرهنة لعبارة الميتافيزيقا ليست علما واقعيا في تحليل فلسفي لم يوفق به يدور حول أعتماد مركزية وحدة الوجود الذي لم يكن تبلور في عصره القرن الرابع عشر كمصطلح فلسفي - صوفي كما نجده لاحقا عند فلاسفة ومعتنقي مذهب وحدة الوجود الصوفية وعند اسبينوزا كمصطلح فلسفي لم يذكره اوكام كون يفصله عن القرن السابع عشر ثلاثة قرون كاملة، وفي محصلة بحثه يعود اوكام لتاكيد المقولة التي أراد الالتفاف عليها بمنهج غير واقعي ولم ينجح. من المختصر أن نجد اوكام سعى الى فهم قضايا الميتافيزيقا باسلوب خلع عليه بصمة العقل الذي لم يستخدمه في فلسفته وهكذا عاد من رحلته خالي الوفاض كما بدأها.

نجد مهما الاشارة الى أن افلوطين كان وضع مبدأ وحدة الوجود في نزعة صوفية ولم يستعمل المصطلح وحدة الوجود ايضا بداية القرن الاول الميلادي ولم تتم بلورة الاتفاق على المصطلح الا في القرن السابع عشر مع فلسفة اسبينوزا بهذا المجال...لعل الصوفية الدينية كما هي عند فلاسفة العرب وغير العرب المسلمين تحديدا وفي البوذية والهندوسية وصولا الى المسيحية كانوا يتعاملون صوفيا بمبدأ وحدة الوجود من غير الاتفاق الصوفي الديني عليه كمصطلح مجمع عليه يغطي مختلف التجارب الصوفية..

أوكام يحاول التمّلص من بديهية تقاطع النزعة العلمية العقلية التجريبية التي يؤمن بها هو مع الميتافيزيقا، في صياغة أبتداعية خاصة به عبّر عنها" الميتافيزيقا في أمكانية أن تكون واقعية علمية بأعتبارها أنها لا تاخذ تصور الموجود في حد ذاته، أي الموجود الكلي، مؤكدا عدم وجود فردية خارج العقل، كما وليس هناك حسب تعبيره تمييز بين الوجود والماهية، ولا يوجد سوى تصور واحد مشترك بين الله وموجوداته."3

اوكام هنا يراوغ في عدم امتلاكه منهجا واقعيا علميا يجعل من مواضيع الميتافيزيقا علما واقعيا على طريقته الفلسفية الخاصة وليس على طريقة الفلاسفة الذين سبقوه في رأيهم استحالة أن تكون الميتافيزيقا مبحثا علميا واقعيا يمكن البرهنة العقلية على قضاياه منها اثبات وجود الله. ورغم الارباك البادي في تعبيرات اوكام عن الفردية والكلية وعلاقة العقل بهما، وهي تعبيرات لا تحتمل مناقشتها أكثر مما أوردناه سابقا لكنا نؤكد بضوئها ما يلي:

- في تبنّي اوكام عدم التمييز بين الوجود انطولوجيا والماهية كجوهر، يمكننا تعميم أن جميع موجودات الطبيعة يمكننا ادراك التفريق المجرد بين وجودها الانطولوجي في صفاتها المركة خارجيا فقط وليس في ماهيتها المضمرة غير المؤكدة برهانيا من وجودها وعدمه بوسائلنا الادراكية العقلية المحدودة، وهذه الحقيقة تجعل أنفراد الله الخالق يحتفظ لوحده في تعذر معرفة وجوده ولا صفاته غير التي تخلعها توصيفات الكتب الدينية وتعاليم وطقوس الاديان الوثنية، وليس معرفة ماهيته ولا حتى معرفة تداخلهما الافتراضي في تلازمها معا (الصفات والماهية) كحقيقة مطلقة لا تتقبل المناقشة في محاولتها أثبات وجود الله عقليا.. فقضايا الميتافيزيقا لا يمكن البرهنة عليها بنفس وسيلية البرهنة التجريبية العقلية في أثبات موضوعات الطبيعة والوجود الانطولوجي للاشياء.

اوكام ومذهب وحدة الوجود

اذا نحن أخذنا بمبدأ وحدة الوجود الذي تبلور بوضوح شديد في فلسفتي افلوطين بداية القرن الاول الميلادي واسبينوزا لاحقا في القرن السابع عشر، يعني بعد عصر اوكام بثلاثة قرون، نجد حقيقة أستحالة فصل الماهية عن الوجود في الميتافيزيقا تحديدا التي تبدو أكثر وضوحا منها في استحالة عدم فصل الماهية عن الوجود في موجودات الواقع والطبيعة والعالم الخارجي. موجودات الواقع الخارجي يمكننا ادراك صفاتها الخارجية بمعزل عن عدم قدرة ادراك ماهياتها الجوهرية. وهذا على خلاف كبير أننا لا ندرك صفات أي شيء هو من ضمن تعبيرات الميتافيزيقا التي نحن نخلع عليها صفاتها وماهيتها بلغة ما نستعمله في وصفنا الاشياء في وجودها الانطولوجي في حياتنا العادية. قضايا الميتافيزيقا بمقدار ماهي غامضة عصيّة على ادراك العقل، فاننا نعمد خلع توصيفاتنا لها بمفردات لغوية هي مزيج من قاموس الكتب الدينية مع مفردات اللغة الدارجة التي نستعملها في حياتنا.

هذه الحقيقة تؤكد أن كل ما هو ميتافيزيقي لا يدرك عقليا، يكون موزعا أدراكيا بين تداخله بالطبيعة بغّض النظر عن غياب أمكانية تفريق ما هو ماهوي ذاتي جوهري غير مدرك عن ماهو وجود له غير مدرك ايضا. فالخالق في مذهب وحدة الوجود في الصوفية عموما والفلسفة خصوصا هو وجود تتوزعه الطبيعة في موجوداتها وتجلياتها وظواهرها بضمنها وجود الانسان بما هو نزوع ديني ميتافيزيقي. وصفات الاشياء والمخلوقات والموجودات الموزعة في الطبيعة هي دليل قاطع حسب مبدأ وحدة الوجود حضور الله في كل شيء.

- حتى مبدأ مذهب وحدة الوجود في توزيع الصفات الالهية على موجودات الطبيعة حيث يوجد الله في كل شيء يدركه العقل أو لا يدركه. نجد اوكام يتراجع عن هذا الفهم لمعنى وحدة الوجود الصوفية كما جاءت لاحقا في فلسفة اسبينوزا. حين يقول اوكام" لا توجد كلية شمولية خارج العقل بل توجد موجودات فردية خارج العقل"5، سبق لاوكام في اسطر سابقة مررنا عليها أنه قال لا توجد موجودات فردية خارج كلية العقل الداخلية التي هي كلية تقوم على التجريد.

- أن كلية العقل النسقية التي تنتظم موجودات الطبيعة (خارج) العقل، والكلية النسقية على مستوى الافكار فقط حسب تعبيراوكام تكون داخل العقل لا خارجه، هو تلاعب في مقولة راسخة ثابتة تفيد بأن كليّة العقل الجمعية هي تجريد منتظّم من الافكار النسقية العقلية داخل وخارج العقل لا فرق بينهما، ومن الخطأ أن ننسب الكلية خارج العقل، ولا ننسبها بنفس المعيارية القائمة داخل العقل، وكلا الادراكين الداخلي الاستبطاني والخارجي الحسّي هما تجريدان من الافكار الصورية اللغوية التمّثلية لموجودات الواقع الانطولوجي وموضوعات المخيلة ايضا على السواء. وما يدركه العقل خارجيا من الموجودات والمواضيع هو نفس مايدركه عنها استبطانيا داخليا ولا يمكن التفريق بين الادراكين عقليا. كون ليس هناك من وجود ادراك عقلي لا يكون تجريدا تمثليا للاشياء وللموضوعات في تجريد لغوي تصوري على حد سواء. بمعنى المدركات الخارجية في عالم الاشياء، ومدركات العقل لموضوعات الاستبطان داخليا لا يتم التعبير عنهما الا بوسبلة واحدة هي تجريد صوري لغوي واحد لا غيره.

- أراد أوكام أعتبار كل المدركات خارج العقل تقود الى (واحد) هو الله خالقها، في تصوره أن كلية العقل الخارجية هي تشتيت لهذه الوحدانية النسقية الميتافيزيقية. وأراد أوكام أستبدال أمكانية أثبات وجود الله في نسق من الادراك الكلي الميتافيزيقي الى نسق مغاير هو في وجود توزعات الادراكات الفردية غير الموجودة في الكليّة النسقية خارج العقل بل داخل الادراك العقلي على مستوى تجريد الافكار الاستبطانية.. في حين أن وحدة الوجود الصوفية الفلسفية لدى اسبينوزا تحديدا، هي ادراك حدسي لكليّة العقل الخارجية الموزعة على موجودات الطبيعة الانفرادية وقوانينها الثابتة. هذا الابداع النسقي الاعجازي المنظم في مدركات الطبيعة ندركه بالحدس المعرفي الميتافيزيقي والحسي الانطولوجي في الاشياء، وليس بالبرهان الواقعي العقلي في البحث عن وجود الله كما حاوله اوكام كرغبة لم يستطع تحقيقها.

- يقول اوكام ايضا "اذا كانت توجد معرفة طبيعية بالله، فيجب أن تكون هذه المعرفة مبنية على هذا التصور المشترك بين الله والموجودات، ونظرا لأنه ليس لدينا أي معرفة حدسية عن الله، عليه لا يوجد لدينا أي تصور مجرد ملائم له " 6 في العبارة السابقة اوكام يحدد معنى مفهوم مذهب وحدة الوجود الذي لم يذكره كمصطلح متعارف عليه اليوم صوفيا وفلسفيا، لكنه عبّر عنه بالتصور المشترك بين الله وموجودات الطبيعة، ولكن هذا التحليل يفقد مبرره كوننا لا نمتلك الحدسية المعرفية على حد زعم اوكام لذا لا يكون هناك لدينا تصورا مجردا ملائما له أي يناسب الله. باعتبار هذا التصور غير حقيقي بل هو من اختراع مخيّلة العقل المحدودة.

السؤال اذا كنا لا نجد الله وجودا حسيّا ولا حدسيا، في موجوداته الطبيعية فكيف يمكننا الأخذ بسلامة أستنتاج اوكام بأننا لا نمتلك تصورا مجردا ملائما له؟ أي هو ألغى الفهم الميتافيزيقي السليم في عجز تعبيرنا عن الله الذي لاندركه لا بالصفات ولا بالماهية ولا بالوجود الحسي في موجوداته انطولوجيا، بنفس الوقت الذي جاهد طويلا في العودة لاثبات ماسبق لغيره قوله الميتافيزيقا هي ليست علما واقعيا. محاولا أثبات ذلك الوجود بمنطق الكلية والانفرادية للعقل في محاولته أثبات وجود الله بغير منطق مذهب وحدة الوجود في أجتهاد فلسفي عقيم لم يثمر عن شيء في عصره.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.....................

الهوامش:

1- د. امل مبروك /الفلسفة الحديثة / ص55

2- نفسه نفس الصفحة

3- نفسه ص 56

4- نفسه  نفس الصفحة

5- نفسه ص 56

6- نفسه ص 57

 

 

حاتم حميد محسنبقي الفلاسفة على مر التاريخ يشعرون بالخيبة من عدم حل بعض المشاكل الفلسفية مثل الوعي، المعرفة، المعنى، الرغبة الحرة والذات. العديد من المفكرين البارزين أشاروا للهوة الكبيرة بين قدراتنا الذهنية وأهداف الفلسفة، المتعلقة بمعرفة حقيقة الطبيعة النهائية والواقع. الناس فيما يبدو غير مؤهلين ادراكيا لمعالجة المشاكل التي تثيرها الفلسفة، ولكنهم جيل بعد آخر يكافحون للوصول الى الآفاق الزائفة أمامهم.

أمام هذه المحدودية، تبنّى بعض الفلاسفة نوعا من "عزيمة رواقية". وكما كتب توماس ناجل، "اذا كانت الحقيقة هي هدفنا، فلابد ان نقبل بإنجاز ذلك الهدف لمدى محدود جدا، وبدون أي تأكيد، لكي يمكن ان نعيد تعريف الهدف لضمان تحقيقه عبر مختلف أشكال الاختزالية، النسبية، التاريخية، كطريقة لإنجاز الرغبة المعرفية. الفلسفة لا يمكنها ان تلوذ بالطموحات المختزلة. انها تتجاوز الحقيقة الأبدية وغير المحلية، حتى عندما ندرك ان ذلك سوف لن نصل اليه" (رؤية من لامكان، ص10).

فلاسفة آخرون اختاروا بالضبط ما دعا ناجل لتجنّبه: قبول ملاذ في الطموحات المخففة. بدلا من التخبط في محدودياتنا، دعوا الى جلب اهداف الفلسفة ضمن حدود الامكانيات. وهناك آخرون تبنّوا موقفا في مكان ما بين هذين الاتجاهين. كولن ماكين، مثلا، يرى ان العديد من المشاكل الأساسية في الفلسفة هي ليست غير قابلة للحل بذاتها، وانما هي غير قابلة للحل للذهن الانساني. نحن ببساطة نفتقر للمعدات الذهنية الكافية لإنتاج المفاهيم المطلوبة لفك ألغاز الفلسفة. وبالتالي، يتكهن ماكين ان "في المليون سنة القادمة" سيكون حقل الفلسفة بالضبط في نفس الإشكاليات والعقد المحيّرة التي نجدها اليوم: مستودع للألغاز الغامضة والأسئلة دون إجابة. وبالنتيجة، هو ينصح الفلاسفة ان يستمروا بالعمل ضمن أقل أهداف للفلسفة، مثل "التحليل المفاهيمي، منهجة العلوم، الاخلاق والسياسة، واشياء اخرى" (مشاكل في الفلسفة:حدود التحقيق، 1993). وفي نفس الوقت، نحن "نرضخ لقيودنا البنيوية"، والتي سوف تمنعنا الى الأبد من كشف أسرار الطبيعة. ولو ردّدنا مع دونالد رامسفيلد(وزير الدفاع الامريكي السابق)، نحن نمارس الفلسفة بالأذهان التي لدينا وليس بالأذهان التي نريد او نرغب ان نمتلكها في أوقات لاحقة.

الشيء المشترك في جميع هذه المواقف هو انها الى مدى معين تتخلى عن أسمى محاولات الفلسفة. وهذا متوقع، بالطبع، في ظل عدم وجود خيارات اخرى.

وكما يشير برتراند رسل في عام 1936، "هناك عدة اسئلة ومن بينها تلك التي ذات أهمية عميقة لحياتنا الروحية، والتي بقدر ما نستطيع ان نرى، يجب ان تبقى غير قابلة للحل للعقل البشري مالم تصبح قدرته ذات نظام مختلف كليا عما هو عليه الآن"(مشاكل الفلسفة، فصل 15). المفردة الرئيسية هنا هي "ما لم". التكنلوجيات الجديدة مثل منشطات الذهن، تفاعل الذهن مع الكومبيوتر، الزراعة العصبية، الهندسة الوراثية، وحتى تحميل الذهن او ما يسمى "محاكاة كاملة للدماغ"(1) قد تغيّر النظام العصبي لدماغنا لكي تحسّن تفكيرنا كميا ونوعيا. وفي دراسة قام بها نك بوستروم و كارل شلمن تؤكد ان التقنية المسماة "اختيار الأجنة المتكرر" (2) قد تخلق مكاسب في قدرات الذهن بما يقارب 130 نقطة في وقت قصير نسبيا. النتيجة ستكون وجود ناس ما بعد انسانيين شديدي الذكاء، قادرين ليس فقط على معالجة المزيد من المعلومات في وقت أسرع، وانما الدخول التام الى مكتبات جديدة من المفاهيم تكون ملائمة للفلسفة وايضا وبشكل دائم خارج حدود ادمغتنا البايولوجية.

هذا يقود الى إمكانية اخرى: بدلا من تحجيم الفلسفة لتجاري الحدود الحالية، سيتم رفع الفيلسوف ليكون في مستوى تحقيق الأهداف النبيلة لمجال عمله. وكما يقول مارك ووكر: "الفكرة في الشعار، هي ليس اننا يجب ان نهمل الفلسفة، وانما الفلسفة يجب ان تهملنا"(مجلة التطور والتكنلوجيا، مارس 2002). اذا كان على الفلسفة ان تحقق اي تقدم في قضاياها الاساسية، فهي تتطلب عقولاً بقوة ذات تنظيم مختلف كليا عما عليه الآن"، كما يذكر رسل.

ولأول مرة في التاريخ، تطل ببطء مجموعة رائعة من وسائل تعزيز الادراك الراديكالي على آفاق الإمكانات التكنلوجية، جاعلة هذا طريقا معقولا نحو الامام. لذا يجادل البعض ان طاقات معظم الفلاسفة اليوم ستكون افضل لو بُذلت في العمل لضمان ادراك تام وملائم لتكنلوجيات توسيع الذهن بدلا من ان تُوجّه الى حل المشاكل العقيمة والمستعصية التي ثبت عقمها حتى لأبرز المفكرين في التاريخ.

بالمقارنة، لو تصوّرنا ان زيد يريد نقل طن من الحجر . هو يمضي عدة سنوات في رفع أثقال للإعداد للمهمة. لاحقا هو يصبح قوي جدا، لكنه عندما يحاول دحرجة الصخور، يجد ان جهوده ذهبت هباءً، نظرا للمحدوديات المتأصلة في جهازه العضلي. الآن لنتصور انه بدلا من ان يصبح أثقل وزناً عبر ممارسة التمارين البدنية، هو ينفق وقته في تصميم وبناء هيكل ميكانيكي خارجي – لنسميه رافعة او crane يزيد قدرته على الإستخدام الفيزيقي للعالم. عبر الدخول الى الرافعة، هو يصبح نوعا من سوبرمان بقدرات رفع خارقة. يستطيع تحريك الصخور بسهولة عبر الضغط على الزر وسحب العتلة. زيد هو بالطبع، الجماعة الفلسفية، والصخور تمثل الأسرار التي يسعى التحقيق الفلسفي لكشفها.

لكن العديد من المستقبليين يتفقون على ان مجيء ما وراء الانسان المعزز فكريا في ضوء مسار تكنلوجيا السايبورغ CYBORG (3) اصبح ممكنا. اذاً لماذا لا نساعد هذه العملية لتسير قدما؟ بعد الفين سنة ونصف من الجمود في بعض المشاكل الفلسفية العقيمة، ربما حان الوقت لنضع الأمل في الجيل القادم من الفلاسفة المابعد انسانيين. وبالنهاية، فان احدى الطرق لحل مشكلة عدم الملائمة بين المشاكل الفلسفية وأذهاننا هي ان نعيد تشكيل أذهاننا لكي تنسجم بشكل أفضل.

The future of Philosophy is CYBORG ,philosophy Now January 2021

 

حاتم حميد محسن

..........................

الهوامش

(1) تحميل الذهن mind-uploading هو مصطلح يشير للعملية التي يتم بها نقل الذهن، مجموعة الذكريات، الشخصية، وخصائص فرد معين من دماغه البايولوجي الأصلي الى ركيزة كومبيوترية اصطناعية.، يمكن للكومبيوتر بعد ذلك تشغيل نموذج محاكاة لمعالجة معلومات الدماغ بحيث يستجيب بنفس الطريقة التي يستجيب بها الدماغ الاصلي. حالما يصبح بالإمكان نقل الذهن من ركيزة الى اخرى عندئذ يسمى (SIM) او الذهن المستقل الركيزة. هذا المفهوم تحفّز بفكرة تصميم سوفتوير يمكنه تشغيل عدة كومبيوترات بمختلف انواع الهاردوير دون الحاجة الى اعادة كتابته.

(2) اختيار الأجنة المتكرر Iterated Embryo Selection هو تقنية افتراضية لو جرى تطويرها سيصبح بالإمكان استعمالها لإختيار الأجنة بمواصفات معينة أكثر كفاءة. اولاً، يتم جمع عدة خلايا جذعية جنينية من مختلف المتبرعين. هذه الخلايا الجذعية يتم تمييزها الى خلايا حيوانات منوية وخلايا بويضات، الخلايا المنوية ستلقح البويضة. الكروموسوم الناتج من البيضة الملقحة سيتم وضعه ضمن تسلسل، والبيضة الملقحة بعدد كبير من النسخ الجنينية المرغوبة سيتم الاحتفاظ بها، بينما يُهمل الباقي. بعد ذلك، سيتم تمييز البويضات الملقحة المتبقية الى خلايا حيامن وبويضات، والعملية ستتكرر بهذه الخلايا من الحيامن والبويضات حتى يتم الحصول على بيضة ملقحة مقبولة. عملية التكرار تحاكي التطور في مدى زمني قصير وتسمح بتحكّم اكبر في الكروموسوم الذي يمكن الحصول عليه بعد جيل واحد عبر اختيار البيضة الملقحة المرغوبة .

(3) تكنلوجيا السايبورغ تشير الى الانسان المسيّر آليا، حيث يكون مركب من جزئين، جزء حيوي وجزء آلي ذو قدرات خاصة. هذه التكنلوجيا سوف تستبدل الانسان وتعيد تشكيل العالم. يذكر جيمس لوفلوك ان تفوّق الانسان كمدرك رئيسي للكون سيصل بسرعه الى نهايته. هو يصف السايبورغ بالروبوتات المكتفية ذاتيا وأنظمة الذكاء الاصطناعي. أول من استخدم مصطلح السايبورغ هما منفريد كلاينس و ناثان كلن عام 1960.

 

 

محمود محمد عليالديمقراطية مصطلح قديم نشأ عند اليونان فى أثينا، ولكن مفهومه كان جنينيا عندئذ فهو لم يتعد أن يحكم الشعب نفسه بنفسه حكما مباشرا. أما هذا الشعب فكان مجرد سكان مدينة واحدة مجتمعين فى ساحتها الرئيسية، ومن ضمن هؤلاء السكان كان الاعتداد بالذكور وحدهم، ومن بين الذكور استبعد العبيد فلم يبق لممارسة الديمقراطية إلا الأثينيون السادة الذكور. مثل كل المفاهيم، الديمقراطية مفهوم دينامى تطور مع ظهور الثقافات وازدهار بعضها وأفول الأخرى، ومع انبعاث الأديان وانتشارها وتفاعلها مع الأقوام وثقافاتهم.

وتعد إسبرطة من بلاد اليونان التي تم فيها تطبيق الحكم الديمقراطي، والتي جاء منها استعمال مصطلح الديمقراطية، وهي في حقيقتها تجربة محدودة بالمعني المتعارف عليه الآن، فلم يكن لكل أفراد المجتمع الحق في المشاركة في صناعة القرار السياسي آنذاك، فالعبيد والأجانب المقيمين فيها لم تشملهم الديمقراطية، فضلاً عن عدم مشاركة النساء، فالحياة السياسية محصورة بالعرق، والجنس المحدودين واحالة الاقتصادية للفرد أي ممن يملكون الأراضي والعقارات، وهذه التجربة للديمقراطية لم تستمر لفترة طويلة، وكان ابتداء هذا النظام علي يد ليركس Lyeurgues في القرن الثامن قبل الميلاد، ويروي أنه ذهب إلي معبد دلفي ليستشير الآلهة في وضع نظامه، فقال له الوحي: إنه محبوب الآلهة، وإنه مأذون بوضع النظام الذي يرتضيه، ومما هو جدير بالذكر أن فلاسفة اليونان العظام لم يعتبروا النظام الديمقراطي تجربة صحيحة للمجتمع .

فأفلاطون مثلاً كان يدعو إلي نظام حكم الفرد الواحد، وهذا الحاكم علي معرفة تامة بمصالح الناس أكثر من معرفتهم هم بأنفسهم فقط، فالديمقراطية بالنسبة لأفلاطون هي "حكم الرعاع الذين لا يعرفون مصالحهم أو مصلحة المجتمع بصورة عامة؛ ولذلك دعا أفلاطون إلى إيجاد الوسائل اللازمة لمنع غير الأكفاء من الوصول إلى المناصب العامة، كما دعا إلى اختيار أحكم الرجال وأفضلهم، وإعدادهم على النحو، الذى يضمن أن يكون حكمهم لمصلحة الجميع، وليس وفقا لرؤاهم الأنانية الضيقة، وتتصل بهذا دعوته الواضحة إلى التخصص، فإن أفضل مكان لرجل الإنتاج هو المجال الاقتصادى، وأفضل مكان للعسكرى هو ميدان القتال، وكلاهما لا يصلح للمنصب السياسى والوظيفة العامة، لأن إدارة الدول علم وفن، ولذلك فإن الوضع الأمثل بالنسبة له أن يصبح الفلاسفة ملوكا أو الملوك فلاسفة، حتى تجتمع الحكمة والزعامة السياسية فى شخص الحاكم.

أما أرسطو فلم يبتعد كثيرا فى هذا الصدد عن أفلاطون، ولديه كما يعلم قارئو تطور الفكر السياسى معياراه الشهيران لتصنيف نظم الحكم، وهما معيارا العدد والمصلحة، ووفقا لمعيار العدد فإن الحكم يمكن أن يكون لفرد أو لقلة أو أغلبية، ووفقا لمعيار المصلحة فإن الفرد أو القلة أو الأغلبية أمامهم خياران: أن يحكموا على هدى من المصلحة الخاصة أو المصلحة العامة. هكذا تتولد عن تفاعل المعيارين ستة أنماط لنظم الحكم: أن يحكم الفرد لمصلحته الخاصة فنكون إزاء نظام حكم يتسم بالاستبداد أو الطغيان، أو يحكم للمصلحة العامة فنكون إزاء النظام الملكى (الذى هو أقرب إلى الملكية الدستورية فى واقعنا الراهن)، أو أن تحكم القلة لمصلحتها الخاصة فنكون إزاء نظام حكم أوليجاركى، أو تحكم للمصلحة العامة فنكون إزاء نظام ارستقراطى، أو أن تحكم الأغلبية لمصلحتها الخاصة فنكون إزاء نظام الحكم الديمقراطى، الذى تمارس فيه سلطة الأغلبية الشعبية دون اعتبار لأى شئ سوى مصلحة هذه الأغلبية، أو تحكم للمصلحة العامة فنكون إزاء الحكومة الدستورية. وقد فضل أرسطو بطبيعة الحال نظم الحكم الثلاثة، التى يكون الحكم فيها لغرض تحقيق النفع العام، وبالتالي فإنه انضم إلى أفلاطون فى عدم اعتبار الديمقراطية أفصل نظم الحكم.

وهذا يبين أن فلاسفة اليونان لم يكونوا يرو في أن الديمقراطية هي طريق استقرار الشعوب، وخلاصها من الظلم والاستبداد، وما أن دخلت الديانة المسيحية إلي أوربا، بدأ السعي إلي إلغاء السادة والعبيد والدعوة للمساواة والحرية وللطبيعة المادية للفكر الأوربي، تحولت المسيحية فيها إلي مؤسسة سلطوية عُرفت بمؤسسة الكنيسة، وتحولت مع ذلك مسألة الحرية والمساواة من الوجهة العملية إلي الخضوع لسلطة الكنيسة وإتباعها.

وقد اتسع نطاق هذا الموقف ليشمل أيضا حركة الفكر وحركة العلوم المادية، ومع مرور الزمن بدأت ردود الأفعال لعدم الرضي عن الموقف الكنسي، بدأ الصراع مع الكنيسة، ثم ما بين أتباع الكنائس المختلفة، ثم مع سلطة الدولة، وهو ما يسمي بفصل الدين عن الدولة، ونتيجة لذلك بدأت بهذه الخطوة تحرير المسيحيين من القيود التي منعتهم من الانطلاق في عالم العلم والثقافة والتقدم .

وإذا انتقلنا إلي نشأة الديمقراطية في العالم الإسلامي؛ فنجد أنها قد شغلت قضية  المفكرين السياسيين في العالم العربي منذ فجر النهضة العربية المعاصرة، أي منذ ما يقرب من قرنين من الزمان، وقد تغير مفهوم الديمقراطية وتعدل منذ ذلك الوقت تحت تأثير مجموعة متنوعة من التطورات الاجتماعية والسياسية، ولعل أول من أثار جوارا حول الفكرة الديمقراطية في العالم العربي هو الشيخ رفاعة الطهطاوي، الذي كان لويس عوض يطلق عليه " أبو الديمقراطية المصرية"، وكان الطهطاوي بعد تخرجه من الأزهر قد أرسل إلي فرنسا إماما مرافقا لفرقة عسكرية ابتعثها محمد علي إلي هناك للتعليم والتدريب، فأحسن استغلال وجوده بالإقبال علي تعلم العلوم الغربية بحماسة منقطعة النظير، فأتقن اللغة الفرنسية ودرس الفلسفة اليونانية والجغرافيا والمنطق، وقرأ مؤلفات رواد الفكر الفرنسي، مثل فولتير وروسو . وما أن عاد إلي القاهرة حتي ألف في عام 1834م كتابا بعنوان " تخليص الإبريز إلي تلخيص باريس" دون فيه مشاهداته حول عادات ومسالك أهل فرنسا، وكال المديح للنظام الديمقراطي الذي نشأ فيها ووصف مشاعره تجاه انتفاض الأمة الفرنسية للدفاع عن الديمقراطية من خلال ثورة 1830 ضد الملك تشارلز العاشر.

وحرص الطهطاوي علي إثبات أن النظام الديمقراطي الذي شهده في فرنسا ينسجم تماما مع تعاليم الإسلام ومبادئه، ومن الأعلام الذين لهم السبق في هذا المجال خير الدين التونسي، رائد حركة الإصلاح التونسية في القرن 19، والذي كان عام 1827م قد وضع خطة شاملة للإصلاح ضمنها كتابه" أقوم المسالك في تقويم الممالك" . وبينما توجه خير الدين التونسي من خلال كتابه إلي سياسي وعلماء عصره حاثاً إياهم علي انتهاج كل السبل الممكنة من أجل تحسين أوضاع الأمة والارتقاء بها، فقد حذر من مغبة رفض تجارب الأمم الأخري انطلاقاً من الظن الخاطئ بأنه ينبغي نبذ كل الكتابات أو الاختراعات أو التجارب أو التصرفات الناشئة عن غير المسلمين . وطالب التونسي بإنهاء الحكم المطلق المضطهد للشعوب والمدمر للحضارات، وسعيا منه لإنقاذ خطته الإصلاحية، أنشأ المدرسة الصادقية لتعليم الفنون والعلوم الحديثة ضمن إطار القيم الإسلامية، وقد جاء في إعلان تأسيس المدرسة أن الهدف منها هو تدريس القرآن والكتابة والمعارف المفيدة، أي العلوم الشرعية واللغات الأجنبية والعلوم العقلانية التي قد يستفيد منها المسلمون شريطة ألا تكون مناقضة للعقيدة التي يستفيد منها المسلمون شريطة ألا تكون مناقضة للعقيدة . وجاء فيه أيضا إنه يتوجب علي الأساتذة أن ينموا في الطلاب حب العقيدة عبر إبراز محاسنها وتميزها، وعبر إجبارهم بأفعال النبي صلي الله عليه وسلم والمعجزات التي تحققت علي يديه، وتذكيرها بصفات الصالحين .

أما جمال الدين الأفغاني (ت: 1897م ) فقد توصل بعد تقص لأسباب انحطاط  المسلمين أن مرجع ذلك هو غياب العدل والشوري وعدم تقيد الحكومة بالدستور . ولذلك فقد رفع لواء المطالبة بأن يعاد للشعب حق ممارسة دوره السياسي والاجتماعي عبر المشاركة في الحكم من خلال الشوري والانتخابات .

وقد سار علي نهجه تلميذه الإمام محمد عبده (ت: 1905م) الذي رأي بأن أهم تحد يواجه الأمة الإسلامية هو نظرتها إلي العلاقة بين الإسلام والعصر. وفي محاولة للتوفيق بين المبادئ الإسلامية وبعض الأفكار الغربية اقترح محمد عبده بأن مصطلح المصلحة عند المسلمين يقابل المنفعة عند الغربيين، وبأن الشوري تقابل الديمقراطية وأن الإجماع يقابل رأي الأغلبية . ولدي معالجته إشكالية السلطة، أكد محمد عبده بأنه لا يوجد حكم ديني ثيوقراطية في الإسلام، معتبرا أن مناصب الحاكم أو القاضي أو المفتي مناصب مدنية وليست دينية . ودعا في هذا المجال إلي إعادة إحياء الاجتهاد للتعامل مع الأولويات والمسائل الطارئة والمستجدة علي الفكر الإسلامي .

في نفس الفترة تقريبا، تألق عبد الرحمن الكواكبي (ت: 1903م) الذي ألف كتابين حول هذه القضايا، الأول بعنوان "طبائع الاستبداد "، والآخر بعنوان "أم القري". في كتابه الثاني، تصور الكواكبي حواراً بين عدد من المفكرين ينحدرون من مدن مختلفة في العالم الإسلامي جمعهم في مكة المكرمة مؤتمر عقد خلال موسم الحج لتبادل الرأي حول أسباب انحطاط الأمة الإسلامية . ومن الأفكار التي حرص الكواكبي علي طرحها ما جاء علي لسات البليغ القدسي:" يخيل إلي أن سبب الفتور هو تحول نوع السياسة الإسلامية، حيث كانت نيابية اشتراكية، أي ديمقراطية تماما، فصارت بعد الراشدين، بسبب تمادي المحاربات الداخلية ملكية مقيدة بقواعد الشرع الأساسية، ثم صارت أشبه بالمطلقة، وما جاء علي لسان الرومي: " إن البلبلة أن فقدنا الحرية". ويخلص الكواكبي في النهاية إلي أن التقدم مرتبط بالمحاسبة، بينما التخلف مرتبط بالاستبداد.

وإذا انتقلنا إلي نشأة الديمقراطية في  أوربا في العصر الحديث، فقد جاء الإيمان بالديمقراطية تدريجياً كأسلوب ناجح في الحياة السياسية، والذين أثاروا هذه الفكرة من جديد، وارسوا قواعدها هم فلاسفة عصر التنوير من أمثال : جان جاك روسو، وجون لوك، ومونتسيكو، كانت حصيلته الثورة الأمريكية والفرنسية التي أدت إلي إرساء القواعد السياسية والاجتماعية لمشاركة أفراد المجتمع في صناعة القرار السياسي.

فإذا اعتبرنا أن الثورة  الفرنسية وثورة كورمويل البريطانية والثورة الأمريكية علامات فارقة في عملية التطور الذي فرض نفسه بالعنف لإحداث التغيير في مخلفات الكنيسة، فإن نقطة التحول الفكري في هذا المجال وقعت بنظرية العقد الاجتماعي لروسو الذي حدد العلاقة بين الشعب والسلطة علي أساس تعاقدي، بحيث تكون مهمة السلطة تنفيذ موقف غالبية الشعب .

وفي عصر الثورة الصناعية تبلور الفكر الاقتصادي الفردي الذي يعرف الآن بالرأسمالية إلي جانب المسيحية كنظام أخلاقي فردي فأصبحت مصلحة الشعب في مصلحة الأفراد المنتمين إليه عرقياً، واًصبحت حرية الشعب تكمن في حماية الفرد، وقد ترتب علي ذلك استئناف التعددية في الفلسفات، مما زاد في حدة مواجهة مشكلة تبني الفكر الواحد والتشريع الواحد للمجتمع فتكشفت الحاجة إلي رأي الأغلبية وازدادت قوة تبني الديمقراطية التي أصبحت الآن نظاماً للحكم.

فقد كان من الحتميات بلورة معني الفكر الديمقراطي هذا إلي ما يعرف حاليا بالديمقراطية الليبرالية إلي شمولية وحرية الرأي والانتخاب للوصول إلي معرفة موقف الأغلبية من الآراء المطروحة وتبنيه، فقيام الديمقراطية الليبرالية اقتضي قيام ديمقراطية الفرد في الشعب والحزب والنقابة والتزام الجميع في تنفيذ قرار السلطة التشريعية والتنفيذية مع كل معارض في إبداء رايه علناً والدفاع عنه والعمل من أجل إقناع الناس به.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط.

..............................................

1- شيماء حسن الكندري : المرأة والديمقراطية فى الإسلام، مجلة القراءة والمعرفة، جامعة عين شمس - كلية التربية - الجمعية المصرية للقراءة والمعرفة، العدد 146،2013.

2- إبراهيم عوض: الديمقراطية فى العالم وفى مصر.. مقال.

3- أحمد يوسف أحمد: خواطر ديمقراطية: من أفلاطون وأرسطو إلى حسن شحاتة.. .. مقال.

 

محمد كريم الساعديتبدأ خطة الحياة من وجهه نظر(علم النفس الفردي) بالتكون عند الإنسان منذ السنوات الأولى، إذ بدأت نظرية (أدلر) في البحث عن إرادة القوة التي تحدد السلوك عند الفرد، وألح (أدلر) على الغرائز المسيطرة على ألانا وعلى التنافسات الا معدودة الناتجة عن ذلك وأًعتقد بأن الشخصية الإنسانية تستلزم غائية من نوع ما، وأن السلوك يتحدد في السنوات الأولى للطفل، ولذا فقد سمي خطة الحياة ذلك التوجه الأساسي المتكون في الطفولة.

إنَّ خطة حياة (فوينتسكي) في مسرحية الخال فانيا للكاتب المسرحي الروسي (أنطوتن تشيخوف)، تتحدد بسلوك خاص جاء نتيجة لغاية اتخذها (فوينتسكي) على أثر عدد من العوامل التي عانى منها في بداية حياته، وهذه العوامل، هي:

- العامل الأول: هو من أهم العوامل التي خلقت لديه شعور بالنقص، الذي تمثل هذا العامل بطريقة معاملة أمه له، وهنا يأتي هذا الشعور بالنقص لكون التكوين الأنطولوجي لخطة الحياة لدية القائمة على (نقص الحب/ وسرء توجيه الأنفعال)، الذي تحولت خطة الحياة وانحرفت عن الأتجاه الصحيح، وأصبح تأثير المتأثر ما دام يتأثر، ولكن بالأتجاه الخاطئ .إذ كانت أمه (ماري فاسيلفينا) منشغلة عن ولدها بقراءاتها، وكتبها، وأحاديثها عن تحرير المرأة وعن حياة جديدة في ظل ظروف صعبة وواقع شديد التعقيد لا يدلل على بوادر التغيير، ونلاحظ (ماري فاسيلفينا) مثل بقية المدعّين للثقافة الذين يواصلون القراءة والتعلق بأهداف جديدة، ولكنها لا تتحقق لهم شيء، إذ يقول (فوينتسكي) عن هذا الحال منذ خمسين سنة نحن نتكلم ونتكلم ونقرا المنشورات، آن لنا أن ننتهي ..ولكن (ماري فاسيلفينا) وعلى الرغم من هذه الأوضاع تنادي بالتغيير، متناسيه ولدها (فوينتسكي) ضحية لتلك الشعارات التي مازال يذكرها قائلاً:

فوينتسكي: ... (ماما) مازالت تتكلم عن تحرير المرأة .أصبحت على حافة القبر ومازالت تبحث في كتبها عن فجر جديد وحياة سعيدة.

إن تلك المرأة التي انغمرت بأحلامها، وجريها وراء عالم تعتقد فيه الخلاص من ذلك الواقع المرير، كان لابد لها أن تكرس أغلب وقتها لقراءاتها، من دون أن تهتم بحياتها العائلية ورعايتها لطفلها، وأنعكس هذا الوضع من اللامبالاة وعدم الأهتمام بحياة ولدها (فوينتسكي)، الذي جعلته يشعر بعدم الأهتمام والرعاية من قبلها، فلا بد على الأم اذا أرادت أن يكون تكوين ولدها سليماً، عليها أن تهتم بالحالة النفسية التي تنعكس بقيمته الوجودية وتكوينه، لذا يجب أن تتكون لديه شعور بالعطف اللازم لنموه النفسي والخلقي، ولزوم الغذاء الجيد والرعاية الطبية لصحة بدنه وسلامه نموه الجسمي، ويعد العطف والحب والحنان من أهم الحاجات النفسية التي ينبغي إشباعها عنده، والتي تترجم لديه إلى شعور بأنه موضع الرضا، وأنه مرغوب فيه، وخلاف ذلك يتخلى الطفل عن أحلامه كارهاً متبرماً، وألفى خطواته تعود به إلى الوراء .لأن إحساس الطفل بأنه مكروه من قبل الآخرين، أو غير مرغوب فيه، هو أمر يسبب كثيراً من المشكلات النفسية له فقد يتغشاه الانكماش والعزلة، هذه الصفات التي تنعكس في ظاهريات السلوك وصورها الذهنية المتكونة من التكوين الأنطولوجي للشخصية وانعكاساتها الذهنية للأنطباعات السلبية، التي حققت ماهويات الأحداث المتلاحقة من خلال الحياة، ولاسيما ما ينعكس في أهم مفصل فيها وهي (الأم)، لذا يولد هذا الوضع لديه شعوراً بالنقص، مما يجعله يبحث عن مكان وتكوين أنطولوجي آخر، لعلّه يعوض فيه حنان الأم التي اهتمت بأشياء أخرى تعتقدها أهم من ولدها، فمن هنا يبدأ الجانب الأكبر يتحدد عند الفرد، وهو ما حصل مع (فوينتسكي) الذي فقد رعاية أهم عنصر في العائلة ألا وهو (الأم).

- العامل الثاني: الذي تمثل بطريقة معاملة الأب لابنه (فوينتسكي)، فهذه الطريقة في المعاملة لم تكن بالمستوى المطلوب أيضاً، فبعد نقص في الرعاية والحنان من أمه، جاء دور الأب ليعمق هذا الشعور أكثر فأكثر، فكان اهتمام الأب منصباً على جانب آخر، وهو الاهتمام بشقيقة (فوينتسكي) وتدليلها، وتفضيلها على أخيها، وفي هذه الحالة يرى علم النفس الفردي أن الشعور بالنقص قد ينشأ عن وضع عائلي لولد غير مرغوب فيه، ظهور أخ جديد، أو أخت جديدة تأخذ منه مركزه أو اهتمام العائلة به .إنَّ التفضيل زاد هذا الوضع سوءاً من شعور(فوينتسكي) بالنقص وعمقه أكثر، ، مما ولد كيفيات نفسية اتصفت بالصفات السلبية، وبعدم الإضافات الإيجابية، التي يجب أن تنمو مع شخصيته بطريقة سليمة، فتكوينه الأنطولوجي وتمظهرات هذا البناء الوجودي تأثر كثيراً، مما جعل الكيفيات الايجابية لدية لا تظهر في قراراته ضد ما كان يعانيه من معاناة وغياب الحقوق، فالتفرقة الفعلية التي تمت وبشكل عملي من خلال إعطاء(الأرض الزراعية) لأخته وحرمانه من حق المساوة، إذ يقول في انفعال كاشفاً عن تلك التفرقة وبصورة مبطنة:فوينتسكي: حتى الآن ما زالت أحمق، مخطئاً في تفكيري كنت أظن إن هذه أملاك (سونيا). المرحوم، والدي هو اشترى الأرض وأعطاها لأختي.. وكنت أظن الأملاك انتقلت من أختي إلى أبنتها (سونيا) .

لقد كان أهتمام الأب بابنته أكثر من ولده، وأكد ذلك إعطاء الأرض الزراعية لها، مما جعل هذا العطاء يعمق اعتقاد (فوينتسكي) بهذا الشيء، الذي كان على دراية بهذه المعاملة من الأب، التي جاءت لتنهي آماله بالحصول على اهتمام ورعاية كافية من الوالدين، وجعله هذا الوضع العائلي يعيش في غربة حقيقية عمقت بداخله شعوراً بالنقص، أخذ يزداد يوماً بعد يوم، ويؤكد الصور الذهنية وماهياتها في زيادة معاناته وتشكيل خط الحياة لديه .

- العامل الثالث: الذي تمثل في عدم الإنصاف في توزيع الأملاك، وضياع حق (فوينتسكي) كفرد من أفراد العائلة، له حقوق بأملاكها، ولكنها سلبت منه، فالأفعال لم تكن متوازية مع ما مر به، وهنا يدلل ذلك على أن تأثير المؤثر ما زال مستمر في حاضره، وسيستمر معه في المستقبل . فالأرض الزراعية التي أعطاها أبيه لشقيقته جاءت كدليل على تهميش دوره في الحاضر وجعله تابعاً في المستقبل، وعاملاً في الأرض التي كان من المفترض أن يكون مالكها، أو احد مالكيها، إذ جاء هذا التميز ليدلل على تلك المعاملة القاسية من الوالدين اللذين جرداه من أحقية مشروعه في الحياة، وهو العيش بطريقة طبيعية، التي حاول الوصول إليها لكنه لم يستطع تحقيقها قائلاً:

فوينتسكي: لو عشت حياة طبيعية من يدري لربما أصبحت (كشوبنهاور).

إنَّ عدم حصوله على أبسط حقوقه عمق شعوره بالنقص أكثر، ونعكس ذلك في البناء الأنطولوجي لشخصية (فوينتسكي)، متخذاً من تلك العوامل الثلاثة مبررات للظهور بسلوك يتصف بالقلق، والسعي وراء تحقيق الذات، وبأي طريقة كانت لإثبات ذاته، وجعله فرداً مهماً يشعر بالتفوق على الآخرين وبالأخص أفراد أسرته الذين حرموه من عطفهم واهتمامهم ورعايتهم له، فكان لابد من أن تكون "الأسرة هي الحضن الأول الدافئ الذي يتلقى الفرد ويعمل على التأثير في شتى جوانب حياته وبكافة الوسائل بوصفه كائناً حياً يتفاعل مع الأخرين.

(الذات الخلاقة / الكيفيات الأستعدادية) ودورها في توجيه السلوك في ضوء الوجود الذهني عند شخصية

تعني الذات الخلاقة عند (أدلر) نظاماً شخصياً وذاتياً للغاية، يفسر خبرات الكائن العضوي ويعطيها معناها، وهي التي توجه السلوك والنشاط عند الفرد نحو الهدف المراد تحقيقه، والذي يظن فيه الخلاص من الشعور بالنقص والتغلب عليه . ومن الطبيعي أن يشعر الفرد بحالات من عدم الاستقرار، إذا اشتملت عليه استجابات من مشاعر اليأس والقلق حول المستقبل وفقدان وتقدير الذات التي تبحث عن الخبرات تساعد في تحقيق الهدف، وإذا لم تتوفر خبرات في المحيط الذي يشعر فيه الفرد بالنقص، فالذات الخلاقة تدفع بالفرد إلى أن يبحث عنها في مكان آخر لإثبات ذاته، مما يحقق له تأكيد الأفعال الانطولوجية في تثبيت التصورات الماهوية التي يبحث عنها في ذلك التأكيد.

فالذات الخلاقة عند (فوينتسكي) قامت بتوجيه سلوكه ونشاطه إلى مجال آخر يشكل تكوينه الأنطولوجي، الذي أراد من خلاله تأكيد الماهيات الذهنية الجديدة ويغير ما ثبته عنه في ذهنيات العائلة، وهو سعيه لجعل الآخرين يشعرون بالحاجة إليه بعد أن تخلوا عنه، وذلك لإثبات ذاته أمام نفسه وإمامهم من جهة، واختراق حياة الآخرين من خلال لعب أدوار خاصة في حياة كل شخص لأخذ مساحة في ذاكرة الآخر الذي عانى بسببه من الشعور بالنقص من جهة أخرى، ولكن قبل أن نأتي إلى ذكر تلك الأدوار، يجب أن نعرف أولا في أي طريق اتجه سلوك (فوينتسكي) لكي يثبت ذاته على وفق الكيفيات الاستعدادية، وما قدمه في هذا المجال حتى يشكل لنا المؤلف كقراء ومتلقين للشخصية الدرامية في نصه، فأولاُ قام بالبحث عن وجودية (المجتمع / المكان)، فالبحث في (الأين) للحصول على نسبة الشيئية الى (المكان / المجتمع).الذي يعطيه أهميه خاصة عند الآخرين، فوجد أن أفضل (مكان) يمس حياة الآخرين ومصالحهم الذاتية، هو(الأرض الزراعية) وما ترمز اليه في الوجود الذهني من أنها من حقه الذي سلب منه، من خلال إعطائها إلى شقيقته (أي شقيقه فوينتسكي)، فهذه الأرض وخيراتها هي التي جعلت العائلة - (مجتمعه الخاص) - تعيش بأمان على المستوى الاقتصادي، ولولا(فوينتسكي) واهتمامه بها لضاع كل شئ إذ يقول: (هذه الأرض حفظت بفضل وجهدي ) فهذا المكان الأول . أما المكان الثاني الذي سيشتغل على الكيفيات الأستعدادية فيه على وفق ثنائية (الأنفعال / اللين)، فاللين حاول ان تكون هي من أولويات تكوينه الأنطولوجي في بداية حياته، حتى مع ظهور زوج الأخت، الذي سعى الى تأكيد ماهيته في ذهن المتلقي من خلال التكوين الانطولوجي الجديد، الذي يعطيه استمرارية في الحياة وتعويض ما فاته، ظهور البروفسور (سير بيرياكوف) في حياة العائلة وزواجه من (شقيقة فوينتسكي) فقد وجدت أمه (ماري فاسيلفنا) ضالتها في توجه البروفسور العلمي، الذي يتلاءم مع أفكارها وتطلعاتها السابقة. فعمل (فوينتسكي) على مشاركة أمه في تعظيم البروفسور وأفكاره، وذلك ليس لإيمانه بأفكار البروفسور وتوجهاته بل للفت انتباه أمه أكثر، بانه من المهتمين بالأفكار التي يطرحها (البروفسور)، أي مشاركة أمه بأفكارها بصورة غير مباشرة لتشكيل صورة ذهنية معها في لكونه مهتماً بالبناء المعرفي الذي تطمح اليه من خلال البروفسور، وهنا تتضح الأدوار التي سعى إلى تجسيدها (فوينتسكي)، فهو من جهة يعمل في الأرض ويوفر المال للعائلة وللبروفسور أيضا، ومن دون هذا الجهد الذي يقدمه (فوينتسكي) في العمل لا يستطيع (البروفسور) مواصلة أبحاثه، إذ يقول مخاطباً (البروفسور):

فوينتسكي: لي خمس وعشرون سنة، أعمل في هذه الأرض

وأرسل إليك النقود...

ومن جهة ثانية يظهر لنا (فوينتسكي) بمظهر المثقف المؤمن بأفكار (البروفسور) وتوجهات أمه، التي أصبحت من مميزات العصر في أواخر القرن التاسع عشر، والتي تتصف بالسطحية ومناقضتها للواقع المعاش .

إنَّ (فوينتسكي) الذي آمن بتلك التوجهات أراد إنَّ يشعر بأهميته عند أمه بعد أن فقد أهميته عندها وهو صغير، وقد تأكدت هذه الأهمية من خلال اعتقادها بحسن توجهاته وآرائه وطاعته لها، ولكن حينما حاول التخلي عن ذلك واجهته بقولها

ماري فاسيلفنا:.. مالك يا فانيا تغيرت في السنة الأخيرة حتى أني ما عدت أعرفك. كنت إنسانا نيراً لك قناعات وأراء.

فهي كانت راضية عنه، وكان يحظى بقليل من الأهتمام لديها وذلك ليس لأنه ولدها فحسب، بل لأن له قناعات وأراء مطابقة لآرائها وأفكارها، هذه الأفكار ذات الطابع الماهوي الذي بنته على الأسس غير الواقعية بتكوينها الأنطولوجي بقدر اعتقاداتها بوجودات ذهنية لم تشكل البناء ظاهرة البناء السلوكي والنفسي استناداً لطبيعة الحقائق المعلنة، لكنها أرادت أن تشكل الصور الذهنية وأبعادها الماهوية قياساً بأفكارها، وهي أيضاً كانت تعاني في جانبها النفسي والبحث عن الذي يجعلها تعتقد بوجودها وكيانها وعالمها الخاص الذي بنته على هذه الافكار، لذلك فأن (الوجود الذهني) لديها قائم على أساس مجموع المفاهيم الذهنية الحاكية عن تصوراتها، والتي هي تعود الى أن كل مفهوم حاك عن مصداقه، وإن كان مفهوماً عدمياً، وأن لم يكن له مصداق في الواقع الخارجي، لذلك كان الوجود الذهني لديها والتكوين الأنطولوجي التي بنتها على هذا الوجود كان مرتبطاً بخيالاتها التي تجعل من المهتم بالثقافة والتعلم إنساناً له أهميته في الحياة، على الرغم من إنها لم تواكب حياة زوج أبنتها في موسكو، ولكنها كانت تروج له ولأفكاره، التي آمنت بها، وجعلت لها وجوداً ذهنياً مسيطراً في حياتها وتعاملاتها مع الآخرين ومن ضمنهم ولدها.

وبعد ذلك تغيرت العملية من اللين الى الانفعال بحق ما كان يتخذه من خطوات غيّر من خلالها التكوين الأنطولوجي لسيرة حياته . إنَّ (فوينتسكي) الذي يعترف علانية بخطأ تلك الأفكار والصور الذهنية في وجودها، الذي لا يرتبط بالواقع المعاش، والذي جعله مبرراً للتعويض، ومن ثم عدم صلاحية ماهوياتها في البناء الفكري لدى أُمه، كما في الحوار الآتي الذي يؤكد هذه الحقيقة، والذي من خلاله حاول أن يبعدها عن ذهنه، إذ يقول:-

فوينتسكي: أجل، نعم كنت إنسانا نيراً، لكن (نوري )لم يضئ ظلمة أمام إنسان كنت إنسانا نيراً . أرجوك بدون هذا الكلام المعسول الذي دس فيه السم، بلغت السابعة والأربعين من العمر وحتى العام الماضي كنت مثلك الآن . أضع الغشاوات على عيني عن قصد أضع غشاوات مذهبك الكلامي حتى لا أرى الحياة على حقيقتها.

هي تلك حقيقة (فوينتسكي) الذي كان يؤدي أدواراً لم يرغب فيها، لكنه قبلها في ضوء إثبات ذاته في المحيط الاجتماعي العائلي، ومن أجل أن يتغلب ولو بشكل مؤقت على شعوره بالنقص، الذي أصبح يطارده في كل لحظة من لحظات حياته، ويتمظهر هذا الأنفعال، ويصل الى قمته حينما أراد ان يقتل زوج أخته، لكنه يعود الى المربع الأول ويرجع الى مزرعته.

الميادين الثلاثة، وأبعادها الانطولوجية وتكوين الوجودات الذهنية للشخصية.

ينظر(علم النفس الفردي) الى أنَّ هناك ثلاثة ميادين يلزم أن يتكيف الفرد بالنسبة لها تكيفاً ناجحاً حتى يوفق في حياته هي المجتمع، والعمل، والحب، لذلك يكون التركيز على الميادين الثلاثة في المجتمع عند الطفل وتربيته في العائلة بين الإخوان والأخوات، وطريقة معاملته من قبل الأم والأب وأخوته، وتعامله مع أطفال الحي وفي المدرسة .... الخ .

فالميدان الأول وهو (المجتمع/المكان) الذي لم يستطع (فوينتسكي) التكيف معه – وكما بينا ذلك سابقاً في (خطة الحياة) – إذ ولّد لديه شعورٌ بالنقص، فكان لابدَّ من أن يبحث عن ميدان آخر ليحقق التكيف فيه، وهذا الميدان، هو ميدان العمل، الذي يرى فيه ( أدلر) ضرورة أن يعمل الفرد في الميدان الذي يتفق مع ميوله وقدراته، والذي لا يشعر بنقص فيه، إذ من المهم أن يشعر الفرد بالنجاح في عمله ، وميدان (العمل) – وهو الميدان الثاني، الذي قضى فيه (فوينتسكي) خمساً وعشرين سنة من العمر، فهل استطاع (فوينتسكي) أن يتكيف مع هذا الميدان ؟ أم لا ؟ .

إنَّ العمل الذي اتخذه (فوينتسكي) ميدان للتعويض هو زراعة الأرض، وان هذا المجال لم يكن موفقا فيه، لأنه لم يتفق مع إمكانياته العقلية والجسدية وتكويناتها الأنطولوجية، وكذلك وجودها الذهني والإمكانيات الماهوية المتشكلة من هذا الجانب، ولكن ما نوع العمل الذي يتفق مع طبيعة توجه (فوينتسكي) كإنسان له أفكاره وتطلعاته وإمكانياته في الحياة مثل الآخرين، لذلك نراه يكشف لنا عن نوع العمل الذي يفضله، قائلاً:

فوينتسكي: ضاعت حياتي أني عبقري، ذكي لو عشت حياة طبيعية من يدري لربما أصبحت كـ(شوبنهاور) و(دستوفسكي).

إذن، فهو ذو طاقة وتوجه فكري، والعمل الذي يتفق معه عمل عقلي أكثر منه جسدي شاق (فشوبنهاور فيلسوف، ودستوفسكي روائي عظيم)، وهو أراد أن يصبح كأحدهم فهو يمتلك نشاطاً عقلياً يستطيع توظيفه في هذا المجال .

أما الميدان الثالث(الحب/الأنفعال)، وهنا نسأل مرة أخرى، هل أن (فوينتسكي) توفق في هذا الميدان ؟، فبعد وفاة شقيقته زوجة( البروفسور) تزوج (البروفسور) (أيلين اندريفنا) التي كانت في السابق صديقة زوجة البروفسور المتوفاة، فأيلين اندريفنا هي الإنسانة الوحيدة التي أحبها (فوينتسكي)، ولكن حبه جاء متأخراً فهي متزوجة الآن، وهنا يكشف لنا (فوينتسكي)عن حقيقة توضح نوع هذا الحب، ولماذا سعى إليه (فوينتسكي) الآن بالذات ؟، وهذه الحقيقة يكشفها قائلاً:

فوينتسكي: أول مرة لقيتها منذ عشر سنين، عند المرحومة أختي كانت في السابعة عشرة وكنت في السابعة والثلاثين لماذا حين ذاك لم أقع أسير حبها ولم أخطبها من أهلها ؟..

نتسأل أيضا، لماذا الآن وقع (فوينتسكي) في حبها؟ فهل كان يحبها لذاتها؟ أم إن هذا الحب كان يخفي وراؤه غاية أخرى، وهي حقده على زوجها( البروفسور) الذي دمر مع الآخرين حياته؟. فإذا كان يحبها فعلاً فلماذا لم يخطبها في ذلك الوقت وهي كانت أمامه وفي متناول يديه ؟ فهل كان فارق العمر سبباً؟ ولكنها الآن زوجة رجل يكبرها ويكبره في السن وهو( البروفسور)، إذاً فالهدف من حبه (لأيلين) هو محاولة تعويض ما دُمر من حياته، والبروفسيور يعد جزءاً من هذا الدمار، وهنا يحاول أن يحرضها ضد زوجها عسى أن تتركه ويظفر هو بها، فالحب لديه هو إقحام في تكوينه الأنطولوجي وليس شيئاً طبيعياً، وهنا يرتبط الحب دائماً بالانفعال الداخلي الذي يشكل تأثيراً عليه، ويكّون لديه حقلة يظهر فيها بتأثير المتأثر، وهذا التأثير يأتي ما دام الدوافع الداخلية تدفعه لتحقيق ذاته وكيانه، فهو تحت سلطة التأثير الداخلي الذي ما دام يتأثر به، وفي الحوارات الآتية يتضح دور المؤثر الداخلي في التكوين الأنطولوجي لهذه الشخصية .

فوينتسكي:لو تعلمين كم هي عظيمة آلامي حين أفكر إن قربي حياة تذوي، وشبابا تذبل زهوره ووروده، حياتك وشبابك؟ ماذا تنتظرين ؟ أي فلسفة لعينة تقف في طريقك ؟ عليك أن تفهمي؟ عليك أن تفهمي؟.

وبهذه الكلمات المحملة بالحقد ضد (البروفسور)، يحاول (فوينتسكي) إغراءها بحبه، وهذا الحقد نراه يتكرر في حوارات أخرى لـ(فوينتسكي) فهو مرة يقول:

فوينتسكي: لو رأيت وجهه وحركاته، لكرهت الحياة ومللتها.

ومرة ثانية ينعته بـ(الحشرة الحقيرة)، قائلاً:

فوينتسكي: كيف خدعني هذا (البروفسور) أضلني فعبدته يا الهي كيف عبدت هذه الحشرة الحقيرة.

لقد تغير موقف (فوينتسكي) من البروفسور – الذي كان يعد أفكاره وآراءه عظيمة وتستحق التعظيم من قبل الآخرين سابقاً- وذلك لسبب مهم جداً، وهو عودة (البروفسور) إلى المزرعة والبيت، فبعودته وِضع (فوينتسكي) أمام انهيار احد أهم مقومات التعويض لديه وزعزعة الصور الوجود الذهني لديه وماهوياتها التي اعتنقا من أجل التعويض، وهو تجريده من الدور المهم في تكوينه الأنطولوجي الذي كان يؤديه أمام الآخرين. إنَّه الفرد الذي يعمل في الأرض من أجل( البروفسور) وأفكار (البروفسور)، ولكن بعودته سقط هذا الدور عن (فوينتسكي)، وأصبح مرة أخرى شخصاً ثانوياً، إذ يكشف لنا (فوينتسكي) ذلك قائلاً

فوينتسكي: غفوت طويلا (يتثآب). منذ مجيء (البروفسور) وزوجته تعكر صفو الحياة . ما عدت أنام في موعد النوم، اشرب الخمر، حياة وسبل ملتوية، من قبل لم يكن لدي وقت فراغ كنت اعمل و(سونيا)، ألان (سونيا) وحدها وأنا أنام واكل واشرب. ما أسخفها حياة.

مرة أخرى يحاول (فوينتسكي) التهرب من هذه الحقيقة عن طريق شرب الخمر والنوم في غير موعده، أي صور ذهنية يريد أن يبعدها من التصورات الماهوية التي جعلها مباني حقيقة في حياته، وهذه كلها أمور تدلل على اضطراب شخصية(فوينتسكي) بقدوم (البروفسور) وزوجته التي لم يكن يحبها لذاتها، وإنما أراد الانتقام بها من (البروفسور)، وكذلك فهو يعلم جيداً إنها لا تستحق الحب بسبب عدم أمانتها لزوجها وذلك على خلفية علاقتها بالدكتور (استروف)، ولكنه أراد أن يستغل هذا الجانب للانتقام من سعادة يظنّها قامت على عذابه وتضحيته من أجل (البروفسور) وأفكاره، فهو يصف لنا(آيلين) قائلاً:

فوينتسكي: أمانة كذابة، ووفاء كذاب، منذ البداية وحتى النهاية وفاء مبالغ فيه، بلا منطق فتاة تخون زوجها عجوزاً . زوجاً لا تطاق الحياة معه .

وهناك توضيح حقيقة أخرى، وهي تشكيل الصورة الأنطولوجية للمرأة بصورة عامة ورأيه فيها، فهو يرى في أمانتها كذبة يؤسس من خلالها البناء الوجود الذهني لديه، ويرى فيها سطحية لا تنم عن موقف عميق ولاسيما في التزامها نحو بيتها وعائلتها، وهذا الموقف أتى نتيجة معاملته الأولى من قبل أمه، التي رأى في تلك المعاملة الابتعاد عن الحقيقة الواقعية لدور الأم والمرآة، وجريها وراء أهداف غير منطقية وصعبة كان يحياها (فوينتسكي) والمجتمع الذي يعيش فيه، وهو تكوين ماهوي متأتي من بعد أنطولوجي متشكل في انعكاس صورتها في ذهنه، أي الصورة الوجودية لها وسعيها وراء المتطلبات التي يمكن أن تحققها في هذا المجال، وهذا يقربه للقارئ تكرار الموقف مرة أخرى مع (آيلين)، إذ يرى فيها أمانة كاذبة وخيانة زوجية، ومن ثم جريها وراء أهداف غير صحيحة تحاول تحقيقها، فهي كانت تسعى لإرضاء ذاتها مع رجل أخر غير زوجها العجوز، الذي لا ترى فيه إرضاء لذاتها، و(فوينتسكي) يعرف هذه الحقيقة جيداً لكنه سعى لحبها ذلك الحب الناقص الذي كان هدفه الانتقام وليس الحياة الزوجية السليمة المبينة على أسس سليمة .

الأهداف الوهمية ورسم ماهويات بعيدة عن الواقع.

الهدف الوهمي الذي يعطي ماهويات بعيدة عن الوجودات الفعلية، هو الهدف البعيد عن الواقع كما قد يكون بعيد المنال بالنسبة للذات الخلاقة التي تهدف للسيطرة، فهو يختلف عن الهدف الحقيقي، الذي يشكل ماهويات متناغمة من الواقع، ويتطابق ومتطلبات الذات الحقيقية التي تساعد تلك المتطلبات في تحقيق السيطرة، والتفوق في ميادين الحياة كافة .

لقد سعى(فوينتسكي) بعد شعوره بالنقص إلى تحقيق ذاته بأية وسيلة كانت، إذ إنَّ الشعور بالنقص لديه دفعه للتوجه نحو أهداف لم تكن حقيقية ولم تحقق له التفوق وتحقق الذات، بل كانت أهداف وهمية، رسمها في خياله ظناً منه بأنها سوف تحقق له الأغراض المرجوة في التغلب على شعوره بالنقص، فتكونت لديه ثلاثة أهداف متتالية، إي لم تتكون في وقت واحد، وهي:

- الهدف الأول: إذ سعى (فوينتسكي) لتحقيقه وبذل جهداً كبيراً من أجله، وهو العمل في الأرض الزراعية التي تعود ملكيتها لشقيقته وابنتها( سونيا)، فكان يظن أن العمل في هذه الأرض سوف يجذب انتباه الآخرين، واهتمامهم وبالأخص أمه، ولكن هذا العمل لم يكن هدفاً حقيقياً يتناسب مع قدراته فقد ضيع سنوات طويلة فيه، بعد مضي خمس وعشرين سنة في العمل يكتشف ضياع حياته فيها، لأنه لم يحقق شيئاً . فكان العمل في الأرض سوى أكذوبة استيقظ عليها (فوينتسكي)، ووجدها وهماً، وصورة ذهنية مخادعة وذات ماهويات خارجة عن حدود الساق الفعلي للحياة التي حاول الابتعاد عنها، إذ لم يحقق من وراءها الهدف الذي رسمه من اجل تحقيق ذاته في وسط اجتماعي تجاهل ابسط حقوقه الإنسانية.

 

- الهدف الثاني: إذ سعى (فوينتسكي) لتحقيقه فكان تبنيه لأفكار وأراء (البروفسور)، التي كانت تلقى اهتمام بالغ من قبل أمه وأفراد عائلته، والكثير من أبناء مجتمعه، فسعى (فوينتسكي) من وراء ذلك إلى الظهور بمظهر المثقف ذي الرأي الصائب الذي إذا تكلم يحظى باستماع الآخرين له، ومن ضمنهم أمه التي كان يحظى لديها في مضى بنوع من الاهتمام في هذا الجانب بوصفه إنسانا نيراً له أراء وقناعات تتطابق مع أراء (البروفسور) صاحب القيم التحررية، التي تهدف إليها، لكن (فوينتسكي) أراد من خلال هذا التوجه أن يحقق ذاته في مجتمع يتشدق بأفكار وأراء زائفة كان يعلمها ويعرف زيفها. وعلى الرغم من ذلك أراد أن يتماشى معها، لكنه فشل في ذلك، لأنها لم تحقق له ذاته، وهنا يحاول (فوينتسكي) فضح زيف تلك الأفكار، وذلك حينما يخاطب أمه ليبين لها رفضه لتلك الأفكار، رافعاً عن عينيه الغشاوات لتحطيم الماهويات الزائفة، التي كان يضعها عن قصد فيما مضى، ويزيد من لغة الرفض لديه من تلك الأفكار إلى درجة يصل بها إلى السخرية المليئة بالمرارة والحسرة يوجهها ضد(البروفسور) قائلا:

فوينتسكي: كل ما في الأمر، هذا الأستاذ منذ خمسة وعشرين عاماً يقرأ عن الفن ويكتب، ولا يفقه من أمور الفن شيئاً، خمسة وعشرون عاماً يلوك أفكار غريبة عن الواقعيين والطبيعيين، والسخافات . خمسة وعشرون عاما يكتب أموراً معروفة للأذكياء غير مهمة للأغبياء بكلمة مختصرة ربع قرن يثرثر.

ولكن (فوينتسكي) كان يضع على عينيه قناعاً، كي يتقبل تلك الثرثرة التي أعتقد بأن اعتناقها سوف يحقق له ذاته، ولكن أنعكست عليه فهو يثور ويثور على الأفكار والآراء، لأنها أفكار وماهويات وهمية، وبعيدة كل البعد عن ذاته ولا تتفق مع متطلبات تحقيق الذات لديه، ومن ثم كانت هدفاً وهمياً تعلق به (فوينتسكي)، وبعودة (البروفسور) بطلت صحة هذا الهدف فأصبح (فوينتسكي) أمام الحقيقة المرة التي أسقطت القناع عن عينيه، وأصبح أمام شعوره بالنقص مرة ثانية بعد أن حاول جاهداً التغلب عليه.

- الهدف الثالث: تمثل بحبه (لآيلين اندريفنا)، فبعد أن تيقن أن الهدفين السابقين أصبحا وهماً ولم يتحقق منهما ما كان يتمناه، فتبنى له هدفاً ثالثاً سعى من وراءه للتعويض والتغلب على شعوره المستمر بالنقص، الذي كان يلاحقه في كل زمان ومكان، وفي هذا سياق الهدف الثالث فقد كانت (آيلين اندريفنا) قبل زواجها من (البروفسور) في متناول يديه ولم يبادر إلى الارتباط بها، وذلك بسبب انشغاله بالهدفين السابقين، وبعد فشله في تحقيقيهما توقع تحقيق الهدف الثالث ولعدة أسباب:-

- فارق العمر بين (آيلين) و(البروفسور)، الذي كان يعاني من المرض بسبب كبر سنه .

-  بحث( آيلين) عن شخص يعوضها عن بروفسورها العجوز التي ضيعت شبابها معه، وقد بدى ذلك الأمر من خلال تصرفاتها وسلوكها اتجاه الآخرين.

- أمانتها الكاذبة وخيانتها لزوجها، وتذمرها من تلك الحياة الزوجية غير المتكافئة .

- دافع الانتقام الذي كان (فوينتسكي) يحمله ضد ( البروفسور)، وكما ذكرنا سلفا.

-  إحساس (فوينتسكي) بانه انسب إنسان يمكن أن تعوض به ( آيلين)عن (البروفسور) .

إذ سعى جاهداً لتحقيق هذا الهدف واضعاً نصب عينيه تلك الأسباب، ولكن سرعان ما يفشل في تحقيقه، لأنه لم يكن هدفاً حقيقياً، وإنما كان وهمياً تشكلت ماهوياته نتيجة لما كونه من صور ذهنية بعيدة عن وجوديات الواقع من حوله وصورته له الظروف بانه سهل التحقيق، وجاءت النتائج على عكس ما يريد. فـ(آيلين) كانت ميولها نحو (استروف) أكثر من ميلها إلى(فوينتسكي)، الذي رآها بعينيه وهي تبادل (استروف) العاطفة، إذ كانت تتودد إلى(استروف) كما في الحوار التالي:

آيلين: انك إنسان طيب وجذاب لن نلتقي بعد اليوم، لما الكتمان؟ جذبتني قليلاً. والآن نسلم بعضنا على البعض.

إنَّ مشاعر (فوينتسكي) تجاه (آيلين) كانت مشاعر وهميه محملة بغايات أخرى غير الحب لها فدفعته تلك المشاعر الوهمية نحوها محاولا مشاركتها الحب، فهذه المشاعر لم تكن نابعة من أعماق قلبه، ولم تكن مبنيه على ما نعكس في الواقع من دوافع عاطفيه تجاه الانسان التي قرر ان يبني معها حياته المستقبلية، هذه الحياة التي كانت مبنيه على أهداف بعيده عن التكوين الماهوي السليم على وفق ما هو موجود في بيئته التي حاول ان يتنكر لها في اغلب مسارات حياته، وأن عقدة التقص التي تشكلت وكونت ماهويات حياته في صور ذهنية تخيلها، ولكونها أمامه، وهي بعيده عما يحيط به من تعاملات من قبل الابوين، وعن هذه المشاعر التي بنيت خارج سياقها السليم يقول عنها:

فوينتسكي: الأفكار السوداء تتبعني ساعات الليل والنهار، الأفكار الثقيلة لا تفارقني ابدآ الأسف العميق على السنوات الضائعة، والأيام التي مضت كلها سخافات وتفاهات والحاضر مخيفة ترهاته. هذه حياتي، وحبي أين اذهب بهذا الحب، وما تراني فاعل بهذه الحياة السخيفة).

إذن، فمشاعر (فوينتسكي) محملة بالأفكار السوداء والانتقام للسنوات الضائعة، وعلى هذه النتيجة المؤلمة ينتهي هدف (فوينتسكي) الثالث ويصبح في عالم الأوهام التي اعتاد أن يراها حقيقة، ولكن الواقع وصدماته كان له دوما بالمرصاد فيوقظه على حقائق مرة اعتاد على تجاهلها في السابق، والآن لابد أن يواجهها بعد انهيار كل أهدافه الوهمية.

أنواع التعويض في الماهويات الوهمية، وصلته بمرض العصاب في شخصية (فوينتسكي) الدرامية:

يرى( أدلر): أن التعويض عملية قائمة على الشعور بالنقص وتسعى إلى التفوق، ويرى التعويض على أنواع، منها تعويض ايجابي يستطيع الفرد فيه تحقيق ذاته، ويتغلب على نقصه. وتعويض مبالغ فيه، إذ يقدم الفرد جهداً أكثر من الحد المألوف وهو من النوع الايجابي أيضاً . وهناك تعويض فاشل، أي تعويض يخرج فيه الفرد عن الحدود المألوفة والمقبولة في المجتمع، كارتكاب الجرائم وما شابه ذلك . ويوجد أيضا تعويض فاشل من نوع آخر، يدفع بالفرد إلى مرض عصبي يتخلص فيه من عملية الكفاح والتحجج بهذا المرض، وذلك للهروب من الواجبات الملقاة على عاتقه في الحياة، ومن الإمراض المهمة في هذا المجال هو مرض (العصاب)، وهو اضطراب في الجانب الوجداني الذي يرجعه (أدلر) إلى عقدة الشعور بالنقص وهو يقول: إنَّ مشكلة كل عصاب هي، بالنسبة للمريض، صعوبة الاحتفاظ بنمط من التصرف والتفكير والفهم ينكر مطالب الواقع ويتحول بها عن موقعها الأصلي، فيكون التعويض هنا تعويضاً وهمياً لأنه بعيد عن الهدف الأصلي وعن مطالب الواقع الفعلية.

إن نوع التعويض عند (فوينتسكي)، هو تعويض فاشل بسبب الأهداف الوهمية التي سعى إلى تحقيقها في الميادين الثلاثة (المجتمع والعمل والحب) وهذه الميادين الثلاثة هي من تشكل التكوين الأنطولوجي الذي نستطيع قراءة حياته على وفق هذا المجال المعرفي ونربطها بنظرية مركب النقص عند (أدلر)، وهذا الفشل في التكوينات الماهوية سرعان ما تحول في التعويض إلى مرض عصاب ناتج عن صعوبة الاحتفاظ بخط من التصرف والتفكير والفهم، إذ بدى ذلك واضحاُ على(فوينتسكي) في تصرفاته غير المتزنة، ولاسيما حينما جاءته الضربة الأخيرة التي أفقدته صوابه ورشده، وكشفت له أخيرا وبشكل لا يقبل اللبس بان جهده وسعيه لتحقيق ذاته كان وهماً كبيراً، فـ(البروفسور) يحاول تجريده حتى من المكان الذي يعيش فيه، إذ يقول (البروفسور) لـ(فوينتسكي) من خلال الاقتراح الذي يقدمه (البروفسور) لبيع الارض، التي هي من أهم أدوات التعويض لديه، هذا الاقتراح الذي يفقد (فوينتسكي) على أثره أعصابه، ويصبح الاضطراب واضحا على سلوكه ويحاول قتل (البروفسور)، وهنا يخاطب (فوينتسكي) (أيلين) من اجل ان تتركه لقتل (البروفسور)

فوينتسكي: دعيني يا(أيلين)اتركيني اتركيني! (يفلت من بين يديها، يبحث هنا، وهناك عن سيربيرياكوف). أين هو؟ . أنت هنا(يطلق عليه الرصاص). (صوت الطلقة).(فترة صمت).ألم أصبه ؟ هذا المرة أيضا أخطأته (غاضبا)جهنم عليه.

وتستمر نوبات الاضطراب في السلوك عند (فوينتسكي) فيقول:

فوينتسكي: حاولت ارتكاب جريمة قتل ولم يوقفوني. لم يحاكموني .إذا يحسبونني مجنونا . (يضحك ضحكة هستيرية). أنا مجنون، مجنون.

إن ذلك الجنون الذي وصل إليه (فوينتسكي) لكي يتخلص فيه من عملية الكفاح من اجل التعويض والتحجج بهذا المرض الذي يعفيه من تأنيب الناس له، وكذلك من تأنيب نفسه ويتوج هذا الاضطراب بمحاولة الانتحار الذي لم يستطع تنفيذه أيضاً، فكان لابد من إيجاد مخرج وهو العودة إلى الهدف الأول الوهمي، وهو العمل في الأرض، ولعله يستطع تحقيق ذاته، لكن هذه المرة ليس القرار قراره وحده بل توصل إليه من خلال الاتفاق مع (البروفسور)، فيصبح قرار التعويض مبرراً لديه، وهو الحفاظ على الأملاك من جهة وإرسال النقود إلى (البروفسور) من جهة أخرى، متغاضياً عن ما سببه له من ضياع وألم وتشتت فيقول للبروفسور، فوينتسكي: ستستلم مني كما في الماضي. وهكذا يعود (فوينتسكي) مرة أخرى من حيث بدء كحل نهائي يحاول الهروب فيه من شعوره بالنقص .

التكوين الماهوي، وعقدة الشعور بالنقص، وتمظهرها في تكوينه الأنطولوجي:

يرى (أدلر) أن عقدة الشعور بالنقص تأتي على نوعين إما بنقص عضوي أي من خلال فقد شخص لأحد أعضائه الجسدية أو عقدة الشعور بالنقص نفسية أو روحية تقوم على الوعي الاجتماعي للفرد. إن عقدة النقص عند (فوينتسكي) هي عقدة نفسية قامت على وعي تام منه، أوجدتها الظروف الاجتماعية المحيطة به، كبناء أنطولوجي لهذه الشخصية التي رفضت الحياة كما هي، أي أن هذه الشخصية لم تتعامل بشكل إيجابي مع الظروف المحيط بها، فكانت هذه الظروف الاجتماعية التي انعكست في البناء الماهوي لشخصية (فوينتسكي)، والتي شكلت لديه عامل ضغط سعى وبكل جهده للتعويض والتخلص من هذه العقدة التي تنامت بشكل تصاعدي معه، فكانت مسيطرة عليه وتسوقه من فشل لآخر من دون الوصول إلى أي تعويض ايجابي، مما اضطره إلى الوصول إلى مرحلة اليأس، وهي المرحلة التي يصعب الخلاص فيها من تلك العقد النفسية، التي أوصلته في النهاية إلى مرض العصاب والتظاهر بالجنون ومحاولة الانتحار، وأخيراً أضطر إلى معايشتها، وذلك بقبوله العمل في الأرض، أي الرضوخ إلى الأمر الواقع الذي تعلنه لنا (سونيا) في نهاية المسرحية، وهي تخاطب (فوينتسكي) قائلة:

سونيا: ما العمل، يجب أن نحيا سنحيا يا خالي (فانيا) سنحيا حياة طويلة الأيــام وسنتحمل صابرين التجارب التي يصيبنا بها القدر . سنعمل لأجل الآخرين، من الآن حتى زمن الشيخوخة، ولن نعرف طعم الراحة. وحيــــنما تحين ساعتنا وأجلنا سنموت . وهناك وراء القبر في عالم الله، نتحدث عن عذابنـا وبكائنا . نفتكر كيف قست الحياة علينا في هذا العالم....

إن التكوين الأنطولوجي وأبعاده الماهوية في البناء الدرامي لهذه الشخصية امتاز بالاضطراب والقلق الناتج عن شعوره بعقدة النقص، التي أدت إلى ولادة أهداف وهمية غير واقعية تبنتها شخصية (الخال فانيا) وزادت من تعميق شعوره بالنقص حينما لم تتحقق فعلياً تلك الأهداف من خلال مجريات المسرحية ن وأن مرجعيات الشعور بالنقص لم تكن وهمية – على عكس الأهداف الوهمية - بل قامت على مبررات أفرزتها الظروف التي عاشها (فوينتسكي) في طفولته وصباه، إذ عانى من التهميش والإهمال من أمه وأبيه، ورأى نفسه إنساناً من الدرجة الثانية، مما أضطره هذا الوضع إلى العمل من أجل التخلص من عقدته الناتجة عن تلك المعاملة، وكان للشخصيات الأخرى (البروفسور، أيلين اندريفنا، استروف) في النص دورٌ كبيرٌ في تعميق شعوره بالنقص، وذلك من خلال إسقاطهم للأقنعة التي إرتداها (فوينتسكي) لإخفاء شخصيته، التي تعاني من عقدة النقص وللأسباب المذكورة سابقاً .

إن هذه الشخصية على وفق التكوين الأنطولوجي، وعلاقته في التحليل النفسي الفردي، شخصية ثريه في جانبها الاشتغالي ومدلولاتها الماهوية، التي أعطت النص صوراً ذهنية غنية بالأفعال، إذ ساعدت في إيجاد عمق فني لمعنى الحياة الذهنية لهذه الشخصية الدرامية وتمظهرها في تكوين أنطولوجي مشوق وممتع ومتعدد الظهورات، والذي توضح من خلال تعدد الأدوار والأقنعة التي ظهرت بها الشخصية على مستوى الحدث الدرامي في المسرحية .

 

الاستاذ الدكتور محمد كريم الساعدي

 

 

علي محمد اليوسفالادراك واللغة

(من الممكن الاستغناء عن اللغة للوصول الى الانطولوجيا).. مقولة سفسطائية

خطأ هذا التعبيرالفلسفي السفسطائي يكمن في محاولة أستبدال وسيلة اللغة الادراكية التجريدية ب(الادراك) المباشر الحسي الانطولوجي الاستبطاني المجرد من اللغة وهو محال أن نجد ادراكا مجردا عن لغته فالادراك هو تفكيرحسي لغوي تصوري وليس مجرد أحساسات لا تمتلك صوريتها اللغوية التجريدية... وهذا الاتجاه الفلسفي بمقدار ما يحمله من أدانة واضحة الا أن فلاسفة الوضعية المنطقية التجريبية حلقتي فيّنا وحلقة اكسفورد التحليلية أخذا كليهما بهذا الاحتمال.

ويحمل هذا التعويل الخاطيء مقدما على أن أدراك الاشياء في وجودها الانطولوجي حسيا داخليا يعني أن تلك الادراكات الحسية هي لغة تعبير تواصلي لا تعتمد وسيلية اللغة في أدراكها الاشياء، وهو خطأ لا يمكن تمريره فالادراك الحسي هو لغة تصورية تمثلية ايضا لا تختلف عن أصل أية لغة تواصل كان تعلمها الشخص الذي يحمل ادراكه الطبيعي، الادراك الانطولوجي لغة تصورية تجريدية لا تخرج على أبجدية اللغة التواصلية العادية. بعبارة توضيحية أكثر الادراك ليس بمقدرته أختراع لغة ادراك خاصة به تختلف في بنيتها التركيبية نحويا وبلاغيا وقواعد هي غير نمط وشكل لغة التعبير العادية التي يتحدث بها مجتمع معين أو أمة معينة..الادراك الحسي أو الادراك الخيالي هو لغة تصورية تمثل تفكير العقل بموضوع، وكذا الوعي هو تمثل ادراكي لغوي في تعبيره عن تفكير العقل.

وأدراك الحواس ماديا لا يمكن ترجمته الى أحساس مفهوم المعنى والدلالة من غير لغة تحتويه وتعبّر عنه... أذ لا يمكن تحقيق أدراكا حسّيا عن شيء لا يحمل لغة أدراكه التجريدية معه، كل أدراك حسّي عن شيء وكل أدراك غير حسي خيالي عن موضوع لا يمكننا فهمه من غير تلازم تعبير اللغة عنهما خارجيا أو استبطانيا صامتا.. حتى تموضع اللغة بالاشياء المادية هي تعبيرات تصورية حسية مجردة في التعبير عن تلك الاشياء صادرة عن العقل في معرفتها الاشياء كموجودات انطولوجية.

الادراك الحسي يبقى لغة صمت لا يستطيع الافصاح عن نفسه من غير توسيل تعبير اللغة التواصلية الاعتيادية.. بالمختصرالمفيد الادراك لغة خرساء صماء موجودة بالذهن ولا يمكن تحققها بالواقع كلاما وتعبيرا من غير وسيلية اللغة الافصاح عنها. لذا يكون من المشكوك به أمتلاك الادراكات الحسية مصداقية تعبيرية عن الانطولوجيا بمعزل عن اللغة التواصلية أكثر مما تستطيع التعبير عنه. وكلا التعبيرين لغة الادراك الصمت ولغة الافصاح الصوت هما لغة واحدة لا أنفكاك بينهما، من حيث ترابطهما الابجدي في تكوين الكلمات الصوتية والجمل.

التفكير الحسّي الملازم لادراكات الاشياء المادية في حال لا يمكنه ارسال أحساسات الحواس الى الذهن لغويا تصوريا فلا معنى يبقى للادراك كحلقة في منظومة العقل الفكرية التجريدية، لانعدام آلية التوصيل المنتظم داخل منظومة العقل الادراكية.

ولا معنى يستطيع الوعي ادراكه الاشياء من غير لغة ايضا، أي حينما لا تتمكن اللغة أن تستوعب الادراك الحسي والوعي بالاشياء فلا يبقى هناك أي وجود خارج الذهن لهما.. كما والاحساسات هي لغة تعبير العقل عن مدركاته في ردود الافعال الانعكاسية الصادرة عن الدماغ.

فاذا كانت فكرة الادراك عن شيء هي تعبير لغوي مجردا فكيف يكون الادراك بلا لغة تلازمه يمكننا الاستغناء عنها في أدراكنا المحسوسات الانطولوجية؟ وكيف يتشّكل الوعي بالاشياء بدون لغة تلازمه؟؟وكيف تنطبع المدركات الحسية بالذهن بغير تعبير لغوي يلازمها؟ الاحساسات والادراكات والوعي ثلاث حلقات في منظومة العقل الادراكية هي في حقيقتها لغة تعبيرتجريدي واحد ولا تحمل هذه الحلقات التجريدية أفصاحاتها عن مدركاتها لمواضيع العالمين الداخلي (الاحاسيس) والخارجي (الاحساسات) الا بتعبير اللغة التواصلي الدارجة مجتمعيا..الادراك بتعريف كواين له هو وجود الشيء المستقل انطولوجيا.. لكنه غير المنفصل عن الادراك به بوسيلة تعبير اللغة عليه يكون الادراك لغة التعبير عن الشيء.. استقلالية الادراك في وجود الشيء المستقل هو ادراك لغوي له عن طريق الحس.، وانطولوجيا الاشياء كموجودات في العالم الخارجي لا يمكن أدراكها حسيا عقليا بغير لغة تعبير تجريدي عنها. .

أننا لا نستطيع أغفال حقيقة أن الاحساس بشيء ليس لغة استبطان معرفية له فقط، وكل موجود يدرك حسّيا يصبح بالنتيجة الملازمة له لغويا هو لغة أدراكية تجريدية سليمة غير أعتباطية خالية من المعنى. فالموجود الشيئي والوعي به، وانطباعه الصوري بالذهن هو تجريد لغوي يقبل تمرير معناه ادراك العقل له، والفكرالمتعالق مع الوعي فيما يعنيه، جميعها تجليّات ادراكية تقوم على تصوير لغوي يتمثل مواضيع الادراك، ويشمل هذا حتى الادراك العقلي غير المريض الذي لا يتوّسل اللغة في التعبيرعن تلك المدركات بل في التعبيرغير الانفصامي الصامت عنها. الصمت غير المريض لغة تفكير لا تختلف عن لغة التواصل العادية سوى بفارق الصوت المفهوم في تعبير اللغة عنه.

كان يتردد في بداية القرن العشرين سؤالا فلسفيا جداليا هل بالامكان فصل اللغة عن الفكر؟ جدال نقاشي تم حسمه في ادبيات الفلسفة البنيوية بخاصة عند دي سوسير بتعبيره اللغة هي وعاء الفكر. بمعنى أن فصل تداخل شكل اللغة مع محتواها المضموني محال ادراكيا عقليا. وفصل الادراك عن اللغة محال معرفيا. الادراك من دون لغة تلازمه عبث لا يمكن تحققه في معنى دلالي في الافصاح التعبيري عن شيء أو موضوع، وتجريد اللغة عن تعبيرها التجريدي للاشياء هو محال ايضا فاللغة وجود يلازم كل موجود يدركه العقل. والعقل لا يدرك الاشياء والعالم وموجودات الطبيعة بغير وسيلة تعبير تلازم الفكر واللغة معا في دلالة لمعنى واحد.

وتجريد اللغة في تعبيرها عن المادة تصبح كيانا لا ماديا ايضا رغم تعالقها التجريدي الانفصالي في تعبيرها عن الاشياء المادية. لا نستطيع فهم الشيء من غير أدراك حسي لغوي له، كما لا يمكننا فهم لغة لا تعبر عن شيء يمكن أدراكه ومعرفته. لا يمكننا فهم العالم بصورة سليمة مقبولة عقليا من غير تعبير اللغة عن مدركاتنا لموجودات العالم من حولنا. العقل في ماهيته غير البيولوجية هو (لغة) تعبير عن المعنى فقط بتعبير قدامى فلاسفة اليونان (لوغوس)... ومحال أن نجد اللغة موجودا انطولوجيا ماديا خال من تعالق لغة تجريده معه التي هي ادراكه. اللغة اصوات دلالية منتظمة في التعبير عن المادي الادراكي بينما تكون الموجودات المادية ليست لغة تواصل صوتي بل لغة ادراك صمت تفكيري. تموضع اللغة في تكوين الاشياء المادية تبقى لغة تجريد ملازمة لوجود المادة.

أما قضية أمكانية فصل اللغة عن الادراك كما يذهب له السفسطائيون والمناطقة من بعدهم فهو وهم فلسفي لا يمكن البرهنة على تحققه، اذا ما علمنا أن الادراك أستبطانيا داخليا أو ادراكا حسّيا خارجيا للاشياء والموجودات هو (لغة) في الحالتين ولا يوجد أدراك من غير لغة تحتويه كفكر تجريدي. لكن في فرق جوهري أن لغة الادراك الجوّانية هي لغة صمت فكري أما لغة التعبير الحسي عن موجودات العالم الخارجي تكون من نوع اللغة التواصلية المجتمعية كلاما أو كتابة.

لا يمكن تعويض الادراك المجرد عن اللغة القيام بمهمة اللغة والاستغناء عنها. من حيث أن حقيقة الادراك الحسّي للاشياء في وجودها الانطولوجي هو (لغة) اولا واخيرا، ولا توجد آلية تحقيق ادراك انطولوجي مفهوم له معنى في الاستغناء عن تعبير اللغة الصوري التجريدي. ادراك الشيء هو لغة صامتة استبطانية تحمل معها الفكر، وبغير هذه الآلية لا يتوفر للعقل تحقيق ادراكات للاشياء ذات معنى.

وفي حال انتقالنا الى مرحلة متقدمة أن ادراك الاشياء خارجيا هو ادراك حسّي مصدره الحواس، فهل تستطيع الحواس مع الادراك ايصال الاحساسات الى الجهاز العصبي والمنظومة العقلية على وفق آلية الاستغناء عن اللغة في ادراك موجودات الانطولوجيا الموزعة على الاشياء؟ الجواب المباشر كلا من حيث الاحساسات هي ترجمة لغوية مستمدة من الحواس، والاحساسات التي تربط ما تدركه الحواس بالجهاز العصبي تكون هي ايضا لغة صورية تجريدية منتظمة وليست تداعيات من الاحساسات العشوائية التي تفتقد حمولتها النظامية في المعنى المطلوب الدال من غير نسق وبنية لغوية تنتظمها. جوهر العقل الاسمى ماهيته التفكير حسب ديكارت. وكل تفكير عقلي صامت داخليا أو معبرا عنه خارجيا هو لغة مجردة.

اللغة والفكر

رغم أني عالجت مثل هذه العلاقة التي تربط الفكر باللغة في مرات عديدة توزعتها كتاباتي ومقالاتي العديدة ألا أنني أرتأيت تثبيت ومناقشة أقتباس جدير بالتوقف عنده مفاده  كانط والمثالية الالمانية لا تهتم باللغة، وأنما بالفكر، وقد جاء هذا التعبير الكانطي في كتابه الشهير الموسوم (نقد العقل المحض) فهو يعتبر علاقة اللغة بالفكر علاقة أعتباطية وبالتالي لا يمكن الاستناد الى أستنتاج الشروط الضرورية التي يمكن أن يكون هناك للفكر موضوعا فيها."1

امام هذه المقولة المنسوبة لكانط نضع التعقيبات التوضيحية التالية:

- لا يمكن الجزم القاطع أن علاقة الفكر باللغة علاقة أعتباطية غير منتظمة، فالفكر تفكير لغوي تجريدي بموضوع مادي أو خيالي، ولا يمكن تاكيد أعتباطية التفكير أنه بلا معنى لعدم امكانية اللغة التعبير خارج الخلاص من الفرضية التي تذهب الى أن علاقة ترابطية الفكر باللغة أعتباطية غير منتظمة لا يعول عليها في استنتاج شروط ضرورية يمكن من خلالها تاكيد أن هناك للفكر موضوعاته المستقلة عن اللغة حسب عبارة كانط.

- أن الفكر هو تفكير العقل المتقدم بالاسبقية على لغة التعبير، عليه لا يمتلك الفكر موضوعاته المجردة من تعبير اللغة عنها. واذا افترضنا أعتباطية الفكر حالة تلازم الادراك والتفكير العقلي، فأن اللغة لا تتأثر بهذه الصفة كون اللغة لا تعمل في فراغ أعتباطي غير منتظم ادراكيا لمواضيعها التي هي مواضيع تفكير العقل بها، كما لا تعمل اللغة خارج التعبير عن معنى متحقق بالفكر سلفا بمعزل عنها.

- اللغة لا يمكن أدراكها عندما لا تكون دلالة ادراكية مستمدة من شيء موجود واقعيا سابقا عليها. أو موضوعا أستنفد تفكير العقل به واعطى ردود الافعال الانعكاسية الاستجابية عنه. ويحتاج أفصاح اللغة التعبيرعنه خارجيا. الادراك لا يكتفي بالفكر المجرد عن لغته كون الادراك هو تفكير لغوي لا يمكن فصل الفكر عن اللغة فيه.

- الحقيقة التي لا يمكن مجاوزتها بسهولة هي أن الفكر هو أدراك متعيّن بدلالة لغوية عن معنى، وكذلك تعبير اللغة هي ادراك متعين بدلالة الفكر، ولا يمكننا التعبير عن فكر لا تلازمه بالضرورة لغة تعبير عنه.. نظام التفكير باللغة يطوّع لغة التعبيرالتداولية عنه..

- ليس من مهام اللغة التي ترتبط حسب عبارة كانط بعلاقة أعتباطية بالفكر أن تقوم هي تنظيم وتخليص الفكر من الاعتباطية التي تلازمه. بل تنظيم نسق الادراكات الواصلة الى الدماغ تصبح مهمة تنظيمها تقع على عاتق العقل وليس على عاتق اللغة. فالعقل مضمون تفكيري واللغة وسيلته في التعبير عن تلك المضامين.. اللغة تعبير أكتسب محتواه من مرجعية تفكير العقل ولا تمتلك اللغة أمكانية تنظيم مدركات العقل بمعزل عن العقل نفسه.

ما هو الفكر بيولوجيا؟

يقسم بعض الفلاسفة الفكر بأعتباره خاصية انسانوية يتفرد بها الانسان الى عنصرين هما ميزتين تطبعان الفكر من ناحية خاصيته الانسانية، الاولى هي مضمون الفكر، والثانية هي نشاط الفكر نفسه.2 من الامور التي نفهم بها خاصية الفكر التعبيرية من خلال تعالقه البيولوجي بكل من العقل من جهة، وارتباطه بتعبير اللغة من جهة اخرى. رغم حقيقتهما أنهما علاقة واحدة لا يمكن الفصل بينهما. فالفكر كمضمون هو نتاج حصيلة تفكيرية يبتدعها العقل تفكيرا بموضوع، وهذا النوع من التفكير العقلي هو (ملكة) انفرادية يحوزها العقل البشري. والصفة الثانية الملازمة للفكر أنه نوع من الفعالية الحيوية الديناميكية، بمعنى الفكر هو خاصية تفكيرية قصدية ملزمة التعبير عن نفسها، يعني الفكر هو سلوك أجرائي معرفي بالحياة لا يتسم بالحيادية. يطرح بعض الفلاسفة سؤالا غريبا بضوء علاقة الفكر المزدوجة بين العقل بيولوجيا وبين لغة التعبير عنه تجريديا " هل من الممكن التفكير من دون لغة؟ أم نتقبل الحقيقة التي تقول أنه بدون الفكر لا توجد لغة؟ ومن خلال الفلسفة وعلم النفس تم التوصل الى فكرتين، الاولى تذهب الى أن الفكر الحقيقي غير لغوي وهذه المقولة تبناها هنري برجسون . والثانية أن الفكر هو لغة ليس الا"3

للتعقيب حول هذه التساؤلات الالتباسية الجدالية:

- لا يمكن التفكير بدون لغة صورية، ليس فقط بتسليم الاستناد الى حقيقة الفكر هو لغة ادراكية تفكيرية صامتة، بل اذا جاز لنا فصل الفكر عن اللغة باعتباره ادراكا صامتا، فيكون معنا تفكير الادراك بمواضيعه لا يقوم على غير علائقية ترابطية بين الادراك الفكري باللغة، ولا يمكننا التفكير المنظم في معنى عن شيء من دون لغة تصّورية. الادراك الحسّي هو صمت لغوي من التفكير لا يخرج عن أستحالة تفكيره وأستيعابه أحساسات الاشياء والتعبير عنها كمدركات حسّية بغيرتعبيرات اللغة تجريديا عنها.

- الشيء الثاني في عدم أمكانية فصل اللغة عن الفكر لا بالتفكير الادراكي العقلي الصامت ولا بالتفكير اللغوي المنطوق أو المكتوب. يأتي من كون الادراك هو تفكير عقلي معبّرا عنه باللغة. بمعنى اللغة هي أفصاح وتعبير لادراك العقل.

- حين يعتبر برجسون أن الفكر الحقيقي هو غير لغوي نفهم منه هو لا يقصد آلية التفكير التي هي آلية لغوية بامتياز لا يمكن العبور من فوقها وتجاوزها، فالفكر حقيقته القصدية بالمعنى تؤخذ من لغة تعبيره عن الاشياء . والفكر من دون وعاء لغوي يستوعبه لا يتحقق من غير شكل اللغة التي تحتويه. أما كيف يكون الفكر اكثر مصداقية حقيقية من اللغة حسب عبارة برجسون، فتمريرها الحذرالمشكوك به أنما يأتي من أعتباره الادراك العقلي للاشياء يمتلك لغة تجانس الادراك الحقيقي في صمت التفكير وليس في تعبير اللغة الافصاحية الخارجية عن المعنى المضموني للادراك. لذا فالفكر هو لغة لا أكثر وما يتعالق بالفكر مثل الوعي والذهن والذاكرة جميعها تفكير لغوي موزع في اشكال من التجليات المتنوعة أدراكيا كتجريدات مصدرها العقل.

- كما أن الذين يرون للفكر طبيعة تختلف عن طبيعة المادة فهذا لا يغير من حقيقة الفكر ولا اللغة انهما تجريدان غير ماديان ولا حسيان، وطبيعتهما التجريدية تختلف عن طبيعة المادة كموجود متعين انطولوجيا أمر مفروغ منه ولا يتقبل التداخل بينهما، فالفكر الذي يعبر عن المادة لا يصبح في لغة التعبير عنها جزءا ماديا تكوينيا منها بل يبقى الفكر تجريدا لغويا تصوريا عن المادة...كما هو تجريد اللغة في تعبيرها عن الموجودات بالعالم الخارجي. وليس هناك من قيمة جادة يحملها تعبير برجسون (كل تعبير لغوي هو تشويه للفكر). هذا التعبير يناقض مقبولية القول أن اللغة قدرة أستيعابية محدودة لا تستطيع التعبير الكامل عن محتوى الفكر.والا تكون عبارة برجسون تقفل أمامنا حقيقة أن تكون طبيعة أفكارنا هي تحقق لغوي وبغير ذلك لا يبقى تشويها للفكر لا نجده في تعبير اللغة عنه.

هل اللغة مادة؟

ذهبنا في أسطر سابقة أن الفكر واللغة جوهران متلازمان يشتركان بصفة التجريد فكيف لنا تبرير هذا التناقض مع القول الذي يقول" اللغة على وجه الخصوص هي مادية (اصوات) يمكن التعرف عليها لذاتها من حيث أنها حقيقة مادية"4

مادية اللغة نفهمها بدلالة تعبيرها عن المادة ولا يمكن أدراكنا لغة التجريد كاصوات مادية مكتفية بذاتها مصدرها اللغة وليست منها مستقلة عنها، كونها خاصية مادية حسب العبارة. المادة كمحسوس متعين حسيا يدركه العقل لا يتحدد بالصوت اللغوي المعّبر عنه، بل تتحدد المادة بوجودها الانطولوجي كمتعين يدرك ويحس بصفاته الثلاث الطول والعرض والارتفاع، وأضاف انشتاين له البعد الرابع الزمن.

الصوت فيزيائيا لا يمكننا تحديده ماديا بصفات مادية معروفة ذكرناها، واللغة كصوت ذي دلالة تعبيرية عن معنى قصدي، هي تجريد في تعبيرها عن اشياء وليست مادة بذاتها، ولا تكون اللغة هنا جزءا من مادة مدركة حسّيا بل تكون جزءا من لغة تجريد ادراكي للمادة. وتجسيد اللغة للفكر في التعبير عن معناه المضموني لا يجعل من كليهما اللغة والفكر مادة باكتسابهما صفة تجريد الصوت مدركا بذاته وهو خطأ لعدم أمكانية أدراكنا الصوت مجردا عن دلالته المادية.

الفكر لا تحتويه المادة بمقدار ما تحتويه لغة التجريد في تعبيرها عن المادة. وفي حال تاكيد صوابية خطأ مقولة برجسون أن تكون اللغة خاصية مادية بالصوت المدرك لوحده فهذا يقودنا التسليم لخطأ أكبر منه تجاوزناه هو صحة أمكانية جواز التفكير من دون لغة. فالمادة لا تدرك مادة أخرى تجانسها الخواص التعريفية ماديا من غير تداخل تفكير اللغة التجريدي التوسيط بينهما. عليه اللغة كاصوات تعبيرية عن معنى مادي مقصود هي تجريد مادي وليست مادة مدركة لوحدها. تجريد اللغة عن تعبيرها عن موضوع مدرك عقليا يفقدها خاصية التعبير كاصوات وأبجدية مكتوبة تعبيرية. وتنتفي عنها حينذاك صفة اللغة التي هي خاصية تعبير فكري تجريدي عن المادة والاشياء.

التسليم بمقولة اللغة مادة بدلالة الصوت، عندها يصبح لا غرابة أن نجد اللغة كما يعبّرعنها أحد الفلاسفة "هي تعبير كلّي يقوم مقام الواقع بكامله."4. تماشيا مع هذا التعبير الافتراضي الخاطيء لا يمكننا معرفة الواقع في حقيقته المادية عندما نحاول التعبيرعنه بمادة لغوية، وليس لغة مادية وهو ما يعني أمكانية أن تعي المادة غيرها من الماديات الاخرى ليس بدلالة تجريد اللغة بل بدلالة لغة المادة الموهومة التي أصبحت هي ميزة المادة ذاتها. وهذا أمر ليس محالا على صعيد الادراك العقلي وحسب وأنما محال على صعيد الغاء خاصية التجريد اللغوي عن مدركاته التعبيرية التي هي في حقيقتها مدركات عقلية.

لا يسعنا التعبير عن هذا المأزق أكثر من قولنا أننا يمكننا التعبير عن اللغة بلغة أخرى تجانسها الماهية والصفات النحوية، لكننا لا نستطيع فهم الواقع المادي الذي تموضعت اللغة فيه تكوينيا بتعبير لغة لم يعد يمتلكها العقل ولا يستطيع تصنيعها بل يمتلكها الواقع المادي في محاولته فهم العقل وليس العكس فهم العقل للواقع.

أن الحقيقة التي يراد العبور من فوقها أن اللغة تبقى تجريد تعبيري، والمادة تبقى واقعا لادراك هذا التجريد اللغوي، واللغة المتموضعة بالاشياء هي لغة تجريد يحتويها الموجود المادي انطولوجيا لكنه يبقى تجريد اللغة غريبا عن المادة كتجريد لغوي معبّراعن المادة لكنه لا يحمل خصائصها.

مشروع اللغة الكليّة المصنوعة آليا التي نادى بها العديد من الفلاسفة والعلماء والمفكرين في القرن التاسع عشر أعتبرها دستوت تراسي من فظائع الاخطاء التي وقعت بها الفلسفة في محاولة بعضهم تربيع الدائرة أن يكون لها أربعة اضلاع.

طبيعة الفكر وطبيعة اللغة

يذهب بعض الفلاسفة الى الدخول قسرا في افتراضات فلسفية لا معنى لها في صرف الجهود لمناقشتها مثل" اننا في حال اقرارنا اللغة هي الفكر، يصبح معنا امكانية الاستنتاج أن علاقة الفكر باللغة هي علاقة مادية تقوم على وجود فرق أختلاف بين طبيعة الفكر عن طبيعة اللغة "5 في سطور سابقة ناقشنا خطأ أعتبار اللغة مادة تدركها وتعبر عنها لغة اخرى، وهذا الامر محال فاذا نحن خلعنا صفة المادة على شيئ نكون أعطيناه امكانية ادراكه تجريديا بلغة، وهو ما لا ينطبق على ان تكون اللغة مادة ميزتها الاصوات ندركها بلغة أخرى ميزتها صوتية ايضا.

والآن نناقش الاختلاف بين طبيعتي الفكر واللغة، وأول ما يتبادر للتفكير هو مالمقصود تحديدا بأختلاف طبيعة الفكر عن طبيعة اللغة وبماذا؟ لم نعثرعلى أجابة على طرح مثل هذه الاشكالية الفلسفية.

اذا أقررنا حقيقة أن الفكر واللغة هما شكل ومحتوى كلاهما يتسمان بالتجريد أحدهما بدلالة الاخرفي أدراك العقل لهما، عندها لا يصبح واردا مناقشة أمتلاك الفكر طبيعة لا تجانسها طبيعة اللغة. كون العقل يدرك تنظيم الفكر بدلالة تجريد اللغة الصوري، ولا يدرك العقل اللغة بتجريد فكري.

لذا تكون طبيعة حمولة تفكير العقل هي طبيعة لغوية تجريدية. وأن يكون الفكر يمتلك طبيعة غير طبيعة اللغة هي محض تلاعب لغوي وهمي لا يقوم على منطق فلسفي مقبول..والادراك يتبع نفس الآلية التي تتبعها الحواس في أدراكها مواضيع الموجودات المادية في نقل الانطباعات عن موجودات العالم الخارجي الى الذهن.

عندما نقول للفكر خاصية مادية (مادة) بخلاف خاصية اللغة كتجريد لا مادي، معنى ذلك أصبح متاحا لنا أن نعي الفكر بلا لغة أصوات مسموعة أو مكتوبة. لكن كيف نثبت أمكانية فصل الفكرعن اللغة؟ ثم ماهي الآلية التي تجعلنا ندرك الفكربطبيعته المادية في حال امكانية انفصاله عن تعبير اللغة التجريدي عنه؟ أدراك اللغة للمادة هو أدراك تجريدي وأدراك مواضيع المخيلة المجردة ايضا يكون بنفس آلية أدراك اللغة التجريدية للمادة. الفكر انعكاس لوجود مادي محسوس، وهذه الخاصية لا يمتلكها الفكر كونه تجريد لغوي وليس وجودا انطولوجيا ماديا تدركه الحواس قبل اللغة.

اللغة والآلة

الاطروحة الفلسفية التي عرضناها حول امتلاك كلا من الفكر واللغة طبيعة خاصة مختلفة احداها عن الاخرى، واعتبروا اللغة مادة لأنها باختصار هي أصوات. جعل بعض الفلاسفة يلجئون لحلم تصنيع آلة حاسوب تقوم مقام اللغة عند الانسان باعتبارها ملكة وخاصية لا يمكن استنساخها وتحاكي التواصل بين البشر،.

الا أن هذه الفرضية الطموحة المتفائلة لقيت معارضة قوية من فلاسفة بينوا عقم مثل هذا التوجه، واضعين بعض أعتراضاتهم الفلسفية بما يلي:

- الآلة التي تنوب عن لغة الانسان لا يمكنها التعبير الصحيح عن مجمل المسائل المتعلقة بالاخلاق والنفس والضمير والعواطف والاخلاص والالتزام بالوعود والاستقامة والنزاهة وغير ذلك عديد، وهذه لا يتوفر على تلبيتها الحاسوب المبرمج بتقنية عالية من استنساخ لغة الانسان.

- ورد منذ القرن السابع عشر على لسان ديكارت ما يدحض آلية تصنيع اللغة قوله "طيور العقعق والببغاء تستطيع التلفظ بكلمات وحتى عبارات مثلنا نحن البشر لكنها لا تستطيع ان تعي ما تقوله وتلفظه" 6

- طرح ايضا بعض الفلاسفة تساؤلا" لماذا لا يستطيع الحاسوب ان يحاكي بالضبط السلوك الانساني عند البشر؟ 7

أجاب بعض الفلاسفة عن هذا التساؤل قولهم عجز الآلة ممثلا في عدم أمتلاكها (وعيا قصديا) بهديه وعلى ضوئه يتمكن الانسان السيطرة على سلوكه الذي يرسمه له الوعي القصدي كملكة يتفرد بها الانسان، والوعي القصدي دعى له برينتانو ليعقبه هوسرل وهيدجر وليتسلم الراية منهم الفلاسفة الاميركان مثل سيلارز وجون سيرل وريتشارد رورتي وسانتيانا وغيرهم.

- أدان العديد من فلاسفة اللغة والعقل في مقدمتهم فلاسفة السلوكية اللغوية الاميريكية مقولة فيلسوف وعالم اللغات نعوم جومسكي حين أجاز في مصطلحه (الابداعية التوليدية) أمكانية توليد الجمل اللغوية الابتكارية عند الانسان بما لا يمكن حصره، لكنه التقى مع فلاسفة السلوكية الاميركان أن الآلة لا تنوب عن الانسان في قابلية الابتكار التوليدي اللغوي.

- " اقترح جومسكي منذ خمسينيات القرن الماضي في أعتماده اللغة تمتلك عنصرا بيولوجيا مركوزا في دماغ الانسان، وأننا ننطوي وراثيا على حاسة الكلام، وأننا مبرمجون وراثيا لنتكلم بدلا من التقليد من ثقافتنا وبيئتنا، وكلامنا يرتكز على مخطط وصفة أنطبعت فينا منذ الولادة" 1، هنا جومسكي ينهي أي أجتهاد فلسفي حول امكانية استنساخ وظيفة اللغة آليا في حاسوب متطور.

- من المسائل التي رفضها فلاسفة السلوكية استنساخ اللغة آليا بالحاسوب هو ما طرحه جون سيرل وهو فيلسوف العقل واللغة وأحد أبرز المتبنين للوعي القصدي، أن توليدية الابتكاراللغوي التي نسبها جومسكي لملكة الانسان الفطرية الوراثية، لا يمكن استنساخها في الحاسوب ابسطها عدم امكانية تحكم الحاسوب بالعبارات والجمل التي تكتفي بايصال المعنى المطلوب. وضرب لذلك مثلا أن الحواسيب يمكنها تركيب جملة (أنا أعدك) لكنها لا تفهم ما يترتب على العبارة من تنفيذ تطبيق هذا الكلام كمحاورة قصدية ذات معنى.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

......................

الهوامش:

1- فلسفة اللغة /سليفان اورو، جاك ديشان، جمال كوغلي، ت :د. بسام بركة ص 211

2. نفسه ص 305

3- نفسه ص306

4- نفسه ص 301

5- نفسه ص 306

6- نفسه ص 308

7- نفسه ص 309

 

محمود محمد عليحين صاغ أرسطو (384-322ق م) ما يعرف بقانون الثالث المرفوع أو الوسط الممتنع Law of excluded Middle في كتابه "العبارة "، أكد على أن: " كل القضايا سواء كانت موجبة أو سالبة إما أن تكون صادقة أو كاذبة، وكل محمول إما ينتمي إلي موضوع أو لا ينتمي . فكل محمول لابد من أن يثبت لموضوع أو أن ينفي عنه، فتكون لدينا قضايا إما موجبة وإما سالبة، أو تكون إما صادقة وإما كاذبة " .

ونلاحظ مع بعض الباحثين، أن هذا القانون يقوم علي حصر كل ما في الكون في فئة أوفي نقيضها، الذي يصدق علي مالا تصدق عليه الفئة، بحيث لا يبقي أي شيء في الكون، لا يندرج تحت الفئة أو تحت نقيضها، فليس هناك أي وسط بين الفئة ونقيضها، وليس هناك أي احتمال آخر، يمكن أن يكونه الشئ، فيندرج تحت ثالث ليس هو الفئة، وليس هو نقيضها، أو أن يتصف بصفة ثالثة، ليست هي الصفة أو نقيضها . فهو يقرر مثلاً، أنه ليس هناك ثالث ممكن بين الوجود والعدم، فالشيء إما موجود وإما غير موجود، أو بين الصدق والكذب، فالقضية إما صادقة وإما كاذبة .

وقد دافع الرواقيون عن قانون الثالث المرفوع، وذلك لارتباطه بمبدأ الحتمية Determinism التي كانوا من أنصارها في موقفهم الفلسفي القائم علي أن الكون محكوم بقانون القدر الصارم الذي لا يسمح بأي استثناء. إذ لابد وأن تكون اختيارات الإنسان في الحياة اختيارا لما هو ضروري . ولذلك نراهم يعلقون أهمية كبيرة علي قانون الثالث المرفوع في الصورة الاستدلالية: إما الأول أو ليس الأول، واستخدموه في البرهنة علي قانون النفي المزدوج أو تكافؤ القضية مع نفي نفيها، بالاستعانة باللامبرهنتين الرابعة (إما أن يكون الأول أو الثاني، ولكن الأول، إذن ليس الثاني ) والخامسة (إما أن يكون الأول أو الثاني، ولكن ليس الثاني، إذن الأول). ففي المبرهنة " إما الأول وإما ليـس الأول، ولكـن الأول، إذن لي ليس الأول "، وصلوا إلي البرهنة علي إدخال النفي المزدوج بالاستعانة باللامبرهنة الرابعة، أو بضرب النفي بالإثبات، وفي المبرهنة:" إما الأول وإما ليس الأول، ولكن ليس ليس الأول، إذن الأول " وصلوا إلي البرهنة علي حذف النفي المزوج بالاستعانة باللامبرهنة الخامسة أو بضرب الإثبات بالنفي وبذلك برهنوا علي قاعدتي النفي المزدوج .

أما في تراثنا العربى – الإسلامي، فقد تمسك المناطقة العرب بقانون الثالث المرفوع ، فنجدهم يأخذون به حين يعرفون القضية بأنها قول يمكن أن يقال لقائله، إما أن يكون صادقاً فيه أو كاذباً، وبعبارة ابسط هي جملة خبرية تحتمل الصدق أو الكذب . ولذلك أطلقوا علي القضية اسم " القول الجازم " ذلك لأن القول الجازم يقال لجميع ما هو صادق أو كاذب، أما الأقاويل الأخرى، فلا يقال لشيء منها أنه جازم، كما لا يقال أنه صادق أو كاذب .

وأما في العصور الوسطي المسيحية، فنجد القديس أبيلارد Abelard ( 1079 – 1142 )، يأخذ بقانون الثالث المرفوع، حيث يستند إليه في قاعدتيه، اللتين تكون ما يسمي الآن بجدول صدق عامل النفي، وأعنى القاعدتين "إذا كان الإثبات صادقاً، فإن النفي يكون كاذباً، وإذا كان النفي صادقاً، فإن الإثبات يكون كاذبا "، كما برهن أبيلارد علي تكافؤ القاعدتين المعروفتين تحت اسم "الإثبات بالإثبات " واسم "النفي بالنفي"، وعلي إمكانية اشتقاق كل منهما من الأخرى بواسطة الرد إلي المحال أو برهان الخلف الذي يستند إلي التسليم بقانون الثالث المرفوع، وبثنائية القيم، وبقانون عدم التناقض.

وإذا انتقلنا إلي العصور الحديثة، فنجد أن معظم المناطقة الرياضيين برغم أنهم عمدوا إلي تنقية المنطق التقليدي من رواسب اللغة العادية، ليكتسب مزيداً من الصورية برموز خالصة ذات معان ثابتة وبعلاقات رياضية تتسم كما كان الظن الشائع باليقين المطلق، فإنما كان منطلقهم وهدفهم في الوقت ذاته، هو تلك الثنائية الراسخة أو بعبارة أخري هو التمييز بين ما هو صادق وكاذب.

ورغم ما أسهم به المناطقة الرياضيون من تأكيد وتطوير للمعايير المنطقية للصدق، إلا أنهم بتمسكهم بمبدأ الوسط المستبعد؛ حيث إن أي قضية إما أن تكون صادقة أو كاذبة ولا ثالث بينهما لم يتجاوزا المنطق ثنائي القيم، حيث أنهم يستخدمون فقط قيمتين لقضاياهم علي الرغم من أنهم يؤكدون علي أن بعض القضايا في الرياضيات، وفي مجالات أخري لا يمكن أن يقال عنها أنها صادقة أو كاذبة، حيث يرجعون ذلك إما لأنها غير ممكن البرهنة علي صدقها أو كذبها، أو لأنها تؤدى إلي تناقضات فى حالة إذا ما نسبنا إليها آياً من هاتين القيمتين .

وتعد نظرية " فيرما" مثالاً جيداً علي هذا النوع، حيث ذهب هذا الرياضى الفرنسي الشهير إلي أنه لا يمكن حل المعادلة التالية:

n n    n

X + Y = Z

في حالة ما إذا كانت n >2

وعلي الرغم من الجهود التي بذلها الكثيرون من الرياضيين العظماء، إلا أنه لم يستطيع أحدهم إثبات ما إذا كانت قضية فيرما صادقة أوكاذبة. وهذا يعني أنها تتجاوز نطاق مبدأ الوسط المستبعد.

ولقد أجبر هذا المناطقة علي إيجاد قيم أخري أيضاً لبعض القضايا غير الصدق والكذب . ولقد اتجه المناطقة إلي المفاهيم الموجهة مثل الممكن والمستحيل والمحتمل والضروري، حيث أن مثل هذه القيم يمكن أن تنسب للقضايا التي ليست صادقة  ولا كاذبة، كما تم التوسع أيضاً في فكرة الجهة نفسها عن طريق إضافة مفاهيم أخري مثل مفهوم " لا معني له "Senseless ومفهوم العبثAbsurd .

وقد جرت عادة الباحثين علي أن يسموا المنطق الذى يعول علي قانون الثالث المرفوع باسم "المنطق الثنائي "، نظراً لاعتماده من وجهه النظر المنطقية الرياضية علي نسق ثنائى القيم، مهما يكن المعني المنسوب لهاتين القيمتين . وبالمثل أيضاً، فإن المنطق الذى يسمح بوجود ثلاث قيم سوف يسمي بالمنطق ثلاثي القيم،Three-Valued Logic، بينما المنطق الذي يسمى بأربع قيم فيسمي بالمنطق رباعي القيمFour Valued Logic..الخ، ومثل هذا يقال أيضاً عن المنطق الذى يسلم بوجود عدد لا متناهي من القيم يسمي بالمنطق متعدد القيم Many-Valued logic .

ولقد خطا المنطق متعدد القيم أولي خطواته التصويرية علي يد" تشارلز بيرس "Perce C.S..(1839-1914)، حيث قام بيرس بجهود منفردة ومستقلة عن أعلام المنطق الحديث أمثال فريجة Frege (1848 – 1925) و" راسل"Russell (1872 – 1970)،" ووايتهد" Whithead(1861-1947)، لتطوير الجهاز الرمزي المنطقي وسد ثغرات المنطق القديم، فساهم مثلاً في إقامة أولى نظريات المنطق الرمزي، وهى نظرية حساب القضايا Calculus of Propositions ووضع بعض قوانينها . وإليه يرجع الفضل في إقامة نظرية حساب العلاقات، بادئاً من تلك الإشارات والتوجيهات التي قدمها "دى مورجان " De Morgan (1806-1887). وفضلاً عن ذلك استخدام بيرس قوائم الصدق ثنائية القيمة، وقد قادته هذه القوائم إلى تصور إمكانية بناء قوائم أخرى تتسع لقيمة صدق ثالثة، هادفاً بذلك إلى تعميم المنطق ثنائي القيم بمجاله المحدود،ليصبح أكثر فعالية إزاء قضايا لا نستطيع الحكم عليها بالصدق أو بالكذب. غير أن بيرس لم يعمد إلى استكمال هذا البناء المنطقي الجديد، ولم يكن يتوقع لهذا البناء أن يصبح فى يوم من الأيام حقيقة واقعة لها كل هذا الذيوع التكنولوجي .

أما البداية الأكثر وضوحاً للمنطق متعدد القيم، فقد تمت على يد العالم الرياضى والمنطقى البولونى "يان لوكاشِيفتشِ" Jan Luckasiewicz (1878-1956)،وذلك حين وضع عام 1920 نسقاً منطقياً للقضايا ذا ثلاث قيم، وقد استوحي تصوره لهذا النسق من معالجة أرسطو للحوادث الممكنة المستقبلةFuture Contingencies  في كتابه " "العبارة"، وكان لوكاشِيفتشِ يرمى من إنشاء نسق منطقي ثلاثي القيم إلى صياغة نظرية تحتوى على القوانين التقليدية في المنطق الموجه . وقد حاول أيضاً إنشاء ذلك النسق من أجل أن يتغلب على مذهب الحتمية الفلسفي القائم على مبدأ ثنائية القيم، ولكنه عدُِل فيما بعد عن اعتقاده ذلك، فلم يـَر تعارضاً بين انتفاء الحتمية والمنطق الثنائي القيم. وبعد إنشاء النسق المنطقي الثلاثي القيم صار من الواضح انه يمكن إنشاء نسق رباعي القيم أو خماسي القيم، أو نسق عدد القيم فيه أى عدد نشاء، بل نسق يحتوى ما لا نهاية له من القيم. وكان لوكاشِيفتش ِيعتقد أول الأمر أن النسق الثلاثي القيم والنسق اللامتناهي القيم هما أكثر الأنساق الكثيرة القيم أهمية من الوجهة الفلسفية.فقد كانا يبدوان أقل هذه الأنساق احتياجا إلى التبرير، ولكنه رأى فى النهاية أن يفسر منطق الجهات الأرسطي فى ضوء نسق رباعي القيم، ولا يزال الخلاف قائماً حول مسألة إمكان وضع المنطق الموجه فى إطار نسق كثير القيم، ولكن الأهمية الفلسفية لاكتشاف لوكاشييفتش لا يبدو أنها متوقفة على هذه المسألة. لقد مضى زمن طويل احتلت فيه القــوانين المنطقية منزلة تميزها على غيرها من العلوم الطبيعية . وقيل أحياناً في وصف القوانين المنطقية أنها قبلية (أولية) A priori . وقيل أحياناً أخرى أنها تحليلية Analytic، وكان الغرض من هذين الوصفين هو الإشارة إلى أن قوانين المنطق لا تتصل بالواقع على نحو ما تتصل به قوانين العلوم الطبيعية، ولكن لوكاشِيفتشِ قد بيَن باكتشافه الأنساق المنطقية الكثيرة القيم أن الاحتمالات عديدة أمامنا، حتى لو بلغنا أعلى درجات العموم، كما هو الحال فى منطق القضايا. ذلك أننا إذا أخذنا بمبدأ ثنائية القيم، أو أي مبدأ أخر في عدد القيم، فنحن عرضة لأن يكذبنا الواقع . وإذا كان الأمر كذلك، أمكن اعتبار المنطق أعم العلوم الطبيعية، بحيث يفترضه كل علم طبيعي أخر علي نحو من الأنحاء .

إن المنطق متعدد القيم عند "لوكاشيفيتش" لم يكن سوى استجابة للواقع الثقافي والعلمي المعاصر الذي رفض الحتمية بكل صورها، ليفسح الطريق أمام الممكن والجائز والمحتمل، وغير ذلك من صيغ قد عبرت عنها النظريات المعاصرة في شتى المعارف الإنسانية، الأمر الذي يؤكد أن ما جاء به "لوكاشيفتش" يعد نسقاً منطقياً متطوراً للمنطق الرياضي الكلاسيكي.

ومن الخطأ الاعتقاد بأن المنطق متعدد القيم الذى تبناه "لوكاشيفتش" قد قضى على المنطق ثنائي القيم، بل على العكس من ذلك تماماً،فقد بين "لوكاشيفتش" أن العلاقة بين المنطق الثلاثي القيم والمنطق الثنائي القيم علاقة تحاور وليست علاقة تصادم أو تزاحم. وذلك لأن المنطق متعدد القيم قد أسهم بفاعلية في تعديل قوائم الصدق ثنائية القيمة، علاوة على أن جميع قوانين المنطق الثلاثي القيم هى قوانين في المنطق الثنائي القيم.

ولاشك في أن المنطق متعدد القيم الذي تبناه "لوكاشيفتش" امتاز بتوسيع الإطارات التقليدية بالنسبة للقضايا بعامة، والموجهة بخاصة، فقد أفضى هذا المنطق قيمة على القضية: ~ ق < ق، حيث جعلها تعريفاً للإمكان، وأمكن البرهنة على جميع مبادئ المنطق الموجه، التى أدى البرهنة عليها بالحساب الثنائي القيم إلى نتائج غير مقبولة.

إن تبنى "لوكاشيفتش" لمنطق تعدد القيم لا يخلو من أثر على بعض فلسفات اللغة المعاصرة التى جعلت للألفاظ والعبارات والتراكيب اللغوية معان ودلالات يمكن الخلاف حولها تبعاً لرؤية القارئ دون التقيد بقيمة ثنائية يمكن القطع فيها صدقاً أو كذباً. وبمعنى أخر تعدد الدلالات.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

 

 اكرم جلال كيفيّة أنبعاث الكثرة:

 أمّا الواحد الأوّل (الحق) فَهو الأصل الأعظم ووحدانيّته حقيقيّة وهو الخير المَحض، ليسَ له شبيهٌ يشابهه ولا مَثيل يماثله، والصادر الأوّل عَنِ الواحد هو في حقيقته واحد لكنّه ذو كثرة، وفي ذلك يقول أفلوطين: (ولكن كيف تنبعث منه أشياء كثيرة؟ ألا، إنَّ الأشياء التي تنبعث منه ليس شأنها أن تكون مثله.

 وإن لم تكن مثله، فإنَّها ليست أشرف منه، ولعمري ما عسى أن يكون أشرف من الواحد أو فوقه بوجه من الوجوه؟)1، فالموجود الأوّل وهو دون الواحد الحق وأنَّه نقص منه لذلك فإنَّ وحدته فيها كثرة، وفي هذا يقول أفلوطين:

 (إنّ تلك الأشياء إنَّما هي دون الواحد إذاً؛ وهذا يعني أنَّها نقص منه. وما عسى أن يكون ما هو أنقص من الواحد؟ ألا، إنّه ما هو ليس واحداً؛ فهو ذو كثرة؛ على أنّه يسعى إلى أن يكون واحداً. أنّه واحد ذو كثرة إذاً. فإنّ كلّ ما لا يكون واحداً إنّما يبقى مُتماسكاً بفضل الواحد، وبفضل هذا الواحد يكون كما هو عليه في ذاته: وما لم يُصبح واحداً، إن كان مركّباً من أشياء كثيرة، فإنّا لا نستطيع أن نقول فيه أنّه ((موجود حقاً)).

 وإن كنا نستطيع أن نحكم في كل شيء من هذه الأشياء أنّه واحد، فذلك لأنّ هذا الشيء إنما هو واحد ولأنه يبقى دائماً على ما هو عليه في ذاته. فليس واحجاً بمشاركته للواحد في كيانه، بل إنّه هو الواحد بالذات....)2.

 والكثرةُ في الصادر الأوّل عنِ الواحد الحق هيَ كثرةٌ تتمايز فيما بينها بالعقل فَسُمّيَ الصادر الأوّل بـ"العقل"، بينما أسماه أفلوطين الروح إنطلاقًا من أن تركيب هذا الصادر الذي هو تركيبٌ روحانيّ.

 وأمّا إنبعاث الأشياءِ عن الواحد والتي بيَّنَها أفلوطين من خلال تصنيفه للفعل، فهو يقول أنّ الفعل عبارة عن فعلين، فعلُ الذّات وفعلٌ يَخرج عَنِ الذّات نتيجة قُوّة عظيمة، ففي تاسوعاته يشير إلى هذا المعنى بقوله: (إنَّ الفعل إنّما هو فعلان؛ فعل هو فعل الذات أصلاً، وفعل يخرج من الذات التي يقوم الشيء بها.

 أمّا فعل الذات فهو الشَّيء ذاته محقَقاً في ذاته؛ أمّا الفعل المُنبعث من الذات، فهو ما يجب فيه أن يكون التِبعَ في كل شيء حتماً، وهو آنذاك يختلف عن هذا الشَّيء في ذاته. مثل ذلك مثلما أنّ في النار حرارة تحقّق ذات النار وحرارة تنشأ عنها إذا فعلت النار فعلها المطبوعة عليه ذاتاً مع بقائها ناراً. وكذلك الأمر في الملأ الأعلى أيضا، بل إنّه بالملأ الأعلى أحرى: يبقى الأول في ما هو عليه طبعاً، قائماً في كماله ومع فعله فيُصبح بهما الفعل المولود منه فعلاً قائماً في ذاته لأنّه ناتج عن قوّة عظيمة، لا بل عن القوّة العُظمى بين القوى) 3.

 ونحن في هذا المقام لا نودّ إقحام النص القرآني أو ليِّ عنق الروايات والأحاديث عن المصطفى وأهل بيته عليه وعليهم السلام لنجعلها منسجمة مع فلسفة عقلية روحية أو إثبات رؤية هي محل خلاف بين العلماء، فهذا تحديدًا ما سنشرحه بالتفصيل وسنتوقّف عنده في الفصول القادمة، إنَّما هي قراءة محايدة وعرض لدلالات قرآنية وأحاديث نقدمها من أجل التدبر والتفكر وتوضيح المغزى وإكمال الصورة، من هنا ومن أجل التقريب ما بين النصّ الذي أشار إليه أفلوطين والرؤية الإسلامية في هذا السياق، نشير إلى أنَّ المراد من فعل الذات إنّما هو علم الله تعالى، والفعل الثاني هو أمره بخلق ما هو عالمٌ به بفعله الأوّل، وأنَّ الفعل الثاني إنَّما هو الفيض المقدّس وهو الفيض الإيجادي المرتبط بـ"كُنْ" في الآية المباركة: ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴾، [يس: 82].

 وبإسناده إلى جابر الجعفي، عن أبي جعفر عليه السلام قال:) يا جابر كان الله ولا شيء غيره (و) لا معلوم ولا مجهول، فأوّل ما ابتدأ من خلق خلقه أنْ خَلَقَ محمدًا صلّى الله عليه وآله وخلقنا أهل البيت معه من نور عظمته فأوقفنا أظلة خضراء بين يديه حيث لا سماء ولا أرض ولا مكان ولا ليل ولا نهار ولا شمس ولا قمر يفصل نورنا من نور ربنا كشعاع الشمس من الشمس نسبح الله ونقدسه ونحمده ونعبده حق عبادته، ثم بدا لله أن يخلق المكان فخلقه)4.

 والفعل الذي يَخرج عنِ الذّات كما وَصَفَه أفلوطين هو ثابت في علم الواحد، فَكُنْ هو الأمر في إخراج وإصدار الشيء وهو نابع بالأساس ومُثبّت في فعلهِ الأوّل، فجميع الموجودات إنَّما كانت موجودة في علمهِ الأزليّ، وبفيضٍ من الواحد من خلال القول الإلهي كُنْ تخرج هذه الموجودات، حيث يُشَبّه أفلوطين طريقة إنبعاث الكَثرة مِنَ الواحد كَمَثَل النورالمُنبعث من الضوء، فرغم أنّ الضوء واحد إلّا أنّ النور ينتشر ليشمل أشياء كثيرة.

 فهو يُشَبّه الواحد بالنور، ويشبّه الصادر الأوّل عنه (الروح) بالشمس، والنفس بفلك القمر؛ وهذا التشبيه مردّه إلى أنّ القمر يَستمدّ نوره من الشمس، وأمّا الشمس فإنّ النور الذي فيها إنّما هو الذّات المُشعشعة، فهي الأخرى من أصل النور الذاتي. وفي ذلك يقول أفلوطين: (... وكيف نتصوَّر هذا الأمر الثاني الذي يبقى كذلك حول الواحد؟ نُجيب: نتصوّره على أنّه إشعاع ينبعث من الواحد؛ أجل إنّه ينبعث من الواحد الذي يبقى ثابتاً في ذاته. مثل ذلك مثل الشمس: فإنّ إشعاعها إنَّما يكون من حولها وكأنّه يُحيط بها، وهو ينبعث منها دائماً، ثم تبقى على حالها)5.

 وفي صورة أكثر إشراقًا وتوضيحًا في هذا الشأن، يقول أفلوطين: (وينبغي أن نشبّه الأوّل بالنور، وما يليه بالشمس، والأمر الثالث بفلك القمر الذي يستمد النور من الشَّمس، فإنّ للنَّفس روحًا مكتسبًا وهو الذي ينشر النور عليها ما دامت نورانيّة.

 أمّا الروح فإنَّ الروحانيّة حقيقة في ذاتها؛ وليس نورًا خالصًا بل إنَّه الذات المُشعشِعة بالنور في صميمها. ثُمَّ إنّ الذي يمدّ الروح بالنور، ما دام هو ليس شيئًا غير النور، فإنّه هو النور الصافي البسيط الذي يجعل الروح قادرًا على أن يكون ما هو عليه في ذاته..)6.

 ولأفلوطين توصيف أخر للأقانيم الثلاثة حينما يصوّرها على أنها دوائر مُثبّتة بشكل تراتبي:

 (.. ثمَّ يأتي بعد الواحد الحقّ والروح. وتلي النفس في حقيقتها في المقام الثالث أخيراً..)7، وكلٌّ إمّا لها نورها أو تستمد نورها بحسب قربها من الواحد الذي تحيطه دائرة تشعَّ نورًا، وحول الواحد دائرة أخرى تستمد نورها من نور الواحد، ثم دائرة ثالثة غير مضيئة تستمد وجودها من الدائرة الثانية، ويقول في هذا الشأن: (.. فالأمر حينئذ مثله في مركز حوله هالة من نور تشعُّ منه، وحولها دائرة ثانية، والكل نور من نور، ثم يلي هاتين الدائرتين دائرة أخرى خالية من النور: إنّها دائرة لا يشعُّ منها النور قطّ، وهي بحاجة إلى أن تستنير بغيرها...)8.

 التراتبيّة بَين الأقانيم الثلاثة:

 وحينما يكونُ الواحدُ هو مُطلق التمام وهو الكمال وأنّ كلّ ما يَصدر منه فهو متكثر وأقل كمالًا، وهو دائم الاحتياج إلى الواحد، فهذا يدلّ على أنَّ هناك تَدرّجًا في مراتب الفيض أو الصدور، فمن المُحال أنْ تَصدر الكثرة عن الواحد مباشرة وبدون واسطة، لقول أفلوطين: (الأشياء التي تنبعث منه - أي الواحد - ليس شأنها أن تكون مثله. وإن لم تكن مثله، فإنها ليست أشرف منه، ولعمري ما عسى أن يكون أشرف من الواحد أو فوقه بوجه من الوجوه؟)9.

 فالنظام التراتبي الذي يُقدّمه أفلوطين طبيعتُهُ التّكامل والتّمايز بين الأقانيم، وحاجة الثاني إلى الأوّل وحاجة الثالث إلى الثاني من أجل بلوغ الأوّل، واستغناء الأوّل عن كلّ شيء، وفي ذلك يقول أفلوطين: (إن كان بعد الأوّل شيء، فهو من هذا الأول حتماً. فإمّا أن يكون منه سواءً بلا توسّط، وإمّا أن يُردّ إليه بتوسّط ما بين الطرفين، فيكون نظام الثواني والثوالث: فالثاني يُردّ إلى الأوَّل، والثالث إلى الثاني. ذلك لأنَّه لابدّ من أن يكون شيء قبل الأشياء كلّها وهو بسيط. فيكون مختلفاً عمّا يتأخر عليه، قائماً في ذاته مع ذاته، ليس مختلطاً بما ينبعث عنه... فهو الواحد حقاً...)10.

 والتراتبيّة بين الثاني والثالث نابعة من التأثُّرِ والتأثير، وأنّ الأقل مرتبة يتأثر بِمَن هو فوقه مرتبة، يقول أفلوطين: (..أمّا الروح فكأنّما هو للنّفس مثالها من حيث إنّه هو صورتها، وهو الأصل الذي يُضفي على النّفس صورتها أيضًا، مثلما أنَّ صانع التمثال ينطوي في ذاته على كلّ ما يحققه في التمثال. أمّا الشيء الذي يمدّ الروح به النفس فإنّه إلى الحقّ قريب؛ أمّا ما يتلقّاه البدن، فليس إلّا محاكاة ورسمًا.

 لماذا يجب أن تتجاوز النَّفس إلى ما فوقها إذاً، ولا نفترضها على أنّها هي الأول؟ نقول أوّلاً إنّ الروح أمر يختلف عن النَّفس وهو أفضل منها؛ وإنّما الأفضل هو الأوّل طبعاً)11.

 إنَّ كلَّ طور من أطوار وما ينتج عنه من فيوضات هو في حقيقته تحرّك وابتعاد عن الواحد الحق واقتراب من الكثرة، فالواحد الحق هو الجوهر والمركز، وحوله تسير باقي الموجودات، ومن فيوضات نوره تُستَمَدّ الأنوار، وهو منبع الفيض لجميع الموجودات في عالَمَي المَعقول والمَحسوس، والروح هو أوّل الدوائر قربًا إلى الواحد وهو يَستمدّ ضياءه مِنْ مَنبع فيوضات الواحد ومن أنواره المُشعّة، وأمّا الدائرة التي تَلي الروح فهي دائرة النفس وهيَ منيرة غير مضيئة تستمد نورها من الواح عن طريق العقل. والدائرة الأخيرة هي الدائرة المظلمة بحكم طبيعتها الماديّة ولا ترتبط بالعقل إلا من خلال النفس.

 جَمَعَ أفلوطين في طرحهِ الفلسفيّ هذا العقلانية الأرسطوية والمثالية الأفلاطونية وَقدَّم فِكرًا هوَ بحق مِن أصعب الأفكار الفلسفيّة، بَل هو عصارة وخلاصة التّمازج بين المدارس الفكرية في الشرق والغرب، وهو ثَمَرة جهودٍ من الترحال والصبر ليكون بين أيدينا فكرًا فلسفيًا يمتلك من العمق والوضوح والتماسك ما يجعله مدرسة فلسفية متألقة.

 لَقَد كانَ لفكر أفلوطين بُعدٌ رحانيٌّ متجذر قلّما نجده في أمثاله من الفلاسفة والمفكرين، فقد كان يصف حال أهل الحب الإلهي وأهلَ الوَجد والجَذب ويبين حقيقة الارتباط مع الواحد الحق وصفًا بليغًا وعميقًا في محتواه، فهو يقول:

 (إن أهل الوجد والجذب يلمُّون إلماماً بأنَّ لديهم أعظم ممّا يطيقون، وإن كانوا لا يعلمون ما هو، فإنّهم، ممّا يجذبهم من جاذب وما ينطقون به من قول، يتلقُّون إحساساً ما بالشّيئ الذي يدفعهم، وهم -وهو- آنذاك غير هذا الشيئ..)12، بَل أنَّ أفلوطين يَصِفُ ما هو أبلغ من ذلك وأعلى مرتبة، فَهو يبين مرتبة الفناء في الذات الإلهيّة، ويشرح طريق الارتباط والأخذ بمراتب التدرج من أجل بلوغ مقام القرب من الواحد، يقول:

 (..وهذا حال أولى بالنَّفس أن تكون عليه، فتمسي متجرِّدة من المثال إن كان شأنها ألّا ينزل فيها حائل يحول بينها وبين أن تحفل وتشعّ بالحقيقة الأولى. وإن بات الأمر كذلك وَجَبَ خَلْع كلّ ما كان في الخارج, وتُوجَّه الوجه إلى الباطن توجّهاً تامّاً خوفاً من المَيْل إلى ما قام في الخارج. بل ينبغي لك أن تَجْهَل الأشياء كلَّها, في حال علاقتها بنا أوَّلاً، ثُمَّ من بعد في مثُلها، وأن تَجهَل أنَّك أنت في مشاهدته قائم. حتى إذا اتَّحدت به وكأنّك أتممت ما له عليك من واجبات قَفَلتَ راجعاً تُخبرُ غيرك، إن استطعت، كيف كان الإتحاد هناك..)13.

 هذا هو الواحد الحق عندما يصفه أفلوطين: (.. أما هو فليس على ما تكون هذه الأمور. بل إنه شيء آخر، أشرف من أن تقول فيه أنه "الحق"، لا بل إنّه أفضل وأعظم من أن تدركه أقوالنا، لأنه هو ذاته أكرم من العقل ومن الروح ومن الأحساس، مادام هو الذي أمدّنا بهذه الأمور، وهو ليس قط منها..)14.

 

د. أكرم جلال

.........................

 المراجع

1- تاسوعات أفلوطين، ص 453.

2- تاسوعات أفلوطين، ص 453.

3- تاسوعات أفلوطين، ص 459.

4- بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 54 - الصفحة 169.

5- تاسوعات أفلوطين، ص 430.

6- تاسوعات أفلوطين، ص 475.

 7- تاسوعات أفلوطين، ص 434.

8- تاسوعات أفلوطين، ص 321.

 9- تاسوعات أفلوطين، ص 453.

10 تاسوعات أفلوطين، ص 457.

11- تاسوعات أفلوطين، ص 497.

 12- تاسوعات أفلوطين، ص 452.

13- تاسوعات أفلوطين، ص 696.

14- تاسوعات أفلوطين، ص 452.

 

 

 

 

حاتم حميد محسندائما ما ننسى ان هناك طريقة اخرى لإقرار العدالة بدلا من تصميم الجواب لكل مشكلة بواسطة القوانين. مفهوم الإفتاء القضائي القائم على معالجة كل حالة بحالة يسمى( casuistry)(1) وهو يقف بالضد من القوانين. انها ممارسة تتناول كل حالة وقت بروزها باستخدام الحكم لتمييز الاستنتاج الصحيح بينما تسمح بمساحة كبيرة للظروف الملطفة او الضارة . انها ليست تكنيك، وانما حالة ذهنية. انها تستلزم اتخاذ بضع خطوات للوراء والتفكير حول ما نرى ونسمع بعيوننا وآذاننا بدلا من محاولة موائمة الظروف مع التعاريف الصارمة  في كتب القانون. القضاة الذين يمارسون الإفتاء القضائي يضعون حدسهم وأحكامهم قبل ما هو مكتوب في القوانين التي جمعها الناس في أماكن بعيدة.

الإفتاء القضائي يتطلب تحولا فكريا كبيرا من الفقه "الكلاسيكي" الى "الكوانتم" (2). نحن اعتدنا رؤية قضايا المحاكم كمعادلات رياضية حيث تمتلئ الصيغ القانونية بالمعلومات وتصدر النتائج بأحكام "الادانة" او "البراءة" . غير ان الإفتاء القضائي ينظر في القضايا وفقا للعلاقات بين اناس يشعرون بظلم وهو يتطلب تطبيق حذر ومدروس وواسع الخيال لحكم عادل من أجل تصحيح الخطأ وإعادة جميع الاطراف الى الفضيلة الطيبة مع بعضهم البعض بأفضل ما يمكن القيام به. في ظل الإفتاء القضائي، ، تكون العدالة هي عمل مستمر  فيه  الكثير من اللون الرمادي الممتزج بالأبيض والأسود. لايوجد هناك يقين نيوتني وانما تقريب هيزنبيرجي(3).

الأحكام القديمة

قبل 24 قرنا، رأى ارسطو ان العدالة الحقيقية لا يمكن ان تكون فقط كسؤال حول عمل إقرارات ذات طبيعة شمولية سلفا، ثم نسمي هذه الأقوال المعممة بـ "قوانين" ومن ثم نحشر كل حالة او قضية في كل ما تقوله القوانين. السبب الذي جعل ارسطو يشكك بهذه الاستدلالات المعممة مرتبط برفضه لأفكار استاذه افلاطون. حاول افلاطون فهم الهوية المشتركة لنماذج من صنف معين – لماذا، على سبيل المثال، الاجاص يتخذ نفس الشكل والذوق والمظهر. هو افترض انه لكل صنف هناك "شكل" تام وُجد في ما وراء عالم الحواس يحصل منه كل مثال واقعي غير تام على هويته. الاجاص في عالمنا هو نسخة غير تامة للشكل الأبدي للاجاص في عالم الاشكال، كما يعتقد افلاطون. بنفس الطريقة هناك شكل للخيل والقطط والسفن وكل شيء آخر يمكن ان نراه او نسمعه او نلمسه. وبالنتيجة، بالنسبة للافلاطونيين، اذا اردت الوصول الى الحقيقة العميقة للاشياء يجب عليك التجريد بعيدا عن العالم المادي. ارسطو رفض هذا الاتجاه الميتافيزيقي الجاهز، وتبنّى طريقة تفكير تصاعدية حول العالم. احدى ذروات تفكير ارسطو الغير افلاطوني تكمن في عالم الاخلاق، او في الطريقة التي يجب ان يتصرف بها الناس. في كتابه (الاخلاق النيقوماخية)،  جادل ارسطو ان الناس يقومون بأشياء لأنهم بالنهاية يريدون ان يكونوا سعداء. المشكلة هي، عدم وجود شكل افلاطوني للسعادة .هذا بسبب عدم وجود شيء واحد للسعادة او يشكّل السعادة. انت عليك معرفته . وعموما، الناس لم يولدوا يعرفون ما يقومون به في كل موقف حسب ارسطو. نحن لدينا ميل طبيعي نحو الخير والسعادة والحقيقة، لكننا لانزال علينا ان نوجّه ونرشد كل التعقيدات المتغيرة للحياة اليومية لكي نصل الى افضل الحلول للمشاكل على طول الطريق. بالنسبة لارسطو، هذه النزعة نحو عمل الخير سميت الفضيلة وهي نوع من عادة التميّز التي يمكن للمرء جعلها تزدهر من خلال الممارسة الواعية في عالم الخيارات والنتائج. ارسطو كان عليه العمل بمشقة لتوضيح هذا لمعاصريه، لأن افلاطون والعديد من الفلاسفة الآخرين وقعوا تحت تأثير سحر الهندسة. الناس الاذكياء بدأوا يعتقدون بأن الأخلاق يمكن التفكير بها تماما مثل مساحة المثلث او نصف قطر المخروط . انت عليك اولاً ان تعرف الشكل من بين ما تراه، ثم تعرف كيف تدير صيغة المعادلة، حتى تصل الى "العدالة".

الخطأ في هذا هو ان الناس هم اكثر تعقيدا من المضلعات. هم يعيشون ضمن حياة فوضوية. لايخضعون جيدا للصيغ. لايوجد هناك جذر تربيعي للعدالة، ولا أطول ظلع للمثلث في المساواة. لذا، اذا كنت تريد عمل الشيء الصحيح  لشخص ما ارتكب خطأ، عندئذ عليك ان ترفض النظر الى اللّاعدالة كشيء يمكن معرفته باستخدام كرات العد. ليس كل شيء أخلاقي يمكن إدخاله ضمن أصناف. هذا يعني انت عليك ان تكون مستمع جيد اي بمعنى ان تكون قاضي تبريري جيد. انت لاتستطيع الوصول الى العدالة عبر التفكير كالاختصاصي بالهندسة.

لوك وهنري الثاني

مثلما في ايام ارسطو وافلاطون، بقيت الهندسة تمارس تأثيرا غير مناسب على افكارنا عن العدالة. رغم ان الناس عادة لايؤطرون حججهم القانونية باشارات صريحة لإقليدس او لنظرية فيثاغوروس، لكن النتيجة النهائية هي حول نفس الشيء: نحن نرى العدالة كنوع من الصيغ، معادلة، برهان. لو جعلنا المدخلات الاولى صحيحة فسيتبع ذلك حتما الجواب الصحيح. جون لوك(1632-1704) اعتقد اننا بامكاننا في النهاية الوصول الى أخلاق في الجبر(الرياضي).

غير ان ذلك لم يكن دائما. في القوانين العرفية الانجلوسكسونية، مثلا، كانت العدالة هي ما نسميه الآن السلعة المحلية – انت تحصل عليها من جماعتك او من معارفك او زملائك وليس عبر تطبيق الصياغات الشاذة والنمطية من كتب القانون التي يعلوها الغبار. وكما يذكر آرثر هوغ في أصل القانون العرفي (1986)، ان القانون في انجلترا القرون الوسطى كان "رباط المجتمع المدني". كان هناك ايضا تنوع كبير في المحاكم، العلمانية والكنسية، والقضاة مالوا لإتخاذ قرارات تخريج قضائي تفيد كل من الجماعة والفرد طبقا للعادات. بعدها جاءت المركزية. المركزية السياسية كانت ناقوس الخطر للإفتاء القضائي. بدءاً من الملك هنري الثاني (1133-1189)، خضعت انجلترا، كما يقول هوغ تحت تأثير، "ازمة سياسية" أسست دائما سمة النظام القانوني. انطلاقا من (رسالة حول القوانين والعادات في مملكة انجلترا، 1187)، كان هنري الثاني ووزرائه وقضاته قادرين على التصرف بسلطة مطلقة عندما صمموا الاجراءات لجمع الضرائب وتهيئة القوات العسكرية وحفظ السجلات وحراسة الارياف ومعاقبة المتسببين باضطراب لـ "سلام الملك". نتذكر خط ماكس ويبر حول امتلاك الدولة الحديثة لـ "احتكار العنف". في الارياف البعيدة جدا في انجلترا، يكتب هوغ، "ان القضاة الملكيين والعمداء والمفوضين درّبوا الرجل الانجليزي من كل الطبقات على اجراءات الحكومة الملكية وعلى قانون الاراضي". الناس فقدوا الحرية عندما تضخمت سلطة الدولة المركزية . قانون غراشيم يؤكد ان العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة. قانون هنري الثاني، يؤمن ان الدول المركزية تطرد العدالة. الإفتاء القضائي فشل في الاستمرار لأن الدولة الادارية تدس انفها في كل مظاهر الحياة اليومية. ان انفجار القوانين اثناء وبعد حكم الملك هنري الثاني لم يكن صدفة. تمركز السلطة يتضمن بالضرورة زيادة التشريع.

ان تضخم سلطة الملوك ولاحقا رؤساء الوزارات والرؤساء قاد الى طريقة لتصور الناس ضمن عالم كأفراد بدلا من أعضاء في مجتمع عضوي. توقعات السلوك المرتكزة على الجماعة سواء بالنسبة للفرد او الآخرين جرى إعادة تسويقها كـ "حقوق طبيعية"، اي بمعنى، سلطة تورث للفرد دون إعتبار للجالية. وفي النهاية، كل واحد اصبح حاكما خاصا يمكن ان تُحكم امتيازاته المطلقة فقط بواسطة حاكم اكبر، الملك الحقيقي. الفيلسوف الصيني القانوني هان فيز (279-233 ق.م) اعتقد ان الناس كانوا اشرارا ويحتاجون لتقييدهم بالقانون والعقوبة لإبقائهم على الخط. ونفس الشيء، في ليفثيان، هوبز (1588-1679) اقترح  الدولة كقوة قمعية نهائية لإبقاء المتمردين الافراد تحت السيطرة. يبدو كلما كان الفلاسفة والديماغوجيون اكثر منداة بالحرية، وكانت متاريس الإفتاء القضائي مغمورة بالمياه، كلما كان الانسان اكثر اتشاحا بظلال الدولة.

حكم الدول

الفيلسوف السياسي ميشيل اوكشوت (1901-1990) رأى ان فرنسيس باكون (1561-1626) المعاصر لهوبز اول من تبنّى الرؤية بان أعضاء الجماعة هم "مواطنين"اصحاب حقوق في ظل تأثير نظرية هيمنة  (الدولة) لهوبز. حالما تستطيع الدول إلغاء العرف  وتضع قواعدها الخاصة، فان عدالة الإفتاء القضائي تكون قد دُفنت تحت شهادات القضاء المركزية والرطانة القانونية الخالية من المعنى.

وهنا مثال عن كيفية عمل ذلك. في ظل القانون العرفي، امتلكت المحاكم في انجلترا ما اسماه اوكشوت "سلطة القضاء"، او الحق بتقرير الحالات الشائكة حين بروزها. اذا كانت لديك مشكلة،  كما لو ان شخص ما قتل قريب لك او سرق بقرتك او كسر بيتك او اختطف ابنك، عندئذ يمكنك الذهاب الى القاضي المحلي وسيعطيك قرارا، طبقا للعادة، والسوابق والظروف، وهو الامر الذي سيصحح ما حدث من خطأ. هنا القانون كان ثابتا، مشخصا، تراكميا، رجعيا، وحذرا. انه لا يتغير لكي يتناسب مع راحة الدولة. غير ان اوكشوت يجادل، في ان الادارة المركزية الجديدة التي بدأت في ظل حكومة هنري الثاني ادّعت الحكومات لنفسها بغير حق سلطة تجاوز القضاء ووضع قوانين جديدة. هذا النظام المركزي للدولة  يصف الكيفية التي تحكم بها الدول بالقانون. وكما يكتب اوكشوت في محاضرات في تاريخ الفكر السياسي (1967):"لا شيء يميز الدولة الاوربية الحديثة عن الجماعة السياسية في القرون الوسطى (او حقا عن اي جماعة تاريخية اخرى) اكثر من الحرية والثقة التي تضع بها الحكومة قانونا جديدا، انتظامية ودقة العملية التي يُصنع بها القانون، والفرق الدقيق بين ماهو القانون وما هو غير القانون .. الخصائص المتميزة للدولة الاوربية الحديثة هي ان تعترف بتفوق القانون التشريعي وان تعتبر كل القوانين الاخرى سلطوية كونها لم تتغير او تُلغى بقانون تشريعي.

ان نتيجة هذا كانت عميقة وسيئة. الأثر المباشر لهذا كان العبودية. في (القانون والثورة:تكوين التقاليد القانونية الغربية، 1983) يجادل هارولد بيرمان انه بينما وُجدت العبودية في انجلترا في القرون الوسطى، خاصة بعد الاضطرابات الاجتماعية التي رافقت الاحتلال النورماندي والحملات الصليبية في القرنين 11 و 12، لكن في عام 1300 اصبح الفلاحون جزءا من نظام القنانة.

القنانة قد لا تكون مهنة الاختيار للعديد من الناس، لكنها كانت شيئا افضل من كونك عبدا رق. ولكن كيف اصبحت العبودية القانونية ممكنة في المقام الاول؟ خلال سلطة التشريع وفي ظل الإفتاء القضائي، كانت العبودية في انجلترا يصعب التمسك بها. انسانية العبد واضحة للعديد من القضاة، ولهذا فان العبودية مهيئة للانهيار امام صخرة الإفتاء القضائي. وبالعكس، المركزية هي عملية اُنتزعت بواسطتها الانسانية من القانون لكي تستطيع الدولة ان تحكم بدون عوائق.

طبقا للموقف التشريعي، العبد الرق في المزارع وفي حقول قصب السكر  يمكن اختزاله الى مجرد رقم، فقط مع ما يكفي من انسانيته لكي يتلائم مع المعادلات القانونية . بكلمة اخرى، الانسان في غرف المحاكم على الورق اصبح عبدا. في الحقيقة، عندما استحوذ الحاكم على السلطة القضائية، نتجت جميع الاشكال اللاانسانية . فمثلا، عندما تحرّر دريد سكوت من قبل القاضي المحلي في ميسوري، قامت الدولة المركزية بإرساله مرة اخرى الى العبودية.

الإفتاء القضائي الآن ولاحقا

الإفتاء القضائي هو غير مرغوب، ولكن عدم التفكير فيه هو اكثر غرابة. نحن نعيش في زمن التعددية الكبيرة، وزيادة التعددية الثقافية، والقوميات العابرة والمعولمة. نحن يجب ان نكون مرتاحين جدا في ان يكون هناك اكثر من طريقة لعمل الأشياء. الإفتاء القضائي هو إعتراف بأن القانون، على الصفحة،  قد يبدو أسودا او أبيضا، ولكن في الحياة الواقعية نحن عادة ننجرف في بحر من الرمادية. التأرجح هنا وهناك كحطام السفينة هو اشارة لما تتطلبه منا النزاهة الأخلاقية، ونحن كلانا يجب ان نهتم ونريد التصرف بنبل ومساواة. الاشياء ليست دائما سهلة الفهم. لذا فان الإفتاء القضائي يأخذ محدودياتنا البشرية بالإعتبار عبر السماح لرغباتنا الانسانية المتساوية بعمل الأشياء الصحيحة بأحسن طريقة ممكنة. الإفتاء هو حكم، وهذا الحكم عندما يأخذ الوقت والشجاعة الكافيين فهو سيكون احد الاشياء التي نستطيع آدائها بأفضل وجه . الإفتاء يجب ان يكون طريقة للانخراط بالعالم المألوف. وفي خلفية الحديث عن الأحكام والظروف نجد كانط (1724-1804) كان صائبا عندما جادل  في كتابه (اساس لميتافيزيقا الاخلاق) باننا يجب ان نعامل الناس كغايات وليس كوسيلة. هذا بالضبط ما يتحدث عنه الإفتاء القضائي. كانط  مع ذلك كان مخطئا حين جادل بان كل قراراتنا الاخلاقية يجب ان تحمل وزن الأخلاق المطلقة. الاخلاق المطلقة تعني اننا عندما نقرر شيئا بطريقة واحدة  فنحن نلتزم به ويجب على كل شخص ان يقرر نفس الشيء بنفس الطريقة في جميع الظروف المتشابهة. ليس من باب الصدفة ان هذا يبدو يشبه التشريع. حقا، ان اتّباع الاخلاق المطلقة يعني كيف نحصل على ربع مليون صفحة من قانون الولايات المتحدة، كل صفحة تقول ان الاشياء يجب ان تتم بطريقة معينة لكل موقف محتمل. هذا ربما يُعد استبدادا اخلاقيا من النوع الذي لم يشهده العالم من قبل.

الإفتاء القضائي كما يفهمه الغرب اليوم جاء كرد فعل لهذا النوع من الاستبداد الاخلاقي. في القرن السابع عشر، أدخل الثيولوجي الهولندي كورنيلاين (1585-1638) عنصر الاستبداد المكثف في الحياة الكاثوليكية. كما في الكالفينيين البروتستانت والقانونيين الصينيين، فان اليانسينيين اعتقدوا ان الناس بطبعهم فاسدين. هم يحتاجون الى الكثير من الأحكام لجعلهم تحت السيطرة. المناوئون لليانسينيين في الكاثوليكية كانوا اليسوعيون الذين كانت لديهم تجربة كمبشرين بين الثقافات الاخرى، حيث الفهم الجيد كان ذو قيمة كبيرة في تقرير أي العادات تتماشى او لا تتماشى مع الكنيسة الكاثوليكية. بعد ذلك بدأ اليسوعيون  تطبيق هذا الفهم في اوربا. ولفترة ما، بدا كأن اليسوعيين ربما يلطّفون من حماسة التشريعات اليانسينية. وحالا، بدأ الإفتاء القضائي اليسوعي يفسد . فمثلا، عندما اعترف البعض بذنبهم للقس اليسوعي، قام الاتباع ذوي القدرات المالية الكبيرة بالتبرع الكبير للنظام اليسوعي وسُمح لهم بدون توبة او تكفير حتى لمرتكبي المخالفات، بينما الناس الفقراء كان عليهم عمل التكفير الصارم. باسكال (1623-1662) الفيسلسوف الفرنسي أدان اليسوعيين على هذا. الإفتاء القضائي اصبحت له رائحة كريهة،  وحتى اليوم يُواجه بنفس الادانة.

في العقود الاخيرة، بدأ بعض الفلاسفة والمفكرين القانونيين يجادلون بان الإفتاء يستحق فرصة اخرى. في عام 1903 تحدّث الاخلاقي  مور (1873-1958) عاليا عنه في رسالته مبادئ الاخلاق. حتى بعد ذلك، بقي الإفتاء معظمه يعمل وراء قناع التخصص السرّي حتى أعوام السبعينات والثمانينات من القرن الماضي عندما جسّدت أخلاق علم الأحياء تحديا جديدا للتشريعات الهندسية والافلاطونية والمركزية. وأثارت مختلف الاسئلة المستعصية، مثل منْ يمتلك البويضات غير المخصبة؟ كم المدة التي يجب بها إبقاء المريض الذي بلا دماغ حيا؟ من يجب ان يستلم القلب المتبرع به او الكلية او الكبد؟

كافح المفكرون لأجل طرق لمعرفة الشيء الصحيح الذي يعمل عندما لاتوجد هناك قوانين واضحة يمكن اتّباعها. في أواخر السبعينات من القرن الماضي، اشتبك الفيلسوف ستيفن تولمن (1922-2009) والبايولوجي الاخلاقي البرت جونسن(1931) مع هذه الأنواع من الأسئلة كجزء من عملهم في هيئة وطنية لحماية الناس من البحوث البايوطبية والسلوكية في الولايات المتحدة. استنتاجاتهما خاصة بالنسبة لتولمن كانت ان الاتجاه الرياضي في الأخلاق قاد الى صياغات شكلية قاسية كانت مخالفة للعدالة. هما جادلا بان المطلوب هو العودة الى ظرفية مرنة: العودة الى الإفتاء القضائي. هذا الاتجاه لم يكن بلا نقاد. البعض يخشى ان التراجع عن التشريع سيفتح الباب امام المحاكم لارتكاب الاساءات – بمعنى ان القضاة سيتوحشون ان لم يوضعوا تحت مقود الدولة. ولكن يبدو من المحتمل جدا ان السياسيين وليس القضاة هم من سينخرط  باساءة استخدام سلطة القانون. اللوبيون يكتبون القوانين التي يختمها المشرعون وهذا يؤثر سلبا على ملايين الناس، حيث ان القاضي السيء من الضروري ان يُقيّد في مقدرته على الايذاء. ربما حكم سيء واحد  يسبب الخراب لعائلة كاملة. قانون سيء واحد يمكن ان يغرق البلد. آخرون ربما يقولون ان الاجتهاد القضائي يقلل من خطورة الجرائم. لكن سؤال العدالة ليس فقط حول ما قام به شخص ما وانما ايضا حول لماذا قام بذلك وماذا يجب ان يحصل الآن.

وفي نظرة اكبر، السؤال هو، منْ يستفيد من الإحتكار بشأن العدالة؟ هل المحاكم تتأسس للحفاظ على سلام الناس ام لأجل سلام الرؤساء. الإفتاء القضائي يعيد السيادة للجيران المصابين بالاذى . في ظل الافتاء القضائي، الجاليات ذاتها تتعامل مع اولئك المتهمين بتعكير سلام الجماعة او إيذاء احد أعضاءها. لو حصل اي شيء، فان الناس المحليين وليس السياسيين في واشنطن او في اي عاصمة اخرى، هم الاكثر معرفة بالكلفة الحقيقية للجرائم في منطقتهم. في كتابه الصادر عام 1953 (البحث عن جالية: دراسة في اخلاق النظام والحرية) للسوسيولوجي روبرت نيبست يفصّل كيف ان الدولة المركزية أضعفت الجماعات المحلية. اذا كانت اطروحة نيبست صحيحة، عندئذ فان الدولة هي آخر مكان يجب ان نبحث فيه عن طرق للشفاء. ربما الوقت مناسب لإعطاء فرصة ثانية للإفتاء القضائي، للفضيلة الارسطية في عمل الاشياء الصحيحة بطريقة صحيحة وفي الوقت الصحيح حالة بحالة. ربما هذه هي الطريقة التي ننتقل بها من القانون الى الحرية والعدالة لجميع الناس.

 

حاتم حميد محسن

..........................

الهوامش

(1) casuistry هي عملية تفكير تسعى لحل المشاكل الاخلاقية عبر استخلاص او تمديد القواعد النظرية من حالة معينة.هذه الطريقة تُمارس في الأخلاق التطبيقية.انها طريقة لحل مشاكل الالتزامات عبر تطبيق مبادئ عامة للاخلاق او الدين على حالات معينة للسلوك الانساني. بدأ تطبيق الإفتاء القضائي منذ ايام ارسطو، ثم لاحقا من قبل جمعية يسوع (1550-1650).الانسكلوبيديا البريطانية لعام 1900 اعتبرت الاجتهاد القضائي محاولة لتحقيق غايات نزيهة بوسائل غير نزيهة. الفلسفات الاخلاقية كالنفعية والبراجماتية اُعتبرت نموذجا لإستخدام هذه الطريقة من الإفتاء .

(2) في الفيزياء الكلاسيكية هناك سببية ومعرفة تامة بالماضي يسمحان بحساب المستقبل، وهو عكس ما هو عليه الحال في فيزياء الكوانتم، حيث الاشياء في فيزياء الكوانتم لا هي جسيمات ولا هي موجات، انها مزيج غريب من الاثنين. معرفتنا التامة في الماضي تفيدنا فقط في عمل تنبؤات محتملة للمستقبل.في الفيزياء الكلاسيكية، يمكن لقنبلتين بصمامين كهربائيين متشابهين ان ينفجرا في وقت واحد، اما في فيزياء الكوانتم، فان ذرتين مشعتين متشابهتين تماما سينفجران في اوقات مختلفة.

(3) وفق فيزياء نيوتن الكون يعمل كالساعة، كل شيء يتبع قوانين دقيقة وصارمة في حركته، لذا فان التنبؤات تكون سهلة لو عرفنا الظروف السائدة في نقطة البداية. اما مبدأ اللايقين لعالم الفيزياء الألماني هيزنبيرغ فهو يؤكد على الغموض والضبابية في الطبيعة. المبدأ يؤكد اننا لا نستطيع قياس الموقع (س) وقوة الحركة (ص) لجسيم معين بدقة مطلقة. كلما كانت معرفتنا اكثر دقة بأحد القيمتين، تكون معرفتنا أقل بالقيمة الاخرى.

 

 

نابي بوعلي"إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد:11].

مقدمة: رغم الفارق الزمني بيننا وبين ميلاد مشروع مالك بن نبي حول "شروط النهضة" إلا أن أفكاره ظلت تزحف إلينا متحدية الزمن، لتتصدر الواجهة مع تجدد الهم الحضاري، نظرا لما تحمله من تساؤلات عميقة حول شروط النهضة ومشكلات الحضارة والمعاناة الحضارية، وشروط البناء الحضاري الإسلامي الجديد.. فكيف ننتقل إلى صفحة جديدة من التاريخ؟ متى ندخل نادى الأمم المتقدمة في أفق المستقبل؟ من أين نبدأ النهضة وما شروطها؟

إن هذه التساؤلات تفرض علينا في نظر مالك بن نبي إعادة إحكام سؤال المنهج من أجل تشخيص المرض الذي ظل المجتمع الإسلامي يتألم منه منذ قرون، إذ اكتفت محاولات الإصلاح بالحديث عن أعراض المرض بطريقة مجتزئة ولم تتناول حقيقته، ولم تنفذ إلى صميم مشكلة أزمة النهضة بشكل جذري. إن الصياغة الجديدة للمنهج تضعنا أمام تحدي مواجهة أسئلة عميقة بخصوص شروط النهضة وأدواتها لاستئناف المشروع الحضاري.

إن غرضنا ليس الدفاع عن منهج مالك بن نبي في الإصلاح وغاياته التي يرمي إليها، وإنما أن نفحص التحول الحاصل في موقفه بخصوص المنهج الذي سلكه للتنظير لشروط النهضة في التاريخ انطلاقا من مكتسبات العلم بحكم تكوينه العلمي وهو ما شكل تحولا حاسما في الفهم الجديد لشروط النهضة، إذ رأى أنه قد حان الوقت لأن تتحرك الأمة بطرق إيجابية وعلى أسس علمية وعملية جديدة بما يخدم قضاياها حتي تأخذ مكانها في عالم الشهود لأنها صاحبة رسالة في التاريخ.

  سوف أتناول في هذا المقال إشكالية أساسية، تتمثل في إعادة إحكام سؤال المنهج في الفقه الحضاري من خلال كتاب مالك بن نبي الموسوم بـ" شروط النهضة"، استنادا إلى فرضية أن تغيير المنهج يدخلنا بالضرورة في تصادم قوي مع الواقع لكي نعيد تشكيله من جديد.

وتكمن أهمية هذا الموضوع في التأكيد على حق المسلمين في بناء حضارة خاصة بهم خارج دائرة الحضارة الغربية، وهذا لا يتعارض مع السنن الكونية التي تجعل الحضارة تداول بين الشعوب دون احتكار ودون فرض النماذج الحضارية الأخرى على الحضارة الإسلامية، خاصة مع تصاعد نبرة الخطاب الغربي الذي لم يستطع تصور حضارة خارج إطار حضارة الغرب. وهذا التفكير السنني في بناء الحضارات الذي يقدمه مالك بن نبي يكون قد يفيد في صياغة مقاربات جديدة أكثر فاعلية لتحقيق النهضة، وهي مقاربات تساعد في تركيب رؤية واقعية وموضوعية عن مقصدية الإنسان المستخلف.

1 - عن سؤال النهضة

يعتبر مالك بن نبي من أبرز المفكرين المسلمين الذين انشغلوا بالفكر الحضاري بالمعنى الفلسفي بعد ابن خلدون، وقد تمثل فلسفة التاريخ وفلسفات الحضارة لدي أغلب الفلاسفة الغربيين المعاصرين من أمثال هيجل وماركس وتوينبي واشبنجلر وكسرلنج...، وعمل على هندسة فكرة الاقلاع الحضاري في رحلته الفكرية التي كرس من خلالها جهوده لمشكلات الحضارة ووجهة العالم الإسلامي في تشخيص الأزمة الحضارية، وإمكانية النهوض بالعالم الإسلامي وإدخاله نادي الأمم الحية، حتى يتجه العالم الإسلامي إلى وضعه الطبيعي.

خاض مالك بن نبي نقاشا واسعا ومعقدا يغذيه الطموح الذاتي للتحرر من التخلف والاستعمار، لأنه كان يحمل هموم الأمة الجزائرية بكل إخلاص وتفاني، وعمل من أجل إدراك المقاصد وبلورة مشروع نهضوي مستقبلي لأمة أصابها التآكل من جميع الجهات، وصار حضورها التاريخي يتراجع أمام تقدم الأمم الأخرى. وحتى ولو انصبت دراساته على وضع محدد هو الجزائر، إلا أنها تعدت في أبعادها الإنسانية حدود الجزائر والعالم العربي والإسلامي إلى آفاق واسعة من العالم.

يرى مالك بن نبي أن الأمة الإسلامية تواجه تحديا خطيرا، ولا خيار لها أمام التحدي إلا رفعه، ولا بديل لها عن التحضر كحتمية تاريخية ووجودية. وفي ظل التدافع الحضاري، يكون من حق المسلمين، بل ومن واجبهم البحث عن أسباب الحضارة ومسالك التحضر، وأن يكون لهم مشروعا حضاريا كباقي الحضارات الأخرى، وخاصة المشروع الحضاري الغربي الذي يسعى إلى الهيمنة على الحضارات الأخرى وابتلاع باقي الثقافات في جوف ثقافة واحدة، تلتهم في طريقها كل ما تجده مختلفا عنها ومخالفا لها. في هذا المناخ الفكري والسياق التاريخي المليء بالتناقضات ولد مشروع "شروط النهضة" بإيمان قوي ووعي بما يجري واستشراف لمستقبل الأمة ووجودها بين الأمم، وهو مشروع فكري يطرح على المسلم أعمق الأسئلة وأكثرها خطورة،  تلك الأسئلة التي تحمل في ثناياها هموما نهضوية تحيل بقوة على الواقع والتاريخ، والتي لا تزال تحتفظ براهنتيها وتنتظر الإجابة.

 لذلك يندرج مشروع مالك بن نبي في إطار السؤال المعرفي المتعلق بإشكالية النهضة وشروط البناء الحضاري الإسلامي الجديد، الذي طرحه رواد النهضة والإصلاح لمعالجة الوضع الاجتماعي والحضاري العربي القائم، وضرورة تغييره نحو الأفضل، لأن هذا الواقع لا يعكس آمال وطموحات ورسالة الأمة الإسلامية، وظل هذا الهاجس مدار اشتغال الفكر العربي المعاصر، وظلت المحاولات تصب في إطار سؤال مركزي، هو سؤال النهضة.

يختصر سؤال النهضة عمق الأزمة الحضارية عند المسلمين ملخصة في السؤال الأسطوري: لماذا تخلف المسلمون ولماذا تقدم غيرهم؟ وفي هذا المضمار قدّم مالك بن نبي اجتهادات لتفسير مشكلات الحضارة كغيره من المفكرين العرب الذين تحركوا لتجديد الخطاب التاريخي العربي بعد صدمة الحداثة، وتوسعت هذه الحركة النقدية مع مالك بن نبي ليعيد للمسلم كامل وظيفته في البناء الحضاري حيث نجده يختلف عنهم في التناول المنهجي الذي تميز بالروح الدينية وقوة التحليل العلمي في رحاب فلسفة التاريخ، فقد لاحظ أن الجهود السابقة لم تؤثر بقوة في حركة التاريخ، ولم تحرك طاقات الأمة وتحررها، مما يفرض إعادة قراءة هذا التاريخ منهجيا في ضوء مختلف. ولا يتم ذلك المسعى في نظره إلا من خلال استيعاب حركة التاريخ، ووعيها، بمعنى البحث عن دور ووظيفة الفكر في التاريخ. إن التاريخ في نظره لا يسير بطريقة عفوية كما يعتقد البعض، بل تحكمه قوانين محددة تقوده نحو غايته النهائية. وسؤال النهضة يضعنا أمام المشكلات، فكيف فرضت النهضة نفسها كرهان على الفكر العربي، وكيف تعاطي معها ذلك الفكر؟

ظهر مالك بن نبي رائدا لقراءة الحضارة، متأملا في ظاهرة التخلف والتدهور التي أصابت الأمة الإسلامية والتي استولت عليها الأفكار الأشد عداء للحداثة بالرغم من أنها تحاول النهوض منذ زمن بعيد، متسائلا كيف نرسم طريق المستقبل؟ وكيف نفعّل الطاقات الجامدة؟ وبعد مراجعته للسجلات السابقة " اكتشف قصور الفكر الإصلاحي النهضوي المرتبط بالإسلام وفشله في حل مشكلة النهضة، التي هي في أصلها مشكلة حضارة وليست مشكلة تخلي عن الدين"( بوبكر،ج.(2012) مكانة مالك بن نبي في الحركة الاصلاحية في العالم الاسلامي:254). وهنا بالنسبة للإسلام يقلب مالك بن نبي السؤال منهجيا من الصيغة التقليدية: هل يوجد في الإسلام ما يمنع الإنسان المسلم من التحضر ومسايرة وهج الحضارة إلى الصيغة التالية: هل يوجد في الإسلام أشياء ما تدفع بالمسلم إلى الحضارة؟

 ويجيب أن التاريخ يشهد بأن الاسلام بنى حضارة طيلة ثمانية قرون، وهذا البناء الحضاري الإسلامي هو الذي مثل الجسر الذي عبرت عبره الحضارة إلى زماننا الحالي، أي العصر الجديد، ولولاه لبقيت الإنسانية في العصر القديم جامدة ولم تتقدم أبدا. فالدين عملية ضرورية لبناء الحضارة" ففي الدين توجد عوامل الحضارة وأسباب النهوض، والأمر يعود إلى فهم الدين والتعاطي معه، فالتخلف مثل التحضر يحل بالمسلم وبغير المسلم، والإسلام عامل تحضر إذا تمكن المسلمون من تحريكه نحو الإقلاع والبناء الحضاريين وإلا كيف نفسر تخلف المسلمين وتقدم غيرهم. فالإسلام ليس مجرد شعارات ترفع ونسك تقام وشروح تبرز محاسنه وتفند أقاويل ودعاوى خصومه وأعدائه، بل الأمر يتعلق بالمنهج الإسلامي المتبع من طرف المسلمين في التعاطي مع الواقع والحياة عامة"( بوبكر،ج.(2012) مكانة مالك بن نبي في الحركة الاصلاحية في العالم الاسلامي:254).

 لقد ظلت حركة الإصلاح تعالج مشكلة التخلف انطلاقا من رؤى وأمزجة شخصية وبطريقة جزئية دون تناول المشكل في كليته، ولذلك رأى مالك بن نبي أن الرأي الشخصي أو المزاج أو المهنة غير قادرة منهجيا وعلميا أن تقدم تحليلا موضوعيا في مجال يسيطر عليه الجانب الذاتي، وعلى سبيل المثال فقد" رأي رجل سياسي كجمال الدين الأفغاني: أن المشكلة سياسية تحل بوسائل سياسية، بينما رأي رجل دين كالشيخ محمد عبده أن المشكلة لا تحل إلا بإصلاح العقيدة والوعظ …الخ على حين أن كل هذا التشخيص لا يتناول في الحقيقة المـرض بل يتحدث عن أعراضه"( بن نبي، م(1986) شروط النهضة:41).

 لقد اتخذ مالك بن نبي مسارا عكسيا في الاشتغال على سؤال النهضة بعد أن اكتشف نقائص منهجية وسمت حركتي الإصلاح والنهضة اللتين تناولتا الواقع بطرق جزئية سياسية...إدارية...عقلية...دينية ...تربوية...ايديولوجية... من دون الوقوف على علة المرض، فقرر إعادة إحكام سؤال المنهج، يقول مالك بن نبي" هذه الدراسات تعالج الاستعمار والجهل هنا، والفقر والبؤس هناك، وانعدام التنظيم واختلال الاقتصاد أو السياسة في مناسبة أخرى، ولكن ليس فيها تحليل منهجي للمرض، أعني دراسة مرضية للمجتمع الإسلامي بحيث لا تدع مجالا للظن حول المرض الذي يتألم منه منذ قرون"( بن نبي، م(1986) شروط النهضة:40).

ومن هنا صارت المسألة الأساسية التي تشكل الشغل الشاغل لمالك بن نبي تتمثل في السؤال: كيف نبدأ النهضة؟ كيف تنهض الأمة الإسلامية من جديد؟ وما شروط هذه النهضة المنتظرة؟

من هنا تأتي دعوة مالك بن نبي لتصالح الذات مع التاريخ والالتحام به، من خلال القضاء على أشكال الغربة والاغتراب، وابتكار أنماط جديدة من التفكير الحر البناء، التي سيقودنا حتما إلى معرفة القوانين الأساسية التي يخضع لها تاريخ الإنسان، حتى لا نظل شعوبا مراهقة قاصرة تحتاج إلى غيرها دائما، لا تعرف مرحلة الشباب ولا مرحلة الرجولة، وهو ما يدل بما فيه الكفاية على أن هذا التاريخ الذي نحياه اليوم، قد انحرف عن مساره الطبيعي، وهو بالتالي تاريخ الغياب عن المسرح العالمي والتدافع الإنساني.

لقد صار من الضروري في نظر مالك بن نبي أن ينتصر الإنسان العربي نفسيا وفكريا وثقافيا، وأن يعالج أمراضه من الداخل بالاعتماد على الذات، حتى لا يبقى حالما وهو في حالة اليقظة وما أصعب أحلام اليقظة المنحرفة، ولا بد عليه أن يقتنع بإمكانية تحويل التاريخ تحويلا مفيدا، بعد أن يمتلك المقومات الضرورية لذلك، وفي مقدمتها وعي الصيرورة التاريخية من خلال أبعاد الفكر المختلفة.

2 - أبعاد الأزمة الحضارية:

من الطبيعي قبل الحديث عن النهضة وشروطها لا بد من تحديد معالم أزمة الحضارة في العالم الإسلامي، فالأمة الإسلامية تعيش وضعا مأزوما يتجلى في الحصار والتهديد والتقسيم والتهميش والعدوان المباشر عليها. والملاحظ أنه في الوقت الذي تستفحل الأزمة عندنا وتتعمق، ينجح الغرب في إقامة هوة ويوسعها على الدوام بيننا وبينه ويطوقنا من كل جانب ويحاول إغراقنا أكثر فأكثر في مستنقع التخلف ليهم بالسيطرة على العالم. أمام هذه الصدمة شرع الفكر العربي يشخص ملامح الأزمة المركبة التي يعيشها في شكل تبعية للقوى العظمى، فالمجتمعات العربية تتخبط في دوامة من المشكلات وتبحث عن نفسها في خضم الصراع، وضيعت الكثير من الفرص والوقت لتحقق لنفسها هامشا من الأمن على كل المستويات.

إلى جانب ذلك تعيش أزمة داخلية هي أزمة العلاقة السياسية بين الحاكم والمحكوم وإشكالية تجديد النظم السياسية،  من دون أن ننسى حضور السلطة الكاتمة للأنفاس والمراقبة للخطاب والمهيمنة على كل شيء لاعتقادها أن الحقيقة تتجسد فيها وحدها استنادا إلى ايديولوجيات هرمة. ومن دون الوقوف على علة المرض السياسي في المجتمعات الإسلامية الذي ظل ينتج ويعيد إنتاج ذلك الكائن المغترب عن العالم ويرسم مصيره وتاريخه منذ لحظة ميلاده حتى لحظة فنائه ويكرس منطق التأزم التاريخي، فإن الطريق إلى النهضة يبقى شاقا وطويلا.

إن الغرب عرف النظام الديمقراطي وبلور رؤى سياسية تقوم على حكم الجماعة وتطوير الفضاء العمومي وتوسيع هامش الحريات الفردية والجماعية وضمان الحد الأدنى من حقوق الإنسان وإشاعة ثقافة المواطنة، بينما العقل العربي لم يعرف هذا النظام، بل عرف أنظمة تقوم على قدسية الحاكم وتفرده المطلق، حتى صار التاريخ العربي في معظمه يدون بأسماء الملوك مثل العصر الأموي والعصر العباسي، ويتأسف على استمرار هذه الظاهرة" وما زالت هذه العقيدة الوثنية التي تقدس الأشخاص لا زالت منتشرة في بلاد الإسلام"( بن نبي، م(1986) شروط النهضة:158).

وهنا يلح مالك بن نبي على ضرورة الانتقال من ممارسة البطولة إلى صناعة تاريخ الشعوب.

ثم أزمة التحديات الخارجية التي تعمل على إجهاض كل مسعى نحو التقدم والازدهار حتى تبقى المجتمعات العربية في دائرة التخلف التي يزجها الغرب فيها حتى يتحول الفرق بيننا وبينه إلى عجز حضاري دائم. ففي كل محاولة وفي كل منعطف تاريخي تصطدم الأمة العربية بقوة غاشمة تجهض أي محاولة للنهوض الحضاري، وأخيرا فقدان الرؤية الاستراتيجية الشاملة لتغيير الواقع وذلك من خلال إشراك كل الفاعلين وأهل الاختصاص من أجل انتشال الأمة من وضعية التخلف. فتجاوز حالة التخلف يكون بالنقد العقلاني والوقوف على الأسباب الحقيقية الموضوعية والتاريخية زيادة على امتلاك المعرفة العلمية الجديدة التي تسهم في بناء مشروع تنموي نهضوي متكامل في أبعاده الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفكرية.

3 - من شروط النهضة إلى بناء المشروع الحضاري:

قبل تحديد مفهوم الحضارة وشروط النهضة عند مالك بن نبي، نتوقف عند فكرة مركزية أصيلة شغلت مساحة واسعة من تفكيره، وهي فكرة "القابلية للاستعمار"، والتي يمكن اختصارها في قولنا" لا يوجد استعمار إلا حيث يوجد مُستعمَر"، وكيفية الانتقال من القابلية للاستعمار وتكسير قيوده إلى رحاب النهضة والحضارة التي يؤدي فيها المسلم رسالته.

يرى مالك بن نبي أن "هذه الملاحظة الاجتماعية التي تدعونا لأن نقرر أن الاستعمار ليس من عبث السياسيين، ولا من أفعالهم، بل هو من النفس ذاتها، التي تقبل ذّل الاستعمار، والتي تمكن له في أرضها"( بن نبي، م(1986) شروط النهضة: 31).

لقد أفرد لهذه الفكرة جانبا كبيرا من التحليل والنقد والاستنتاج لفك ألغازها في إطار معالجة الاستعمار والشعوب المستعمرة. يرى مالك بن نبي من خلال تحليل المعامل الاستعماري الذي يوجه مصير الفرد، أن الاستعمار لا يتسلط إلا على الشعوب الضعيفة، لأن المستعمر الطامع يستثمر في التخلف، فلم يحدث تاريخيا أن تعرض شعبا قويا للاستعمار، وهذه إحدى بداهات سنن التاريخ التي ينبغي أن يعيها المسلم، فحيثما يكون الانحطاط يجلب الاستعمار بالضرورة، الذي هو نتيجة حتمية وطبيعية للانحطاط الحضاري. وبالمقابل، وحتى لا نكون مستعمرين يجب أن نتخلص من ظاهرة القابلية للاستعمار. لا يمكن فك عقدة القابلية للاستعمار وغيرها من ملامح الأزمة المركبة التي يعيشها المسلمون إلا بتغيير المحتوى النفسي والعقلي والثقافي للإنسان، والتغلب على المشاكل التي تمهد لقدوم الاستعمار وتفكيك بنيتها، وتفعيل الأفكار بالتوجيه والاستغلال الفاعل وإعادة صياغة الثقافة الإسلامية وعناصرها الأربعة: الأخلاقية، الجمالية، المنطق العملي، والجانب الفني. إن المشكلة لا تكمن في الاستعمار في حد ذاته ولكن في من تتسع نفسه لتقبل ذّل الاستعمار، وهنا يكتشف مالك بن نبي المعامل الداخلي في مقابل المعامل الاستعماري الخارجي في الفرد الذي يقبل على نفسه الاستعمار، ولا يتحرر الإنسان من ذلك ليرفع عن نفسه مظلمة القابلية للاستعمار إلا برفع شعار" أخرجوا المستعمر من أنفسكم يخرج من أرضكم". وذلك بتفكيك عناصر الخوف وبقايا عصور القهر والظلام والقضاء على النقائص التي تعتري الشعور وتخليصه منها.

إن الشرط الأول للنهضة هو ضرورة محاربة استمرار الاغتراب الثقافي في وعي الفرد والتحرر من فكرة القابلية للاستعمار التي هي محك ثقافي يكشف قدرة الوعي على العودة إلى الذات بادراك التمايز والتغاير عن الآخر، وما لم ندرك هذه الحقيقة سنظل نسير عكس حركة التاريخ الطبيعية وسننه الكونية" إن جوهر المسألة هو مشكلتنا العقلية، ونحن لا زلنا نسير ورؤوسنا في الأرض، وأرجلنا معلقة في الهواء، وهذا القلب للأوضاع هو المظهر الجديد لمشكلة نهضتنا"( بن نبي، م(1986) شروط النهضة: 36).

4 - مفهوم الحضارة عند ملك بن نبي

من جملة الاهتمامات التي انصبت عليها دراسات الإنسان تاريخيا بصورة عامة، هي محاولة فهم وتعليل عوامل التطور والتقدم، وأسباب الانحطاط والتخلف التي تصيب الحضارات المتتالية التي شيدها الإنسان، وهل هناك قوانين موضوعية تتحكم في قيام الحضارات وزوالها؟ ولماذا هناك تقدم حضاري؟ ولماذا هناك تخلف حضاري بالمقابل؟ من يحرك التاريخ ويصنعه؟ إلى غير ذلك من التساؤلات الكثيرة.

 وفي ضوء ذلك، شرع مالك بن نبي في بلورة مفاهيم نظرية جديدة لفلسفته، ووضع الحضارة في شكل معادلة رياضية، بتركيب ثلاثي الأبعاد (الإنسان، التراب، الوقت) تحكمها الفكرة الدينية التي تمزج هذه العناصر وتفعّلها، وتمنحها الديناميكية في إطار مجتمع حي متفاعل باستمرار، ليؤسس نظرية من منظور الظاهرة القرآنية ومركزية القرآن الكريم، يؤكد من خلالها على أن الفكرة الدينية كعامل اجتماعي تسهم في تحريك التاريخ وتوجه مساره المستقبلي" إننا نجد في القرآن الكريم النص المبدئي للتاريخ التكويني"إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِم"( بن نبي، م(1986) شروط النهضة: 49 ) هذا النص الذي لا يؤكده مبدأ الايمان الديني فقط، ولكن يدعمه اختبار التاريخ وصيرورته، كما يؤكد أن موطن المعجزة يكمن في النفس التي دل عليها القرآن الكريم، لدفعها إلى محراب الإيمان الذي يمنحها مبدأ الشعور بضرورة التغيير ويدفعها إليه، لأن الدين فكرة محورية في بناء الشخصية، لتتجه لبناء مشروع نهضوي متكامل في أبعاده الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفكرية والإنسانية بعد العودة إلى فكرتها المؤسسة التي شكلت ميلاد حضارتها الأولى في النموذج الأصلي الذي قطعت صلتها به بسبب الانحراف التاريخي وجهل السنن. 

استند مالك بن نبي إلى ترسانة قوية من المفاهيم وظفها في سائر كتاباته وبناء نظريته في فلسفة الحضارة، ومن بين تلك المفاهيم مفهوم الحضارة، فماذا تعني الحضارة عنده؟

 الحضارة في نظره هي ضرورة حياتية لكل شعب، ووجود شعب بدون حضارة هو أشبه بالعبث في التاريخ، لأن من شروط المجتمع البشري أن تكون له حضارة، فالجماعات التي تعيش دون غاية فهي تعيش في زمن ما قبل الحضارة ولا تؤدي وظيفة وجودية. وما لم يفقه الإنسان حقيقة قيام وأفول الحضارات فسيظل يتخبط في دوامة مشكلاته، ويعيش الضنك الحضاري. ثم إن الحضارة إبداع بشري خالص، يتوقف على حصيلة تجارب الشعوب وجهودها عبر الزمن عندما ينتج الإنسان الأشكال الراقية للحياة، وبإمكان أي شعب أن يصل إلى درجة التحضر عندما يخرج من طور التكديس إلى طور البناء، وهنا يفند مالك بن نبي أكاذيب الاستعمار الغربي، الذي كان يدعي أنه يحمل معه للشعوب المستعمرة ملح الحضارة، لأن الحضارة لا يكمن استيرادها وإن كان يمكن استيراد منتجاتها والانتفاع بها.

5 - ركائز النهضة بوصفها مشروعا ذاتيا:

تنبني النهضة على فعل الإبداع، وركائزها متداخلة ومتكاملة في نظر مالك بن نبي، فهي تمثل عالم الأفكار، وعالم الأشياء وعالم الأشخاص، ويعتقد أنه آن الأوان لنتحرك ونستيقظ من السبات ونبني حضارتنا بتشييد ذاتي، واستقلال هوياتي، يضمن لنا الخصوصية في إطار الكلية والكونية والتنوع الثقافي مع الآخر، وإلا فسيحكم علينا التاريخ حكما قاسيا، ويتركنا في برودة قاسية جدا تتواصل فيها المعاناة الحضارية. ولكي نعرف شروط النهضة، يجب علينا أن نحدد مكاننا من دورة التاريخ، لأن استيراد الحلول شرقا وغربا هو مضيعة للوقت وإطالة للداء، وبالرغم من ذلك يبدو أننا نعمل على تكويم منتجات الحضارة الغربية أكثر مما نفكر في بناء حضارة ذاتية خاصة. ولكن ليس بمجرد الحديث عن شروط النهضة تتحقق النهضة، فهو يدرك أن تحريك مجتمع خضع لنوم طويل، وسيطرة استعمارية غاشمة، ليس بالأمر اليسير، فالمجتمع حديث اليقظة لا تزال عليه آثار التخلف. لقد عملت رواسب الماضي وأطره وأبنيته فيه عملها، وكاد أن يستسلم للتخلف لقرون من الزمن، واستولت عليه فكرة التخلف والعقلية التراثية الفجة، ومن ثم لا بد أن يخضع لعملية تغيير جذرية شاملة للإنسان العربي الذي يحمل روح الهزيمة بين جوانحه ويعيش على بقايا أفكار لم تعد تستجيب لمشكلات العصر والتطور، ومستلب في مظهر حداثة مغدورة ومغشوشة، لم يساهم في بنائها ولا يستفيد من إمكانياتها الفعلية. ولفك الارتباط بين مظاهر التخلف وبين مرحلة النهضة، لا بد من المرور بمرحلة انتقالية تفصل بينهما، فظاهرة التخلف لم تخص بها الأقدار المجتمع الإسلامي وإنما هي ظاهرة تصيب كل المجتمعات ولذلك ينبغي أن نتخلص من عقدة التخلف التي ليست من قدرنا وحدنا في هذا العالم.

6 - أفق المستقبل في ضوء الايمان الديني:

لا يمكن العبور إلى المستقبل واسترداد حرية العالم الإسلامي دون تشخيص الحاضر، يؤكد مالك بن نبي على القرآن وأهمية الدين بالنسبة لبناء الحضارة ضد الالحاد والمادية، ويركز على فكرة التجديد بالدين، وليس تجديد الدين. تلتقي فلسفات التاريخ عند الرؤية المستقبلية والمصير في إطار جدلية الإنسان والحضارة، بين التكديس والبناء لأن الأمة لا تزال بين أحضان وثنية الجهل وغياب الوعي وسوء تقدير للقوى المحركة والدافعة في التاريخ حتى ليكمن القول أن المريض قد استسلم لمرضه وقبل التعايش معه.

 بين التكديس والبناء وجدل الإنسان والتاريخ يكشف لنا قانون قيام وأفول الحضارات من أين نبدأ النهضة، وكيف تبنى الحضارة، استيعاب التركيب الديناميكي لثلاثية الوقت والإنسان والتراب في وسط ينتج حضارة وهو الوسط الديني المركب للفكرة في حالة حياة وتحويلها إلى مشروع، وتفعيل الأفكار من خلال التوجيه والاستغلال الفاعل فالذي ينقص المسلم منطق الفعل والحركة، وإعادة صياغة الثقافة الإسلامية وعناصرها الأربعة: الأخلاقية، الجمالية، المنطق العملي والجانب الفني، وهي التي تحدد اتجاه الحضارة ورسالتها في التاريخ.

والإنسان المستخلف في فكر مالك بن نبي يعي التفكير السنني في بناء الحضارات، وفلسفة الحراك الحضاري، والإرادة الحضارية واستحضار الهمة، والتحديات التي تواجهه.

بالإضافة إلى المشكلات المعرفية والمنهجية السابقة التي آثارها مالك بن نبي، فإنه آثار أيضا مشكلة المرأة التي لا يمكن اعتبارها مستقلة عن الرجل، فالاثنين يشكلان مشكلة الفرد في المجتمع من المنظور الاجتماعي. إن البحث عن المنهج الأسلم هو الذي دفعه إلى إثارة المشكل، حيث قلل من أهمية الدراسات التي نصبت نفسها للدفاع عن حقوق المرأة باعتبارها مخلوقا ضعيفا مهضوم الحقوق والتي تطالب بتحريرها، بأنها ليست دعوات صادقة، ولا يمكن للمرأة المسلمة أن تتقدم بمجرد تقليد ظاهري للمرأة في الغرب. بل يجب أن ننظر إلى الرجل والمرأة من خلال حاجة المجتمع إليهما معا. 

لا يغيب عن نظر مالك بن نبي أن هناك معوقات تقف أمام النهضة، منها تعاظم الرؤية الطرقية الصوفية التي رسخت الدروشة، وتراكم سنين التخلف، وغياب الوعي، مركب النقص، آفة التقليد القاتل، فقد القدرة على التحدي الحضاري، عدم استيعاب مرونة الواقع من حولنا...، ولذلك تقتضي نظرية التغيير تعميق الوعي والشعور الإسلامي في كل المسلمين بضرورة محاربة الوعي الزائف الذي يكرس الروح الانهزامية لديهم. وفي نفس الفكرة يرى حسن حنفي أن عدم الاهتمام بحياة الشعوب ومراحل تطورها المختلفة، يجعل الحقيقة سجينة التاريخ الرأسي، دون الاكتراث بالتاريخ ألأفقي بين الماضي والمستقبل "وغياب التاريخ الأفقي في الفكر الإسلامي أدى إلى غياب كل نظرية في التقدم التاريخي يكون محورها الإنسان في تفاعله مع واقعه الاجتماعي والسياسي، لذلك سيطرت العقلية الإيمانية التي تربط الله بالإنسان في دائرة الأخلاق والإيمان المحض بعيدا عن جدل الواقع والتاريخ"( قادة، ج،(2005) نحو فلسفة جديدة للتاريخ العربي عند حسن حنفي، حروف الحكمة العملية:50).

إن الخلاص من ورطة التخلف الحضاري يكون بوعي بخطورة الانحطاط وضرورة تجاوزه بامتلاك إرادة الحضارة من خلال الوعي الحقيقي بضرورة الخروج من حلقات التخلف، لنتحكم في زمام حركة التاريخ و توجيهها مع ما يتناسب وحضارتنا وقيمنا وثقافتنا تحريرا للإنسان الذي يتألم.

وعلى الرغم من أن مالك بن نبي يعتقد أن من يقوم بالمقارنة بين العالم الإسلامي والأوروبي يجهل قانون الدورة الحضارية، وهذا أشبه بالسجين الذي يطلب من سجانه أن يسلمه مفاتيح السجن ليتحرر منه، فإننا نرى أن الخطاب العربي  قد تبلور متأثرا بالحضارة الغربية التي تقاطعت معه بفعل المد الاستعماري، وإذا ما حاولنا اختزال تلاقي أفق الجانبين في قضية مركزية، فإنه يمكننا أن نتحدث عن مشروع النهضة العربية في الواقع وفي الفكر العربي.

يمكن القول، أن مسألة تغيير المجتمعات وتطورها تاريخيا تأتي بقوة الفكر، والتاريخ يشهد أن أوروبا قد تطورت بفضل إسهامات تطور الفكر الفلسفي والسياسي والاقتصادي، ابتداء من عصر الأنوار، أو ربما قبل ذلك، وهي المرحلة التي مهدت للثورات البرجوازية وفي مقدمتها الثورة الفرنسية التي شكلت منعطفا حاسما في تاريخ أوروبا، فلقد انشغل كبار المثقفين والمفكرين الأوروبيين من أمثال هوبز وروسو وهيجل وكوندورسيه وغيرهم بأكبر القضايا المطروحة على الساحة آنذاك في مجتمعاتهم. وكانت حصيلة أفكارهم ونظرياتهم المحرك الأساس للتحولات العميقة المتلاحقة، التي شهدتها أوروبا في مختلف الميادين السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

وهكذا كانت أسماء الفلاسفة تاريخيا تتصدر قائمة العمالقة المؤثرين في تاريخ الإنسانية الباحثين عن خلاصها وتخليصها من أشكال الخرافة والوعي الزائف وصنوف التخلف والتبعية. لا قيمة للفكر ما لم يرتبط بالواقع ويعبر عنه ويلتحم به، ويرسم للمجتمع تطوره نحو الأفضل في الحاضر والمستقبل. إن وظيفة الفكر هو البحث عن البدائل الممكنة القادرة على دفع المجتمع نحو التطور والعمل من أجل تقدم الوعي بالواقع والعمل على تجاوز عناصر تأخره، وتفعيل حركة الإبداع الذاتي للأمة، عوض الاستسلام للأقدار الوهمية، التي تحبط كل عزيمة، وتقيد كل إرادة مخلصة وطامحة للتغيير نحو الأفضل.

يلاحظ علماء الاجتماع والانثروبولوجيا وجود اختلاف في درجة وعي الشعوب بتاريخها، فهناك شعوبا عملت على الاستفادة من تاريخها ولم تتقاعس، ووظفته في الاتجاه الصحيح أثناء يقظتها، لتجاوز آلامها وتحقيق آمالها وأحلامها، وهناك شعوب أخرى ولت ظهرها لتاريخها، وتنكرت له، فتنكر لها بالمقابل، وأضحت تعيش على هامش الزمانية. حتى ليمكن تقسيم الشعوب من هذا المنظور إلى شعوب حارة وباردة" إن المجتمعات البشرية قد استعملت بأشكال متفاوتة زمانا ماضيا ربما كان بالنسبة لبعضها كناية عن وقت مهدور. وإن بعض المجتمعات كان يلتقم اللقمة مزدوجة ويقطع الأشواط أزواجا بينما كان غيرها يعبث ويتسكع، هكذا... التمييز بين صنفين من التاريخ: تاريخ تقدمي، اكتسابي، يراكم اللقمة تلو اللقمة والاكتشاف تلو الاكتشاف لكي يبني حضارة عظيمة، وتاريخ آخر لا يقل استخداما للمواهب، لكنه يفتقد للهبة التأليفية التي يمتاز بها الأول"( ستروس، ك. ل(1990)، الإناسة البنيانية: 305).

 الخاتمة:

إن كتاب "شروط النهضة" يلخص جهد مالك بن نبي الفكري الذي كان يرمي إلى إحداث النهضة في العالم الاسلامي، ويعبر عن صرخة مفكر هاله وضع الأمة الإسلامية التي تكاد تخرج من التاريخ  وتخشى خطر الإقصاء التاريخي، رغم أنها ليست من المجتمعات الطبيعية الساكنة، بل هي من المجتمعات التاريخية، التي يمكن أن تجدد شكل وجودها في التاريخ. وتعود إلى الحياة من جديد، التي يستأنف فيها كل شعب دوره ورسالته ويبدأ تاريخه من خلال امتلاك ما يسميه مالك بن نبي إرادة الحضارة.

ولعل أحسن توصيف لجهد مالك بن نبي في كتابه "شروط النهضة"، هو ما كتبه عبد الصبور شاهين قائلا: "الدراسة التي يقدمها بن نبي كأنشودة بهيجة يحي بها كوكب المثالية الذي يسجل فجر الحضارات منذ العصور المظلمة ولكن هذه الأنشودة هي ثمرة عقل يحاول فتح آفاق عملية للنهضة العربية والإسلامية"( بن نبي، م(1986) شروط النهضة: 8).

ولكن بالرغم من هذه المحاولة الرائدة، فإن مالك بن نبي لم يكن أكثر حظا من غيره، بل هو يشترك في هذا الامتياز الحزين مع بقية المفكرين العرب الذين لم تجد أفكارهم من يتفاعل معها في زمانها لتمنح الوجود حيوية وديمومة، وبالتالي بقيت على مستوى الخطاب ولم تنجح في نقل المجتمع إلى مستوى الطموح الذي يراود مخيال النخبة المثقفة، بعدما عجزت النخبة السياسية عن تحقيقه على أرض الواقع رغم التضحيات الجسام التي دفعتها الأمة، والتي لا تزال تدفعها.

ولقد أدلى من جهته عبد الفتاح مورو بشهادة عن مالك بن نبي يشيد فيها بجهوده التي سبقت زمانها قائلا:" هؤلاء المفكرون الذين ينظرون بعيدا ويسبقون أوقاتهم يُستهزأ بهم ولا يتحملهم الناس ويجدون أنفسهم غرباء في أوطانهم وأعظم غربة هي عندما يوجد الإنسان في قوم لا يفهمونه".

ثم أخيرا دخلت أفكار مالك بن نبي وأطروحاته في إطار الشروحات وإعادة الشروحات في شكل من أشكال التكديس الذي كرس جهوده الفكرية لمحاربته، دون أن يحدث تراكما معرفيا حول نظريته في الحضارة وشروط النهضة تدفع بالمجتمع الإسلامي قدما إلى الأمام بدل النكوص الحضاري. كما أننا لم نجد شخصية أو مؤسسة علمية أو إرادة سياسية تركّب ما جاء به مالك بن نبي ليبقى الفكر العربي يعاني حيا وميتا. فليس هناك تقدما ملموسا على صعيد الممارسة. وهذا الوضع ينسحب على جميع المشاريع الفكرية المتلاحقة لأهم رواد التجديد الفلسفي، النهضوي والثقافي في العالم العربي حيث ظلت بعيدة عن أن تزلزل التخلف الذي اشتد تماسكه وتمسكه بالمجتمعات الإسلامية، وتأجلت الدورة الحضارية والاستئناف الحضاري الذي تنبأ به المفكرون المسلمون، فهل وجد التخلف عندنا بيته ومستقرّه النهائي؟

ومع ذلك يبقى خطاب مالك بن نبي خطابا إشكاليا يبشر بقطيعة مع الوعي المفقود لتتجاوز الأمة ليلها المظلم وتستقبل فجر يوم جديد. فمتى يولد الجيل الذي يفصل بين عهد التخلف وعهد المدنية ومتطلبات التجديد الحضاري تحقيقا لروح التاريخ الذي يوجد في المستقبل أمامنا، وننتقل إلى صفحة جديدة من التاريخ، حينما تدق ساعة البعث لتعلن عن قيام حضارة جديدة؟ لأن من سنن التاريخ التي لا يجب أن تغيب عن البال" أن الحياة تدعونا أن نسير دائما إلى الأمام"( بن نبي، م(1986) شروط النهضة:159).

 

د. نابي بوعلي

جامعة معسكرـ الجزائر

............................

المصادر والمراجع:

1 - بن نبي، مالك.(1986) شروط النهضة، ترجمة عمر كامل مسقاوي وعبد الصبور شاهين، دمشق، دار الفكر.

2 - بوبكر، جيلالي.(2012) مكانة مالك بن نبي في الحرة الاصلاحية في العلم الاسلامي، مجلة عصور الجديدة، مخبر البحث التاريخي، جامعة وهران، م 2، العدد5، .245-261.

3 - جليد قادة.(2005). نحو فلسفة جديدة للتاريخ العربي عند حسن حنفي. في كتاب الحسين الزاوي، حروف الحكمة العملية،(47-62) الجزائر، رياض العلوم للنشر والتوزيع.

4 - ستروس، كلود ليفي.( 1990). الإناسة البنيانية، ترجمة حسن قبيسي، ب ط، لبنان، مركز الإنماء القومي.

 

علي رسول الربيعيبينما تأخذ حجة العقل العمومي كما يقدمها راولز مكانة عالية في المناقشات الفكرية والدراسات الأكاديمية التي تتعلق بالمسوغات والأسباب الدينية، فإن الادعاء المؤيد للمسوغات والأسباب العلمانية هو الأكثر تداولًا في النقاش العام الأوسع. لطالما كان الدين عنصرًا مهمًا في الحياة السياسية في كثير دول (دول كثيرة)، ولكن في أعقاب صعود التطرف "الذي تحركه  إيديولوجية دينية شديد الاستقطاب إلى حد كبير حيث يبدو أن المعتقدات والممارسات الدينية تعمل على فرز المواطنين سياسيًا، فقد شهدنا موجة كبيرة من الدعم للرأي القائل بأن الدين خطير أو غير موثوق به سياسياً، لذا يجب خصخصته وأن لا يكون ذو صلة بالسياسة، إذا كان غير ممكن  التخلص منه تمامًا.[1] عادةً ما كان  المفكرون أكثر حذرًا، عدا قلة جدًا ممن تابع ريتشارد رورتي الذي رأى في وقت من الأوقات أن استخدام االمسًوغات والأسباب الدينية كان "مانعًا للحوار" وأن أولئك الذين يلتزمون بالحكومة الديمقراطية يجب أن يجعلوا الأمر يبدو وكأنه خيار أو "ذوق سيء" أن يظهر المواطنين آرائهم الدينية للتأثير السياسي في المناقشات العامة.[2] تخلي رورتي نفسه عن مثل هذه الادعاءات، معترفًا بأن مثل هذا الالتزام المفترض يعتمد ببساطة على بناء غير معقول لكيفية توصل الأفراد إلى آرائهم السياسية.[3] يفرض الرأي القائل بأن المواطنين المتدينين يجب أن يتصرفوا سياسياً بطرق منفصلة تمامًا عن آرائهم الدينية نموذجًا غير واقعي تمامًا من قبل علم النفس، كما لو كان المؤمنون المتدينون (أو أي شخص آخر، في هذا الصدد) يمكنهم عزل معتقداتهم حول الطبيعة القصوى والنهائية للكون ومكاننا فيه من معتقداتهم فيما يتعلق بما يجب أن تسعى اليه مجتمعاتهم السياسية.[4] قد يكون ذلك بمثابة شعار سياسي جيد عندما يكون لدى خصومك الحزبيين روابط دينية مثيرة للجدل فتقول ينبغي على المواطنين إبقاء وجهات نظرهم الدينية خارج السياسة تمامًا، ولكن يبدو ذلك غير معقول تمامًا كادعاء حول كيفية عمل السياسة في الواقع والتزاماتنا الأخلاقية في ذلك.

يمكن أن تكون شعارات سياسية جيدة تحديدًا لأن أحدى الأشياء، كما يرى تشارلز تايلور،[5] التي تجعل الحداثة بشكل عام والمجتمعات الديمقراطية الحديثة بشكل خاص مميزة للغاية هي طابعها العلماني الذي لا يمكن إنكاره؛ حيث أن مجالات الحياة الاجتماعية والسياسية برمتها التي كانت ذات يوم تحت وصاية السلطات الدينية تقف الآن مستقلة عن تلك الوصاية. ولذا فلا عجب عند التفكير في أنواع المسوغات والأسباب التي قد تكون قادرة على تبرير نظام ديمقراطي في ظل نوع التعددية السارية حاليًا، إن يتبنى الباحثون المختصون (والجمهور)  مسوغات وأسباب ذات طبيعة علمانية بشكل قاطع.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

........................

[1] يمكن أن نجد بعض الأمثلة على هذا ، أنظر:

Sam Harris, The End of Faith: Religion, Terror, and the Future of Reason (NewYork:W.W. Norton & Co., 2004);Sam Harris, Lerur to a Christian Nation (New York: Knopf, 2006); Linker, The Theocons; Phillips, Amenican Theocracy; Sullivan, The Conservative Soul.

[2] Rorty, Richard. "Religion as a Conversation-Stopper." In Philosophy and Social Hope, ed. Richard Rorty. New York: Penguin Books, 1999.

[3] Richard Rorty, "Religion in the Public Square: A Reconsideration," Journal of Religious Ethics 31, no. 1 (2003).

[4] أنظر:

Krause, Civil Passions, especially chapter 2.

[5] Charles Taylor, A S ecular Age (Cambridge, MA: Harvard University Press, 2007).

 

 

حاتم حميد محسنبين الولادة والموت يمر الانسان بتغييرات هائلة. أجسامنا تتغير بشكل كبير، حيث كل واحدة من خلايانا تُستبدل عدة مرات أثناء الحياة. ونفس الشيء ينطبق على ذاكرتنا وشخصيتنا وكامل النفس كلها في تغيّر دائم طوال حياتنا. وأمام هكذا تغيرات شديدة، كيف يمكن الادّعاء اننا نمتلك هوية واحدة تبقى ثابتة في كل تلك الظروف؟

قد يبدو هذا سؤالا فلسفيا عميقا والعديد من الناس قد يدّعون اننا نستطيع بسهولة القول اننا نفس الشخص الذي كنا عليه في الأمس ولذلك لا توجد مشكلة. مع ذلك، هناك حاجة عملية كبيرة جدا لإعتماد معيار ملائم للهوية يصلح على مر الزمن، وهناك انعكاسات واسعة لفرض مثل هذا المعيار. فمثلا، نحن قد نجد ان بعض الناس يختلفون جدا عن ذواتهم في الماضي لدرجة ان معاقبتهم على الجرائم التي ارتكبوها في الماضي سوف لن يكون عادلا. انعكاس آخر هام يأتي من التحقق ما اذا كان يجب اتّباع رغبة شخص ما ام لا. اذا كان بالإمكان تبيان ان هذا الفرد لم يكن هو ذاته عندما كتب تلك الوثائق، فنحن سنعتبره غير مناسب للاتّباع.

كيف يمكن معالجة المشكلة؟

رودريك تشيشولم يدّعي اننا عندما نتحدث عن هويتنا في الماضي او عن ذواتنا المستقبلية، انما نتحدث عن ذلك بمعنى صارم، اي اننا نعني بالضبط نفس الشيء. لكن التغيير في الخلايا، يبعدنا عن معيار تشيشولم للهوية الصارمة، بمعنى ان الهوية الوحيدة التي نأملها عبر الزمن هي هوية مرنة (تشيشولم، ص82). ونفس الشيء، حجم التغيير الكبير الذي نخضع له يجنّبنا التشابه النوعي. لهذا السبب، سنهتم بالقول ان شخص ما يستطيع الحفاظ على الهوية العددية اثناء حياته(1). في هذا المقال، سنفحص مختلف الاقتراحات لأجل التوصل لمعيار لإستمرارية هوية الفرد. هذه الاقتراحات عادة تميل للوقوع تحت صنفين رئيسيين: وهما الاستمرارية الجسمية والاستمرارية النفسية. سنفحص ايضا الصياغة المعدلة لنظرية الاستمرارية الجسمية التي تستعمل الدماغ كمعيار للاستمرارية، بالاضافة الى معيار الذاكرة للاستمرارية. كانت هناك مقترحات اخرى لاتقع ضمن أي من الصنفين أعلاه، مثل نظرية حزمة ديفد هيوم في الذات. سوف لن نعالج هذه الاتجاهات، لاننا نرغب بتحديد مجموعة من المعايير الواضحة المعالم التي يمكن استخدامها في التحقق من مكانة هوية المرء ومن ثم امكانية استخدامها في الحياة الواقعية.

سنتطرق هنا لدراسة الحجج المؤيدة والمعارضة لكل من المعايير الأربعة. سننظر في أي العناصر يجب اعتبارها ضرورية للهوية والتي يجب ان تغطى الموقف الذي نقرر بالنهاية تبنّيه بشأن الهوية الفردية عبر الزمن.

الاستمرارية الجسمية

سوف نبين هنا، انه من خلال وصف حدود التغيرات الفيزيقية المقبولة، فان معيار الجسم وحده غير كاف لاستمرارية هوية المرء. كذلك، سوف نبين ان بعض اشكال الاستمرارية الفيزيقية، مثل التركيب الجيني للفرد هي اساسية .

معيار الاستمرارية الجسمية

بعض الفلاسفة الماديين مثل ايرك اولسن ادّعوا ان الجسم الفيزيقي هو مصدر الهوية. هذه الرؤية تدّعي انه طالما يبقي المرء بنفس الجسم خلال حياته؟، فهو سيضمن المحافظة على هويته المتميزة. هذا الاتجاه يجعل تحديد الذوات واضح وبسيط، لأننا نستطيع تحديد بالضبط الموقع الزماكاني لكل ذات بالاضافة الى بدايات ونهايات الذوات. لذا، على سبيل المثال، لو ارتكب احد جريمة، نحن بسهولة نقرر ما اذا كان مذنبا ام لا بالدليل الواضح كطبعة الأصابع او شهادة الشهود. طالما جسمه ارتكب الجريمة، سنكون قادرين على معاقبته .

الانتقادات لهذا الموقف بشأن التغيرات مع الزمن

هناك الكثير من المعارضة للرؤية القائلة ان هويتنا يجب ان تكون محدودة فقط بالجسم الفيزيقي. هذا الموقف هو مضاد لمعظم الأديان التي ترى ان أرواحنا غير المادية هي جوهرية لهوياتنا. التصور الديني للروح يميل ليكون مشابه لذلك الخاص بالوعي، وان بعض الاديان مثل اليهودية والمسيحية تدّعي ان هذا الجزء منا يستمر في البقاء بعد موت الجسم الفيزيقي. وكما يشير ديريك بارفيت، مع ان معيار الجسم يسمح فقط للحياة الثانية بشكل انبعاث فيزيقي او تقمص (بارفيت 204)، غير اننا بالتأكيد لا يجب ان نرفض معيار الجسم فقط لأنه غير منسجم مع الاديان الشائعة.

هناك الكثير من الانتقادات الرافضة لمعيار الجسم للهوية. أجسامنا هي باستمرار تتغير اثناء النمو، تفقد او تكوّن خلايا جديدة. لذا، كم مقدار الجسم الذي يجب ان يبقى ذاته لكي يُصنف كنفس الفرد الذي كان قبل عدة سنوات مضت؟ فمثلا، المقارنة الشهيرة هنا هي تلك التي تصف زوج جوارب للفيلسوف جون لوك، الذي حدثت فيه شقوق وثقوب اثناء الاستعمال. كلما حدثت الثقوب، يقوم لوك بترقيعها. ولكن بعد فترة من اصلاح الجوارب، لم يبق شيء من المواد الاصلية، وهي ببساطة اصبحت رقعا او مزيج من قطع جديدة من المواد (باركر552). النقاش الأصلي لقضية لوك هو سفينة ثيسوس التي كانت تُستبدل اجزاءها عند الضرورة (ليبنز119-231). العديد من الناس يعتقدون انه في مرحلة ما ستفقد سفينة ثيسوس الكثير من أجزاءها الأصلية ولم تعد نفس السفينة التي عاد بها ثيسوس من كريت. ونفس الشيء، يعتقد البعض ان جوراب لوك المفضل لم يعد موجودا بعدما اختفت جميع الخيوط الأصلية. اذاً لو ساوينا الهوية مع خلايا الجسم، فان تلك الامثلة تقترح اننا يجب ان نطوّر هوية جديدة لأن اجسامنا الخلوية تتغير دائما اثناء الحياة. هذا الموقف هو غريب، لأنه ستكون هناك تغيرات غير مكتشفة في مظهرنا او شعورنا. دلالات هذا ستكون اننا يجب ان لا نعاقب من هو في الستين من العمر على جريمة ارتكبها حينما كان في العشرين، لأن جسمه هو ليس نفس الجسم اثناء ارتكاب الجريمة. وبينما هناك فرق كبير بين ماضي الذات وحاضرها، لايزال يبدو من السخف ان نقرر ان خلايا الجسم هي المظهر الاكثر اهمية، بدلا من التركيز على احتمال تكرار الجريمة.

حلول ممكنة للانتقادات

لا يتفق كل فرد على صحة هذا. العديد من الناس يعتقدون ان التغير التدريجي الحاصل في الامثلة السابقة يضمن بانهم يحتفظون بهويتهم الاصلية. في حالة جواريب لوك، يميل الاجماع على ان ما تبقّى من جواريب هو في الحقيقة ذات الجواريب المفضلة لدى لوك، لأن هذه هي الطريقة التي نتحدث فيها عن الاشياء الخاضعة للاصلاح. ونفس الشيء، التغيير التدريجي في سفينة ثيسوس يضمن انها تحتفظ بهويتها. وبقدر ما يتعلق هذا بالجسم، انه يقترح، رغم ان كل من خلايانا تُستبدل كل سبع سنوات(مارهون، ص88، )، لكن هذا لايمنع من بقاء نفس الفرد. هذا يعني ان التغيير التدريجي لخلايا الجسم يقع ضمن الحدود المقبولة للتغيير، بما يحفظ معيار الجسم للهوية. ان الحاجة للتغيير التدريجي تدعمها التجربة الفكرية لبارفيت من خلال الناقل عن بعد. هو يصف ماكنة تنقل الناس الى المريخ عبر تسجيل موقع كل خلية في أجسامهم، ثم تحطّم الجسد وتبني بالضبط جسدا مشابه له على المريخ. ولكن في يوم ما تتغيرالماكنة ولم تعد تحطم الجسم الارضي، فتسبب مشاكل قلبية تقود للموت في بضعة ايام. بارفت يؤكد ان الفرد على الارض سيعتقد انه سيموت لأن الافراد على المريخ هم مجرد نسخة طبق الاصل لذاتهم الحقيقية (بارفت199-201). اما رودرك شولم يعرض شكلا اخرا حول هذه الفكرة، حيث تُستبدل الواح السفينة بألمنيوم (شولم273).

ان القطع التي ازيلت من السفينة اعيد تجميعها لاحقا لتكون نسخة مطابقة للسفينة. ولكن في هذا المثال، نحن اكثر ميلا للحالة بان "النسخة"من السفينة التي جرى تجميعها من القطع الاصلية هي نفس سفينة ثيسوس، بينما تصليحات الالمنيوم اصبحت نسخة مطابقة.

هذا بسبب ان الجزء الاساسي من نظرية استمرارية الجسم يتطلب منا ان نحتفظ اساسا بنفس التركيب الوراثي. هذا يجعل مفهوم استمرارية الجسم ينال الكثير من الدعم من جانب العلوم، والذي يميل للنظر الينا كمخلوقات بايولوجية محكومة بردود الافعال الفيزيقية التي تحدث في ادمغتنا. وكنتيجة لهذا، هو اننا بينما اجسامنا يمكن ان تتكرر كليا بشكل معدني، هذه الروبوتات ستفتقر الى الشفرات الوراثية وسوف تكون صورة عن الأصل بدلا من انفسنا.

الحتمية الوراثية تأخذ هذا الموقف الى مدى أبعد، وتدّعي ان منْ نحن يعتمد كليا على جيناتنا. وبسبب هذه الرؤية، يبدو ان القدريين الجينيين يجب ان يؤمنوا ان الاستنساخ سيكون مشابها للفرد المستنسخ عنه. نحن يجب ان نرسم الفرق هنا بين الهوية النوعية والهوية العددية. التوأمان المتشابهان يشتركان بـ 100% من جيناتهما، لكن هذا يجعلهما متشابهان فقط نوعيا وليس عدديا.

الحدود المقبولة للتغيير

ذكرنا ان إعادة البناء التدريجي لخلايانا يقع ضمن مجالات مقبولة من التغيير، بينما لو استُبدلنا تماما بجسم غير انساني (على سبيل المثال، جسم معدني) فان الامر ليس كذلك. اذاً أين بالضبط تكمن حدود التغيير التي تُعتبر مقبولة؟ كم يمكننا ان نفقد من أجسامنا دون ان نفقد هويتنا؟ برنارد وليم يعرض تجربة فكرية فيها يُستبدل جسم الفرد تدريجيا بجسم نابليون. يدّعي ويليم ان هذا المثال هو عرضة لمفارقة الركام(بارفت234). ازالة حبوب من بين الركام لايمنع من كونها ركاما، انه يبدو ان كل تغيير هو صغير جدا لدرجة لا يسمح بتغيير هويتنا. مع ذلك، في نهاية التجربة، جرى استبدال جسم الفرد بجسم نابليون. في هذا المثال، يصف وليم التغيرات الفيزيقية التي تحدث لموضوع هذه التجربة، ولكن ليس التأثيرات السايكولوجية. انه يبدو ان المعلومات التي نحتاجها لكي نتأكد ما اذا كان الفرد لايزال هو نفس الشخص ام لا بعد التجربة كما كان في السابق انما يتعلق بذكرياته وسماته الشخصية. اذا كان اعطاؤه سيقان واذرع نابليون ذات تأثير قليل على هويته، فان اعطائه دماغه هو اكثر اهمية. هذا يشير الى ان الدماغ هو الجزء الوحيد من الجسم الضروري لإستمرار الهوية. واذا كان هذا المثال متطرف جدا، فهو ليس له تأثيرات عملية. اذا كان مقدار معين من جسمنا مطلوب ان يبقى نفسه لكي نبقى نفس الفرد، فان هذا يطرح اسئلة حول بتر الاطراف والناس الذين يباشرون عمليات جراحية بلاستيكية مكثفة. فمثلا، ماذا لو بتر رجل ذراعيه ومن ثم ساقيه؟ هل هو لايزال نفس الرجل قبل العملية؟ مع انه الان يفتقر للعديد من المهارات التي امتلكها في السابق، لكن يبدو من غير الانصاف الادّعاء انه ليس نفس الرجل. ماذا لو اختُزل بطريقة ما الى مجرد رأس في جرة، ورُبط الى مكائن لتبقيه حيا؟ يبدو ان الجزء الوحيد من الجسم الضروري لإستمرار هوية الفرد هو الدماغ.

هذا المقترح نال الدعم من سدني شومكر الذي عرض التجربة الفكرية التالية بالضد من معيار الجسم. يصف سدني تجربة تتعلق برجلين هما براون وروبنسن الذين باشرا زراعة دماغ. دماغ براون وُضع في جسم روبنسن وبالعكس. عندما استيقظ جسم روبنسن كان يتذكر كل شيء في حياة براون، يتصرف مثل براون، له نفس معتقدات براون وحتى يتبنّى كل السلوكيات التي تمارسها عائلته تجاه براون. يبدو ان عائلتي براون وروبنسن يجب ان يتفقا على ان جسم روبنسن هو الان اساس لهوية براون (سدني43). وبينما هذه تُعد حالة متطرفة، لكنها فعلا تظهر ان الجسم وحده لا يكفي ولا هو شرط ضروري لإستمرار هوية الفرد، وان الدماغ هو مرشح افضل.

ايريك اولسن يدافع عن معيار الجسم ضد هذا النقد، يرى ان الفرد هو مجرد عضو بايولوجي. هو يدّعي ان الانسان يمكن ان يقاوم تغييرا سايكولوجيا كاملا ويبقى هو ذاته طالما هو حي (اولسن131). البعض لا يتفق معه في هذا الموقف، باعتبار انك لو أزلت شخصية الفرد وسلوكياته وذكرياته وميوله، تكون ازلت هوية ذلك الفرد.اولسن يبدو كأنه بسّط قضية الهوية. من السهل القول ان الانسان لايزال موجودا رغم التغيير في حياته الذهنية، لكن من الصعب جدا اثبات الادّعاء بان هويته الفردية لم تتأثر بهذا ابدا.

استمرارية الدماغ

سنبيّن هنا ان الدماغ هو العنصر المادي الوحيد المطلوب لكي يبقي المرء على هويته على مر الزمن. هذا بسبب انه المنطلق لأهم عنصر لهوية الفرد و نفسيته .

معيار استمرارية الدماغ

يبدو ان نظرية استمرارية الجسم يمكن تعديلها لكي يكون التركيز على جزء واحد حيوي من الجسم وهو الدماغ. هذا العضو يحتفظ بكل المعلومات الحيوية لهويتنا مثل الذكريات والعقائد والآراء والعواطف والميول والمواقف وغيرها. وكما لاحظنا، ان اهم المؤيدين البارزين لهذا الموقف هو برنارد ويليمس. في تجربته الفكرية يصف ويلمس تغيرات صغيرة هائلة عندما نأخذها فرادى، تبدو لا تحدث فرقا في هوية المرء. غير ان هذه التغيرات الصغيرة تتحد مع بعضها لكي تحوّل الفرد تماما. يؤكد بارفيت بانه لو كانت هناك نقطة بين بداية ونهاية التجربة وحيث يموت الفرد الأصلي، فان الفرق بين الحياة والموت يجب ان يكون هامشيا جدا يستحيل تحديده تماما كالفرق بين عدة حبات قمح في كومة كبيرة (بارفيت244). وبسبب هذا، يعتقد وليمس ان الهوية يجب اختزالها الى دماغ وظيفي واحد(نونان7). هذا يبسّط مسألة الهوية ويسمح بتعريف واضح يسهل اعتماده. لذا، على سبيل المثال، يمكن بسهولة للرجل المسن الادّعاء انه مشابه لذاته الشابة لو انهما يشتركان بنفس الدماغ الوظيفي.

عيوب هذا الموقف

اولا، يبدو ان الدماغ يعطينا طريقة اكثر وضوحا في تعريف الهوية من محاولة حساب كم عدد الخلايا المتولدة، لأن الدماغ اما حاضرا ويعمل ام لا. لكن من الممكن للناس ان يعيشوا فقط بنصف دماغ. لذا، طالما كلا النصفين من الدماغ تطوّرا بشكل متساوي، فان نصف واحد من الدماغ يمكن نظريا ان يُزرع في جسم شخص آخر. احدى المشاكل في معيار الدماغ هي انه يترك الامكانية مفتوحة لشخص واحد في ان يكون مطابقا لأكثر من فرد واحد في المستقبل لو انهما قاما بزراعة جزئية للدماغ. مع ذلك، وكما ذكرنا انفا، نحن نهتم بالهوية العددية بمرور الزمن وانه من غير الممكن لشخص واحد ان يكون مطابقا عدديا مع اثنين من الاشخاص. لو اردنا تجنّب هذه المشكلة في معيار الدماغ، ربما ندّعي ان نصف الدماغ لا يكفي لي كي اتمسك بادّعائي بهويتي. اذا كان هذا هو الموقف، فسوف اموت بفاعلية عندما اخضع لهذا الاجراء. ولكن لو أخذنا هذا الموقف، ماذا سنقول عن الشخصين الذين يتجولان بدماغي؟ يبدو انه، وفق هذا المعيار، سنُجبر على القول ان هويتين جديدتين سيبرزان بطريقة ما، مع ذكرياتي والكثير من شخصيتي.هذا موقف دفاعي غير صائب، يؤكد ان معيار الدماغ بحاجة للتنقيح.

لذا، اذا كان معيار الدماغ لايستطيع حل السؤال حول ما يحدث لي بعد هذا الاجراء، اذاً ماذا يستطيع ان يفعل؟ لكي نريح انفسنا من هذه المشكلة، يبدو ان افضل خيار هو الرجوع الى معيار الجسم. هذا المعيار الاضافي يسمح لنا بالتمييز بين الهويتين، من خلال القول اني استيقظت بنصف دماغ، بينما شخص اخر استيقظ وفي جسمه النصف الاخر. هذا يتطابق مع ما توصلنا اليه من استنتاج في القسم الاول، حيث وجدنا ان شفراتنا الوراثية هي من الأهمية بمكان لهويتنا.

نقد هذا الموقف فيما يتعلق بالتغيير مع الزمن

من الآثار المحتملة لهذه النظرية هي ان ضررا في الدماغ سوف يغير هويتنا. من المؤكد ان الضرر الشديد يمكنه حتما ان يؤثر بعمق على هويتنا. فمثلا، العديد من الناس يدّعون ان المصابين بمرض الزهامير في المراحل الاخيرة سوف لن يعودوا نفس الافراد الذين اعتدنا عليهم، مع ذلك، العديد من الناس الذين عانوا من ضرر بالدماغ أثّر فقط على جزء محدود من الدماغ، بحيث تركهم بالضبط كما كانوا قبل الحادث. السؤال هو كم نحتاج من الدماغ من أجل ان تستمر هويتنا. هذا الدليل يبدو يقترح ان هناك اما جزء محدد من ضرر الدماغ نستطيع تحمّله بدون التأثير على هويتنا، او ان هناك فقط مساحات معينة من الدماغ مسؤولة عن الخصائص الضرورية لتحديد منْ نحن. القضية هي ليست معرفة نسبة الدماغ الأصلي المطلوب وانما أي مساحة في الدماغ هي ضرورية لإستمرار الهوية. هناك اسناد غريزي لهذا الادّعاء حيث يبدو مع ان خسارة قد تحدث للبصر او السمع او الذوق او الشم بدون تأثيرات محددة على شخصيتنا، لكن تغييرا حادا في التصرفات والمزاج سيشكل تهديدا كبيرا.

ان مشكلة الهوية عبر الزمن يمكن تجزئتها الى سؤالين:

1- أي العناصر من نفسيتنا هي مكونات اساسية للهوية؟ و

2- هل ان توضيح الهوية عبر الزمن ينسجم مع البناء العضوي للدماغ والذي هو ضروري لإدراك نفسية الفرد؟ يبدو من المحتمل ان المادة العضوية للدماغ ليست شديدة الأهمية بقدر ما هو المحتوى السايكولوجي له، والذي يمكن ادراكه بمواد اخرى. في المستقبل قد يكون بالامكان بناء هيكل ادمغتنا من مواد غير عضوية كالمعادن والذي يسمح للكومبيوتر للعمل في محل دماغنا.

استمرارية الذاكرة

سنبين في هذا القسم ان الذاكرة هامة جدا لتصورنا عن انفسنا وهوية الآخرين، لكنها غير موثوقة ولا تكفي وحدها لضمان استمرارية هوية المرء. نعتقد ان المزيد من العتاصر السايكولوجية مطلوبة في الظروف التي تكون فيها الذاكرة خاطئة او غير واعية .

نظرية لوك في الهوية الشخصية

يرى جون لوك ان الدماغ ليس هو العنصر الهام في الشخصية وانما المهم هو ما يمسكه الدماغ او الوعي (لوك، ص71). الوعي مفردة يصعب تعريفها. توماس ريد اشار الى اننا لانستطيع ان نكون واعين بالماضي لأننا تستطيع فقط ان نكون واعين بالحاضر(ريد، ص222). لذا ربما يعني لوك ان ذاكرتنا هي التي تجعلنا نفس الشخص كما كنا يوم امس. المشكلة في هذا هي اني استطيع تذكّر ما كان يفعله رفاقي في السكن يوم امس لكن هذا لايجعلني مطابقا لرفاقي في السكن. لذا يجب ان تكون فقط ذاكرة الشخص الاول(النظر الى الحدث بنفس المنظور الاصلي) تبيّن باني مطابق لذاتي يوم امس. جوزيف بتلر يعارض هذا بالقول انه يؤدي الى موقف دائري، لأن امتلاك ذاكرة الشخص الاول للفعل تعني تذكّري بأني قمت به (بيتلر، ص324). غير اننا يمكن ان نرى انه بالامكان لشخص ما ان يستيقظ بمرض فقدان ذاكرة، ويعرف ماذا قام بافعال مؤخرا ولكن بدون فكرة عن طبيعتها . وهكذا بالإمكان ان نفصل ذاكرة الشخص الاول عن الهوية. هذا هو الموقف الذي نُسب الى لوك.

نقد موقف لوك

ولكن هل هذا يعني انا لم اعد نفس ذاتي عندما انام، او عندما انسى مؤقتا بأني ذهبت في جولة على السايكل يوم امس و لم اعد نفس الشخص الذي ذهب على السايكل ؟ لوك لايعتقد بهذا الموقف. طالما انا تذكرت عندما استيقظت عندئذ انا لاازال نفس الشخص. ولكن ماذا لو كنت لا اتمكن من التذكر؟مثلا، شخص ما مصاب بمرض الزهامير قد يعاني من فقدان الذاكرة للأحداث الاخيرة. هناك ايضا موقف ديفد فتباترك الذي عانى من شرود فصامي وهو في عمر 25سنة، جعله ينسى كل شيء عن حياته قبل الشرود الذهني (القناة الخامسة، الرجل الذي بلا ماضي). بما ان نظرية لوك في الهوية ارتبطت بمسؤولية الفرد، فان لوك سيقول ان ديفد فتباترك لايمكن اعتباره مسؤولا عن أي من الأفعال الجيدة او السيئة التي قام بها قبل هذا المرض.

لا يمكننا القول ان الناس غير مسؤولين عن الافعال التي لايستطيعون تذكّرها. الفرق الذي نحتاج توضيحه في موقف لوك عن المسؤولية هو الفرق بين كونك واع بالفعل الآن وكونك واع به عندما كنت ترتكبه . فمثلا، جول لوي لم يُتهم بقتل والده بسبب انه ارتكب الجريمة عندما كان نائما(سمث- سبارك اون لاين). طالما هو لم يكن واع بالأفعال التي كان يؤديها، هو غير مسؤول عنها، ولكن اذا كان هناك شخص ما يؤذي عمدا عدة افراد ولاحقا ينسى ما قام به فلا يجب ان يُعتبر بريئا.

بقدر ما يتعلق الامر بالهوية، نحن نستطيع رؤية ان هناك أجزاءً من حياتنا لم نعد نتذكرها. فمثلا، معظمنا يتذكر القليل عن طفولتنا المبكرة. توماس ريد يعارض هذا العنصر من نظرية لوك في الهوية بمثال شهير. هناك فتى شاب جُلد لسرقته تفاحا، وبعد ان كبر اصبح مسؤولا ولاحقا اصبح جنرالا. المسؤول تذكّر كونه تعرّض للجلد، والجنرال يتذكر كونه مسؤولا، لكن الجنرال لايتذكر حين جُلد. طبقا للوك هذا يعني ان الجنرال ليس نفس الشخص حينما كان طفلا. ريد يجادل بانه رغم ان استمرارية الذاكرة ليست متجاوزة، لكن الهوية العددية هي كذلك(ريد، ص249). مشكلة ذات صلة هي انني قد لا امتلك ابدا اي ذاكرة للزمن عندما اكون غير واع. هذا يعني لست انا الذي كان نائما في السرير اثناء الليل وانما هو شخص آخر.

هذه القضايا يمكن معالجتها عبر التمييز بين فكرة الارتباط السايكولوجي والاستمرارية السايكولوجية. الشخص س مرتبط سايكولوجيا بالشخص ص اذا كانت حالته السايكولوجية نفس تلك التي لدى الشخص س. من جهة اخرى، الشخص س هو مستمر سايكولوجيا مع الشخص ص لو كانت حالته الذهنية مرتبطة بتلك الحالة لدى الشخص ص عبر سلسلة متداخلة من الارتباط. في هذه الطريقة، بينما الجنرال لم يعد مرتبط سايكولوجيا بنفسه كولد شاب، لكنه لايزال مستمرا سايكولوجيا معه.

المشكلة الهامة في نظرية لوك هي امكانية ان تكون ذاكرة المرء مشوهة بمرور الزمن او انها زائفة كليا. الذاكرة شديدة الهشاشة ويسهل توجيهها بالاقتراحات من آخرين. مثلا، ديفد بايورك وجد بالإمكان ان يستغل الباحثون عقيدة الشخص حول الأحداث عبر تقديم اسباب لعدم دقة ذاكرته(بجوركلد، ص53).

يوضح لوك انه في حالة ان يعاني شخص ما بشكل زائف من ذنب لجريمة ارتكبها شخص آخر، فعندما نذهب الى الحساب، فان الله سيضمن ان الذاكرة الوحيدة التي نمتلكها والتي تكون مسؤولة هي ذاكرتنا(لوك، 473). ولكن لكي يقرر الله أي الذاكرة تعود لنا هو يجب ان يكون قادرا على ان يقرر منْ نحن. لوك غير قادر على توضيح كيف يختلف معيار الله في الهوية ويكون اكثر فاعلية من معياره هو.

الاستمرارية السايكولوجية

سوف نصف هنا الموقف من الهوية الشخصية بمرور الزمن. سنصف حدود التغيرات السايكولوجية المقبولة ونناقش أي العناصر النفسية ضرورية لبقائنا.

معيار الاستمرارية السايكولوجية

يقترح سدني شومكر نظرية الاستمرارية السايكولوجية كتحسن في استمرارية الذاكرة (شومكر، ص43). مع ان فقدان الذاكرة بالتأكيد يشكل خسارة كبيرة، لكن رغم ذلك يمكن للناس الاحتفاظ بنفس الحياة السايكولوجية. ولكن ماذا نعني عندما نتحدث عن الحياة السايكولوجية؟ هذا يشمل اكثر من مجرد ذاكرة، يتضمن العقائد، العواطف، الميول. من الواضح ان ذهنيتنا تتغير كثيرا اثناء دورة الحياة. هذه النظرية تسمح بتحول مشابه كما في معيار لوك في الذاكرة. مع اني لم اعد مرتبط سايكولوجيا بذاتي عندما كنت شابا، لكني بالتأكيد لاازال مستمر سايكولوجيا معها. هذا يكفي للادّعاء اني لم افقد هويتي الشخصية.

تحسين معيار الذاكرة

ان اللجوء الى علم النفس بشكل عام بدلا من مجرد الذاكرة سيجعلنا قادرين على تجنب المشاكل المتعلقة بفقدان الناس للذاكرة ومن ثم فقدان الهوية. الناس الذين يعانون من فقدان الذاكرة يجسدون دائما نفس الطريقة من التفكير كما كانوا قبل الحادث، وهو ما يبيّن استمرارية الذات التي تتجاوز مجرد الذكريات.اذاً ماذا يحدث عندما يباشر احد ما تغييرا سايكولوجيا كاملا؟ هذا نادر جدا لأنه حتى عندما تتغير كامل الشخصية، فان ذكرياتها تبقى عادة. فمثلا، لو ان احد ما عاش حياة من الإثم المروع فهو قد يمارس تحولا دينيا ويغيّر كل مظاهر حياته برغبة تامة. وبينما يُعد هذا تغييرا جذريا، لكنه سوف يبقى يمتلك ذكريات عن حياته السابقة والتي توفر ربطا كافيا لضمان استمرارية هويته. اذا لم تكن لديه ذكريات عن الماضي نحن بديهيا سنوافق على ان هناك استمرارية غير كافية بين ذاته الآن وذاته لاحقا لكي يمكن لنا اعتباره نفس الشخص.

 

حاتم حميد محسن

................

الهوامش

* من موقع UK essays/فلسفة، مشكلة الهوية الشخصية على مر الزمن.

(1) الهوية العددية numerical identity هي ان نقول ان هذا الشيء وذاك متشابهان عدديا، انها تتطلب تشابها مطلقا وكليا، وهي تحصل فقط بين الشيء وذاته.اي انهما واحد وذات الشيء، اما الهوية النوعية qualitative identity تكون فيها الاشياء متشابهة ببعض الخصائص قليلا او كثيرا، كما لو قارنا بين كرتين مصنوعتين من نفس المطاط فهما متشابهتان نوعيا لأنهما اثنان، وكذلك في حالة التوائم. مفردة عددية ربما تسبب بعض الالتباس في المفهوم لدى البعض باعتبار ان الهوية العددية تتعلق بشخص او شيء واحد.

 

 

اكرم جلالنظرية الصدور عند أفلوطين:

قَدّم أفلوطين مَنهجًا فلسفيًا مَزَجَ فيه بين التفكير الفلسفي والتعبّد الديني فأصبح بحق الفيلسوف الذي وحّد الإنسان مع ذاته وقدّم الكون على أنَّه وحدة شاملة، حيث دَمَجَ مفهوم الواحد الإنساني بالواحد الإلهي واعتبر الأوّل يدور في فلك الثاني والذي هو الواجب والشرط في هذا الوجود. ولا يمكن تقديم أي تفسير لهذه الرؤية سوى أنَّه مزج بين فلسفات ومذاهب دَرَسَها واعتقد بها وسار على نهجها مجتمعة، كاليونانية التي تعتمد الجدل والحوار كأساس لبلوغ الحقيقة، والفلسفة الإسكندرانية الشرقية ذات الطابع الربّاني والتي تهدف إلى نَيل السعادة الأخروية، بالإضافة إلى الفلسفة الهندية والفارسية.

لقد كان الفكر الإلهي والنزعة التوحيدية واضحة متجذرة في فلسفة أفلوطين، إلّا أنَّه كان ينتقد وبشدة العقول التي كانت تنتهج الوثنية والجهل في العبادة، فقد كان يمقت التعاويذ والشعوذة، ويدعوا إلى استخدام الفكر والتفكّر من أجل إدراك أعلى مراتب المعرفة الإلهية.

إنَّ القارئ والمتتبع لتلك الحقبة الزمنيّة يلمس بوضوح الترابط بين المسيحية والأفلاطونية، وأنَّ المسيحيّة قد أثّرَت بشكل واضح في الفكر الأفلاطوني، وهذا الترابط قد يعود سببه إلى أنَّ هناك الكثير من مُعتنقي الفكر الأفلاطوني هم نَصارى، ورغم هذا الترابط إلّا أنَّ بينهما اختلاف في العقيدة والمنهج خصوصًا في مبدأ الأقانيم الثلاثة، وقد نتج عنه أنْ اتَّهَمَ المسيحون الأفلاطونيين بالشّرْك.

وَرُغمَ أنَّ للغنوصيّة تأثيراً واضحاً في تَثْبيت الأركان الفكريّة الأفلاطونية، إلا أنَّ أفلوطين كان مؤمنًا بالفصل بين عالمي المعقول والمحسوس، وَتَأثَّر كثيرًا بالمنهج الرواقي القائل بتقبل الحاضر والاعتماد على العقلِ لفهم العالم، وعدم الاستسلام والرضوخ لِلَّذَة الدُنيويّة أو الخوف من الألم، ورغم أنَّ رؤية أفلوطين هذه كانت غير مُعلنة بالمُطلق في مؤلفاته، لكنّ فِكره كان بحق يُمثّل مَرحلة فاصلة بين انتهاء عهد الفلسفة اليونانية وابتداء مرحلة بزوغ فجر الدين من وسط التعقيدات والمتاهات الفلسفية، حيث يقول فرفوريوس: (أن التعاليم الرواقية والمشائية ممزوجة مزجًا مستترًا في مؤلفات أفلوطين، وميتافيزيقا أرسطو توجد فيها ملخصة بكاملها)1.

إنَّ نظرية الفيض أو الصدور التي قدّمها الفيلسوف أفلوطين هي أحد أهم النظريّات التي جَمَعَت المباحث الفلسفية الثلاثة: القِيَم، والمعرفة، والوجود، من خلال تقديمها رؤية مفصّلة عن كيفيّة فيض سلسلة من العقول (الأرواح) والنفوس عن الواحد الحق. والوجود بنظر أفلوطين هو عبارة عن وحدة واحدة متماسكة ومترابطة عبر دائرة نوريّة، وأنَّها مُقسّمة إلى عالمين الأول أسْماه العالم المَعقول أو العالم العلوي وهو في نظره العالم الحقيقي وفيه تحدّث عن الأقانيم الثلاثة، والثاني هو العالم المَلموس أو الدُنيوي وهو زائف وغير حقيقي وهو عالم الطبيعة والكون والأنفس الجزئية، وأنَّ الموجود في العالم السُفلي هو بطبيعته دائم التطلّع والنزوع نحو العالم العلوي من أجل بلوغ مراتب تكاملية أعلى، وعليه فإنَّ آراء أفلوطين ونظريّاته إنَّما هيَ نابعة ومتعلّقة بالعالم الأوّل، ذلك العالم الذي يتكوّن من معقولات ثلاثة: الواحد، والعقل، والنفس. والوجودُ بأكملِهِ مُعتمد على واحديّة الواحد والذي منه يصدر الفيض والنور ليشمل كلّ الموجودات، كلٌّ حسب قُربه وَمَرتبته من الواحد.

وهذه النظريّة في بعضِ أُسُسها تُعتبر إستكمالًا لنظريّة الجوهر وخلود النفس وتكوّنها عند أفلاطون، وكذلك هيّ ليست ببعيدة عن نظرية الفيض عند أرسطو والوحدة عند الرواقيين، حيث استفاد أفلوطين من جميع هذه النظريّات وقدّم نظريّةً جديدة تعكس فكرًا متماسكًا في المضمون وجريئًا في الطرح، لذلك نرى أفلوطين يقول:

(وبالتالي فإنَّ أفلاطون كان عارفًا بأنّ الروح إنّما ينبعث من الخير المحض، وبأن النفس إنّما تنبعث من الروح. فليس أقوالنا هنا أقوالاً جديدة من استحداث دهرنا، بل إنها واردة منذ القدم بغي توضيح واسترسال. كما أنّ أقوالنا اليوم ليست إلّا شرحاً وتفسيراً لأقوال القدامى التي يدعم كونها قديمة ما ورد في مؤلّفات أفلاطون ذاته..)2، وبذلك فإنَّ أفلوطين لم يهمل الأسس الفكرية والآراء الفلسفيّة لأفلاطون بل نراه قدّم وناقش وتحدّث بتفصيل عن آراء برمنيدوس وأنسكاغوراس وهرقليطس وأرسطو.

لذلك وَمِنْ أجل الغَور في أسرار هذه النظرية لِما تحويه من عٌمق فلسفي وابداع فكري لا بُدّ مِنَ التّفصيل في الأقانيم الثلاثة التي اعتمدتها نظريّة الفيض لأفلوطين كونها أعمدة أساسية عليها بُنيَت نظرية الفيض، وهي كالآتي:

الأُقنوم الأول: الواحد

الواحِدُ هوَ أوّل الأقانيم الثلاثة في نظريّة الفيض عند أفلوطين، حيث أنّه المركز الذي تَصدُر الكثرة عنه، وهذه النظريّة، التي تَجمَع ما بَين مبحثين أساسيين وهما النفس والوجود، لطالما كانت مُحور القراءات الفلسفية والدينيّة حيث انشغل بها الفلاسفة والمفكرون على مرّ القرون. والواحدُ في فكرِ أفلوطين هو البسيط الذي لا كثرة فيه، ولا تعدد ولا انقسام له، فواحديّته ليست وصفًا بل إنَّها وحدة حقيقيّة، (ليس واحدًا بمعنى الواحد وصفًا لغيره بل إنَّه هو الواحد ذاتًا)3، وأنَّ هذا الواحد كما يبيّنه أفلوطين في ثنايا توصيفه للأقانيم الثلاثة في تاسوعاته، على أنّه ذلك الجوهر المضيء:

(.. فإنَّ الروح يستمد قوّته من الواحد ويبلغ كماله ذاتاً،.... وإنّما تخرج الأشياء كلّها من الواحد، لأنّ الواحد لا يضبطه شكل قط؛... ولذلك ليس الواحد بشيء مما يكون في الروح، بل إن كل شيء من الأشياء إنَّما منه يخرج)4.

وأنَّ ليس كمثله شيء ولا يشبهه شيئ، وأنّه هو الحقّ؛ لأنَّه أصل الأشياء وفوق ماهية الأشياء، ولأنّه كذلك فهو خيرٌ مِن كلّ شيء، يقول أفلوطين:

(إنَّه من المستحيل أن يقع أصل الأشياء كلها صدفة واتفاقا، لا لأنه يكون أحط مقامًا حينئذ، بل لأنَّه لا يكون خيرًا على أن يُؤخذ الخير هنا بمعنى آخر، كأن يقصد به خيرًا من مقام أدنى مثلًا)5، كما أنَّه لا يقاس به شيء:

(ثمّ إنّ بقاءه على الدوام واشتماله على الأشياء كلّها لا يشكّلان له قياسًا كما أنَّهما لا يجعلانه بدون قياس، وإلّا فكيف يكون للأُمور الأخرى قياسها؟)6.

وقد بَلَغَ مِنَ العَظَمَة درجة أنْ لا يُضاهيه أحد ولا يفوقه أحد، أعظم من كلّ شيء:

(ثمّ إنّ عِظَمَ الذّات لا يقدّر بالكمّ، بل يأتي بعد ذلك الأصل شيء آخر يقدّر بالمقدار. أمّا عظمه هو فَبِألّا يكون شيء يفوقه قُدرَة أو يتّسع لمماثلته)7.

ثمّ أنّ الواحدُ كما يَصِفَه أفلوطين لا يُحيطهُ وَصف ولا تَبلغ حقيقته إدراك، وأنَّ الإحاطة به بالمطلق إنَّما هو أشبه بالسَفَه وإلّا لَما كانَ هُوَ الأصل، فهو كالبّحر لا ساحل له. والإنسان، ومن حيث أنَّه يتواصل مع محيطه الخارجي من خلال الأدوات الحسيّة، فإنَّ الحقيقة الواحديّة لا يمكن إدراكها من خلال تلك الأدوات بل هي عاجرة عن الإحاطة بأجزاء من خيراته وفيوضاته التي لا تُعد، وفي ذلك يقول أفلوطين: (أمّا الواحد فلن يدرك على أنّه شيء معيَّن، وإلّا لما كان أصلاً، بل كان ذلك الشيء الذي نطقت به فقط.... فما أسفهنا مُحاولين أن نُحيط بهذه الحقيقة، وهي كالبحر لا ساحل له. بل إنّ من سعى إلى ذلك، بَعَّدَ ما بينه وبين القدر المحدود اليسير الذي يتاح له في تتبُّع أثر الواحد. فإنّ من يريد أن يرى الحقيقة الروحانيّة يتخلّى عن كلّ تصوّر للمحسوس فيشاهد آنذاك ما يكون وراء الحسيّات... فلا ندري ما عسانا أن نقول فيه، ثم نخبر عمّا لا يناله، ونسمّيه مُحاولين أن نصفه لذواتنا على قدر المستطاع)8.

الأُقنوم الثاني: الروح

الواحدُ الحقُّ هُوَ الكاملُ، بلْ هو مُطلق الكمال؛ وأنَّ الخَلْقَ والتكوين لا يَكون إلّا لمَنْ كانَ هوَ في ذاته كامل ومُنزّه عن النّقص والعَيب، وأنَّ الأشياءَ لا تُوجِد ولا تَفيض إلّا إذا اكتَمَلَتْ، وفي هذا الشأن يُبيّن أفلوطين أنَّ كلّ الأشياء حينما تَصل إلى حالة الكمال فإنّها ستفيض وتُنْتِجُ وتُعطي شيئًا آخر يَختلف عنه، يقول أفلوطين:

(.. ثمَّ إنَّ الأشياء كلّها تنتج إذا اكتملت. فالذي يكون في حال الاكتمال دائماً ينتج دائماً، ويكون نتاجه أزليّاً؛ على أنّ ما ينتج يكون دونه مقاماً. وما عسانا أن نقول فيما يكون بالغاً تمامه؟ نجيب: لا ينتج عنه إلّا ما هو أعظم الأشياء بعده. والشيء الأعظم بعد إنّما هو الروح الذي يأتي في المقام الثاني..)9، أضف إلى ذلك أنَّ المُطْلَق في كَماله (الواحد الحق) حينما يفيض فإنّه سَيفيض شيئًا كامِلَ النّقاء والصّفاء:

(.. من ذلك المحتد حقّاً يخرج الروح الذي نحن في صدده. فإنَّ الروح القائم في مُنتهى النقاوة والصفاء، إنّما هو أهل لئلَّا ينبع إلّا من الأصل الأول..)10.

يَنبَعُ هذا الرّوح مِنَ الواحد وَينساب كإنبعاث نُورٍ مِنَ النور، وهذا الروحُ هوَ دونَ الواحد لذلك فهو يَستمدّ بقائه مِنَ الواحد، بل هو دائم الحاجة إليه، بينما الواحد الحق غَنيّ عن الروح وما دونَ الروح، يقول أفلوطين في هذا الشأن:

(.. فإنّ الروح يشاهد ذلك الواحد ولا يحتاج إلّا إليه. أمّا الواحد فلا يحتاج قَطُّ إلى الروح.. والروح أعظم من الأشياء كلّها، لأن سائر الأشياء إنّما تأتي بعده)11.

وأنّ الصادِرَ الأول أو المُبْدَع الأول، أي الروح، إنَّما هو عَطيّة مِنْ عَطايا الله تعالى، بل هو كما يَصِفُه أفلوطين أنَّه عطايا الله جميعها12، وأنَّه يصدر عن الواحد بمنتهى النقاء والصفاء كأنَّه شُعاع الشمس مِن قِبَلِ المُبْدِع الحق. لَقَد التَفَتَ الرّوح إلى الواحد فأمتَلَأَ مِنْهُ فكانَ حَقًا، أيْ أنَّه أدرَكَ ذاتَه فَصارَ مُتَعَقّلًا لها، أي أصبح روحًا، وهذا الوقوف والمشاهدة والالتفات إلى الواحد، إنَّما هوَ بمعناه الرّوحاني لا الحسّي، أي بمعنى نورٌ يشاهدُ نورًا دون واسطة، فإنّ الصادر الأول يكون قد أصبح روحًا وحقًا في آن واحد، بل وقد أصبح يُشبه الواحد الحق في قدرته على الإفاضة، حيث بَدَأَ يَفيض بقوّة عَظيمة 13.

فالروحُ إذَن هيَ حقيقة نورانيّة اكتسبت نورها من نورِ الواحد الحق وهيَ تَشتمل على الكَثرة المَعنويّة، تلك الأشياء التي هيَ جَميعًا فيه، وهو مُشتمل عليها إشتمال الجِنس على الأنواع والكُلّ على الأجزاء 14.

وهذه الحقيقة النورانيّة هي الحقيقة المحمديّة والتي تجسّمت في شخص النبيّ المصطفى صلّى الله عليه وآله وسلّم، والأئمة المعصومين (عليهم السلام)، حيث ذَهَبَ إلى ذلك جمهرة من علماء المسلمين، مؤكدين أنَّه هوَ أوّل تَجلّيات الله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: (أول ما خلق الله روحي)15، فأوليّة النور المحمديّ هي أوليّة حقيقيّة وليست إضافية، وأنَّ الباري عزّ وجل قد خلقه في عالم الذر، ولنا في هذا الحديث تكمله، حيث سنُشبعُهُ شرحًا وتفصيلًا ونرفده إن شاء الله تعالى بالأدلّة العقليّة والنقليّة.

الأُقنوم الثالث: النَّفس

وَهيَ النَّفس الكليّة، وَتأتي دون الرّوح بِمَرتَبة، حيث تتصل بشؤون الكون لتكون هيَ مَبدأ الحياة والنظام بحكم الفيوضات من الواحد عن طريق العقل؛ وَمَعَ أنَّها تَنتَمي إلى العالَم الإلهي كونها آخر العلل في العالم المعقول لكنّها أوّل العِلَلِ في العالمِ المَحسوس، فَهيَ بذلك تَتَوسّط بينَ العالَمَين، فَمِن خلالِ إلتفاتَتِها إلى الرّوح الذي صدرت منه ومن خلال النور الذي يفيض عليها من الواحد الحق عن طريق الروح فإنَّ النّفسَ بذلك تكون قَد أدرَكَت مَعقولين إثنين، لذلك فَهِيَ كَما وَصَفَها أفلوطين "عقل ما" لأنّها أدرَكَت أنّها صَدَرَت عَنِ الأول من خلال الروح، يقول أفولطين:

(عقل ما، وشيئ قائم في ذاته، وهو الملكة المفكرة. فإنها هي التي تتحرك حول الروح على أنها النور المنتشر من الروح, وأثره الذي لا يزال مرتبطاً به)16.

ثمّ إنَّ مِعياري الزمان والمكان ينتفيان في جميع الأطوار والمراتب ضمن دائرة الواحد الحق، ودائرة الروح (العقل)، بينما يجري الزمان على الدائرة الثالثة وهي النفس، رغم أنّها بحقيقتها متجردة عن هذين البعدين، ولكن بسبب وسطيّتها بين الروح والمادة جعلت منها شيئًا ذا ارتباط علويّ وسُفلي، فالنّفس تمتليء متى ما توجّهت إلى جوهر الفيوضات، يقول أفلوطين:

(إن تُوَجِّه وجهها إلى الملأ الأعلى الذي خرجت منه تصبح حافلة ممتلئة، وإن تقبل إلى الجهة الأخرى المغايرة تنتج أثرها وهو الاحساس والطبيعة)17، فالعالم الحسيّ الذي تُبدِعُه النّفس إنَّما هو بسبب إلتفاتها إلى العالم الإلهي في الملأ الأعلى، فتنظر إلى الواحد والروح الذي منه صَدَرَت فتمتلئ نورًا واكتمالًا لتنتج، بمعنى آخر، إنَّ للنّفس وَجهين وَجهٌ يَلتفت إلى الواحد والروح (الملأ الأعلى) والوجه الآخر نحو العالم الحسيّ أو ما يسمى بعالم التكوين أو الإيجاد، بذلك تكون النّفس هي القوة الخلّاقة التي تُشكّل عالم الطبيعة المحسوس من خلال الوجه الآخر أو الجزء الهابط (المبدأ العقلي).

إنَّ النفسَ الكليّة تنطوي على الأنفس الجزئيّة (مبادئ الصور والأشكال) وهذا ما يُفسّر مَبدَأَ الكثرة في النّفس (هي منساقة مع الروح من ناحية تكفل بذلك تمليها وتتمتع بالروح وتأخذ منه, فتكون هي غارقة أيضًا. ومن ناحية أخرى متصلة بما يأتي بعدها, بل إنها تنتج الذي يأتي بعدها, فيكون دون النفس مقامًا لا محالة)18، فالروح (العقل) حينما تَبلُغ مَرتبة الكمال وتفيض من نورها، الذي هوَ مِن نور الواحد الحق، يَصدُر عنها النّفس، فهي كالنور المنتشر حول الروح، ومِنَ النّفس كذلك تَخرج الفيوضات لتشمل جميع نفوس الموجودات في العالم المحسوس.

وللبحث تكملة إن شاء الله تعالى

 

د. أكرم جلال

......................

المراجع

1- بيار دوهيم: مصادر الفلسفة العربية، ص21.

2- تاسوعات أفلوطين، ص 432.

3- تاسوعات أفلوطين، ص 453.

4- تاسوعات أفلوطين، ص 413.

5- تاسوعات أفلوطين، ص 613.

6- تاسوعات أفلوطين، ص 658.

7- تاسوعات أفلوطين، ص 658.

8- تاسوعات أفلوطين، ص 465.

9- تاسوعات أفلوطين، ص 430.

10- تاسوعات أفلوطين، ص 432.

11- تاسوعات أفلوطين، ص 430-431.

12- تاسوعات أفلوطين، ص 444.

13- تاسوعات أفلوطين، ص 436.

14- تاسوعات أفلوطين، ص 499.

15- شرح أصول الكافي للمازندراني 12 / 11.

16- تاسوعات أفلوطين، ص 432.

17- تاسوعات أفلوطين، ص 436.

18- تاسوعات أفلوطين، ص 432.

 

 

 

اكرم جلالالفِكرُ والفَلسفةُ والتأريخُ، بحارٌ لا يخوض غمارها ولا يُصارع أمواجها إلّا أولئك الذين يبحثون عن الممكنات في التفكير، يَقرأون الفِكرَ القَديم وَيَتَصَفَّحون تاريخ الأمم وحضاراتها من أجلِ صياغة منهج جديد يسعون من خلاله لإدراك أو إثبات الحقيقة، واليوم، ونحن نَعيش زَمَنَ ضَياع الحقيقة واندثار المعرفة، حيث ثبّت الجّهل أركانه وهيمن على مفاصل الحقيقة، فأصبحت كلمته هي العليا. وفي ظلّ صراع مستمر بين الجهل والمعرفة، بين الوثنيّة والتوحيد، والباحث عن الحقيقة لابُدَّ له أنْ يبلُغ أسوارها ويثبّت العديد من التفسيرات الميتافيزيقية الأصولية، ومنها نظرية الفيض لأفلوطين، تلك التي شهدت جدلًا واسعًا بين المفكرين وعلى مدى عقود من الزمن.

وأفْلُوطين، الفيلسوف اليوناني، هو أحد أبرز روّاد ومؤسّسي الأفلاطونية المُحْدَثَة، وُلدَ سنة 205م في مدينة ليقوبوليس (Lycopolis)-(مدينة أسيوط، في صعيد مصر) من أبوين رومانيين. وبعد إكماله المراحل الدراسية الأولى انتقل إلى مدينة الإسكندريّة وَدَرَسَ عندَ أغلب مُعلّمي الإسكندرية الذين عاصروه، لكنّه لَمْ يَنَل مُراده إلّا على يَد أستاذه أمونيوس سكاس (175-242م) والذي كان أحد تلامذة أفلاطون، حيث وُصِفَ بأنَّه أَحَد أهمّ روّاد الأفلاطونية المُحْدَثَة، فلازَمَه أفلوطين وواظب على دروسه لأكثر من أحد عشر سنة.

لَمْ تُنقَل تفاصيل كثيرة عن حياته سوى تلك التي نقلها تلميذه ورفيقه فرفوريوس الصوري (233 م – 304 م) الذي لازمه منذُ أن تعرّف عليه سنة 263م، وهو الذي قام بتحرير كتاب "التاسوعات"، فَكل ما وَصَلَنا مِن سيرة حياة الفيلسوف أفلوطين إنَّما جاء من خلال ما كتبه تلميذه فرفوريوس في مقدمة التاسوعة الأولى.

كانت رَغبَة أفوطين في الاطلاع على الفلسفة الفارسية والهنديّة سببًا لالتحاقه بحملة الإمبراطور جورديان Gordian والتي كانت تتهيّأ للزّحف على بلاد فارس. لم يصمد الروم أمام الفرس وأنهزم جورديان في معارك جرت في العراق، بلاد ما بين النهرين، الأمر الذي أجبر أفلوطين للهرب إلى أنطاكيا ومنها إلى روما، ليبدأ مرحلةً جديدة في مسيرة حياته الفلسفيّة.

وخلال الفترة التي قَضاها في روما لَمْ يُظهِر نَفسه وحقيقةَ الأفكار التي يَحْملها وَلَم يَشْرَع بالكتابة إلّا بَعد مرور سنوات قضاها مُستَمعًا، لكنّه قَرَّرَ الكتابة بعدما بَلَغَ الخَمسين وبَعد إلْحاحٍ مِن جُلَسَائِهِ وَمِنَ المُقرّبين لديه وحينما لمسوا العبقريّة الفكريّة التي كان يحملها، بدأ يُملي على طلبته أفكاره ونظرياته ومعتقداته، وبعد وفاته جمعوا له أربع وخمسين رسالة سُميّت بالتاسوعات، وصنّفها تلميذه فرفريوس إلى ستة تاسوعات كانت تَضمّ مَزيجاً مُتنوّعاً لاتّجاهات فكريّة متعددة، حيث جَمَعَ في كلّ تاسوعة تسع مقالات تبحث في مواضيع مختلفة لكنّها متآلفة ومتجانسة من حيث المضمون العام، وكانَ نَسَق التاسوعات تصاعديًّا فكانت الأولى توصف بالأسهل ثمَّ تَدَرَّجت إلى الأكثر عمقًا والأصعب فهمًا، فكانت التاسوع الأوّل مختص بموضوع الإنسان، والثاني والثالث بمواضيع العالم المحسوس، والتاسوع الرابع موضوعه النفس والخامس يتحدّث عن الأقانيم الثلاثة، أمّا السادس والأخير فكان يتحدث عن الحقّ وأجناسه.

 

كانَ أفلوطين ميّالًا إلى الزهد والروحانيّة، فقد كان يرفض المادية معتبرًا أنَّها ليست الطريق لإدراك السعادة والرخاء، بل وكان حتى يرفض التمجيد والإشادة بإنجازاته العلمية أو الفكرية، كما أنَّه كان كتومًا لا يبوح بأموره الشخصية؛ رَفَضَ رَسمَ صورته الشخصية أو صُنع تمثال له، بل ولم يتحدث حتى عن جذوره العائلية.

أفلوطين والأفلاطونية المُحْدَثَة:

الأفلاطونية المُحْدَثَة هي فلسفة ميتافيزيقيّة، نشأت في القرن الثالث وأهم مَن ساهَمَ في تَرسيخها أفلوطين وأستاذه "أمونيوس سكاس"، حيث بَنَتْ صَرحَها على الأسس الروحيّة والإلهية للمنهج الفكري الأفلاطوني، لتبدأ بتخليصها من بعض الأفكار التي أساءت إليها وَحَرَّفتها عن مسارها كالممارسات السحرية " ثيورجى" التي قدّمها لمبليخوس من أجل تطوير النفس وإرجاعها إلى الأساس.

ولعل الفترة التي عاشها أفلوطين في مصر والنَّمط العام للمدرسة الإسكندرانية كان له الأثر الكبير في صياغة طبيعة المنهج الفلسفي الذي تبنّاه أفلوطين، حيث كان للمعتقد الديني أثرٌ في تعميق البعد الروحي ذي الطابع الصوفي والرؤية الميتافيزيقيّة في القراءة والتحليل، أضف الى ذلك أنَّه كان ولأكثر من أحد عشر عامًا ملازمًا لمعلمه الأوّل أمونيوس سكاس، الذي يَنقل عَنه المؤرخون أنَّه كان مؤمنًا مسيحيًا وقد نال المعمودية في أواخر القرن الثاني، عندما انتقل الى روما فإنَّ نهجه في الدراسة والتدريس لم يتغيير كثيرًا، وكان يتحدّث دائمًا عن منهجه واعتقاداته الفلسفية وكيف أنها نابعة من ارتباطه بسلفه من الفلافسفة والمفكرين، فيقول: (فليست أقوالنا -هنا- أقوالًا جديدة من استحداث دهرنا، بل إنَّها واردة منذ القدم بغير توضيح واسترسال)1.

وتعتبر الفلسفة الأفلوطينيّة شكلًا من أشكال المثاليّة الوحدويّة (أو ما يُطلق عليها بالوحدويّة الإيمانيّة)، ولذلك يؤكد فرفريوس، أنَّ أفلوطين كانَ روحانيّ النّزعة، وكثير الارتباط القلبي بالعالم الربّاني، وكان ينشد الحبّ الإلهي في مسيرته معتبرًا أنَّ المحبوب الأوحد هو هدفه ويرى أنَّ الطريق من أجل ذلك هو بأن تسمو النفس وتعلو على الجسد، وهذا ما يفسّر النزعة الصوفيّة في الفلسفة الأفلوطينيّة والتي تؤمن بحقيقتين أساسيتين، الأولى النفس البشرية العالية التي تركت وضعها الأوّل والحقيقة الثانية هي الروح وسُبل تدرّجها نحو مراتب الكمال والخلود.

ويُضيف أفلوطين أنَّ مِنَ الأمور التي تزيدنا عشقًا للواحد هو أنَّه أعزّ وأجل مِنْ أنْ يوصفَ بوصفٍ أو يُحدّ بشكل، يقول: (لا غَرْوَ أيضًا لأن لم يكن له شكل. ولَعُمري، إن كان الشيء معشوقًا، ثم لم يسعك أن تتبيَّن فيه شكلًا أو صورة، أصبحتَ منه أشد ما تكون له عشقًا وحبّاً، وحلَّ من العشق فيك آنذاك ما ليس له حدّ.

أجل، إنَّ العشق عنا لا يُضبَط بحَدّ لأنَّ المعشوق لا حدَّ له هو أيضًا، إنَّما لا يكون للعشق نهاية ما دام هو المعشوق)2، وإنْ كان الواحد للحسن مبدعًا فماذا يا ترى يكون حسنه؟ (وليت شعري، ما عسى أن يكون حُسْنه ما دام هو ذاته ليس بشيء حقًا؟ لكنّه هو المعشوق، فكان للحسن هو المُبدِع)3.

لَقَد كانت رائحة الصوفيّة تفوح في كتابات أفلوطين وفي منهجه الفكري والفلسفي وإنْ جاهد لإخفائها، لذلك نراه يُقدّم فهمًا للوجود بطريقة مدهشة وكانت نظرته للذات الإلهيّة محلّ تأمل الفلاسفة والمفكرين، فكان يدعو إلى أنَّ الإله ليس ضربًا مِنَ الخَيال بَلْ أنّه حقيقة فَرَضَها العَقل والمنطق، فهذا الحضور الإلهي هو الذي يجعل النفس مرتبطة به، توّاقة إلى لقائه، فقدّم رؤيته مفسّرًا حقيقة الانتقال من الواحديّة إلى الأحديّة والذي هو واجب الوجود، بَلْ هو الخير المُطلق.

وللبحث تكملة إن شاء الله تعالى

 

د. أكرم جلال

.....................

 المراجع

1- تاسوعات أفلوطين، ص 432.

2- تاسوعات أفلوطين، ص 658.

3- تاسوعات أفلوطين، ص 658.

 

 

علي محمد اليوسفتمهيد: من خلال ما اشار له فلاسفة عديدين في تلازم الذاكرة والخيال بوجهات نظر متباينة خلصنا الى انهما افصاحان يدركان بدلالة تعبيرهما عن (الزمان) بصورة متضادة متعاكسة، فالذاكرة تعبير استذكاري متجه نحو الماضي دوما،يعاكسه تعبير الخيال متجها نحو سيرورة مستقبلية غائبة ليست موجودة في زمان مدرك الحضور.

بالحقيقة هذا التفريق المتعاكس بين اختلاف زمانية الذاكرة نحو الماضي، وزمانية الخيال نحو سيرورة مستقبلية هي اجتهاد لنا سبق لريكور ذكره بعبارة سريعة سرعان ما غادرها من حيث تكريسها الانفصال بين الذاكرة والخيال غير المتفق عليه . وحيث معظم الفلاسفة رغم هذا التعارض الشديد بين تحقيبين زمانيين  مختلفين يذهبون الى تبعية الذاكرة للمخيلة أو تبعية المخيلة للذاكرة من ناحية أن الذاكرة هي زمان يحتوي زمانية الخيال في ارتباطهما المشترك بالنفس.

وذهب بعض الفلاسفة تاكيدهم أهمية ربط الذاكرة بالزمن الماضي في معرفة دلالتها حين تكون مرافقة لزمن مرّ، زمن مضى، عليه يمكننا استخلاص ثلاث نتائج من هذا المعنى ربما لا يأخذ بها بعض الذين يعاملون تجريد الذاكرة والخيال جوهرين لا علاقة تربطهما بالعقل بل هما ولا حتى تجريدين ادراكيين منفصلين يحتويهما العقل بالوصاية الفكرية عليهما:

1- الذاكرة موضوعا تجريديا مدركا بدلالة وظيفته في ارتباطه المتلازم باستذكار وقائع وحوادث الزمان الماضي. والذاكرة في تجريدها من الخيال لا يبقى معنى لها كما يتضح معنا لاحقا.

2- الذاكرة انشاء تعبيري تجريدي صوري صادر عن العقل في استذكار وقائع الزمن الماضي. ولا يقلل من هذا تنسيب الذاكرة الى النفس، الذاكرة لا تمتلك استقلالية المدرك المجرد ولا بأس من ربط النفس بها كما جرى ربط الخيال بها، ولا معنى لشيء يدعى ذاكرة مجردا عن دلالة ارتباطه بوقائع حدثت وجرت بالماضي. فالذاكرة هي تخزين تصوري لوقائع قبل كل شيء وهي تحقيب لزمن ماض جرى وحصل وغادر حضوره الآني الحالي.

3- الذاكرة فعالية استذكارية ناشئة عن تفكير عقلي منتج لها ولا تمتلك هي خاصية أستذكار وقائع الماضي من دون مرجعية الخيال العقلي . بمعنى الذاكرة التي تعتمد العقل في انتاجه لها لا تكون موضوعا مجردا للعقل بذاتها. كما عندما  تكون  الذاكرة مبعثها استثارة نفسية لمدّخرات استذكارية مخزّنة ايضا لا يمنحها هذا غير صفة التجريد المرتبطة بتفكير العقل.

الذاكرة والزمن

علاقة الذاكرة بالزمن علاقة اشكالية في عدة أمور نحاول الاشارة لبعضها حيث يشير بعض الفلاسفة عن اشكالية الذاكرة بالادراك قولهم " البشر يشاركون بعض الحيوانات في الذاكرة المحضة، غير أن الجميع – البشر وبعض الحيوانات - لا يملكون الحس الادراكي على أن الاسبيقية تتضمن بين القبل والبعد – يعني السابق  واللاحق هما في الزمان" 1

هذا التعبير الملتبس المعنى بعض الشيء نجد في مناقشته أنه من الصحيح الذاكرة قسمة مشتركة بين البشر وبعض الحيوانات وليس جميع الحيوانات اشتراكهم في مرجعية العقل والذاكرة لذا لا يمكن للحيوان امتلاك فاعلية الاستذكار بمعزل عن فاعلية العقل بتزويد الذاكرة بهذه الخاصية الاستذكارية للماضي.

والحقيقة التي لا نقاش عليها أن البشر والحيوانات لا يمتلكون الحس الادراكي للزمن في تجريده الاستشعاري غير المتحق عقليا، بمعنى ادراك الزمن كتجريد ماهوي قائم لوحده.علما أن الحس الادراكي للزمن عند الحيوان معدوم تقريبا لا حسيا ولا تجريديا. بخلاف الانسان الذي يدرك الزمن بدلالة غيره ممثلا بمقدار حركة الاجسام فيه.

الزمن لا يدرك بزمن يجانسه كون ماهية الزمن لا تقبل التجزئة ولا التقسيم تماهيا مع تعبير ارسطو لا يحد الزمان بالزمان.(لايضاح المزيد عن هذه الجزئية ادعو مراجعة اكثر من مقال لي منشور على مواقع عربية عن الزمان بالمنظور الفلسفي آخرها كان بعنوان (الزمان المطلق وهم الاتصال والانفصال).

ذاكرة الانسان تدرك الزمان الارضي الطبيعي كتقطيع أفتراضي كتحقيب يقوم على أدراك مقدار ونوعية حركة الاجسام داخله. والزمان ماهية وصفات تعجز حتى بعض الحيوانات القريبة عقليا من ذكاء الانسان ادراك الزمان بمقدار حركة الاجسام لا هي بذاتها ولا بدلالة غيرها من أجسام ترى حركتها لكنها تجهل زمانية تلك الحركة، الزمان تجريد يعرف ويدرك بدلالة قياس حركة غيره من الاجسام داخله، والمساواة بين الادراكين الحركة وزمانها بانفصال الحركة عن زمانها هو محال لا يدركه العقل. فهما غير متساويين بل ومختلفين. فحركة الجسم هو مقدار زماني، وليس زمانا مجردا يدرك وحده منفصلا عن حركة الاجسام داخله. كما أن ادراك الزمان كتحقيب يتوزعه الماضي والحاضر والمستقبل يكون في ارتباط حركة الارض حول نفسها وحول الشمس ايضا وعلاقة الارض مع باقي اجرام المجموعة الشمسية تحديدا القمر.

المقصود التوضيحي انت لا تستطيع ادراك حركة الشيء بمعزل عن ادراكك مقدار تلك الحركة زمانيا. لذا يكون ادراك حركة الشيء زمنيا لا يعني ادراك زمن تلك الحركة تجريدا زمنيا منفصلا عن حركة الشيء داخل الزمن. بمعنى الزمان محال ادراكه ماهويا الا بدلالة حركة جسم تلازمه في داخله.

الزمن ماهية لا تدرك وغير قابلة لادراك العقل كموضوع قائم بذاته مجردا. فادراك الحيوان (الماقبل والمابعد) لحظتي الزمان الافتراضية غير المتحققة لا يدركهما الحيوان مطلقا بهدف ادراكه مقدارالزمن بل ولا أدراكه زمن موجودات الاشياء التي تشاركه وجوده الانطولوجي ايضا، والزمان حتى بالنسبة للانسان يدرك تحقيب تعاقب الزمان بالقياس لحركة الاجسام ولا يستطيع الانسان ادراك الزمان كماهية مجردة أو صفات نتيجة أدراكه مقدار حركة الاجسام في زمان لا يدركه لوحده كينونة مستقلة وجودا يمكن أدراكها من غير الحركة المادية في الزمن.

ذاكرة الحيوان في حال أفتراضنا أنها تمتلك الاستذكار لاشياء من الماضي فهي لا تعي تحقيب الزمان الارضي كما يدركه الانسان كماض وحاضر ومستقبل. أي ذاكرة الحيوان لا تعي الزمن كتحقيب تسلسلي نظامي كما يعيه الانسان ويتكيّف بموجبه. ذاكرة الحيوان تجد في الحاضر الذي تعيشه ولا تدركه عادة من السلوك المعتاد الذي لا يحتاج معه ذاكرة. والحيوان مثلا يشعر بتبدلات المناخ والبيئة من حوله لكنه يجهل أسباب هذه التغيرات المناخية ولماذا تحدث؟

حين يطرح ارسطو في كتابه " الانطباعات" قوله " أننا حين ندرك الحركة فأننا ندرك الزمن. غير أن الزمان لا يدرك كمختلف عن الحركة، الا اذا حددناه. أي أذا أستطعنا تمييز حركتين الاولى كسابقة والثانية كلاحقة، وفي هذه النقطة يتقاطع تحليل الزمان عن تحليل الذاكرة " 2

من الصائب الصحيح الظاهر من العبارة تعبير ارسطو قوله " حين ندرك الحركة ندرك الزمن " لكن التباس العبارة يكمن اننا ندرك الزمن بدلالة الحركة ولا يعني ادراكنا الزمن مجردا عن حركة الشيء المتحرك داخله. بمعنى أن ادركنا الزمان مجازيا مجردا في ادراكنا حركة جسم داخله، أننا نقيس مقدار الحركة لمعرفة زمن حركة تلك الاجسام وليس مقدار حركة الزمان بدلالة حركة الجسم. الزمان ماهية وصفات تجريدية ثابتة ليس لنا ادراك الماقبل كلحظة تسبق المابعد بغير دلالة حركة شيء...عبارة ارسطو التي مررنا بها في منتهى الدقة والصواب قوله (الزمان لا يدرك كمختلف عن الحركة) بمعنى لا ادراك لزمن من دون ارتباطه بدلالة حركة جسم او شيء فيه. وادراك الزمان لا يدرك باختلافه عن الحركة ايضا.

الزمان حتى في قياسنا اللحظة فيه يكون متعذرا من غير تعالقة مع حركة الاجسام كزمان مطلق ميتافيزيقي لا يمكننا ادراكه مجردا يمّثل نفسه كوجود ندركه وحده.وعندما نحاول وصول – تحقيق المستحيل الفيزيائي – حسب رغبة ارسطو تحديد زمانية الماقبل عن لحظة زمانية المابعد مجردتين عن حركة جسم ما نكون دخلنا تقاطع تحليل الزمان عن تحليل الذاكرة حسب تعبير ارسطو، والسبب واضح لماذا؟

أولا لا يمكن تحديد لحظتين زمانيتين مجردتين عن حركة جسم يلازمهما. الزمان لا يدرك موضوعيا لا في كينونته المطلقة الكلية ولا في أفتراضنا الخاطيء أننا نستطيع تجزئة وتقسيم الزمان الى لحظات أو غير لحظات من غير دلالة حركة شيء يداخله زمانيا. من حيث اللحظة هي مقدار زمني لحركة شيء وليست اللحظة تجريدا زمانيا يمكننا حدّه وادراكه بزمن. الزمان تجريد لا يدركه العقل لأنه ليس من صنع وأبتداع ادراك العقل له كوجود ولا هو معطى انطولوجي متعالق وجودا بالطبيعة يدرك منفصلا بغير موجوداتها. بخلاف جميع التجريدات الادراكية الاخرى التي يصدرها العقل وهو يدركها ويعيها لأنه صانعها وهي التي ندركها زمانيا كونها أصبحت تجريدا عقليا.

وعندما نقر بصحة أختلاف تحليل الذاكرة عن تحليل الزمان المشروطة بتحديد اللحظتين الزمانيتين (الماقبل والمابعد) اللتين من المحال تحققهما كما أوضحناه قبل أسطر قليلة، نجد حقيقة الذاكرة هي أستذكار تصوري تجريدي لوقائع وحوادث وقعت في الماضي محفوظة بالذاكرة تستطيع الذاكرة استرجاعها الاستذكاري الناقص بتأثير عامل النسيان. وهذا التجريد يختلف تماما عن أمكانية أدراك عقل الانسان للزمان مجردا عن الحركة التي يحتويها لجسم، في معرفته لحظتي الماقبل والمابعد. الانسان ليس بمقدوره ادراك الزمان مجردا عن حركة الاجسام داخله. الزمان محال أدراكه تجريدا مفهوما أو موجودا لوحده فيزيائيا.

النفس والذاكرة

جرت محاولة فلسفية ربط الذاكرة والخيال بالنفس في تاكيد مقولة افلاطون بهذا المعنى، تلا ذلك تعبيرات فلسفية حول تعالق الذاكرة بالزمن مثل قول مونييه " كل ذكرى تصاحبها فكرة الزمن" وقول سوراجي " كل ذكرى تتضمن الزمان" وقول منسوب لارسطو " أن نكون في الزمان يعني أن يقيسنا الزمان في ذاتنا وفي وجودنا وبالنسبة للحركة، فاننا واقع كوننا في الزمان يعنى واقع أن نقاس في وجودنا" " وتعلن النفس أن هناك لحظتين السابقة من جهة واللاحقة من جهة أخرى، عندها نقول هذا هو الزمان" العبارات المقتبسة عن المصدرهامش رقم 3

تعقيب: ربط الذاكرة بالخيال والنفس لا يغير من حقيقة أن مرجعية العقل تحدد كل شيء بالنسبة لهم ثلاثتهم كتعبيرات صادرة عن العقل. وربط الذاكرة بالماضي لا يجعل من الخيال تابعا للتعبير عن الماضي فزمان الذاكرة هو غير زمان الخيال والمخيلة. وتوضيحات اكثر نجدها في:

- الذاكرة ليست مصدر توليد المخيّلة، والذاكرة استذكار صوري لافكار تجريدية في تعبيرها عن وقائع زمانية الماضي. وربط الذاكرة بالخيال قضية جدالية غير محسومة بين مؤيد داعيا لانفصالهما مثل بول ريكور ومن قبله برجسون، وبين داع لربطهما مثل العديد من الفلاسفة الذين يرون في أحدهما تعبير ضمني عن الاخر.فعندما نلفظ مفردة ذاكرة فالمفهوم الدارج اننا نقصد ملازمة الخيال لها.

- أن نكون في الزمان لا يكفي التسليم أننا أصبحنا يقيسنا الزمان في ذاتنا وفي وجودنا حسب ارسطو، هذا الافتراض يحتاج أدلة برهانية تصادقه لاننا ببساطة، لا نستطيع ادراك الزمن لوجودنا وذواتنا بدلالة طرف ثالث غير موجود يحكم ويراقب وجودنا في أحتواء الزمان لنا، الزمان يقيس الحركة بوجود جسم متحرك وطرف ثالث غير الزمان وحركة الجسم به يقيس مقدار الزمن بالحركة وليس مقدار الزمان فينا الذي لا ندركه؟

صحيح جدا من الناحية الفلسفية نردد مع ارسطو أننا نقع في قياس الزمن لنا، لكن الاهم من ذلك هذا الافتراض ندركه بدلالة ماذا ودلالة من؟ المفروض الواجب هنا كي ندرك قياس الزمن لنا ولذواتنا وجود طرف ثالث لا هو الزمن ولا هو نحن الذي يتلبسنا الزمن. حضور الطرف الثالث محال تحققه ليؤكد قياس الزمن لنا كوجود انطولوجي تسبح أجسامنا داخل الزمان الذي يحتوينا ويدركنا ولا ندركه...

- من البساطة الافتراض أننا بمقدار ما نفتقد القدرة على هيمنة الزمان فهو أيضا يفتقد القدرة على التلاعب الحركي زمانيا بنا، الزمان يتبع حركة الاشياء داخله وليست الاشياء داخله تتبع ادراكية الزمان لها، فالانسان وكافة الاشياء والموجودات لا تدرك الزمان يحيط بها الا بدلالة (حركة) ليس للزمان علاقة باستحضارها بمقدار ما تكون الحركة خاصية الاجسام المراد قياس زمانها. بمعنى حركة الاجسام داخل الزمن لا يولدها ويخلقها الزمن خاصية داخل الاجسام المتحركة كي يدركها الزمن. فالادراك يتحدد بحركة الاجسام خاصية لها داخل الزمان وليس بحركة الزمان الملازمة للاجسام وهي لا تمثل جزءا من تلك الاجسام.فحركة الجسم تصبح خاصية في تكوينه، لكن قياس مقدار حركة الاجسام الذي هو الزمن يكون طارئا لا يجانس الجسم ولا حركته لا بالصفات ولا بالماهية، بمباشر العبارة الزمان ليس وجودا ندركه كما ندرك وجود بقية الاجسام فيزيائيا انطولوجيا.

- ربط الذاكرة بالنفس يبرره بعض الفلاسفة الى أن التذكر مبعثه انفعال نفسي، والذاكرة لا تستستطيع تذكر وقائع الماضي من غير استثارة نفسية تحفز الذاكرة على انبعاث انطباعاتها التذكرية االمخزونة فيها. التساؤل هنا هل تكون الذاكرة هي الخيال نفسه ولا فرق بينهما؟ بدليل الذهاب الى أن استذكار الماضي هو خاصية الذاكرة، وأفكار الخيال رغم أنها تحوي استذكارات واقعية ماضية، الا أن الخيال يمثل  تفكيرا مستحدثا ايضا لاعلاقة تربطه بالذاكرة في توجهه نحو المستقبل. هذا يجنبنا الوقوع في محذورين الاول أن الذاكرة ليست توليدا لافكار الخيال، والثاني أن الخيال يمتلك أستقلالية تفكيرية عن خاصية الذاكرة أنها لاتستطيع التعبير عن أفكار خيالية لم تكن مطبوعة بالذاكرة مكتسبة فيها كخبرة متراكمة زمنيا.

الذاكرة واللغة

من المسائل المهمة العالقة بموضوعة الذاكرة هو صورة التذكر الاسترجاعية لغويا. فالذاكرة بمقدار ما تكون افصاحاتها التذكرية أسترجاعا مبعثه الانفعال النفسي، لما سبق وأن انطبع عليها صوريا كخزين، ألا أن زمن الاسترجاع لاحداث الماضي ليست هي لغة التخزين الذاكراتي.غالبا ما يكون الاسترجاع التذكري هو الزمن الحاضر الذي يجعل من الاسترجاع التذكري للماضي منقوصا غير متطابق فيه لغة التصور الاستذكاري مع لغة الواقع الذي تكون عليه قراءتها كاحداث جرت في الماضي. لسببين الاول آفة النسيان التي ترافق الذاكرة، والثاني أختلاف لغة التعبير الزماني محاولة الربط الاستذكاري بين ماض وحاضر. بمعنى الوقائع الماضية رغم تقادم الزمن عليها تبدو أكثر أصالة حقيقية منها في حالة لغة الاسترجاع التذكري الناقص لها.

بهذا نكون وصلنا الى نقطة مفصلية في توكيد حقيقة هيمنة الخيال على الذاكرة وليس العكس، حين نجد أن كل تصورات الذاكرة الاسترجاعية التذكرية أنما هي تصورات لغوية من صنع الخيال، وبغير هذه الملكة التي يمتلكها الخيال ولا تمتلكها الذاكرة، أنما يكون فيها الخيال يعيد نفسه استرجاعيا بتوسيله الذاكرة القيام بما يحمله الخيال من دلالات تعبيرية، وعليه لا يبقى هناك ما تلعبه الذاكرة بمعزل عن وصاية الخيال عليها.لكن هذا الاستنباط في مصادرة الذاكرة لصالح الخيال تصطدم بخاصية تمتلكها الذاكرة ولا يمتلكها الخيال،فالذاكرة تتجه الى استذكار كل ماهو واقعي تاريخي حدث في زمن ماض، في حين الخيال يمتلك ايضا ما لا تمتلكه الذاكرة من حيث هو يتجه نحو تحقيق حضور ما هو وهمي، غير واقعي، يوتوبي، واحيانا غير موجود.. وأمام هذه المعضلة التي لا يمكن حلها الا بالتسليم في أستحالة فصل الذاكرة عن الخيال في القصدية التي تبدو لنا متناقضة لكن هي في حقيقتها متكاملة.

حقيقة الذاكرة وصدق التعبير

من خلاصة ما مر بنا وغيره كثير نجد أن عدم الثقة بكل من الذاكرة والخيال يرتبط بتقصيرهما المشترك في عدم صدقية كل منهما في التعبير عن موضوعه. فالذاكرة يشوبها النقص الملازم الاول لها في (النسيان) الذي تعجز الذاكرة التعبير عنه بصدقية موثوقة يمكن الاخذ بها. الناحية الثانية من تقصير الذاكرة هو أن افكارها الاستذكارية ليست تنميطا نوعيا يشمل جميع الذين يحاولون استذكار نفس الوقائع من الماضي. فالذاكرة هي والخيال خاصيتان انفراديتان من ناحية الفاعلية الادراكية، وهما بنفس الوقت خاصيتين متلازمتين من ناحية كونهما تجريدان ادراكيان في منظومة العقل الادراكية. يتفاوتان من شخص لآخر نتيجة عوامل ذاتية وموضوعية ترتبط بذاكرة كل شخص منفردا. فالذاكرة قد تمرض ويصيبها الوهن والضعف، وفي أوقات وشروط موضوعية تنشط، وهناك مقولة تذهب أن المسنين يملكون ذكريات أكثر من الشباب لكن عندهم ذاكرة تتذكر أقل.

لكن ما يتفق عليه الفلاسفة هو أننا لا نملك شيئا كوسيلة أفضل من الذاكرة متاحة لنا في أستذكار الماضي كوقائع، الذي يجعلنا ندرك مسبقا وجود ماض بحاجة الى أفصاح وتذكر له. ولا توجد وسيلة لكشف هذا الافصاح غير الذاكرة. لكن هل معنى هذا اكتساب الذاكرة الصفة الانفرادية الموثوقية المطلقة بها؟ وهل ما تنقله لنا الذاكرة كاف للتدليل على مصداقية مطلقة لعملية الاستذكار؟ ينقل بول ريكور عن كتاب ارسطو "مابعد الطبيعة" مقولة شهيرة لارسطو مفادها "الذاكرة من الماضي، والوجود الماضي يقال بطرق متعددة، فالوجود يقال على أوجه عدة".4

يعبر بول ريكور عن هذا الاحراج المتسائل قوله لا يمكننا أماطة اللثام عن حقيقة ومصداقية الاستذكارات، الا من خلال توسيط طرف ثالث يكون هيئة نقدية تعارض وتدرس وتقارن بين شهادات الذاكرة لاتاحة ما أسماه المرور الموثوق بين الذاكرة وبين التاريخ.5.

أما مسألة الطعن بمصداقية الخيال من ناحية المقارنة بينه وبين الذاكرة فنجد أن مساحة التشكيك بمصداقيته غير الموثوق بها نابعة أصلا من موضوع المعالجة التي هي من حصة الخيال في تصورات وهمية وأماني معلقة وسياحة فكرية في انتقالات اللاشعور غير المحدود لا تلتزم كما في الذاكرة شروط التفريق بين الشعور واللاشعور وبين الحقيقي والوهمي وبين الصادق والكاذب وغيرها من أمور يكون فيها خداع الخيال أصدق من التعبير عن الواقع الحقيقي للذاكرة في الكثير من الاحيان.

الذاكرة والتاريخ

يذكر بول ريكور كنت أعالج القطب القصصي للخيال في كتابي (الزمان والسرد)، حين عارضت السرد الروائي الخيالي بالسرد التاريخي، أما الان فعلينا أن نضع أنفسنا بالنسبة للقطب الاخر قطب الهلوسة، وكما أعطى برجسون طابعا دراميا الى قضية الذاكرة عن طريق منهجه بالتقسيم والانتقال الى الطرف الاقصى، علينا أن نعطي طابعا دراميا الى موضوعاتية الخيال بأن ننظمها بالنسبة الى قطبي القصصية الخيالي والهلوسة) 6

أن تواشج خاصية (الهلوسة) الوهمية رغم عقلانية الذاكرة التي تتسم بها،هي قسمة مشتركة بين الذاكرة والخيال معا. فالماضي بالنسبة للذاكرة هي نوع من الدراما المكتوبة على وفق نسق تاريخي يخترمه انتظام الزمن. وهو ملك مشاع لاستذكار الذاكرة بنفس الوقت الذي يكون فيه ساحة ملعب لهلوسات الخيال يصول ويجول فيه....الشيء أو الفارق الذي يتوجب الاشارة له في هذا التداخل الذاكراتي مع الخيال بالنسبة للماضي كدراما تاريخية هو (الزمن)، ليس بالافتراق التقليدي أن الذاكرة هي توثيق زمن الماضي، والخيال يحسب على مداخلة تعبيره عنهما زمني الحاضر والمستقبل الذي يحاول تصنيعهما وتنبؤه في مستقبلهما.

الخيال حين يزاحم الذاكرة في منطقة وساحة نفوذها دراما تاريخية الماضي الذي من حقها الارجح التعبير عنه، نجد الخيال بطبيعته اللاشعورية المهلوسة الفوضوية يتناول حقائق التاريخ بعيدا عن الانتظام الزماني في ضبط تسلسل الاحداث التي يكتنفها الزمن بانضباط عالي يحكمه التاريخ كتحقيب زماني يتوزعه الماضي والحاضر والمستقبل من الناحية التاريخية المتداخلة مع انتقالات الزمن من الماضي الى الحاضر والى المستقبل.

ميزة الذاكرة في تعبيرها عن السرد التاريخي التوثيقي تكون أكثر صدقية من محاولة الخيال التعبير عنه، فبالخيال يتم الاسقاط الوهمي، وغير المتوقع،غير الحاصل على هذا السرد المحكوم بسلطة تنظيم الزمان لوقائعه تاريخيا بما لا تستطيع تلك الحوادث الخلاص والانفكاك من سطوة الماضي عليها.

نحن لو تحرينا الصدق والامانة في تعبير الذاكرة عن تاريخية الماضي كسردية، وتعبير الخيال عن تلك السردية رغم أن الخيال بطبيعته هو تعبير جمالي فني، لوجدنا التداخل بينهما على أشده في تعبيرهما النقلي عن الماضي كتاريخ سردي نوعي متمّيز روائيا في حال جرى التوظيف النقلي على وفق أطر وانساق ومواصفات فنية جمالية نجدها تدفن ما ليس قابلا للانسجام الفني الادبي من وقائع هي من أختصاص تاريخي سردي توثيقي صرف.الخيال يتمثل التاريخ الماضي دراما حقيقية في تعبيره الخيالي عنها اسقاطا فنيا، وهذا لا يمنح الذاكرة تفويضا مفتوحا في أنحيازها للصدق النقلي التمثلي ذاكراتيا لوقائع وأحداث يحكمها الزمن الماضي. تمنع الخيال دخوله المزارع الخاصة بالذاكرة.

كيف نميّز بين صدقية الذاكرة من صدقية الخيال في نقلهما دراما الماضي ليس كسردية تاريخية بل كدراما ممكن التلاعب بها لمقتضيات فنية مستلهمة من الماضي كتاريخ؟ كلاهما الذاكرة والخيال لا يمتلكان الصدقية التامة في التعبير النقلي لوقائع التاريخ منفردين ولا حتى متكاملين لاسباب تتعلق بأن السرد التاريخي يمتاز بصفات من الواقعية الاركيولوجية التي تجعل من الذاكرة والخيال التعبير الخالص التام عن تلك الوقائع مشكوكا به ناقصا أو مشوّها.

المخيلة تحتاج الذاكرة، والذاكرة تحتاج الخيال، لذا أذا أردنا توّخي الجمالية الفنية في نقل وقائع التاريخ دراميا، نكون بحاجة الى تمرير الاندماج المتكامل بينهما، فالذاكرة لا تنقل دراما التاريخ الماضي باسلوب السرد الذي تحكمه الوقائع ولا تستطيع هي التحكم فيه، ويوجد فرق كبير بين السرد الروائي الخيالي عن السرد التاريخي الواقعي.

لذا نصبح أمام قبول حقيقة تفرض نفسها أن الذاكرة ليس بمقدورها نقل دراما التاريخ الماضي بنوع من السرد التوثيقي أكثر من حفريات الاركيولوجيا الذي هو من مهام عالم التاريخ والاثار والانثروبولوجيا التي تقف معها الذاكرة عاجزة عن مجاراة تمثيل منطق الحفر الاركيولوجي التاريخي. فالواقع على الارض يكون والحالة هذه يدمغ كلا من الذاكرة والخيال بالابتعاد التام عن مشغل حفريات التاريخ بما هو تدوين توثيقي مصدره الاساس التنقيبات الحفرية وليس التنظير الفلسفي. كل ما يتم التعبير عنه كادراك لغوي لا ينجو من أستهداف القصدية السيئة له. التي تحاول صهر حوادث التاريخ بسبيكة تجمع الحاكم كسلطة تعلو التاريخ ورغبته تدخل على تجيير مصداقية الوقائع التاريخية له.

قصدية أدراك وقائع الماضي أستذكارا صادقا محايدا لا ينجو من السطو السلطوي الحاكم الذي يرغب جعل نقل أصالة التاريخ مطواعا لتمرير كل سوءات ومظالم حاكمية سلطة الحاضر الجائرة. يعبر بول ريكور عن هذه الازدواجية قوله "الذاكرة مهددة بشكل كلي في أستهدافها الصادق للحقيقة عن طريق سوء الاستعمال"7.

 

علي محمد اليوسف/الموصل

.....................

الهوامش

1- بول ريكور/الذاكرة، التاريخ، النسيان/ ترجمة وتقديم د. جورج زيناتي/ ص52

2- نفسه نفس الصفحة

3- نفسه نفس الصفحة

4- نفسه ص 65

5- نفسه ص 74

6- نفسه ص 103

7- نفسه ص 109

 

 

عمرون علي "الخوف من التعثر يجعل عقولنا تتشبث بحبل المنطق".

أندريه جيد، كتاب" القوت الجديد" (Les Nouvelles Nourritures)


مدخل عام

غرضنا في هذا المقال الحديث عن مكانة المنطق وتطبيقاته ووجه الحاجة اليه، و ليس البحث في تاريخه وانواعه الكثيرة، فهذا امر يتجاوز حدود ما رسم لهذه الورقة، ثم انه من حيث المبدأ نشأة المنطق وتطوره مسألة تندرج ضمن تاريخ العلم .ومع ذلك يمكن القول ان المنطق كان مدخلا للفلسفة وعلم الدلالة منذ نشأته الأولى وحجر الأساس في نظرية المعرفة بل وجوهر البحوث اللسانية، وهو اليوم يشكل منعطفا حاسما في علوم الرياضيات والحاسوب، لقد أصبح المنطق عنصرًا أساسيًا في علوم الكمبيوتر والهندسة والعلوم المعرفية واللغويات والتواصل.

الواقع ان هناك مقدمة يمكن الانطلاق منها والتأسيس عليها قبل السير قدما في مقالنا هذا، تتمثل في ان حسن الاختيار واتخاذ القرار الصحيح، مرهون ومشروط بوجود فكر سليم أي القدرة على التصور والمداولة وإصدار احكام منطقية واستدلالات صحيحة، وثمة قول مأثور للفيلسوف أرسطو:" اللغة لباس للفكر "فإذا كان اللباس فضفاضا غاب المعنى و إذا كان اللباس ضيّقا حصل الالتباس. لذلك اهتم المعلم الأول باللغة – من حيث هي تقنية خطاب وممارسة- وعلى اعتبار ان "الإنسان حيوان ناطق ومدني بطبعه" هو يستخدم اللغة بوصفها نسقا من الرموز والاشارات: إما للاتصال والتواصل ، أو للتفكير من خلالها وبها عن حقائق إنسانية و كونية، أو بهدف اتخاذ احكام وقرارات للفصل في القضايا و للتداول في الشؤون الحياة العامة، هذه الوظائف المتعددة للغة تفسر لنا حجم الغلط والمغالطة الذي ينتج عن سوء استخدامها في بعدها المنطقي .والحقيقة لقد ظل المنطق زمنا طويلا مرتبطا باللغة، والرواقيون الذين اطلقوا كلمة المنطقLogoi لأول مرة في التاريخ دلوا به على دراسة الكلام والفكر معا، وقسموه الى جدل وبلاغة وضمنوه كذلك تعاليم ارسطو في القياس .

وما يهمنا هنا- كمدخل لمقالنا- هو الفكر واللغة في بعدهما المنطقي، حيث نلاحظ على الدوام بعض العقول لاتخطئ فحسب في التفكير بل تحتال باستمرار على الحقيقة هي عقول تتحدث عن جهل وتهرف بما لاتعرف " انها عقول تجرؤ على ان تقرر فيما تجهله، ومالا يمكنها ان تفهمه ولربما لم يسمع بها بشر قط .انها لا تميز بين كلام وكلام، انها لا تحكم على حقيقة الأمور الا بطنين الصوت ورنينه " .[1] ولا عجب في ذلك فعندما يغيب المنطق ينخدع الفكر بسهولة وينساق وراء زخرف القول فيقع في مصيدة الاغاليط المنطقية والاستدلالات الفاسدة، واسوء ما في الامر هو اغتيال الحقيقة والتأسيس للتفاهة فزمننا اليوم كما يقول الأستاذ: محمد كريم النيفر في مقال له حول فلسفة المغالطات زمن كثر فيه الهرج والمرج واللغط واللغو والترّهات والشائعات والفتاوى الغريبة والتراشقات والسّجالات والتجاذبات والقرقعة والفرقعة والأكاذيب والخداع السياسي والفكر والإيديولوجي والعقائدي والبرامج الموجّهة والأجندات المشبوهة... فصارت حوارات الناس السياسيين ورجال الدين والمثقّفين مزعجة هذه الأيّام، إن لم نقل أشبه بصورة كاريكاتيرية لوجهين يصرخان في بعضهما البعض.*

من هذا المنطلق تظهر الحاجة الى المنطق الذي هو جوهر ما يسمى "اللوغوس"، وهو مصطلح إغريقي يعني "الكلام" و"اللغة" و"المنطق" في آن واحد. فهو، وفقا للتعريف الذي وضعه كانْط له، العِلم الذي يشرح بالتفصيل ويبرهن بدقة القواعد الشكلية لكل فكرة.و تبين لنا أطروحات أرسطو وإقليدس، أو لايبنيز وسبينوزا، وكذلك النصوص التأسيسية للفلسفة الموهية في الصين أو مدرسة نيايا في الهند، أن دراسة المنطق – كما جاء في رسالة أودري أزولاي -حظيت باهتمام العديد من الفلاسفة وعلماء الرياضيات على مر القرون. و يعزى انتشار دراسة المنطق أيضا، وربما في المقام الأول، إلى تطبيقاته العملية الكثيرة. فقد كان للمنطق بالفعل دور رئيسي في تطوير العلوم والهندسة، وعلم النفس المعرفي، واللغويات، والاتصالات؛ وكان حافزا حقيقيا للتحول والتغيير ومعينا لا ينضب للابتكار.وأصبح المنطق في القرن الحادي والعشرين، أكثر من أي وقت مضى، تخصصا عصريا لا غنى عنه في مجتمعاتنا واقتصاداتنا. فالمعلوماتية والتكنولوجيا الرقمية هما على سبيل المثال، تقنيات تستند في الأساس إلى التفكير المنطقي والخوارزمي." [2]

المنطق الصوري

الدوكسا والفطرة السليمة.

من الضروري لطالب الحكمة في عرف الكثير من الفلاسفة على اختلاف مذاهبهم ومحطاتهم التاريخية معرفة لماذا كانت استدلالاته صحيحة او خاطئة ومن الضروري والحال هذه تدريبه على اشكال وقواعد القياس ومعرفة أنواع القضايا واصنافها وادراك قسمة الحدود والمعاني، وهذه هي العلامة الحقيقة في نظرهم على التميز والتفوق في الممارسة الفلسفية . لقد كان المنطق منذ ظهوره فوق المسرح الفكري في اليونان عند ارسطو المدخل الضروري لتعلم كل اقسام " الحكمة النظرية والعملية " انه " آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن من الوقوع في الخطأ" وعلم المنطق الصوري من العلوم الآلية التي تستخدم لغيرها لا لذاتها وكما قيل هو خادم العلوم وميزان العلوم وموضوع المنطق هو المعرف والحجة أي تعريفا الأشياء تعريفا علميا دقيقا صحيحا وكيفية الاستدلال على الأشياء ويعنى المنطق بدراسة مبادئ ومناهج الاستدلال السليم، ويهدف الى تمييز الصواب عن الخطأ فيما نقيم من استدلالات .وينشأ عن ذلك ان تنمي دراسة المنطق القدرة الاستدلالية لدى المرء من خلال تعلمه واستخدامه عدة صور للاستدلال المنطقي السليم متجنبا الوقوع في الأخطاء المنطقية الشائعة ومع تقدم الطالب في دراسة المنطق يمكنه إقامة سلسلة ممتدة من الاستدلالات اكثر تركيبا. و يعرف المنطق الصوري أيضا بأنه علم قوانين الفكر وهي قوانين كنا نلقنها لطلبتنا في الجزائر كمدخل للتفكير المنطقي، وهي ثلاث:

ـ قانون الهوية: ويعني أن لأي شيء ذاتية خاصة يحتفظ بها من دون تغيير، فالشيء دائماً هو هو (أ هو أ) فالهوية تفترض ثبات الشيء على الرغم من التغيرات التي تطرأ عليه، فأنا هو الشخص ذاته الذي كنته منذ عشرين عاماً على الرغم مما طرأ علي من تغير.

ـ قانون عدم التناقض: ينكر هذا القانون إمكان الجمع بين الشيء ونقيضه، فلا يصح أن يصدق النقيضان في الوقت نفسه وفي ظل الظروف نفسها، إذ لا يصح القول إن هذا الشيء وفي هذا الوقت «أزرق» وليس «أزرق» [(أ) لا يمكن أن تتصف بأنها(ب) وبأنها (لا ب) معاً].

ـ قانون الثالث المرفوع: ويعني أن أحد المتناقضين لابد أن يكون صادقاً إذ ليس هناك احتمال ثالث بجانب المتناقضين يمكن أن يكذبهما معاً، ولا يوجد وسط بينها، فإما أن نثبت محمولاً معيناً لموضوع ما وإما أن ننفيه عنه.

.ووحدات المنطق الصوري لايمكن فهمها الا من خلال اعمال ارسطو المنطقية وهي تشتمل على:

01- كتاب المقولات (قاطغورياس) ومعناه المحمولا ت.

تعني لفظة قاطيغورياس عند أرسطو الإضافة أو الإسناد، وعليه فإن المقولات هي أمور مضافة أو مسندة أي محمولات، أو بتعريف أدق: المقولة معنى كلي يمكن أن يدخل محمولًا في قضية ويهتم هذا الكتاب بدراسة الاقوال المختلفة والحمل .والمقولات عشر في عددها وهي: 1-الجوهر، 2-الكمية، -3-الكيفية، 4- الإضافة، 5- المكان، 6- الزمان، 7-الوضع، 8- الملك، 9- الفعل، 10- الانفعال.و الجوهر هو الأكثر أهمية بين هؤلاء العشرة، لأنه يصف الشيء من حيث ما هو عليه حقًا. بالنسبة لأرسطو، الجوهر الأساسي هو الشيء الفردي نفسه، والذي لا يمكن أن ينسب إلى أي شيء آخر يمكن أن توفر الأنواع العشرة من المسند وصفًا شاملاً لماهية أي شيء فردي. افترض أرسطو أن أي شيء ينطبق على أي مادة فردية يمكن من حيث المبدأ، أن يقال عنها بإحدى هذه الطرق العشر.

02- كتاب العبارة (باري أرميناس) والعبارة معناها الصوت:يهتم بتحليل اللغة والمقاطع والكلمات التي تتألف منها اللغة كالاسم والفعل والاداة والدلالة وانواعها، ويهتم الكتاب ببحث تقابل القضايا الحملية وذوات الجهة من ناحيتي الضد والتناقض، كما يحدد ارسطو في هذا المبحث مفهوم القضية بوضوح باعتبارها قول يحتمل الصدق او الكذب .

03- التحليلات الأولى (أنا لوطيقا): تقع في مقالين:المقالة الأولى وتهتم بدراسة نظرية القياس الحملي ونظرية قياس الجهات، في حين يبدأ ارسطو بدراسة خصائص القياس من ناحية الصدق والكذب في المقالة الثانية .ومن اهم مميزات البحث المنطقي المتضمنة في التحليلات الأولى ان ارسطو اهتم بالعلاقات بين المقدمات والنتيجة في القياس من ناحيتي صحته وفساده .وهنا بين ارسطو استحالة اشتقاق او استنتاج نتيجة كاذبة من مقدمات قياسية صادقة في قياس صحيح، ولكنه من الممكن ان نحصل على نتائج صادقة او كاذبة من مقدمات او مقدمة كاذبة على الأقل

04- التحليلات الثانية:وتقع في مقالتين الأولى بحث في نظرية البرهان، في حين تهتم المقالة الثانية بنظرية الحد .تناقش المقالة الأولى والثانية البرهان والتعريف والطريقة الاستدلالية وبعض المسائل المتعلقة بعلم النفس .واذا تفحصنا كتاب التحليلات الثانية بصورة عامة لوجدناه يهتم بتحليل ماهية العلم وشروطه وخصائص البرهان، متأثرا بذلك بالمنهج الرياضي.

05- كتاب الطوبيقا او المواضيع ويقع في ثمانية مقالات: المقالة الأولى تهتم بدراسة موضوع الجدل، والمقالة الثانية تدرس موضوعات العرض المشتركة .اما المقالة الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة فتهتم بالعرض والجنس والخاصة والحد، في حين المقالة السابعة والثامنة التعريف والجدل.

06- كتاب السوفسطيقا ويبحث في المغالطات وأنواع الحجج، كما يتضمن هذا المبحث بعض القوانين المنطقية . وكتاب الأغاليط أو تفنيد الحجج السوفسطائية يقع في مقالتين: تبدأ الأولى بتعريف الغلط أو السفسطة بأنها قياس في الظاهر فقط لا في الحقيقة، وتستطرد إلى بيان العلاقة بين هذا الكتاب وسائر الكتب المنطقية، وأن «أفعال السوفسطائية إما في القياس المطلوب به إنتاج شيء، وإما في أشياء خارجة عن القياس»، فالمغالطات في القياس «إما أن تقع في اللفظ أو في المعنى أو في صورة القياس أو في مادته، وإما أن تكون غلطًا أو مغالطة»، والأشياء الخارجة عن القياس «مثل تخجيل الخصم وترذيل أقواله والاستهزاء به وقطع كلامه والإغراب عليه في اللغة واستعمال ما لا مدخل له في المطلوب وما يجري مجرى ذلك.»

07- ريطوريقا (الخطابة)

08- أوطيقا (الشعر)

واضيف للمنطق بعد ارسطو كتاب ايساغوجي وهي كلمة يونانية تعني المدخل وعرف عند العرب ب(الكليات الخمس) وهو من وضع فرفوريوس* احد شراح كتب ارسطو .

يربي المنطق في الانسان ملكة النقد والتقدير الصحيح ووزن البراهين والحكم عليها بالكمال او بالنقص ويعترف ارسطو بأسبقية زينون الايلي بانه مبتكر الجدل فقد ادخل أسلوب الخفض حتى الامتناع في المناقشات الفلسفية والذي كان يستعين به الرياضيون من قبل، لاسيما الفيثاغوريون في برهانهم الشهير على امتناع مقارنة خط الزاوية مع ضلع المربع وقد وضعوا نظريات في الحساب والهندسة واقاموا عليها الأدلة العقلية ولاشك ان طريقة الاستدلال الرياضي من الطرق المنطقية. و يمكن القول ان لايمكن ان نفهم فلسفة ديمقريطس او غيره دون ان تكون لنا خلفية بعلم المنطق.

ولايمكن ان نستوعب الغاية من المنطق الا بالعودة الى أسلوب السوفسطائيين القائم على البلاغة في صورة الجدل من اجل دخض الخصم .ويقال ان برتاغوراس كان يتبجج بقدرته على ان يجعل الحجة الأسوأ تبدو كأنها هي الاحسن وقد أشار جوازيا رويس في كتابه مبادئ المنطق [3] ان الشاب المتدرب في المحاورات يتم تعليمه التفكير السليم من قبل سقراط ويتم تحذيره من الفنون الزائفة للسوفسطائيين، والتعاليم التي تلقن له دائما تتناول مايلي:01- الطريقة الصحيحة للتعريف .02- معرفة طريقة التصنيف المنهجي، وكيفية اجراء القسمة المنطقية لفئة كبيرة الى الفئات المكونة لها .03- الدراسة الفاحصة للحجة المؤيدة لقضايا معينة.04-الفحص المركز لأنماط الاستدلال .

ومثل المنطق كمثل النحو والبلاغة فاذا كان الأول يصون اللسان من اللحن، ويعصمه من التلفّظ بما يستهجن عند النحاة، فان الثانية تورث صاحبها حسن التفكير وجودة التعبير . والمنطق هو العلم الذي يعصم الإنسان عن الخطأ في الفكر يعصم أفكارنا عن السهو والاشتباه في الاستدلال، وعن الانخداع بالمغالطات والتمويهات في المخاصمات.ولذلك احتل مكانة مرموقة ضمن مؤلفات فلاسفة الإسلام . و دخول المنطق الارسطي الى ساحة الفلسفة الإسلامية ارتبط بحركة الترجمة فقد امر الخليفة أبو جعفر المنصور بترجمة المنطق الى اللغة العربية وكلف عبد الله ابن المقفع بنقل كتب المنطق من اللسان السورياني واللغة اليونانية الى اللغة العربية . هذا الوافد الجديد تضاربت الآراء حول أهميته والحاجة اليه بين معارض ومؤيد ابن تيمية مثلا ذهب الى القول:" المنطق اليوناني لايحتاج اليه الذكي ولاينتفع به البليد " وكذلك ابن صلاح و آخر العلماء الذين ذكرهم كولدزيهر[4] ممَّن كانوا معارضين للمنطق هو جلال الدين السيوطي الذي أدان المنطق في عدَّة مناسبات، لأنَّ المنطق في نظره ليست له أيَّة فائدة تذكر ويتعارض مع العقيدة الإسلاميَّة. ومن بين إداناته للمنطق نجد كتابه(القول المشرق في تحريم الاشتغال بالمنطق)، هذا الكتاب الذي يوجد ضمن مجموع فتاوى السيوطي في فتوى للفقيه المصري شهاب الدين أحمد الرملي)ت. 1550 م/ 957 ه(في جواب له عن سؤال: هل دراسة المنطق محرَّمة؟ جاء الجواب:"إنَّ الاشتغال به)على(ثلاثة مذاهب؛ قال ابن الصلاح والنووي: يُحرَّم الاشتغال به، وقال الغزالي:من لا يعرفه لا يوثق بعلومه، والمختار كما قال بعضهم جوازه لمن وثق بصحة ذهنه ومارس الكتاب والسُّنَّة، وغايته عصمة الإنسان عن أن يضلَّ فكره، ونسبته إلى المعاني كنسبة النحو إلى الألفاظ، وهو آلة لغيره من العلوم ولا يحتاج إلى آلة أخرى

هذا هو المنطق الذي دافع عنه الفارابي ووصفه بالصناعة التي تعطي لصاحبه القوانين التي تقوم العقل، والذي ارتقى به ابن رشد ومن خلاله ارتقت الفلسفة في اندلس القرن الثاني عشر ميلادي بل انه وفي ناحية أخرى من الإمبراطورية العثمانيَّة كان العلماء يدرسون ويدرِّسون ويؤلفون في المنطق، دون إقامة أيّ اعتبار لفتوى السيوطي وابن نجيم. فعلى سبيل المثال نجد العالم والقاضي العثماني أحمد طاش كبري زاده)ت. 1560 م/ 968 ه(في موسوعته للعلوم المسمَّاة «مفتاح السعادة » قد أعلى من شأن المنطق بتلقيبه بأنَّه أجلُّ علوم الآلة ورئيس العلوم العقليَّة، وأورد قول الشاعر ممتدحاً علم المنطق:

عاب المنطقَ قوم لا عقول لهم   وليس له إذا عابوه من ضرر

ما ضرَّ شمس الضحى والشمس طالعة  أن لا يرى ضوءها من ليس ذا بصر

وتروي حكاية طريفة عن الجاحظ* حين اولع باستخدام طريقة القياس المنطقي ومجملها ان صنفا من الطعام يطبخ باللبن قدم الى الجاحظ وصحبه ابن ماسوية الى جانب أصناف من الأطعمة منها السمك، فنصح ابن ماسوية الجاحظ عملا بالمثل السابق .فجادله الجاحظ بقوله:لايخلو ان يكون السمك من طبع اللبن اومضاد له.فاذا كان احدهما ضد الاخر دواء له، وان كانا من طبع واحد فللتحسب أنا اكلنا من احدهما الى ان اكتفينا .وكانت النتيجة ان أصيب الجاحظ بالمرض فقال على لسانه:هذه والله نتيجة القياس المحال .

وماذا عن المنطق غير الصوري؟

المنطق اللاصوري او المنطق العملي هو مجهود الفلاسفة والمفكرين في العصر الحديث لتجديد المنطق الصوري وتعديليه ليكون أقرب واكثر انسجاما مع الواقع، واكثر فاعلية في تحليل وتقييم المحاجات والاستدلالات في حياة الناس اليومية، وقد ظهر هذا العلم مع اعمال (أونتوان أرنولد) وأعمال (رالف جونسون) و (جون انتوني بلير) .

وللمنطق غير الصوري عدة مسميات منها المنطق العملي، فلسفة الحجة، نظرية الحجة، نظرية التفكير الناقد ....وقد ظهر في أواخر الستينات واوائل السبعينات من القرن العشرين في شمال أمريكا وكندا وقد عرفته موسوعة ستانفورد:" بانه محاولة لتطوير منطق ما، الذي يقييم ويحلل الحجج الموجودة في اللغة العادية " يفحص هذا المنطق علاقات اللزوم الناشئة من مضامين الخطاب ويهتم بطبيعة ووظيفة الحجج في اللغة الطبيعة .واذا كان المنطق الصوري يعالج صور الحجة (التركيب) وقيم صدقها (الدلالة) فان المنطق غير الصوري يتعامل مع مجال الحجاج بأكثر اتساعا وهو يعالج استعمالات الحجاج في الحوار التداولي . يقول دوغلاس والتون:" يهتم المنطق الصوري بشكل الحجج (بنائها) وقيمتها الحقيقية (دلالتها) .فيما يهتم المنطق اللاصوري باستعمال هذه الحجج في سياق الحوار بطريقة براغماتية "[5]

من الأسباب التي أدت الى ظهور المنطق غير الصوري النقد البيداغوجي المتعلق بصلاحية المنطق الصوري وقابليته للاستعمال في الاستدلال اليومي وتحديدا المسائل السياسية والاجتماعية والعملية ورفض الفكرة المنطقية لسلامة الحجة كمعيار ضروري او كاف لجودة الحجج وضرورة الاهتمام بالمغالطات غير الصورية التي لم تعالج على نحو كاف في المنطق التقليدي . وبعد أربعة عقود من ظهور المنطق اللاصوري ظهرت عدة فروع علمية وفلسفية قائمة على تطبيق مبادئ التفكير النقدي ونظرية الحجاج من أهمها: الذكاء الصناعي والنمذجة الحاسوبية، وعلم النفس المعرفي، وعلم اللغويات.... وظهرت نظريات البلاغة الجديدة، ومنها الخطابة (البلاغة) الجديدة وهو عنوان فرعي اختاره بيرلمان وتيتيكا لكتابهما مصنف في الحجاج الصادر سنة 1958

المغالطات المنطقية

من سرير بروكرست الى رجل القش

المغالطة هي فن التلاعب بالأقيسة وتزيينها لتكون بصورة تشبه الى حد ما البرهان. ومنها المغالطات الصورية والمادية ومن المغالطات الصورية فقدان احد الشروط العامة للقياس كعدم تكرر الحد الأوسط ومثال ذلك (الاله موجود، وكل موجود يحتاج الى موجد، الاله يحتاج الى موجد) او بناء قياس من مقدمتين سالبتين ومثاله (لاشيء من المثلث شكل مربع، لاشيء من الشكل المربع مجموع زواياه تساوي قائمتين، لاشيء من المثلث يساوي قائمتين) .ومن المغالطات المادية المتعلقة بمادة القياس ايهام العكس كان نجعل المحكوم عليه محكوما به والمحكوم به محكوما عليه والمصادرة على المطلوب كقولنا: هذا المتحدث لايكذب .وكل من لايكذب فهو يقول الحقيقة .اذن هذا المتحدث يقول الحقيقة .*يتحدث شوبنهاور في كتابه فن ان تكون دائما على صواب عن الجدل المرائي [6]- la dialectique éristique هو فن للمماحكة، سبيله أن يجعلنا دائما على صواب بجميع الوسائل المتاحة ..ويربطه بالطبيعة السيئة للإنسان و ان مصدره الدونية الطبيعية للنوع البشري وحجته انه لو لم يكن الامر كذلك، لوكنا نزهاء اكثر، فلن نبحث، في أي مجادلة الا عن الحقيقة ".ان المنطلق الأولى في نظره للمغالطات هو الكبرياء الفطري عند معظم الناس الذي يتجلى في الثرثرة وعدم النزاهة فترى اللغة عندهم اسبق من الفكر .ان الذي يناقش لايتصارع من اجل الحقيقة وانما لاجل دعواه، ولذلك يشير شوبنهاور الى كتاب التبكيتات السفسطائية حيث يمكن ان نميز الجدل (الديالكتيك) عن السفسطة وعن المراء (المشاغبة) في ما يتعلق بالمراء الهدف هو ان نكون على صواب وفي مايتعلق بالسفسطة هو الاعتماد الذي يمكن استخلاصه والنقود التي يمكن ربحها.

أسباب الوقوع في المغالطات

في كتاب بعنوان "المغالطات المنطقية... فصول فى المنطق غير الصورى" للدكتور عادل مصطفى يتحدث عن أسباب الوقوع في فخ المغالطات ومنها:

01-  مركزية الذات وميل للإنسان لاعتبار نفسه مركز الكون والمرجع الرئيس للحقائق .

02-  مركزية الدين او المعتقد حيث يميل الانسان الى تصديق وتبرير كل مايوافق اعتقاده .

03- المركزية العرقية او الاثنية حيث يتم رؤية العالم من خلال العرق او الجماعة او الوطن.

عدد المغالطات المحددة في المنطق أكثر بكثير من 15 مغالطة، ومن هنا كان من اهداف المنطق منع خطأ الفكر. ومن ثمة منع المغالطة، والوقوع في المغالطات دلالة علىغياب القدرة على التحليل المنطقي ويعود ذلك الى إحدى عشر سببًا:

1) الميل للتعميم من وقائع فردية وأحادية، والرغبة فى سنّ قوانين جامعة، تعفى من عناء تحليل الحالات الفردية والخاصة.

2) ‫كائنات تحرّكها العاطفة، وتميل لتصديق ما تريد تصديقه، وانتقاد ما لا تريد تصديقه.

3) ‫إطلاق الأحكام المسبقة ـ غالبًا- من خلال المظاهر، ثمّ البحث جاهدين فى تأكيدها.

4) ‫العجز ـ غالبًا- عن التحليل الموضوعى وتحديد العلاقات بين الأشياء.

5) ‫الميل عادة للتبسيط المبالغ فيه، والعجز عن دراسة كلّ تفاصيل الموضوع.

6) ‫إسقاط الانحيازات الشخصية على الوقائع والتجارب الموضوعية.

7) ‫الرغبة فى الدخول فى النقاشات وتقديم آرائهم وتوضيح مواقفهم من مختلف الحالات والوقائع.

8) ‫كائنات أنانية مصلحية تميل لتصديق ما يحقّق لها الفائدة ويسهّل لها الحياة.

9) ‫الذاتية لدرجة يسهل إلهاؤهم وصرف انتباههم عن الموضوع الأصلي.

10) الاندفاع والتسرّع وعدم التفكير الجدّى قبل الكلام.

11) ‫انتقائيون كثيرًا فيما يستقبلون من معلومات، وليسوا مستمعين جيّدين.

ومن اشهر المغالطات[7]:

المصادرة على المطلوب

المصادرة على المطلوب هي التسليمُ بالمسألة المطلوب البرهنةُ عليها من أجل البرهنة عليها! وذلك بأن تفترض صحة القضية التي تريد البرهنة عليها وتضعها بشكل صريح أوضمني في إحدى مقدمات الاستدلال، وأنت بذلك تجعل النتيجة مقدمةً وتجعل المشكلةَ حلٍّا وتجعل الدعوى دليلًا!

تجاهل المطلوب

في هذه المغالطة يتجاهل المرءُ الشيءَ الذي يتوجب أن يُبرهن عليه، ويبرهن على شيءآخر، وقد يبدو استدلاله معقولًا بحد ذاته، ولكن المغالطة هنا في أنه يبرهن على نتيجة أخرى غير النتيجة المطلوبة التي يتعين عليه أن ينصرف إليها دون غيرها، بذلك تتسم الحُجة بسمَتَين: أنها قد خرجت عن الهدف المُحدد لها، وأنها قد اتجهت مباشرة إلى نتيجة أخرى.وتلقى هذه المغالطة رواجًا خاصٍّا في مجال التشريع الاجتماعي.

مناشدة الشفقة واستدرار العطف

في الثمانينيات من القرن التاسع عشر أثبتَ الادعاء، في محكمة فرجينيا بالدليل الدامغ ضلوعَ صبي بقتل والديه بفأس، فما كان من الدفاع سوى أن دَفَعَ ببراءة الصبي قائلًا»:أليس يكفي أنه أصبح يتيمًا لا أحد يتولَّى امره«!؟

الاحتكام إلى عامة الناس

تتضمن هذه المغالطة الاحتكامَ إلى الناس بدلًا من الاحتكام إلى العقل أو على حساب العقل، ومحاولة انتزاع التصديق على فكرة معينة بإثارة مشاعر الحشود وعواطفهم بدلًا من تقديم حجة منطقية صائبة، تكاد هذه الطريقة أن تكون أداةً من أدوات عمل رجال الدعاية والإعلان.

إثبات التالي

العبارة الشَّرْطيَّة هي العبارة التي تضع شرطًا يُسمى المقدَّم لتتحدث عما يلزم عن هذا الشرط » ثم تمضي في التالي لتتحدث عما يكون عليه الحال إذا ما تحقق هذا الشرط، وفي مغالطة إثبات التالي يتم الانتقال في الاتجاه العكسي، من إثبات التالي إلى إثبات المقدَّم.يقول د. عبد الرحمن بدوي في كتابه (المنطق الصوري والرياضي) »:يقع المرء في هذه الأغلوطة حينما يعتقد أن الشرط ولازمَهُ أي المقدَّم والتالي في القضية الشرطية منعكسان؛ أي أن بوسعه أن يعكس القضية فيمضي من التالي إلى المقدَّم، مثلما هو يمضي من المقدم إلى التالي، كأن يقول: إذا كان التعليم الثانوي في الجزائر يتميز بالجودة لَأرتفعت نتائج البكالوريا،

وما دامت نتائج البكالوريا مرتفعة؛ إذن التعليم الثانوي في الجزائر يتميز بالجودة .

 

سرير بروكرست (البروكرستية)

كان بروكرست، في الميثولوجيا اليونانية، قاطع طريقٍ يعيش في أتيكا، وكانت له طريقةٌ خاصةٌ جدٍّا في التعامل مع ضحاياه، فقد كان يَستدْرِج ضَحِيَّته ويُضيِّفه ويكرم وفادته، وبعد العشاء يدعوه إلى قضاء الليل على سريره الحديدي الشخصي، إنه سريرٌ لا مثيل له بين الأسِرة إذ كان يتميز بميزةٍ عجيبة: هي أن طوله يلائم دائمًا مقاس النائم عليه أيٍّا كان، غير أن بروكرست لم يكن يتطوع بتفسير كيف يتأتَّى لسريره أن يكون على مقاس الجميع على اختلاف أطوالهم، حتى إذا ما اضطجع الضحية على السرير بدأ بروكرست عمله، فجعل يربطه بإحكامٍ ويشدُّ رجليه إن كان قصيرًا ليمطهما إلى الحافة، أو يبترهما بترًا إن كان طويلًا ليفصل منها ما تجاوز المضجع؛ حتى ينطبق تمامًا مع طول السرير! وظل هذا دأبه إلى أن لقِيَ جزاءه العَدلَ على يد البطل الإغريقي ثيسيوس الذي أخضعه لنفس المَثُلة، فأضجعه على السرير ذاته وقطع رقبتَه لينسجم مع طول سريره.

هجوم شخصي كاذب

مغالطة الهجوم الشخصي تحدث عندما يهاجم شخص ما الشخص الآخر بدلاً من رفض حججه، بحيث لا علاقة للهجوم بحجة الشخص الآخر. عندما يهاجمك الآخرون بدلاً من حجتك، فهذا يشير إلى جودة حجتك. هذا يدل على أن خصمك يشعر بالعجز.

مناشدة المعتقد العام

تحدث مغالطة مناشدة اعتقاد شائع عندما يجادل المتحدث بأن عددًا كبيرًا من الناس، أو شريحة معينة من السكان، يؤمنون بمعتقد، لذا فإن هذا الاعتقاد صحيح. إن قبول معتقدات شخص أو أشخاص آخرين دون طلب إثبات على صحة هذا الاعتقاد يشير إلى كسل عقلي وطريقة غير صحية لقبول المعلومات الجديدة. حتى أواخر القرن السادس عشر، اعتقد معظم الناس أن الأرض هي مركز الكون. هذا الاعتقاد غير صحيح.

فمثلا: تم الترويج لنظرية نموذج مركزية الأرض من حيث الملاحظات السطحية والدينية، لكن معظم الناس في تلك الفترة قبلوها لأنها كانت شائعة وواسعة الانتشار، وليس ملاحظاتهم وحساباتهم وتفكيرهم العقلاني. نبذ أشخاص مثل كوبرنيكوس وجاليليو وكبلر المعتقدات الشعبية واكتشفوا حقيقة كانت مخفية عن غيرهم من البشر.

اللجوء إلى سلطة مجهولة

تحدث مغالطة اللجوء إلى مصدر مجهول عندما يتم استخدام مصدر مجهول كدليل على صحة الادعاء. تتضمن أمثلة هذه المغالطة استخدام مصطلحات مثل "يقولون ..."، "سمعت أن ..."، "يظهر البحث ..." وتلخيص الخبراء مثل "يقول العلماء ...". عندما لا يتم تحديد المصدر بدقة، لا يمكننا التحقق من صحة أو عدم دقة هذا المصدر، وبالتالي الادعاء المبني عليه. غالبًا ما يكون اللجوء إلى مصادر مجهولة حيلة لتزوير الحقائق أو المبالغة فيها أو تحريف الحقائق وخداع الآخرين لقبول الادعاء. في بعض الأحيان، تتم هذه الحيلة دون وعي وليست دائمًا مقصودة. مثال: مناخ الأرض يتغير ودائمًا ما يتغير. يتفق جميع العلماء تقريبًا على أن ارتفاع درجة حرارة الأرض، ولكن هناك جدلًا حول الأسباب الدقيقة للاحتباس الحراري، بالإضافة إلى القرارات السياسية التي يجب اتخاذها. نصيحة: احذر من عبارة "يقولون ...".

من المنطق الصوري الى المنطق الرمزي

المنطق الحديث الرمزي هو تطوير وتصويب للمنطق التقليدي، يقوم على استنباط القوانين المنطقية من أقل عدد من المبادئ (بديهيات وقوانين) بطريقة دقيقة كاملة، أي إنه نسق استنباطي، يبدأ من مقدمات معينة لينتهي إلى النظريات اللازمة عنها، معتمداً قواعد خاصة، مستخدماً اللغة المنطقية الرمزية فقط. ويرجع ظهوره إلى لايبنتيز أولاً ثم جورج بول وطوره فريجة وكارناپ وغيرهم، ويسمى أحياناً بالمنطق الرمزي أو الرياضي أو الاستدلالي أو النظري أو جبر المنطق، أو المنطق اللوغارتيمي، أو اللوغسيقا، ويتوقف الاسم على الهدف من التسمية. وقد اكتمل على يد رسل ووايتهد .ويمكن العودة الى كتاب (برينكيبيا ماتيماتيكا)، الذي عرض فيه راسل الأفكار الأساسية لفلسفة الرياضيات، وقد كتبه في السجن، حيث سُجن في بداية عام 1918 لمناهضته الحرب العالمية الأولى، واستمر في سجنه حتى سبتمبر من نفس العام؛ أي ستة أشهر خلالها كتب هذا الكتاب وبداية كتابه (تحليل العقل). يقول راسل في هذا الكتاب: " المنطق هو شباب الرياضيات والرياضيات هي مبلغ رجولة المنطق."

للمنطق الرمزي خاصيتان استخدام الرموز وانه نسق استنباطي وهو يستخدم نوعين من الرموز، هي الثوابت والمتغيرات، ويتألف من أربعة مباحث أساسية هي منطق القضايا، منطق المحمولات، منطق الفئات، منطق العلاقات. ألهم المنطق العلماء في الرّياضيات والحاسوب لتطوير جودة وصحّة المخرجات الحاسوبية. ففي مجال هندسة البرمجيات مثلاً وعند الاستدلال على صحّة المخطّط الرّسومي التّوضيحي لبرنامج حاسوبي ما، يتم تحويل هذا المخطّط إلى معادلات رياضية بحتة يصبح فيها المربع المرسوم الموجود في المخطّط، والذي يمثل أحد مدخلات أو مخرجات البرنامج، مجرد رمز رياضي، وتتحول العلاقة بين المربعات المختلفة إلى دوال رياضية بحتة. وحينها فقط يتم الانتقال من عالم الحاسب إلى عالم الرّياضيات حيث يتم تحليل هذه الدّوال والاستدلال على صحتها من خلال استحداث النّظريات حول خصائصها المختلفة وإثبات صحّة هذه النّظريات. عند إثبات صحّة هذه النّظريات نكون بذلك قد أثبتنا صحّة المخطّط الرّسومي للبرنامج الحاسوبي وأنتجنا ما يسمّى مخطّطاً موثق الصّحة.

علاقة علم المنطق بالحاسوب

يعتبر عالم الرياضيات الإنجليزي جورج بول (1815-1864) مؤسس المنطق الرقمي الحديث. قام جورج بول بتوصيف فرع جديد من الرياضيات، والذي يعتمد على نمطٍ خاص من المتحولات، وبدلاً من أن استخدامه للأرقام العشرية التي نألفها بالحياة اليومية، قام باعتماد أسس رقمي يقوم على عددين فقط: الصفر “0” والواحد “1”، حيث تم اعتبار الصفر يشير إلى الحالة الخاطئة “False” والواحد يشير إلى الحالة الصحيحة “True”. حتى بالنسبة للعمليات الرياضية، فإن جورج بول قام بتوصيف عملياتٍ رياضية جديدة تطبق على هذه المتحولات، وبدلاً من عمليات الجمع والطرح والضرب والقسمة، قام بتوصيف عمليات الضرب المنطقي AND، والجمع المنطقي OR، وعملية النفي NOT، والتكافؤ Equivalence والتضمين Implication.

اكتسب الجبر الرياضي الذي استحدثه جورج بول أهميته مع بداية الثورة التقنية الحديثة، والتي كان أبرز محطاتها اختراع أول حاسوب رقمي حديث، وهو الحاسوب “إينياك ENIAC” في عام 1946 كانت هذه المحطة علامة فارقة في مسير التطور التقني، حيث كانت الخطوة الأولى لتصنيع الأنظمة الحاسوبية الحديثة. الفكرة هنا، أن توصيف عمل المكونات الفيزيائية (أو الهاردوير Hardware) المشكلة لبنية الحواسيب الأولى كانت بحاجة لعلاقاتٍ تمثلها بشكلٍ فعال، وهنا برزت أهمية الجبر البولياني، من حيث كونها أكفأ نموذج رياضي يمكن عبره توصيف عمل المكونات المختلفة للأنظمة الحاسوبية.

يقول المنطقي البولندي بوشنسكي Bochenski في كتابه " موجز المنطق الرياضي ":" أن المنطق الرياضي لم يطبق بنجاح فقط في الرياضيات وأسسها عند فريجه وراسل وهلبرت وبرنيس وشولز وكارناب ولزنيفسكي وسكولم، ولكنه طبق أيضاً في الطبيعيات كارناب وديتريش وراسل وشانون وهويتهد وريشنباج وففرييه، وفي البيولوجيا وودجر وتارسكي، وفي علم النفس فيتش وهمبل، وفي القانون والأخلاق منجر وكلوج وأوبنهيم، وفي علم الأقتصاد نيومان ومورجنسترن، وفي مسائل ذات طابع عملي باركلي وستام، وحتي في الميتافيزيقا سالاموشا وستولز وبوشنسكي ".

كذلك من المعروف أن العقول الالكترونية التي من وظائفها الترجمة من لغة الي أخري تستعمل ثوابت المنطق Logical Constants لأداء ترجمة الروابط المنطقية الثابتة بين الكلمات والعبارات التي تختلف بأختلاف اللغات . [8]

كذلك من المعروف أن العقول الالكترونية التي من وظائفها الترجمة من لغة الي أخري تستعمل ثوابت المنطق Logical Constants لأداء ترجمة الروابط المنطقية الثابتة بين الكلمات والعبارات التي تختلف بأختلاف اللغات . *

 

عمرون علي - الجزائر

أستاذ الفلسفة

......................

‫المراجع المعتمدة

[1]- المنطق او فن توجيه الفكر، أنطوان ارنولد . بيير نيكول، ترجمة عبد القادر قنيني، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء المغرب، ص:10.

*يمكن العودة الى مقال فلسفة المغالطات بقلم الأستاذ: محمد كريم النيفر معهد 18 جانفي 1952 بـجبنيانة السنة الدراسية 2013 ـ 2014 السنــــوات الثالثــــة، المنشور بموقع طريق النجاح. 

[2]- رسالة المديرة العامة لليونسكو، السيدة أودري أزولاي، بمناسبة اليوم العالمي للمنطق14كانون الثاني/يناير 2020تم إنشاء اليوم العالمي للمنطق في نوفمبر 2019 من قبل اليونسكو، وسيتم الاحتفال باليوم العالمي للمنطق في 14 يناير، وهو يوم ولادة ألفريد تارسكي ووفاة كورت جودل.

* ولد فرفوريوس والمعروف ببورفير في صور سنة 233 ب . م، ويعني إسمه المتجلبب بالأرجوان . ويقال أن إسم فرفوريوس أطلق عليه في الاسكندرية عندما كان يتتلمذ على أمونيوس الذي رغب في أن يعطيه إسماً إغريقياً بدلاً من إسمه الصوري ملكوس ويعني الملكي.

[3]- مبادئ المنطق ، جوازيا رويس، ترجمة احمد الانصاري، مراجعة حسن حنفي، المجلس الأعلى للثقافة، الطبعة الأولى 2002، ص:29.

*القصة أوردها علي الوردي في كتابه اسطورة الادب الرفيع نقلا كتاب تاريخ المنطق عند لعرب الدكتور محمد عزيز نظمي سالم.

[4]- يمكن العودة الى دراسة خالد الروَّيهب، وهو أستاذ بجامعة هارفارد في ولاية ماساشوسيتس الأمريكيَّة. وقد نشر البحث، في نسخته الإنجليزيَّة الأصليَّة بمجلّة: Islamic Law and Society 11, 2. Koninklijke Brill NV, Leiden, 2004 (pp.213- 232 .والمقال منشور بموقع مؤمنون بلاحدود، للدراسات والأبحاث .

[5]المنطق غير الصوري، عبير عبد الغفار حامد، مجلة كلية الاداب، جامعة بني سويف، العدد37، ص: 17-20.

[6]-فن ان تكون دائما على صواب، ارثور شوبنهاور، ترجمة رضوان العصبة، مراجعة حسن الباهي، منشورات الاختلاف، ص: 32

* أهمية علم المنطق والرياضيات المتقطعة مدونة http://it1amblog.blogspot.com/2016/07/blog-post.html

* يمكن العودة لكتاب معالم المنطق للدكتور صالح الوائلي .

[7]- فصول في المنطق غير الصوري، عادل مصطفى، مؤسسة هنداوي، سنة 2017، ص: 25.

[8]- أصول المنطق الرياضي، الدكتور محمد ثابت الفندي، دار المعرفة الجامعية، سنة 1987،

ص: 17

 

علي رسول الربيعيمقدمة: إن التسامح مبدأ أخلاقي عالمي ولكن فقط بمعنى أنه يمكن توجيهه إلى كل شخص عقلاني وأخلاقي. والسؤال هو ما إذا كان هذا المبدأ مناسبًا في جميع المواقف وما هؤلاء الفاعلين الأخلاقيين الذين يدركون فائدته العملية لهم؟ ليس التسامح مبدأ أخلاقيا هكذا بشكل مطلق، لكنه مبدأ من بين مبادئ أخرى في سياق نظام أخلاقي معين. يجب إعطاءه مكان مناسب في التسلسل الهرمي للمبادئ. قد يؤدي فهم التسامح باعتباره المبدأ المطلق أو الغالب في مواجهة تهديد واضح ومباشر الى استخدامه كمظلة للسلوك المتبنى. يتم تعين حدود التسامح من خلال الحد الأدنى للمهمة الأخلاقية الأساسية لمقاومة الشر. إن مبدأ المقاومة النشطة للشر بكل الوسائل الممكنة هو قبل أو سابق على مبدأ التسامح.

أنا مهتم في مناقشة التسامح من خلال بعض الأفكار المعيارية الأخلاقية المهمة لفهم مكانة التسامح كقيمة ومبدأ في إطار الأخلاق. ورأيي هو، أنه نوع من التفكير في وضع اجتماعي - ثقافي معين

حدود مبدأ التسامح:

 التسامح مبدأ أخلاقي. وكمبدأ أخلاقي، فهو عالمي، ولكن فقط بمعنى أنه يمكن توجيهه إلى كل شخص عقلاني وأخلاقي. والسؤال كما اشرت أعلاه، هو: ما هؤلاء الفاعلين الأخلاقيين الذين يدركون واقعهم العملي؟ وفقًا لما ذكره مايكل والزر، كما ورد في كتابه عن التسامح

Michael Walzer, On Toleration, New Haven, CT: Yale University Press 1997.

يرتبط التسـامح ارتباطًا وثيقًا بالسلام، وبالتحديد، بالتعايش السلمي. إنه، في سياق المجتمع الديمقراطي، تعايش المواطنين على قدم المساواة في الحقوق، و في سياق التعددية الثقافية، هو التعايش بين الأفراد كممثلين عن مختلف الأعراق والعقائد، والتقاليد الثقافية. استنادًا إلى مفهوم "المجتمع المفتوح" الواسع، يمكننا ربط التسامح بالانفتاح على الاختلافات. وفقًا لكاتريونا ماكينون ، فإن التسامح يعني قبول ما يعارضه المرء او يقوم بقمع ممارسة أو اعتقاد يمكن لأحد أن يريده ، لأن لديى المرء القوة أو النفوذ.

Catriona McKinnon (Toleration: A Critical Introduction [London and New York: Routledge, 2006]).

لكني أرى أن هذا تعريف وصفي للتسامح لا يقول شيئًا عن الملاءمة الأخلاقية للممارسات المقابلة. نحن نعلم النقاشات الواسعة حول "مسألة الحجاب" في فرنسا ، وحدثت مناقشة مماثلة لكن على نظاق أقل في روسيا عندما أصرت بعض النساء المسلمات على حقهن في أن تكون صورهن محجبات في جواز السفر. تُظهر هذه الحالات أن الناس والمجتمعات بحاجة إلى التفاوض بشأن الملاءمة الأخلاقية للممارسات وكيف يمكن التسامح معها على نطاق واسع.

يتمثل أحد الجوانب المهمة، في إطار المقاربة السلوكية للتسامح في إدراك الفرد لحق الآخر في الحفاظ على آخريته. من المحتمل أن تشير أخلاق الفضيلة أيضًا إلى قدرة الفرد على تنظيم مشاعر الفرد السلبية تجاه الآخر على هذا النحو، بغض النظر عما قد يكون (لون البشرة، المظهر، الآداب، الأذواق، المعتقدات، أنماط الحياة، إلخ). إن هذه القدرة مهمة لممارسة التسامح ، ولكنها ليست ضرورية لمفهوم التسامح.

لذلك، هناك شرط محدد للتسامح يتم تنفيذه من خلال استعداد الفرد للتغلب على الاختلافات. ليست هناك حاجة للتسامح، عندما يكون الشخص جاهلاً بالاختلافات أو لا يهتم بها. ولا توجد حالة من التسامح، عندما لا يملك الفرد القوة ولا الطاقة للتعبير عن تحيزه تجاه ذلك المختلف أو قمعه. لا يبدو أن الحجج التي تدعو إلى التمييز فيما يسمى التسامح النشط والسلبي المقترحة في الأدبيات الحالية مقنعة. يرتبط ما يسمى بالتسامح السلبي باللامبالاة تجاه الآخرين، أو الخجل والجبن في التعبير عن الذات. نظرًا لأن التسامح مع الفضيلة الشخصية ينطوي على استعداد الفرد وقدرته على التعايش مع أولئك الذين تختلف آراءهم ومواقفهم وأنماط حياتهم عن آرائه. في رأيي، أن هذا وصف كافٍ للتسامح. وفي هذا الصدد، يشبه مبدأ التسامح مبدأ اللاعنف.

لا يوجد لدى، هذا الأخير، شعور عملي يتعلق بهؤلاء، الذين هم ضعفاء، عاجزون، سلبيون، وخجولون. وبالطريقة نفسها، على الرغم من أنه بشكل معاكس، فإن مبدأ التسامح - من وجهة نظر المراقب غير المهتم - هو مبدأ فعلي لأولئك، القادرين على إدراك الاختلافات بين الأفراد والجماعات، منحازين ولديهم الإرادة والسلطة للتعبير عن تحيزهم في سلوكهم تجاه الآخرين.

يشير مايكل والزر، بالاضافة إلى جانب الانفتاح على الاختلافات، الى فضول الفرد للاختلافات وإدراكه للإمكانات البناءة للتنوع الاجتماعي والثقافي. وهناك حاجة إلى التسامح ، عندما يُنظر إلى الاختلافات النفسية على أنها تهديد.

لتوضيح مشكلة مبدأ التسامح ، يجدر النظر مرة أخرى في "رسالة التسامح" لجون لوك. يمكن تفسير خطاب لوك حول التسامح بطريقة كانه يوجه بها هذا المبدأ إلى العضو العادي في المجتمع المدني. وهكذا تم قبول هذا المبدأ من قبل الثقافة السياسية الحديثة. ومع ذلك ، أن الحديث عن التسامح كان مهتمًا بشكل أساسي بالحكام ورجال الدين، أولئك الذين كانوا على رأس التسلسل الهرمي الاجتماعي والقوي ليس فقط للتعبير عن رفضهم و خلافهم وكراهيتهم للآخرين، ولكن أؤلئك الذين يظهرون مواقفهم وتحقيقها في العمل المباشر ضد من يعتبرونهم يستحقون سخطهم. ولكن في الوقت نفسه، على الرغم من أن لوك في تفكيره المعياري كان منفتحاً تجاه مبدأ العالمية، وكان التسامح بالنسبة له مبدأً عالميًا للمجتمعات، استنادًا إلى القانون الطبيعي، الاً أنه وضع قيودًا معينة على مبدأ التسامح. تتعلق هذه القيود بالمخالفين، أوأؤلئك الذين يمثلون خطورة على النظام الاجتماعي ، والذي يبرر أو يضمن فعالية مبدأ التسامح هذا. بعبارة أخرى، هناك حدود لمبدأ التسامح، يتم وضعها بواسطة نظام التسامح ذاته (استخدم المصطلح الذي اقترحه مايكل والتزر).

لذلك، طبقاً الى لوك، ليس التسامح مبدأ أخلاقيًا نموذجيًا وليس مبدأ أخلاقيًا مطلقًا كما يُقدم غالبًا في المناقشات الفلسفية والسياسية العامة. إنه واحد من بين أمور أخرى في سياق نظام أخلاقي معين. يرتبط تسامح الفكر في الفكر الليبرالي بمفاهيم أخلاقية مثل الاحترام والكرامة وحقوق الإنسان والأستقلالية، وما إلى ذلك. المطلوب إعطاء التسامح كضرورة مكانه المناسب في التسلسل الهرمي للمبادئ. يتم تعيين حدود التسامح عن طريق الأخلاق نفسها، ومن خلال مهمتها الأساس أوالحد الأدنى منها لتنظيم السلوك الفردي والجماعي لمقاومة الشر. إن مبدأ المعارضة النشطة للشر بكل الوسائل الممكنة هو قبل مبدأ التسامح.

نحتاج إلى تمييز أعمق للجوانب الأخلاقية والسياسية للتسامح. من وجهة نظر سياسية ، يُنظر إلى التسامح باعتباره عاملاً يعزز النظام المدني والاستقرار العام ، ومن وجهة نظر أخلاقية يُنظر إلى التسامح على أنه نوع من التقييد المعياري للأفراد لعدم التدخل وقمع المعتقدات والممارسات التي يكرهونها. النقطة الأساسية هي يجب أن يفهم التسامح ويقبل كفضيلة عامة، باعتبارها واحدة من القيم المجتمعية والمدنية الأساسية.

يمثل مصطلح "نظام التسامح" المذكور أعلاه المصطلح الذي اقترحه مايكل والتزر، في رأيي، مفهومًا مهمًا، يتم بموجبه تبني التسامح في المجتمعات المختلفة من خلال هياكل وإجراءات عامة مناسبة خاصة بمجتمع معين. يتطلب التنفيذ الكامل للتسامح كمبدأ أخلاقي عملي أدوات سياسية وقانونية مناسبة، حيث يتقاسم المجتمع مسؤولية الحفاظ على روح التسامح وأخلاقياتها من أجل الحفاظ على الاستقرار وتوفير فرص بناءة للتفضيلات. 

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

 

 

علي محمد اليوسفتقديم: أن المعضلة التي يطرحها تشابك الذاكرة والخيال قديمة قدم الفلسفة الغربية، منذ ما يقرب من 470- 399 ق. م أورث سقراط الفلسفة اليونانية اشكالية علاقة الذاكرة بالخيال في تيارين فلسفيين أحدهما تزعمه افلاطون الذي كان يدافع عن ادخال اشكالية الذاكرة في اشكالية الخيال، والمسار الثاني تزعمه ارسطو الذي يرتكز على ثيمة تمثل شيئا سبق ادراكه أو اكتسابه وتعلمه فيدافع عن أدخال اشكالية الصورة في اشكالية الذكرى، وعلى هذا المنوال لم يتوقف النقاش الفلسفي حول هذه الازدواجية الاشكالية بالفلسفة الى يومنا هذا.1

وهنا أود التنبيه أن المناقشة الفلسفية حول تشابك الذاكرة بالخيال، تنطلق من أنهما مفهومان لهما علاقة ترابطية  في عملية الادراك باعتبارهما وحدة زمانية تختلف في التعبير عن الزمان كتحقيب زماني - تاريخي في اتجاهين متعاكسين أن الذاكرة هي أستذكار لوقائع واحداث الماضي، والخيال تصنيع لزمان مستقبلي آتي يتبلور كصيرورة كما تصوّره المخّيلة، ولا تشير المناقشات الفلسفية الى أهمية التاكيد أنهما جوهران متعالقان في التعبير التجريدي عن الاشياء مصدرهما تفكير العقل، الذي أجده يحل المشكلة من أساسها، لاننا من دون مرجعية العقل لا يمكننا الحديث عن عمل ذاكرة ولا عن عمل خيال لا في ترابطهما ولا في فصلهما عن بعضهما. الشيء الملفت للانتباه هو معاملة الفلاسفة الذاكرة والخيال موضوعين متداخلين مترابطين بعلم النفس والادراك الحسي، بعيدا عن كونهما تجريدان ناتجان عن منظومة العقل الادراكية يعرفان بدلالة الوظيفة التعبيرية المتداخلة بينهما.

بين الذاكرة والخيال

على خلاف من ديكارت وبرجسون ومعهما فلاسفة آخرين من الذين أنكروا وجود علاقة ترابطية بين الذاكرة والخيال وأنكروا ايضا توليدية الذاكرة لافكار الخيال وارتباط المخيّلة بالذاكرة. في مقاربة هذه الاشكالية الفلسفية يطرح بول ريكور تلازم الذاكرة والخيال بعلاقة ممكن الفصل بينهما بالقصدية التي تتلبس الوعي في الفهم الوجودي وفلسفة اللغة. فهو يؤكد حقيقة غير مشكوك بها فلسفيا على الاقل قوله" الذاكرة مقاطعة تابعة للخيال، الذي كان قد عومل ومنذ زمان بعيد بكثير من الشبهة كما هو الحال عند ميشال مونتين وباسكال واسبينوزا."2

قبل دخولنا تفسير تفاصيل هذا الحكم الفلسفي لريكور الذي نستشف منه تغليبه قيادة الذاكرة في مسكها مقود الخيال والهيمنة عليه، لذا يصبح معنا التساؤل مشروعا أيهما يقود الاخر الذاكرة تقود الخيال أم العكس الخيال هو يقود الذاكرة في حالتي اقرارنا الانفصال أو الاتصال بينهما؟ أم لا علاقة تعسفية من هذا النوع التساؤلي يكون واردا في أعتمادنا حقيقة انفصالهما، وهذا يقودنا الى تساؤل أكثر أهمية ماهي مصادر أكتساب كلا من الذاكرة صفتها الادراكية، وكذا الحال كيف يكتسب الخيال معنى أفكاره التخيلية وما هو مصدر تلك الافكار غير الذاكرة في حال جعلنا من انفصال مفهومي الذاكرة والخيال عن بعضهما حقيقة قائمة لا بل موجبة كما سنرى في تعبير ريكور لاحقا.

والعقبة التي يتجاهلها الفلاسفة أن كلا المفهومين الذاكرة الاستذكار والمخيلة في تعبيرها عن الخيال كلاهما جوهران تجريديان لا يمكننا معرفة أين موقعهما من تكوين الجسم في التبعية البايولوجية لمنظومة الادراك العقلي، حتى في حال العودة أنهما نتاج عمل منطقة محددة في قشرة الدماغ أو في الفص الدماغي المّخي المسؤول عن توليد مثل تلك الفعاليتين التجريديتين الذاكرة والخيال التي هي من أختصاص علمي صرف في دراسة علم وظائف الاعضاء والجملة العصبية.. .

والسؤال المربك فلسفيا اذا كانتا الذاكرة والخيال كلاهما تعبيران مجردان يصدران عن ملكة العقل الادراكية فكيف تم الربط بين أعتماد الذاكرة خزين توليدها أفكار الخيال؟ يطرح بول ريكور وجوب وأهمية فصل الذاكرة عن الخيال قائلا " علينا الوقوف ضد هذا التيار – يقصد تيار ديكارت باعتباره الذاكرة هامشا متعالقا بالخيال – الذي يحط من شأن الذاكرة ويعاملها على هامش نقده الخيال، أن نقوم بعملية فصل الخيال عن الذاكرة الى أبعد ما نستطيعه في هذه العملية " 3 هذا ما اراده ريكور.

ويضيف ريكور أبعد مما ذهب له حول أهمية الانفصال بين الذاكرة عن الخيال بدقة متناهية الوضوح تعبيره " الفكرة الرئيسية هنا هي وجود أختلاف نستطيع أن نقول عنه أنه جوهري بين استهدافين، بين قصديتين أحداهما هي قصدية الخيال المتجهة نحو الوهمي، القصصي، غير الحقيقي وغير الواقعي، والممكن، واليوتوبي، والاخرى هي قصدية الذاكرة المتجهة نحو الحقيقة السابقة، الواقع السابق، وتشكل السبقية السمة الزمنية بامتياز للشيء المتذكر بوصفه كذلك." 4، بهذا التعبير أعطى ريكور الذاكرة خاصية التعبير في استذكار حوادث الماضي، وأعطى أفكار الخيال قابلية فتح بناء افاق المستقبل باعتباره وهما أحتماليا تحققه التنبؤي له.

أي جعلهما الذاكرة والخيال يرتبطان بزمنين أحدهما خاصية الذاكرة استذكار (الماضي)، والثاني الخيال خاصية تنبؤه (المستقبل)، فكيف جرى الربط التعسفي بينهما في الغاء عدم المجانسة الزمانية التحقيبية بينهما في تحاشي الانزلاق بوجود أكثر من زمان واحد من ناحية الماهية وليس من ناحية التحقيب للزمان كتاريخ أرضي.

تعقيب وتساؤلات:

- يأخذ بول ريكور توجه ديكارت قوله " لاشيء يأتي لمساعدة الذاكرة بوصفها وظيفة نوعية لبلوغ الماضي " طبعا هنا ديكارت لا يعير أدنى أهتمام للخيال بأعتباره تصنيع أيهامي للميتافيزيقا، وعلى أعتبار الخيال رغم طابعه اليوتوبي الميتافيزيقي، الا أنه توجه معاكس لما تضطلع به الذاكرة باتجاهها قصديا نحو أستذكار وقائع الماضي، في حين الخيال استشراف قصدي مستقبلي مناقض لتوجه الذاكرة يتجه قصديا لخلق عوالم مستقبلية.

كما لا يتطرق ديكارت حتى بالاشارة الى تعالق كلا من الذاكرة والخيال بالعقل البيولوجي كنواتج عن فعالية فسلجية تتم داخل دماغ الانسان عضويا وليس خارجه. جميع حلقات الادراك العقلي هي تجريدات متصلة مع بعضها ولا قيمة حقيقية لوجود أحداها منفصلة. وحلقات العقل الادراكية من التجريدات وغير التجريدات تبدأ باحساسات الحواس، فالجهاز العصبي الناقل لها، الذهن، الوعي، الادراك، الفكر، اللغة، الذاكرة، المخيلة أو الخيال، وغيرها من متصلات معها جميعها تخضع لتصنيع عقلي في الدماغ والمخ تحديدا. وهي تجريدات معرفية لغوية مسؤول عنها وتطلقها مناطق عصبية ترتبط بأجزاء محددة موجودة في قشرة الدماغ أو في تركيبة تكوين المخ.

- كيف تم جمع النقيضين الذاكرة والخيال من خلال قصدية زمنية متعاكسة،؟ الذاكرة تنشد الماضي والخيال ينشد تحقق المستقبلي، بضوء هذا التضاد المتعاكس غير المتجانس يصبح ما طرحه بول ريكور حول ضرورة الفصل بين الذاكرة والخيال أكثر من ضرورية في حال أمكانية برهنة ثبوت تحقق هذا التوجه على صعيد البيولوجيا العضوية عند الانسان وليس على وفق منطق الفلسفة التجريدي.. فكما أن الاعتراف بربط الذاكرة بالخيال عمل أعتباطي بمنهج الفلسفة وليس بحقائق العلم، كذلك طرح الانفصال بينهما هو الاخر عمل أعتباطي بالفلسفة وليس العلم.

كون الذاكرة والخيال أصبحا مفهومين مجردين يعبران عن اشياء يدركها العقل ولا يعرف الانسان كيف نشأت ومن هو المسؤول عنها، وعندما نقول ذاكرة فهي دلالة لفظية نتاج عمل خلايا عصبية موجودة ومرتبطة بالدماغ مسؤولة عنها، وتصبح تجريدا للعقل وليس موضوعا يدركه العقل، كذلك الخيال فهو أيضا دلالة لمفهوم مجرد ترجع مسؤولية أصداره منطقة في قشرة الدماغ أو في جزء من الفص المخي الموّلد له. ويبقى الخيال تجريدا استبطانيا ما لم يتحول الى أفكار تعبيرية تصدرها اللغة.

- الذاكرة في حال أقرارنا أنها مستودع تخزين التجارب الادراكية الواقعية المستمدة من العالم الخارجي، واذا ما علمنا أن الذاكرة لا تستطيع استذكار الماضي تماما بسبب النسيان الذي تمتاز به ويلازمها. لذا يكون التساؤل من أين تستمد الذاكرة افكار الخيال وكيف تكون هي مصدر الخيالات في وقت هي تتوجه نحو ماض قائم بوقائعه التاريخية، في تعارضها المتعاكس مع توجه الخيال الى صناعة مستقبل قيد الصيرورة الزمانية التي يسودها التنبؤ والوهم في التعبير عن وجود غير موجود انطولوجيا بعد، وليس أجترار ماض منقوص يعتريه ويشوبه النسيان. وكيف نفهم تعبير ريكور الذاكرة منطقة هيمنة الخيال؟. لا يوجد قدرة يمتلكها الخيال في السيطرة على ذاكرة لا تجانسه الوظيفة التعبيرية عن المدركات والاشياء.

- اذا ما ذهبنا مع أمكانية انفصال الخيال عن الذاكرة فمن هو الذي يضطلع بتزويد الانسان بخيالات مستقبلية لا حصر لها. الخيال الذي هو لا يمكن معاملته على أنه تخزين تجارب خبرة متراكمة بالذاكرة، فمن يكون المسؤول عن منبع تزويد الانسان بالمخيلة وابتداع موضوعاته الخيالية.؟

جان بول سارتر 1905 -  1980" طرح في كتابيه الخيال، والمتخيل أهمية الاهتمام في تمايز الذاكرة عن الخيال يجب أن يقترن بمراجعة موازية لموضوعات المتخيل" ص 39، هنا سارتر لا يريد تاكيد انفصال الذاكرة عن الخيال لانهما في حقيقتهما البيولوجية الوهمية والتجريدية جوهران منفصلان، ويمكن دراسة كل منهما منفصلا عن الاخر.

-  ربما يكون أقصر الطرق في الاجابة التي على تحييد التفكير العقلي العلمي تداخله بالاشكالية الفلسفية بين الذاكرة والخيال، أن الدماغ هو مصدرتوليد افكار الخيال، ولكن بأية وسيلة ارتبطت الذاكرة بأنها مصدر الخيالات والمخيّلة وهي تجريد تفكيري وليست موضوعا مدركا بذاته؟. هل يمكننا العيش بدون أفكار خيالية في حال يتعذر علينا معرفة مصدر توليد المخيلة لموضوعات الخيال عند الانسان وأين يكون موضعها في المسؤولية الابتداعية التخليقية لها واصدارها افكارها الخيالية نحو الواقع الخارجي في حال جرى تمرير توجه ريكور ومن قبله برجسون لا توجد علاقة حقيقية تربط الذاكرة بالخيال ويتوجب الفصل بينهما.

المسألة الطريفة أن الفصل الذي يبتغيه الفلاسفة بين الذاكرة والخيال هو فصل لجوهرين منفصلين اساسا ولا علاقة ترابطية بينهما سوى في تعبيرات الفلاسفة التي يدحضها التفكير العلمي التخصصي بعلم فسلجة الاعضاء. فالذاكرة والخيال والوعي والذهن هي حلقات تجريدية في منظومة العقل الادراكية التي مركزها الدماغ. ولا تعني شيئا خارج هذا الاطار المعرفي العلمي في الفهم السببي بين تعالق الدماغ بالادراك العقلي للاشياء..

- اذا نحن سلمنا بأن مصدر تخليق الخيالات هو الدماغ فعن أي حلقة في منظومة الادراك نستطيع القاء مسؤولية الحفاظ على الخيالات بعد انفصال الذاكرة عنها وتمت تبرئتها الانفصالية عن الخيال؟ أن المأزق الحقيقي في انفصال الذاكرة عن الخيال ينتج عنهما أنهما كليهما تجريدان تابعان لمنظومة الادراك العقلية. فكيف يكون تشكيل الذاكرة كمنطقة تجريد ادراكي ترتبط بالدماغ،؟ وكيف يكون مصير مخيلة توليد افكار الخيال التي هي تجريد ايضا يرتبط بكل من الذاكرة والدماغ في تفكير العقل؟.

- لمصادرة أشكالية تعالق الذاكرة بالخيال في وجوب الفصل بينهما يطرح اسبينوزا تعريفا فحواه تضييع الاشكالية التناقضية بين الذاكرة والخيال باعادتهما الى مرجعية وحدتهما الزمانية وأعتباره الزمان هو ديمومة أستمرارية الوجود، وليس للذاكرة تداخل وصلة مع أدراك هذا الزمان.5 مقولة أسبينوزا هذه مأخوذة عن ارسطو قوله " الذاكرة هي من الزمان "، واذا أردنا تمرير هذه المقولة الارسطية الصحيحة يتوجب علينا التوضيح، فزمانية الذاكرة تنحصر في مهمة قصدية تنشدها الذاكرة نحو تذكر حقائق واقعية تاريخية سابقة يحتويها الزمن الماضي كزمن تحقيبي لا يدركه العقل كموضوع غائب الحضور بل يدركه بدلالة محتواه في تاريخية احداثه ووقائعه. والخاصية الزمانية في الذاكرة هي زمانية مكتسبة بالادراك وليست خاصية ذاتية تمتاز بها الذاكرة. ولا توجد في هذه الميزة أدنى ارتباط بين الذاكرة والمخيلة رغم أن كليهما تجريد زماني.

- كيف يتوافق هذا التعبير مع ما ذهب له ريكور أعتباره الذاكرة هي خاصية أستيعابية لتذكر تجارب الماضي وعدم طيّها في غياهب النسيان. علما أن ريكور لم يبد تحفظا من أي نوع تجاه طرح سبينوزا أن الزمن سيرورة وجودية بل أعجب واشاد بها. اذا سمحنا لانفسنا نقد هذه العبارة لسبينوزا، فأن ديمومة واستمرارية الوجود هو علة ادراكنا الزمن غير صحيحة، بأعتبار الزمن لا يتخلق عنه سيرورة الوجود، بل الزمن هو سيرورة أدراكنا الوجود زمنيا بحركة موجودات الوجود داخله ليس في علّة ارتباط حركة الموجودات الذاتية بالزمن، بل ندرك الزمن بحركة الاجسام داخل الوجود. الزمن يساعدنا أدراك الوجود المادي في حالتي السيرورة والثبات الحركي النسبي. لكنه أي الزمن عاجز أن يكون علة وجود موجود مادي متحرك. الزمن لا يمتلك قابلية تحريك موجودات الوجود اذا صح التعبير. فالموجودات سيرورة انطولوجية لا تستطيع الخلاص من قبضة الزمن  بالادراك العقلي لها . لذا تكون علاقة الزمن بسيرورة الوجود علاقة ادراكية فقط وليس علاقة سببية لا في حركتها ولا في وجودها الفيزيائي مطلقا.

- بضوء عبارتي ارسطو ومن بعده سبينوزا بأن الذاكرة خاصية زمنية تحتويها القصدية التاريخية للماضي، والخيال قصدية زمنية يحتويها المستقبل، فكلا التعبيرين كما وسبق ذكرناه هو توصيف لفعالية زمنية وليست تعبير عن حقيقة موضوعية منفصلة عن توليد العقل لها. فكما ترتبط الذاكرة بتفكير الدماغ كذلك ترتبط المخيلة بتفكير الدماغ أيضا، ولا وجود تعبيري لادراكهما كتجريد خارج منظومة العقل الادراكية. كل حلقة تجريد ادراكي للعقل لا قيمة لها بانفصالها ولا تمتلك وجودا انطولوجيا مدركا اكثر من حقيقتها انها تجريد ادراكي مصدره العقل.

ما بعد الانفصال

في حال أقرارنا صحة أنفصال الذاكرة عن الخيال فلسفيا، وأن مصدر خيالاتنا الابداعية في تذكر وقائع الماضي، وخيالاتنا في تصنيعها المستقبلي، يصبح كلاهما الذاكرة والخيال تجريد ادراكي ليس للزمن وحسب، بل كلاهما جوهران منفصلان بالتجريد متزامنان في تبعيتهما الادراكية للدماغ داخل ترابط منظومة العقل الادراكية. بهذا المعنى المفهومي الصحيح نصطدم بحقيقة واقعية هي لا وجود لذاكرة خاصيتها الماضي ولا لخيالات خاصيتها المستقبل بمعزل عن تفكير العقل المرتبط بهما، كون خاصية الذاكرة الماضوي ليس وجودا عضويا بيولوجيا لها. وكذا نفس الحال مع الخيال أو المخيلة التي لا نستطيع تحديد موجوديتها أكثر من أنها تجريد تفكيري يبتدعه ويخلقه الدماغ، الحقيقة التي نتجاهلها أحيانا أن جميع تكوينات انشطة الانسان الموزعة بين الاحساسات الخارجية والاحاسيس الداخلية هي تجريدات تفكيرية صادرة عن دماغ الانسان ولا وجود حقيقي يمثلها كمواضيع ادراكية قائمة بذاتها سوى ردود الافعال الناتجة عنها المنقولة عن تفكير الدماغ بوسيلة منظومة الجهاز العصبي. فكل ادراكات الانسان الواقعية والخيالية هي تجريد تعبيري صادر عن مناطق معينة بتركيبة الدماغ الانساني.

اللغة في اشكالية الذاكرة والخيال؟

ادراك الذاكرة ليس مصدر أنبعاثه الخيال بل مصدر توليده هو تفكير العقل، وميزة ادراك الذاكرة هو أستذكار صوري مرهون في تمثيل لوقائع الماضي بوسيلة تعبير (اللغة). فاستذكار الذاكرة لوقائع الماضي لا يختلف عن ادراك الحواس لموجودات الحاضر الحسية في وجودها المادي الانطولوجي. فكلا التعبيرين هو تمثيل صوري يتوسل اللغة في التعبير عن تمثله الموجودات في العالم الخارجي. الذاكرة تستذكر وقائعها باللغة التجريدية التصورية التي ترافقها خاصية النسيان الملازمة للذاكرة في تصوراتها اللغوية تعبيرها عن أحداث ووقائع الماضي.

عبارة ديكارت : الذاكرة مقاطعة تابعة للخيال الذي كان عومل عصورا طويلة بالشبهة، عبارة تناقض نفسها في:

الخيال لايقوم ولا ينوب عن الذاكرة ولا يمثلها من حيث التعبير، لا من حيث الاختلاف الزماني ولا من حيث محتواه التعبيري عن نفسه، فالخيال تصورات ذهنية تتجه نحو المعالجة الحاضرة والمستقبلية، ولا يهتم الخيال بوقائع الماضي الا في أغناء تعبيرات الخيال الفكرية. واذا ما أضطلع الخيال بمهمة أستيعاب بعض الدلالة الواقعية الماضية التي تغني أفكار المخيلة، ومع هذا يبقى الخيال لا تشكل وقائع الماضي أهتماما له في التعبير عنها كوقائع تاريخية حدثت، لا يمكن ولا المستطاع التلاعب بها من حيث هي تاريخ انتهى حدوثه واكتسب زمنه الماضي.

الخيال في حال تحرره من الذاكرة يعجز التعبير عن الماضي بكيفية تطابق تعبير الذاكرة عن الماضي، من حيث الخيال سيرورة حركية في فضاء غير محدود بخلاف الذاكرة التي تكون محبوسة في وقائع حدثت تحاول نقلها كما جرت. الخيال في حال هضمه الاستيعابي لاجتزاءات من وقائع واحداث الزمن الماضي أنما يكون بذلك يقوم بوظيفة الذاكرة الواقعي وليس وظيفة الخيال الوهمي. حين يصبح الخيال استذكارا لوقائع ماضية وليس اسشرافا لسيرورة مستقبل لا يحتويه الماضي ولا يتوفر عليه الحاضر بل  يبقى نزوع مستقبلي يعبر عنه الخيال ولا علاقة للذاكرة به.

الاستذكار للماضي هو وظيفة الذاكرة

هنالك رأي يحمّل اسبينوزا مسؤولية التعبيرعنه " أن الذاكرة في حالة أختزالها الى استذكار فهي بالتالي تعمل في سياق الخيال " 6 هذا التعبير الاعتسافي لا يقوم على منطق فلسفي يمرر مقبوليته، فالذاكرة في حقيقتها الوظيفية هي تعبير صوري لاستذكارات ماضية جرت. ولا توجد هناك خصيصة دلالية تشير الى تحميل الذاكرة ما لا تقدر عليه مثل تخليقها الافكار الخيالية بدلا من وظيفة ملكة الخيال عند الانسان التي هي ملكة توليد تفكيري هو من أحدى خصائص الدماغ.

الذاكرة بمقارنة خاصيتها الاستذكارية المحدودة في التعبير التصوري عن الماضي فقط ليس من أمكانيتها الوظيفية أن تكون جزءا من افكار الخيال. فالخيال يتسم بفضاء متحرر غير مقيد وله قابلية التلاعب بمدركاته الشعورية التي يستمدها من المحيط وحتى من وقائع الماضي، ومن اللاشعور الذي يقوم الخيال بتوسيله للتداعيات الفكرية والصورية في توليد استبطاني لا يكون تعبيرا دقيقا كما تفعل الذاكرة في التعبير عن وقائع حقيقية تاريخية لا تستطيع الخروج عنها. الخيال أضافة نقدية فكرية متجاوزة لزمانيتها في أغناء الحاضر تمهيدا لمستقبل افضل، الذاكرة عكس الخيال حلقة تعبيرية من الادراك المنغلق الذي لا تخرج محدوديته الزمانية عن الماضي فقط..

يتبع لاحقا

 

علي محمد اليوسف /الموصل

..........................

الهوامش:

1- بول ريكور، الذاكرة، التاريخ، النسيان، ترجمة وتعليق جورج زيناتي ص 41

2- نفسه ص 37

3- نفسه ص 38

4- نفسه نفس الصفحة

5- نفسه نفس الصفحة

6- نفسه ص 37