 أقلام فكرية

علي رسول الربيعيقد يوفر إثبات العقلانية العامة للأخلاق إجابة مناسبة لسؤال كثير من الناس، "لماذا يجب أن أكون أخلاقيًا؟" يحترم هؤلاء الأخلاق ولكنهم منزعجون من الشك فيما  قد يكونون مغفلين. إنهم على دراية بهجمات النقاد الاجتماعيين الذين يعتقدون أن الأخلاق أداة لمصالح جماعة أو الهيمنة الطبقية. لكن يريدون معرفة ما إذا كان يمكن تبرير الأخلاق عقلانيًا حقًا. هناك آخرين غير راضين عن هذا التبرير. فهناك من لا يرغب في تقديم الدعم والتأييد لأيً شيء ما لم تُقدم أسباب له مثلا. قد يقبل الحجة القائلة بأن الأخلاق عقلانية بشكل عام، لكنه يريد أن يعرف ما إذا كان من العقلاني أن يكون أخلاقيًا دائمًا. بعبارة أخرى، يريد معرفة ما إذا كان من العقلاني أن يدعم نظام أو مدونة أخلاقية ويرغب فيها عموما. إنه على دراية بالمنطق المحايد الذي يؤدي إلى القواعد الأخلاقية ولكن يرغب في معرفة ما إذا كان من مصلحته النظر إلى الأمور بهذه الطريقة دائمًا. إن سؤاله هو "لماذا يجب أن أكون أخلاقيًا؟"

يبدو أن البراهين على العقلانية ذات العمومية للأخلاق تجعل هذا النوع من التساؤل أكثر إلحاحًا. فحتى لو لم يُنظر الى الأخلاق بوصفها تعبيرًا عن العقلانية الأً أنه هناك اسبابًا عديدة تجعل البشر يجدون من العقلاني أن يطيعوا أوامرها. فقد يُعتقد أن الأخلاق قد أسسها إلًه قوي وتستمد قوتها من إرادته حصريًا، وعليه فأن السؤال "لماذا يجب أن أكون أخلاقيًا؟" له إجابة يمكن الدفاع عنها: "لأنك إذا لم تكن أخلاقيًا فسوف يعاقبك الله. أو عندما يُعتقد أن الأخلاق مستمدة من بعض العقود التي أبرمناها نحن أو ممثلونا، فيجد السؤال إجابة جاهزة أيضًا: "لأنك ألزمت نفسك بذلك". تحل هذه الإجابة محل السؤال فقط عندما يكون السؤال "لماذا يجب أن أقوم بما ألزمت نفسي به؟" يمكننا أن نرى، إذن، أن التبرير العقلاني العام للأخلاق يؤدي  إلى زيادة حدة مسألة الالتزام الأخلاقي الشخصي. لا يؤدي اثبات أن الأخلاق تلبي رغبات االأفراد العقلانيين بشكل عام، وأن هذا هو الغرض الاساس من لأخلاق، الى جعل السؤال "هل الطاعة الأخلاقية ترضي رغباتي حقًا ؟" أو "هل ما هو عقلاني بشكل عام هو دائمًا عقلاني بالنسبة لي" أكثر تحديدا؟[1]

إذا لم  يُطرح السؤال بأكبر قدر ممكن من الدقة، فسيواجه الذين يسعون للإجابة عليه مهمة الصعبة فقد لاتكون  تكون إجابتهم ذات قيمة أو موضع تقدير كامل. كنت قد اشرت في القسم الأول من الدراسة إلى أن الأخلاق بطبيعتها تتطلب من الأفراد العقلانيين قمع إشباع رغباتهم في بعض الأحيان لتعارضها مع  سعادتهم. وبالتالي، قد يضطر الفرد إلى التخلي عن بعض إرضاء رغباته للامتثال للالتزامات الأخلاقية، كما هو الحال عندما يجب الوفاء بوعد على الرغم من ميلي لعدم القيام بذلك. فقد أفكر، في هذه الحالة على سبيل المثال، أن الوفاء بالوعد مفيد بشكل عام بحيث يتم تعويض تضحياتي المؤقتة بوفاء الآخرين بالوعود التي قطعوها لي. ولكن هناك حالات أخرى يمكن أن يكون فيها قمع للأخلاق كامل تقريبًا لإرضاء الفرد، ويمكن أن تجعل من المستحيل على الفرد أن يكون سعيدًا على الإطلاق. دعني أقدم مثالا لتوضيح ما أعنيه في هذه المشكلة.

تخيل أمة ديمقراطية صغيرة تخوض حربا خارجية ضد طغيان قاس وعدواني لدولة جارة (ربما فكرت بمثال  الحرب والحندي لأني كنت شاهدا ومشاركا في حربين في بلادي). يعلم جميع مواطني الدولة المدافعة أنهم إذا خسروا الحرب، فلن يضحوا بحرياتهم فحسب، بل سيتعرضون لتعذيب والإبادة. يُقدَّر بناءً على السلوك السابق للدولة الجارة الاستبدادية هذه أن ما يصل إلى %20 من سكان الأمة المدافعة قد يفقدون حياتهم نتيجة الاضطهاد اذا ما تم احتلالهم من قبل تلك الدولة. تخيل كذلك أن الدفاع الناجح عن الأمة يعتمدعلى الاحتفاظ بموقع قوي يؤمنه جيشها داخل أراضي العدو للتقدم أو الهجوم منه، ولنطلق عليه موقع رأس جسر حيوي وهو يعتمد على استعداد مجموعة من الجنود أن يقاتلوا حتى الموت إذا لزم الأمر.  وبافتراض أن الجهود الدفاعية لهذه الأمة عادلة أخلاقياً، فإن السؤال "لماذا يجب أن أكون أخلاقياً؟" يصبح في هذا السياق "لماذا، إذا أصبحت أحد المدافعين عن هذا الموقع أو الجسر، أؤدي واجبي؟"

دعني أشرح هذا المثال قليلا. رأينا في القسم الأول من الدراسة أن مبادئ الأخلاق تنشأ من الاتفاق الحر والإجماعي لأفراد عقلانيين محايدين. يتكون هذا المجتمع من أفراد غير متحيزين وقادرين على التسوية الأخلاقية للنزاعات. تشمل هذه التسوية أعضاء تلك الجماعة في الأمور التي تهمهم ولا تنتهك الحقوق العامة لاتزاماتهم تجاه الآخرين فقط. وهكذا تمثل قواعد سلوكهم في الحرب قواعد أخلاقية كما في الحالة المعروضة أمامنا، وهي تُحدد بحرية وبالإجماع في عملية تشريعية قبل النزاع. لكن قد لايسعون إلى إرساء مثل هذه القواعد، ويتخلون عن القواعد الأخلاقية ويقولون: يمكن لكل فرد أن يبحث عن مصالحه الخاصة عندما تبدأ الحرب. إن مثل هذه الفوضى ليست عقلانية لأنها ربما تؤدي الى أسوأ النتائج على الجميع. وبالتالي، فمن العقلاني اعتماد القواعد على أساس الموافقة الحرة بالإجماع.

قد تكون القواعد في الحالة المعروضة أمامنا هنا عديدة. لكن يغطي بعضها مواقف من النوع الذي يشبه الجسر الذي وصفته. بافتراض مثل هذه المواقف، وبافتراض توزيع العبء بشكل عشوائي، يكون  السؤال: ما هي القاعدة التي تحكم سلوك أولئك الذين يجدون أنفسهم في موقع الخاسرين؟ الافتراض هنا هو سيشعر كل فرد بأنه ملزم بالعمل كما يقرر المجتمع بشكل جماعي لإن الطاعة الحرة للقواعد التي تم تحديدها في مصلحة الجميع. إلا إن إحدى القواعد المحتملة في مثل هذه المواقف هي قد يتصرف كل مقاتل كما يشاء ويهرب إذا شعر أن حياته معرضة للخطر. لكن من الواضح أن هذه ليست قاعدة عقلانية للأفراد غير المتحيزين في العملية التشريعية. فطالما أنهم لا يعرفون من سيتحمل العبء بعد، فهذه القاعدة في الواقع غير عقلانية، ويمكن إثبات ذلك. إذا افترضنا، على سبيل المثال، نسبة أن تكون جنديًا على رأس الجسر هي واحد في الألف، ويمثل هذا أسوأ خطر محتمل يديره كل مشرع محايد إذا طلب من الجنود البقاء ثابتين في موقعهم. ولكن إذا سُمح للجنود بالفرار، فقد ترتفع المخاطر الإبادة الجماعية اللاحقة إلى واحد من كل خمسة أو أكثر. وإذا تبنينا العقلانية في طلب الاختيار الذي يزيد من مجموع الرضا المتوقع أو المحتمل إلى الحد الأقصى، فإن هؤلاء المشرعين ليس لديهم بديل عقلاني في هذه الحالة سوى الإصرار على قاعدة الطاعة الصارمة.

قد نتخيل أن كل مواطن يخرج للحرب في ظل هذه القاعدة وعازمًا على احترامها. ماذا يحدث الآن عندما يجد نفسه جزءًا من تلك الوحدة الصغيرة على رأس جسر يواجه عدوًا هائلاً؟ عندها يُطرح السؤال "لماذا يجب أن أكون أخلاقيًا؟" من قبل هؤلاء الجنود بصيغة، "لماذا يجب عليً الآن التمسك بالقاعدة التي كانت عقلانية بالنسبة لي عندما كنت لا أزال مشرعًا محايدًا؟" لتوضيح هذا السؤال،علينا ملاحظة أن استنتاجات الحساب العقلاني من وجهة النظر هذه هي عكس تلك التي تم إجراؤها من وجهة النظر الحيادية. إذا بقى الجندي  ثابتا في موقعه الآن فهو يعلم أن فرص بقائه على قيد الحياة لمتابعة سعادته منخفضة للغاية، وربما معدومة. من ناحية أخرى، إذا فرً الجندي، فسيكون لديه فرصة جيدة ليكون ضمن الأغلبية المحظوظة التي ستنجو من قسوة الهيمنة المقبلة. وهكذا، عندما لا تمنحه طاعة الواجب أي فرصة للسعادة تقريبًا، فإن العصيان قد يرفع احتمالاته إلى ما يقرب من 80%، فيفضل طبقًا للحساب العقلاني- من وجهة نظره- الفرار. وهكذا، عندما يسأل الجندي نفسه "لماذا يجب أن أكون أخلاقيًا؟" فإنه يبحث بوعي عميق عن أسباب فعل ما، فيبدو من وجهة نظره الشخصية من غير العقلاني اذا قرر عدم الفرار.

يمكننا، في محاولة للإجابة على هذا السؤال، ملاحظة أن هناك العديد من الإجابات عنه يمكن أن يقدمها الجندي لنفسه، ولكنها لن تكون مرضية تمامًا سواء بالنسبة له أو لأولئك الذين يعتمدون عليه. أيً أنها ستقوده إلى القيام بما لاينبغي القيام به طبقًا لأعتبارات النزاهة والحيادية. والسبب انه سيتعرض للعقوبة إذا فشل في أداء واجبه. لكن يعتمد تأثير هذه الإجابة كليًا على كفاية الآليًة العقابية التي تم تشريعها. إنه من المؤكد لا يمكن تقديم إجابة مقبولة دائمًا لأولئك الذين يجدون أنفسهم في موقفه، والأهم من ذلك إنها إجابة تقضي على فكرة الالتزام الأخلاقي برمتها من وجهة نظر المشرعين المحايدين. إذا كان هذا هو السبب الذي يجعل الناس يقومون بما هو عقلاني عمومًا طبقًا لما يُراد منهم القيام به، فلماذا الإصرار على أن يلتزم الناس أخلاقيا في المقام الأول؟ وإذا كان أساس طاعة كل فرد للقواعد الأخلاقية هو الخوف من العقاب، فإن كل قاعدة جماعية يتفق عليها بحرية مجتمع الأفراد المحايدين تتطلب دعمًا قسريًا كاملاً. وعندها ستختفي فكرة التعاون الاجتماعي القائمة على المبادئ المقبولة بحرية لتحل محلها قسرية حكم السلطة.

من غير المقبول بالنسبة للجندي ورفاقه المحايدين، ايضًا، الإجابة على أساس مصالحهم الخاصة. فقد يكون أحد أسباب وقوف الجندي صامدا هو قلقه على زوجته وأطفاله داخل البلاد. فبصفته أبًا ومحبًا، قد يكون مستعدًا للتضحية بحياته من أجل ضمان بقاء من يحبهم (وهذا جزء مهم جدًا من سعادته). ما المشكلة أذن؟ إن الإجابة من هذا النوع - من وجهة نظر مواطنيه على الأقل - هي سيعتمد بقاء الأمة على قيد الحياة على الحالة الاجتماعية والشعور الأسري لمن هم في الخطوط الأمامية. أيً قد يُتوقع الصمود فقط من قبل أولئك الجنود الذين لهم عوائل في داخل البلد. لكن الأمر الأكثر إثارة للقلق، هو أن إجابة من هذا النوع قد لاتكون دافعا للقتال من قبل الجندي، وقد لا تمنح هؤلاء الجنود سببًا للقتال. لنفترض أن جنديًا على رأس الجسر قد يقرر أن  أفضل ما يخدم مصالح أحبائه بقاءه على قيد الحياة لحمايتهم. وقد يخلص الى أن مصالح عائلته لها الأولوية على هدف التزامه الأخلاقي. النقطة المهمة هنا هي أن الأسباب الخاصة بكونها أخلاقية يمكن أن تصبح أسبابًا غير أخلاقية بسهولة، لأن الارتباط بين الأخلاق وهذه الأسباب عرضي وعابر.

وعليه، لا يكتفي من هم في وضع هذا الجندي ولا المجتمع الأخلاقي الذي يعتمد عليهم بإجابات من هذا النوع. إن ما يريده هؤلاء وهذا المجتمع هو القضاء على الصراع بين ما يأمر به العقل المحايد والعقل التحوطي الحصيف الذي يقيم حساباته على المصلحة الشخصية. وكذلك الأسباب التي من شأنها أن تدفع أولئك الذين يجدون أنفسهم في مثل هذه الظروف إلى القيام بما تتطلبه الأخلاق. هناك، بالطبع، إجابة واحدة تلبي هذا الطلب، لكنها أنها غير مرضية من عدة نواحٍ. تقيم هذه الإجابة الطاعة الأخلاقية على محبة مجتمع الأفراد الأخلاقيين بأسره. وهكذا إذا كان الجندي يهتم برفاهية أفراد مجتمعه قد يجد ما يخدم  سعادته هو طاعة متطلباتهم الأخلاقية. ولكن لكي تجد سببًا مرضيًا تمامًا كونك أخلاقيًا، هناك العديد من الأشياء التي قد لا تكون هذه الإجابة عليها مقبولة. فقد لايكون مجرد شكل من أشكال الوطنية سببا كافيا، لأن حب الوطن (حب تاريخه، أو جغرافيته، أو مُثله، أو معظم مواطنيه)  يمكن أن يتعارض مع الاحترام الأخلاقي الحقيقي للأفراد سواء داخل أو خارج حدود الأمة. وقد لا يكون حبً الأشخاص هو ما يعيق طاعة ما تتطلبه الأخلاق.[2] فإذا كان يتطلب الدفاع عن رأس الجسر جنديًا يضحي بأرواح العديد من زملائه المقاتلين، على سبيل المثال، فيجب أن لا يتعارض اهتمامه بهؤلاء مع أداء واجبه. بعبارة أخرى، يجب ألا يكون احترامه لرفاقه مصدر قلق لأشخاص محددين، ولكن لإرادتهم كأفراد محايدين. في الواقع، يجب أن يكون حبًه للأخلاق  نفسها سببًا مناسبًا تمامًا لكونه أخلاقيًا، ولكن للاستمرار بذلك، لابد أن يكون الفرد مستعدًا لوضع هذا الارتباط الغريب إلى حد ما مع الإرادة المحايدة للجميع فوق أي ارتباطات حقيقية قد تكون لديه تجاه أولئك الأشخاص. إن تقديم هذا كإجابة عن السؤال "لماذا يجب أن أكون أخلاقيًا؟" يطرح سؤالًا جديدًا حول لماذا يجب على أي شخص عقلاني أن يضع إرادة الأفراد غير المتحيزين، والأخلاق، فوق كل الغايات الأخرى التي قد تكون لديه.

أريد أن أنظر بتمعًن إلى وجهة نظر أولئك الذين يعتقدون أن السؤال الذي نطرحه هنا بلا معنى ولا يمكن طرحه بجدية. يمكن القول أن السؤال "لماذا يجب أن أكون أخلاقيًا؟" أمرًا ملحًا للغاية لأولئك المتمركزين على رؤوس الجسور أو المحاصرين في قوارب النجاة في أعالي البحار مثلا. لكن هل توضح مثل هذه الحالات مشكلة عميقة ومستمرة للحياة الأخلاقية حقًا ؟ هل هذه حقًا مشكلة خطيرة تواجه وتزعج كل واحد منا في وجودنا اليومي كاشخاص أخلاقيين؟

دون إنكار أن اهتمامات الحياة اليومية تخمد هذه المشكلة أو أن المؤسسات التقليدية للمجتمع (القانون، ضغط الرأي العام) تزيل الخيار الصارم بين الطاعة الأخلاقية والمصلحة الذاتية لمعظم الأفراد. أرى أن هذه مشكلة تهاجمنا فعلا  وأن بلطف أو فجأة، في كل منعطف من الحياة الأخلاقية. تشير حالة الجندي في مثلنا بوضوح إلى الظروف التي تدفع المرء للتساؤل "لماذا يجب أن أكون أخلاقيًا؟" بطريقة جادة. بكل ببساطة، يجب أن تكون المكاسب التي يجنيها الفرد من رفض إطاعة ما تتطلبه الأخلاق كبيرة بالنسبة للخسائر التي يخاطر بها في رفض الانصياع للطاعة. تظهر هذه الظروف بوضوح في حالة الجندي؛ أنه ينقذ حياته بالفرار، وعلى الرغم من أن هذا الهروب يتسبب في شرور جسيمة، إلا أن انه يمكن يتحملها في ضوء البديل. إنها حالات تحصل في مواقف كثيرة في العمل أو الحياة السياسية. فقد يجد الأفراد بعض الأفعال غير المسموح بها أخلاقياً (مثل عدم الأمانة، أوالرشاوى) مربحة للغاية من حيث الرضا، وأن الشرور التي يخاطرون بها تكون طفيفة لسهولة إخفاءها أو كتمانها. لا أنكرأن العديد من السياسيين الذين يأخذون الكسب غير المشروع يعتقدون أن ما يفعلونه هو صحيح. وقد يجد أفراد عقلانيون صعوبة بالغة في التمسك بالموقف الذي يقرون أنه صالح أخلاقياً في مثل هذه الظروف. وهذا مؤشر جزئي على مدى صعوبة الإجابة عن السؤال "لماذا يجب أن أكون أخلاقيًا؟" حيث يجتذب الكسب غير المشروع أفضل الأشخاص أحيانًا.[3]

رغم أهمية هذا السؤال الأً أن هناك من يعتقد أنه بلا معنى، وأنه يعتمد على فهم خاطئ للمفاهيم التي يستعملها. لاحظ جون هوسبرز، على سبيل المثال، أن طرح السؤال "لماذا يجب أن أكون أخلاقيًا؟" يتضمن البحث عن أسباب للفعل او التصرف. وأن هذه الأسباب، كما يقول، يمكن أن تكون من نوعين أما أسباب تحوطية احترازية أو أسباب أخلاقية، "لماذا هذا الفعل خير أو جيد بالنسبة لي؟" أو "لماذا هو جيد/ خيرً أخلاقيا؟" لكن تفسير السؤال بأي من هاتين الطريقتين يؤدي إلى لامعقول. وبالتالي، إذا تم البحث عن أسباب أخلاقية لفعل ما هو مطلوب أخلاقيًا، فإن السائل يبحث عن سبب قيامه بما يجب أخلاقياً، وهذا بلا معنى. من ناحية أخرى، إذا تم البحث عن أسباب تحوطية احترازية لفعل ما هو صحيح أخلاقيًا، فإن السائل يطلب شيئًا لا يمكن تقديمه. لأن طبيعة الأخلاق تبطل أو تحبط التحوط أوالحصافة والتدبير أحيانًا. وهكذا، عندما يسأل الفرد عن أسباب تحوطية لأداء عمل أخلاقي ضار له، فإنه في الواقع يسأل لماذا من مصلحته أن يفعل ما ليس في مصلحته. ويخلص هوسبرز إلى أنه عند طرح  هذا السؤال، يكشف الفرد عن أنه لا يفهم معنى الأخلاق.[4]

تتمتع حجة هوسبرز بميزة الإشارة إلى حقيقة أن العقل له وظيفتان متميزتان جوهريًا: التحوطية والأخلاقية. إنه العقل نفسه بالتأكيد، لكنه يمارس دوره من وجهات نظر مختلفة. إن وجهة نظر هوسبرز لها قيمة التأكيد على حقيقة أنه على المرء أن يختار أيًا توظيفات العقل لها الأفضلية حتى يلجأ إليها عند اختيار التصرف. لكن لا يقضي موقف هوسبرز على المشكلة بقدر ما يشير إلى مشكلة أخرى تواجه الفرد في اللحظات الصعبة من الاختيار الأخلاقي؛ وهي ما الذي يريد هذا الفرد معرفته. ونرى ما يرقى اليه سؤاله الآن، هو أي من هذين الاستخدامين للعقل يوفر أسسًا حاسمة للتصرف؟ إذا لم يكن بالإمكان جعل العقل التحوطي والأخلاقي يتكلم بالصوت نفسه، فما هو الصوت الذي يجب أن يستمع إليه المرء؟ اي عقل واسبابه هو الأفضل؟

يرى لكيرت باير بوصفه دارس آخر لهذه المشكلة أن هذا السؤال ليس له معنى أضًا. ولايعود ذلك الى أن  المسألة ما إذا كان يقدم التحوط أو الأخلاق أسبابًا أفضل للتصرف هي بلا معنى، كما هو الحال بالنسبة لهوسبرز، ولكن لأنه لا توجد طريقة لتسويتها لأن السؤال يجيب عن نفسه.[5] يقول باير إن طبيعة الأخلاق هي التي توفر أفضل الأسباب للتصرف. ويشير في حجة شبيهة جدًا بالحجة التي أشرت إليها، في القسم الأول، أيً إلى أن الأخلاق هي وسيلة للفصل في الصراع بين الإرادات المختلفة. فمهما كانت الأسباب التي تدفع الأفراد للتصرف، يجب الحكم إن الأسباب الأخلاقية هي المتفوقة ولها الأولوية. يلاحظ باير أنه إذا لم يكن الأمر كذلك، فلن يكون هناك شيء اسمه الأخلاق وستسود الفوضى. وبالتالي، فإن السؤال "لماذا يجب أن أكون أخلاقيًا؟" بلا معنى لأنه كمن يطلب أفضل الأسباب للفعل على أفضل الأسباب. يشير طرح هذا السؤال الى الصراع بين الأخلاقي والحصيف أو التحوطي وهذا يعني أن المرء لم يفهم طبيعة الأخلاق بشكل كامل.

إن وجهة نظر باير مقنعة في البداية لتعبيرها بقوة عن مفهومنا عن للأخلاق، ولكنها تحمل مشكلة ايضًا. لا شك أن الأسباب الأخلاقية تتفوق على الأسباب الاحترازية أو التحوطية. لكن لماذا هي كذلك؟ لأنه من مصلحتنا بشكل عام وحيادي أن تأخذ هذه الأولوية. وهذا يعني أن عقلنا في توظيفه العام وغير المتحيز- العقل نفسه الذي تمثل الأخلاق تعبيرًا عنه- هو الذي يحدد هذه الأولوية. ولكن عندما يسأل شخص تتعرض سعادته للخطر بسبب الطاعة الأخلاقية "لماذا يجب أن أكون أخلاقيًا؟" إنه يسأل عن سبب وجوب تصرفه كما ينبغي له أن يوصي بأن يتصرف أي شخص آخر طبقا لهذا. بعبارة أخرى، إنه يسأل لماذا في هذه الحالة يجب أن يكون عقلانيًا بهذا المعنى العام.

يمكنني أن أصف هذا بطريقة مختلفة وأكثر تعقيدًا بالقول إن إجراءاتنا المعتادة للتداول من خلال عقل محايد تنهار بشكل جذري في هذه الحالة الخاصة من صراع القرار. إذا فكرنا في وظيفة العقل في حده الأعلى، يمكننا أن نرى أنه يتضمن حركة تتجاوز رغبات اللحظة أو حتى التقييمات الذاتية للفرد. أنْ يتوقف شخص تحركه رغبات متباينة ومتناقضة عن التفكير ويسأل "ماذا علي أن أفعل؟" بالمعنى التحوطي من الواضح أنه يدعو المجتمع الأكبر من الافراد غير المتحيزين العقلانيين للمساعدة. هو ذلك المجتمع الذي يضم جميع الأشخاص من  ذوي الذكاء العادي والقدرة العقلية على الأقل (اشرنا الى ذلك سابقًا كجزء من مفهومنا للعقل). يريد هذا الفرد من هؤلاء الاشخاص العقلانيين الإرشاد لتجربة أكثر موضوعية من تجربته الخاصة، وكذلك التخلص من الإلحاح الفوري للرغبة التي تضغط عليه. وبالتالي، فإن الحياد والموضوعية في مفهوم كانط للحكم العام الشامل- هي جزء أساس من العقل (كما اوضحنا ذلك في القسم الأول). والسبب في ذلك هو أن التراجع أو إعادة التعامل مع الأسس العامة المحايدة للحكم أمر ضروري لمساعدة الفرد في تلبية رغباته بشكل منظم ولأقصى حد. وبالتالي إذا سُئل "لماذا يجب أن أكون عقلانيًا وأبحث عن أسباب محايدة لما أفعله؟" الجواب عادة "لن تكون سعيدا إذا لم تفعل" وهذه الإجابة كافية تماما. ولكن عند السؤال "لماذا يجب أن أكون أخلاقيًا؟" يفقد هذا التراجع العام إلى العقل المحايد قوته المقنعة. صحيح أنه بافتراض نقطة الأفضلية هذه، يتعلم الفاعل ما هو الأفضل عمومًا للأفراد العقلانيين. ولكن في هذه الحالة الفريدة، فإن الأفضل بشكل عام ليس بالضرورة الأفضل بالنسبة له. وبعبارة أخرى، فإن عقله المحايد متحيز ضده، حيث  يعرف في الوقت التي يمارس فيها عقله البحث عن أسباب أخرى لأحكام العقل المحايدة أن هذا هو  حقيقة الحال.[6]

لا توجد طريقة لحل هذه الصعوبة بإجراءات العقل العادية. وبالتالي، إذا كان الفرد الذي يدرك الطبيعة المنحازة لإملاءات عقله المحايد يسعى إلى إعادة التعامل مع وجهة نظر أكثر حيادية، فيميل العقل في هذا الموقف إلى تفضيل العقل الأخلاقي المحايد. لا تختلف المشكلة عن تلك التي يعاني منها الأفراد الذين يعيشون في ظل أنظمة فاسدة والذين يحاولون مقاضاة الحكومة في محاكمها. يميل العقل المحايد هنا إلى تفضيل الحيادية، بحيث تستمر المسألة وتطول في تراجع لا نهائي حتى يتخلى الفرد عن السؤال تمامًا. ثم مرة أخرى قد يأخذ العقل المحايد، في مرحلة ما من هذه العملية، انحيازه في الاعتبار ويؤكد أنه غير قادر على الحكم بشكل عادل على المسألة. لن ينجح  إجراء حكم العادي للعقل في كلتا الحالتين. وبالتالي، فإن وجهة نظر هوسبرس صحيحة إلى حد ما. إن العقل الأخلاقي والعقل التحوطي هما تعبيران غير قابلين للاختزال، ومرتبطين، ولكن يحتمل أن يكونا مضاديين للعقلانية. لا يوجد توظيف أعلى أو أساسي أكثر للعقل يمكن أن يساعد في حل النزاعات بين الاثنين، وعندما تنشأ مثل هذه النزاعات، يكون العقل في طريق مسدود.[7] هذا يعني أنه في لحظة الاختيار الأخلاقي، عندما يملي التحرز أو التحوط والأخلاق مسارات عمل متعارضة، يكون الفاعل العقلاني بلا موجه. لا تنص الحصافة أو التحوط ولا الأخلاق مسارات العمل المطلوبة تمامًا أو غير قادرة على تحديد أي منها يجب اتباعه. سوف ألقي، في دراسة لاحقة تدور حول دور الدين في الأخلاق، نظرة فاحصة على تداعيات هذا الصراع على الفعل العقلاني، وسأستكشف إمكانية الخروج من هذا المأزق؛ لكن يكفي هنا أن نلاحظ أن هناك معضلة حقيقية تظهرامامنا.

إذا كنا نسعى إلى تفسير سبب دوافع العقل إلى هذا الموقف المتطلع والفضولي للمعرفة، فلا علينا أن ننظر بعيدًا لأن تنشأ المشكلة من طبيعة الإنسان الغامضة والمتناقضة ككائن عقلاني ومحدود واجتماعي. أي أننا ننظر إلى مشكلة تعكس حالة الإنسان في حالته العقلانية والمحدودة والإجتماعية. اسمحوا لي أن أشرح هذا قليلا. إن العقل في أحد معانيه الأساسية، كما رأينا سابقًا، هو طريقة لتنظيم وتعظيم الرضا أو الأشباع. إنه أداة متطورة للتكيف والبقاء من الناحية البيولوجية. هذا يعني أنه يقوم بمهمة تحصل في المستويات الدنيا من الحياة بشكل مباشر وبدون مداولات عقلانية؛ كما في النباتات، على سبيل المثال، حيث يتم ضمان بقاء وتكيف أنواع الكائن الحي والأنواع مباشرة عن طريق العمليات الكيميائية أو الميكانيكية. وتؤدي آليات الغريزة بين الحيوانات العديد من هذه الوظائفا أيضًا. ولكن تُستبدل عند الانسان بوصفه حيوان عقلاني عدد كبير من هذه الآلياًت الأكثر بدائية بالتداول العقلاني. وبالتالي، فيما يتعلق بالفرد، يُستبدل مسند الحماية من الغريزة  من قبل الفرد بالقدرة على البحث عن أسباب  السلوك والأحداث. يسعى الكائن العقلاني من خلال النظر في الطبيعة إلى تحديد الروابط الضرورية أوالعلاقات السببية بين الأحداث من أجل تسهيل تنبؤه بالأحداث المستقبلية. وهو يقوم بواسطة القدرة العقلانية نفسها من خلال سلوكه ومسارات العمل الممكنة أو المحتملة، على العمل لتحقيق أقصى قدر من إشباع رغبة، أي التصرف وفقا لسبب دائمًا. هذا لا يعني أن الكائن العقلاني يهتم بذاته بالمعنى الضيق، لأنه يريد الرضا أو الإيثار، كما في الرضا الأكثر غريزية في الحياة الأسرية. وهذا يعني أن للعقل نفوذ وسلطة على رغبات الفرد: فهو لا يسمح بأي إجراء يفشل في تعظيم إرضاء الفرد بما يتماشى مع الحكم الموضوعي للعقل.

بلا  شك أن العقل، له فعالية كأداة للتكيف والبقاء لا مثيل لها؛ يشهد تاريخ التقدم المادي البشري على هذا، فقد أصبح الإنسان بحكم العقل سيدًا على الطبيعة لا خاضعًا لها. ولكن رغم ذلك تبرز مشكلة أمام  العقل بمجرد النظر في طبيعة الإنسان الاجتماعية. نحن نعلم، بالطبع، أن دور هذا العقل يمتد إلى ابعد من الطبيعة ليشمل العلاقات الاجتماعية للإنسان. يضطر الفرد، بحكم العقل، إلى التساؤل ليس فقط عن الطريقة الأفضل لتنظيم الطبيعة لتحقيق غاياته، ولكن كيف هيكلة علاقاته الاجتماعية لتحقيق اقصى قدر من رضاه. إنه عقلاني بمعنى أن عقله يكون الحاكم على الحالات والأفعال، ولا يحظر عليه الدخول فيها أو حيث السؤال "هل يزيد هذا الأمر من رضاي؟"

ومع ذلك، يثير عقل الإنسان عند ممارسة تأثيره والتشكيك في أشكال العلاقات الاجتماعية بالضرورة الأزمة التي كنا نستكشف جانبها الداخلي التجريبي. تكشف طبيعة الإنسان ككائن عقلاني واجتماعي عن نفسها من خلال توسيع نطاق العلاقات الاجتماعية. علينا لملاحظ هذا أن نضع في اعتبارنا أن الجماعة  الاجتماعية المحدودة أو الصغيرة تقف دائمًا في علاقة متوترة مع الجماعة الأكبر. فتتطلب احتياجات الكل في كثير من الأحيان قمع غايات أو أهداف العضو الفردي.

ليس الإنسان ضحية الأحداث الطبيعية في كافة الأحوال، ولا تحركه الغريزة فقط وحصريًا. ويُحكم مصيره من خلال سؤال واحد: "هل يزيد هذا - موضوعيًا- من رضاي المحتمل إلى الحد الأقصى؟" لكن يتعارض هذا السؤال بطبيعته مع الأفعال أو الغايات التي تخدم المجموعة الاجتماعية الأكبر لا الفرد أحيانًا. فن تلك الأفعال أو الغايات، بصرف النظر عن الاحتياجات المحدودة للأنواع مثل التكاثر، هي تلك التي يحددها العقل الأخلاقي، لأن الأخلاق تنشأ من إرادة المجتمع المكوًن من الأفراد العقلانيين. فيمكن ان يقدم الفرد العقلاني لنفسه أسبابًا لطاعة قواعد الأخلاق التي تخدم مصالح المجموعة الأكبر. وأن يربط  العديد من هذه القواعد بإرضاءه المتوقع مباشرًا، حيث يتم إنتاجها من خلال تناسب الأخذ والعطاء في العلاقات الاجتماعية. وأن تلك القواعد التي قد تتطلب تضحية كبيرة من جانبه أو ربما خسارة للسعادة يمكن معالجتها إلى حد ما عن طريق العقل. فيمكن  تفسيرها، على سبيل المثال، من حيث فائدتها للمجتمع، وتبريرها من قبل الفرد لنفسه عندما يستخدم عقله بمعناه المعتاد وغير المتحيز.

يشير الفرد  في محاججته إلى أن  هناك خطأ ما. وهو أن العقل الذي يوجهه بألا يتصرف أبدًا لتقليل الإشباع المحتمل لرغباته، يجعله الآن يقوم بالضبط ما يُقصد منه منعه. لا عجب في أن يكون الفرد الاجتماعي العقلاني متحيرًا في مثل هذا الموقف. يظهر الصراع ذاته بين الذات والمجتمع، الواحد والمتعدد، في قلب العقل نفسه الذي رغم من كونه مرشدًا وحيدًا للسلوك، فهو غير قادر هنا على ترتيب خلافه او نزاعه الذاتي. لا يعتبر تفسير هذا المأزق بمثابة راحة للفرد العقلاني. تفسر كيفية نشوء الضرورات المتناقضة التي تؤثر على فرد ما، مثلا، أن سلطة العقل في وظائفه المختلفة لها تاريخ طبيعي. لكن الأمر مختلف تمامًا بالنسبة لفرد تحكم هذه الضرورات تفكيره وعمله استخدام  هذا التفسير للهروب من مأزقه. فلا يتطلب هذا الفرد للتفكير والعمل  تفسيرات بل مبررات، ولكن تبدا المشكلة من مركز العقل بالتحديد بالنسبة للفرد المبرر.

على الرغم من صعوبات هذا التفسير لمعضلة العقل الأً أني أرى أنه من ناحية  الوضع الوجودي للإنسان له بعض القيمة لفهمنا لقضية أخرى وهي الدين. وإذا كان الأمر كذلك فسأناقش لاحقًا مدى امكانية أن تكون المعتقدات الدينية مطلوبة لحل مشكلة العقل الداخلية. إذا كنا ننظر للدين بوصفه لايجد أساسه في جوانب وجود الإنسان الأقل تطورًا، مثل الغرائز أو المشاعر البدائية، ولكن يمكن في الجانب الذي يميز الإنسان عن أشكال الحياة الدنيا، أيً: قدرته العقلانية المتطورة على وجه التحديد.

****

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

.......................

[1] قد يكون التقدم الذي احرزته النظرية الأخلاقية العقلانية سببا للعدد المتزايد من المناقشات حول هذا السؤال، فأنظر مثلا:

Kurt Baier, The Moral Point of View (Ithaca, N.Y.: Cornell University Press, 1958.), Ch. 12;

Bernard Gert, The Moral Rules, Ch. 10; G. J. Warnock, The Object of Morality (Lon1on: Methuen & Co., 1971), Ch. 9;

John Hospers, Human Conduct (New York: Harcourt, Brace and World, 1961), pp.  194-95;

Marcus Singer, Generalization in Ethics, pp. 319-27; and David Richards, A Theory of Reasons for Actions, Ch. 14.

Rawls, (A Theory of Justice [Cambridge, Mass.: Harvard University Press, Belk nap Press, 1971}, pp. 567-77.)

Kai Nielsen, "Why Should I Be Moral?" Methods, XV (1963), 275-306;

D.  A.  Lloyd Thomas, “Why Should I Be Moral?" Philosophy, XLV (April 1970), 128-39;

Marvin Glass, "Why Should I Be Moral?" Canadian Journal of Philosophy, II (December 1973), 191-95;

Michael D. Bayles, "The Complexity of 'Why Be Moral?'" The Personalist, LIV (Autumn 1973), 309-17.

[2] تبدو لي إجابة غيرت المقترحة على السؤال "لماذا يجب أن أكون أخلاقيًا؟" في التأكيد على حماية القواعد الأخلاقية للأشخاص غير مرضيًة، لأن الاهتمام بالأشخاص يمكن أن يؤدي بسهولة إلى انتهاك القواعد الأخلاقية. انظر له:

The Moral Rules, p. 201

[3] Kai Nielsen, "Why Should I Be Moral?" p. 301.

[4] Hospers, Human Conduct, pp. 194-95.

[5] The Moral Point of View, pp. 308-15.

[6]  إن سينغر مخطئ عندما يعلق "أن السؤال عما إذا كان يجب على المرء أن يكون محايدًا هو سؤال واحد، وهو سؤال لا معنى له"، أنظر:

Singer, Generalization in Ethics, p. 5o.

بينما ان توماس ناجل أكثر حذرًا، أنظر:

Thomas Nagel,The Possibility of Altruism, Oxford: Clarendon Press, 1970.

[7] Marvin Glass, "Why Should I Be Moral?" p. 195.

عبد الجبار الرفاعيالإخوان المسلمون هم الجماعة السياسية الأطول عمرًا، والأوسع حضورًا والأشدّ تأثيرًا في مصر والبلاد العربية. حسن حنفي من أكثر المفكرين درايةً بالإخوان وخبرةً بنشأتهم وأدبياتهم ومواقفهم ومسيرتهم العملية، وهو الأغزر كتابةً عن الحالة الدينية في مصر، ربما لا نجد كتابًا له إلا ويتطرق للدين والتديّن وأحيانًا يكتب عن ذلك بشكل مستفيض. في كلِّ ما قرأتُ من كتاباته عن الإخوان كان يتحدث بلغة اعتذارية، تحاول بأساليب ذكية تبريرَ مواقفهم، وإدانةَ خصومهم، وتكرارَ الكلام عن "سيكولوجية الاضطهاد" التي تعرضوا لها كحركةٍ سياسية جماهيرية، شديدةِ الإيقاع واسعةِ الحضور في مؤسسات المجتمع المتنوعة. يصف حسن حنفي تأثيرَ السجن والتعنيف والغبن الذي تعرضت له الجماعةُ بقوله: "‏وغلب على فكرها سيكولوجية الاضطهاد، فنشأ فكر إسلامي معاد للواقع، غاضب، يبغى الانتقام. يستعمل الإرادة الإلهية، كالسيف على رقاب الناس. وانقسم العالم عندهم إلى أبيض وأسود، إلى إسلام وجاهلية، لا يتعايشان بل يدمر أحدهما الآخر. وتقود هذه العملية الصفوة المؤمنة، عن طريق تغيير السلطة"[1]. هذا الكلام يتضمن اعترافًا صريحًا لحنفي برؤيةِ الجماعة المغلقة للعالَم، والنزعةِ الحادة المتطرّفة في تفكيرهم، وتصنيفِهم الخاطئ للمجتمع المسلم إلى "إسلام وجاهلية"، لكن حنفي يعود في موارد كثيرة من كتاباته ليبجلَهم، ويفتعلَ دورا اجتماعيا وسياسيا وثقافيا استثنائيا اضطلعوا به في مصر. لا يتحدّث حسن حنفي عن استنزافِ الجماعة للتديّن التقليدي وإنهاكِ الحياة الروحية والأخلاقية في المجتمعات المسلمة، وما أحدثته هذه الجماعةُ من ثغرات بنيوية في التربية والتعليم والثقافة والإعلام والسياسة، وهيمنتِها على الجمعيات الخيرية والمساجد ومختلف المؤسسات المجتمعية. تديّنُ الإخوان عمل على تجفيف منابع التديّنِ الشعبي الموروثِ منذ عصر الرسالة، والمتجذّرِ في المجتمعات الإسلامية، والذي استطاعت بنيتُه الراسخة أن تمنح حياةَ الأفراد والمجتمعات معنىً روحيا وأخلاقيا للدين يواكب إيقاعَ تطور المجتمعات والهويات المحلية، ويتناغم والواقعَ المتغير. تديّن الإخوان ينطلق من عقيدةٍ ترسختْ في وعيهم نشأتْ من آراء سيد قطب الصريحة بـ : "أنه ليس على وجه الأرض اليوم دولة مسلمة ولا مجتمع مسلم، قاعدة التعامل فيه هي شريعة الله والفقه الإسلامي"[2]. والحكم بأنه: "ارتدّت البشرية إلى عبادة العباد وإلى جور الأديان، ونكصت عن لا إله إلا الله، وإن ظلّ فريق منها يردد على المآذن لا إله إلا الله"[3]. في هذه السياق يخترع سيد قطب مفهومًا لكلٍّ من المجتمع المسلم والمجتمع الجاهلي، حتى ما نراه مجتمعًا مسلمًا يرى سيد قطب أنه: "يدخل في إطار المجتمع الجاهلي تلك المجتمعات التي تزعم لنفسها أنها مسلمة… لا لأنها تعتقد بألوهية أحد غير الله، ولا لأنها تقدم الشعائر التعبدية لغير الله، ولكنها تدخل في هذا الإطار، لأنها لا تدين بالعبودية لله وحده في نظام حياتهــا… فهي - وإن لم تعتقد بألوهية أحد إلا الله - تعطي أخص خصائص الألوهية لغير الله، فتدين بحاكمية غير الله، فتتلقى من هذه الحاكمية نظامها، وشرائعها، وقيمها، وموازينها، وعاداتها، وتقاليدها… موقف الإسلام من هذه المجتمعات الجاهلية كلّها يتحدد في عبارة واحدة: أن يرفض الاعتراف بإسلامية هذه المجتمعات كلها"[4]. هذه العقيدة دفعت الإخوانَ للعمل على استبدال التديّن الشعبي الرحيم بتديّن مصطنع، تديّنٌ غطاؤه سياسي مضمونُه سلفي، تديّنٌ أحدث تناشزًا مع البيئة المجتمعية، واغترابًا للمسلم العضو في هذه الجماعة عن عائلته ومجتمعه وبيئته، تديّنٌ كلامي مغلَق وفقهي متشدّد أفقرَ حياةَ المسلم للمعنى الروحي والأخلاقي، وغاب به المعنى الديني المُتآلف مع اختلافِ المجتمعات وتنوعِ طرائق عيشها وهوياتها الثقافية والاثنية.4072 معالم في الطريق

لا يقف حسن حنفي طويلًا عند ما أحدثته جماعةُ الإخوان من تشظٍ في البنية الدينية لمصر ومجتمعات أخرى مسلمة، وتصادم تديّنُهم المصطنع بغطائه السياسي ومضمونه السلفي والتديّن الشعبي التقليدي، والانقسام المجتمعي الذي خلقه هذا النمطُ من التديّن. يتغافل حنفي عن الآثار الموجعة لدعوةِ الجماعة وفكرِهم وانتشارِهم الواسع في مصر وعالم الإسلام، كأنه لا يدري أن المدارسَ ومعاهدَ التعليم والجامعات، من الروضة إلى الدراسات العليا، في السعودية ودول الخليج، وقبل ذلك في مصر وغيرها من الدول العربية، لبثت أكثرَ من نصف قرن خططُها التربوية والتعليمية أسيرةً للإخوان المسلمين.كانوا هم مَنْ يضع أسسَها، ويرسم خارطتَها، ويؤلّف مقرراتِها، ويحدّد مدخلاتِها ومخرجاتِها. يجري ذلك في أفقِ رؤيتهم للعالَم، وتديّنِهم السياسي الذي يظهر في السلوك ومختلف المواقف بتديّنٍ سلفي مغلَق متشدّد، تشبّع فيه مَنْ أقام منهم في هذه البلاد، بعد تفاعلِهم مع المذهب الحنبلي وانبهارِهم بأفكار ابن تيمية وتقليدِهم لمقولاته الاعتقادية وعملِهم بفتاواه الفقهية.

تنامى عاجلًا حضورُ الإخوان في التربية والتعليم في هذه البلاد، بعد هجرة المعلمين والمدرسين وأساتذة الجامعات، أيامَ اضطهادهم زمن الرئيس جمال عبد الناصر، بأعداد ليست قليلة، منذ خمسينيات القرن الماضي فصاعدًا إلى السعودية ودول الخليج، وسقوط العملية التربوية والتعلمية في هذه البلاد بأيديهم. في ذلك الوقت كانت هذه البلادُ تفتقر للمعلمين والمدرسين من مواطنيها، فاضطرت لتسليم كلِّ شيء في المدارس بمختلف مراحلها لهم، وتمت صياغةُ كلِّ شيء ليجسّد أمانيهم ويعبِّر عن غاياتهم ويعكس تفكيرَهم. نتج عن ذلك تفشي التيار السلفي بشكل سريع في مجتمعات عالَم الإسلام، منطلِقًا من البلاد التي تحكّم فيها الإخوانُ بالتربية والتعليم، ومستثمرًا شيئًا من فائض الثروة الذي تراكم بالتدريج بعد حرب اكتوبر 1973وارتفاع أسعار البترول.

لا يكثرث حنفي بالكشف عن تناسل الجماعات المسلحة من أدبيات الإخوان، وبخاصة كتاب "معالم في الطريق" ومسؤولية أفكار سيد قطب عن ذلك. في أكثر من مناسبة يذكِّر حسن حنفي القراء باقتران لحظة ارتباطه بالإخوان بسيد قطب. يقول: (دخلت الإخوان سنة 1951 ‏في نفس الفترة التي دخلها سيد قطب تقريبًا. وتأثرت جدًا بـ "العدالة الاجتماعية في الإسلام" و"معركة الإسلام والرأسمالية")[5]. في كتابه "الحركات الدينية المعاصرة"، الذي هو الجزء الخامس من سلسلة "الدين والثورة في مصر"، جاء الفصل الرابع بعنوان: "أثر الإمام الشهيد سيد قطب على الحركات الدينية المعاصرة"، واحتل أكثر من 130 صفحة من كتاب لا يتجاوز 342 صفحة. لم أقرأ كاتبًا من مريدي سيد قطب أو خصومِه يخلع عليه لقبَ "الامام الشهيد" غير حسن حنفي. "الامام" لقبٌ ديني يُطلق في الإسلام على مؤسّسي المذاهب ومجتهديها، ويُطلق على أئمة أهل البيت. في تاريخنا القريب حدث توسعٌ في إطلاقه، لكن لم أقرأ أو أسمع من يطلقه على أمثال سيد قطب، ممن لم يتخرجوا في معاهد التعليم الديني التقليدية والحوزات.

يقرأ حسن حنفي فكرَ سيد قطب بوصفه تطوّر في أربعة مراحل، فيقول: "ويمكن التعرف على أربعة مراحل في فكر الامام الشهيد، تعبر عن تطوره الروحي: المرحلة الأدبية، والمرحلة الاجتماعية، المرحلة الفلسفية، والمرحلة السياسية"[6]. لم يكن حنفي دقيقًا عندما خلعَ على بعض كتابات سيد قطب عنوانَ فلسفة، ووصف كاتبَها بفيلسوف. لم يكن سيد قطب في أيّ كتابٍ أو مقالةٍ فيلسوفًا، كي يصطلحَ حنفي على مرحلة من مراحل إنتاجه الفكري بـ "المرحلة الفلسفية". قرأتُ أكثرَ أعمال سيد قطب قبل نصف قرن تقريبًا، وكنتُ أعود إلى بعضها عندما أناقش أفكارَه، وقرأتُ بموازاتها الكتاباتِ معه أو ضدّه، عن حياته وفكره وسجنه ونهايته المأساوية، ولم أقرأ في أعماله رؤيةً فلسفيةً أو نقاشًا فلسفيًا أو تداولًا لمصطلح فلسفي. سيد قطب كان أديبًا موهوبًا، وناقدًا ذكيًا، ومفسّرًا للقرآن الكريم، ومنظّرًا حركيًا، ومفكرًا سياسيًا، وكاتبًا يتقن اللغةَ العاطفية الحماسية الآسرة. سيد قطب بوصفه مفكرًا لا يستحق الإعدامَ مهما كانت أفكارُه وكتاباتُه، ومهما كان غريبَ الأطوار. الأفكار تُناقش وتُنقد وتُنقض، ولا تُقاضى في المحاكم، أو يُسجن صاحبُها ويعذّب، أو يُعدم.

***

د. عبدالجبار الرفاعي

......................

[1] حنفي، د. حسن، الدين والثورة في مصر، ج6: ص 312.

[2] سيد قطب: في ظلال القرآن. دار الشروق. القاهرة. ج:4. ص: 4122.

[3] سيد قطب. في ظلال القرآن. دار الشروق. القاهرة. ج:4. ص:2009.

[4] سيد قطب. معالم في الطريق. دار الشروق. القاهرة. ص101-103.

[5] حنفي، د. حسن، الدين والثورة في مصر، ج6: ص323.

[6] المصدر السابق، ص 168.

سامي عبد العال"لا تخلو أيةُ ثقافةٍ من أبنيةٍ وثنيةٍ بالضرورة، بحكم تعريفها المبدئي.."

السؤال الحيوي بصدد(الأم العذراء) هو: لماذا عادت النزعةُ الأبويةُ لتلتهم المسيحية بعدما كانت الأخيرة (صرخةً وجوديةً) في وجه كل أبٍ؟! تاريخياً لم تكن (فكرة الأبوية patriarchy) جزءاً من باكورة المعتقدات المسيحية الخالصة. ولا أتصور أنْ تفرضَ الأديان سلطةً خارج ذاتها، ثم تتطلب إعادة هيكلة الحياة وفقاً لطبيعتها المغايرة. فالموضوع كما أوضحت ليس متعلِّقاً بجوهر(الدين وفحواه) وإن كان يتيح الفضاء لذلك، بقدر ما يرتبط بآلياتٍ أوسع تخص الثقافة ومسار المجتمعات الإنسانية.

إذن السؤال الفائت هو سؤال يتتبع حال الإنسان الذي قد يتنصل من أغلالٍّ مقابل أغلالٍّ أخرى، ويعطي نفسه مجاناً لـ" وحش ثقافي" كاسر اسمه(النزعة الأبويةpatriarchism )، كان يطارده في وقتٍ من الأوقات. لكن لا يتم ذلك عشوائياً كُلما اتفقَ، فهناك ظواهر وتغيرات تجري في صلب الفكر والواقع. لأن استجابة التاريخ للتغيرات على صعيد الذهنيات والثقافة ليست ممكنة ما لم تعانِ المجتمعات أحداثاً بالغة الدلالة، وتترك في ذاكرتها آثاراً عميقة من جنس ما يبقى ويتكرر.

الانتظار في الظلام

بطربقةٍ أبعد إتضّحَ أنَّ القضية هي قضية تحولات (الثقافة والدين) على الأصالةِ. لأنَّ الدين لا يكفُ عن (محاولة تغيير) شكل الاعتقاد السائد بين الناس، بينما لا تتراجع الثقافة من ناحيةٍ أخرى عن ابتلاعه وإعادة انتاجه في أشكال بديلة من الحياة. ولذلك، فإنَّ علاقة الإثنين (الثقافة والدين) قائمةٌ على الصراع حتى النهاية، ولا توجد معايير واضحة لذلك الوضع الشائك. فقد يكون الصراع (صراعاً رمزياً) إلى درجة مهولةٍ أكثر من كونه مادياً يمكن الإمساك به هنا أو هناك. وقد يكون (صراعاً مفاهيمياً) يعطي فاعلي الثقافة أفكاراً حول الحياة والمجتمع. وأخيراً ربما ينفصل الطرفان على السطح الظاهر، ولكنهما يلعبان لعبة (الإحلال والتبديل)، أحدهما محل الآخر طوال الوقت، ولاسيما وقت (الأزمات الحرجة) كما في بعض المجتمعات الغربية العلمانية التي تلجأ لشحن خطاباتها بمعالم ونبرات لاهوتية إذا كانت في حالة حرب أو صراع مع مجتمعات أخرى. وأقرب الأمثلة على ذلك مصطلحات لاهوت الحروب التي شنتها القوى الغربية على الإرهاب مستعملة إياها من حين لآخر عندما كانت تدمر دولاً وتدهس شعوباً.

هذه التحولات بين (الثقافة والدين) ظلت تنتظرها الأنظمةُ السياسيةُ بفارغ الصبر. إن السياسة تشكل فنون انتظار (المكاسب والخسائر) في المناطق الرمادية من الحياة، ولا تدخل معارك واضحة خوفاً من الإنكشاف، لأنَّها تعتاد على الأجواء الغائمة وتستغل كل الأطراف لصالحها مهما كانت انتقالات مساراتها حادةً أو ملتويةً. ففي أحراش الغابات عندما ينشب صراع بين الحيوانات المفترسة حول فريسة مكتنزة، تترقب بعض الحيوانات والطيور الجارحة المشهد انتظاراً لبقايا الفريسة والمعارك الدموية الحاصلة. وغالباً ما تستحوذ الحيوانات المترقبة على البقايا لتعيد استعمالها في تقوية حياتها وتغذية صغارها. في الحقيقة هناك سلسلة طويلة من الحيوانات والطيور والحشرات والزواحف والهوام والعوالق تستفيد من تلك البقايا. ذلك بالضبط حال السياسة عندما تتحين الفرصة تاريخياً- في كل المجتمعات تقريباً- للإنقضاض على أشكال الصراع بين الثقافة والدين، حيث تحرك الأوضاع الجديدة لصالحها في الواقع مستغلةً موروثاتها الأسطورية حول الملوك وعبادة الحاكم الإله ونشر لاهوت السلطة. أي تبني أنظمة السياسة هيكلاً مقدساً للحكام على ما تأخذه من الثقافة الموروثة والسرديات الدينية اللاحمة معها.

هكذا لم تكن (النزعة الأبوية) في الأديان لتتضخم لاهوتيا وسياسياً من فراغ، إنما هناك واقع تاريخي ألقى بظلاله على التصورات والعقول والمعتقدات الكامنة فيها. لأن كل سلطة دينية ناشئة تحاول أن تتخمر بـ" المورّثات الثقافية " الباقية في حاشية ولحم البيئة المسيطرة. والمسيحية كأية ديانة أخرى عندما أعلنت عن نفسها كان يجب أن تتشبث بالتاريخ والجغرافيا والأنثروبولوجيا، وأنْ تضرب جذورها كالشجرة الغريبة في أية قوى نافذة بين جوانب المجتمعات البشرية. ونحن نعرف أن الثقافة اليهودية تركت أبوية سياسية فرضت وظائفها الدينية والدنيوية على كل شيء تقريباً حاكماً ومحكوماً. وباتت المشاعر والإجساد والوظائف الحياتية والظواهر الإقتصادية رهن تحولاتها وسطوتها في مجالات الاجتماع والسياسة.

علماً بأنَّ المسيحية رسالة في حدود كيفية التخلص من براثن اللاهوت اليهودي الذي اختلط بالماديات والوثنيات وبعض الخرافات الأنثروبولوجية التي غلبت عليه من عصر إلى عصر. وانتج مجتمعاً أبوياً حسيّاً بملء الكلمة، لم يعرف الفرق بين السماء والأرض مقارنة بالتعاليم والشريعة الموسوية. وكانت مبررات المسيحية الدينية تصحيحية واضحةً في هذا الإطار: أنْ تعود بشعب الرب إلى حياة الروح وتعاليم السماء وترسيخ الإخاء بين الناس، حتى أن الشريعة التي حملها المسيح إنما هي تطوير وتكملة للشريعة التي جاء بها موسى متممة روحها دون أن تحيد عن أصول معتقداتها. وهو ما جعل السيد المسيح يعبر عن ذلك بإطلاق العبارة: " لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء، ما جئت لأنقض بل لأكمل"(متى 5-17).

إزاحة العوالق

جاءت التكملة المسيحية في حدود إزاحة ما علق باليهودية من عمليات تشويه لمعان الدين والإله والحياة وإيجاد طُرق أكثر صيانة للإنسانية. وكان هذا الأمر واعياً بقدرة الجانب الروحي على مقاومة التسلط ونقض الامتياز اللاهوتي الثقافي لشعب الرب دون الآخرين. مما جعل النزعة الأبوية – في عصر اليهودية- تغطي مساحة شعب يظن أنه مقدس دون شعوب الأرض قاطبة. وتدريجاً أخذت الأبوية تظلل مساحة طبقة من الكهان ورجال السياسة دون الشعب كله، ثم تغطي الأبوية رأس حاكم إله بمثابة الأب لشعب بني إسرائيل دون أي فردٍ غيره. بهذا التدرج، باتت الأنماط الأبوية من الحياة بمكانٍ كبير، لدرجة أنها أخذت تغذي جوانب بعضها البعض وتزاحم وجوه الحياة الأخرى وتفرض سياسات الصراع والعداء والكراهية داخل المجتمع وتجاه الشعوب الأخرى.

ذلك كله كان السيد المسيح مقاوماً له بمنطق الكل لا الجزء، بمنطق الإنسانية لا الشعب المختار، بمنطق الروح الكوني لا الإجساد الفردية، بمنطق الحياة لا الموت، بمنطق المحبة لا العداء تجاه البشر. أي أنَّ الاعتماد على الروح والناموس هو الذي سينقي المفاهيم والممارسات ونمط الحياة من الشوائب العالقة. "فإني الحق أقول لكم إلى أنْ تزول السماء والأرض لا يزول حرفٌ واحد أو نقطةٌ واحدة من الناموس حتى يكون الكل(متى 5-18). وسواء أكان الحال المقصود تحقق كلية الناموس (الشريعة) التي تعيد الحياة إلى نصابها أم عودة شعوب الإنسانية كلها إلى بعضها البعض، فالواضح كون السلطة الأبوية ليست مقصودةً بحال من الأحوال.

لكن ما حدث تاريخياً كانَ شيئاً مختلفاً. لقد ترسخت المسيحية في حقبة  الأمبراطورية الرومانية كما لو لم تترسخ من قبل، وباتت ديانة ذات طابع سياسي حربي يستند إلى مؤسسات رسمية وقانونيةٍ. على الرغم من أن هناك بعض الصدود الذي وجده المسيحيون مبكراً. وتلك الحقبة التاريخية كانت (حلقة وصل) عميقة الجوانب وبعيدة الأسرار بين العالم القديم والانخرط في أحداث العالم الحاضر. إنها الحقبة التي أيقظت الأساطير من سباتها المؤقت وسيّست الخرافات ورسخت مبادئ الهيمنة على اللاهوت والسياسة باسم الإمبراطورية التوسعية.

جذور النزعة الأبوية

في البداية كانت نظرة الرومان نظرةً محافظةً تجاه الأديان، وبخاصة الأديان التي يتم الإعلان عنها ولم تكن معروفة من قبل. إذ كانوا يبجلون أجدادهم تبجيلاً كبيراً (النزعة الأبوية)، بل واعتقدوا بأنهم كانوا في مرتبة الآلهة المقدسة (نزعة التأليه). كما أنهم سياسياً كانوا يسمحون بالتعبير عن تقاليد وعادات وديانات الشعوب الخاضعة لإمبراطوريتهم خوفاً من التمرد والعصيان. وكانت أية (توجهات دينية جديدة) في هذا المناخ تعتبر ضرباً من " الخرافات". ولذلك أخذ الرومان ينظرون إلى المسيحية خاصةً كإرتداد عن اليهودية الموروثة، والتي كانت بدروها  قد تأقلمت مع أوضاع الأجداد والتقاليد السابقة .

يعبر الفيلسوف اليوناني المتأخر سيلسيوس في كتابه الكلمة الحقة: "عندما قام الله بإرسال المسيح، هل نسي التعاليم التي أرسلها سابقاً إلى موسى؟ أم أنه تراجع عن القوانين الصادرة عنه وغير رأيه؟"، لكن حين أبدى الرومان صدوداً تجاه المسيحية كان موقفهم آخذاً باحتقار المسيحيين لهم أيضاً، وبخاصة عندما قال المسيحيون بتلقيهم (وحياً خاصاً) غير معروف لدى كل الشعوب الأخرى. ووفقاً لتلك الحالة الجديدة مع جذور الثقافة الرومانية، فإنَّ الله لم يُعرْ (أسلاف الرومان) أيَّ اعتبارٍ يذكر. كتب الإمبراطور الروماني جوليان الملقب بالحاكم المرتد: "لماذا يهتم الله فقط بأرض يهوذا؟ إذا كان حقا إلهاً لنا جميعاً، فلماذا أهملنا نحن؟ لماذا لم يشملنا برسالته الجديدة؟

هل كانت الامبراطوية الرومانية تبحث عن منفذ لقبول المسيحية والاستفادة منها؟ بالفعل ظهرت المسيحية على المسرح الروماني من جهة السياسة أولاً.  أي وجدت بقوة حين اعتنقها رأس السلطة الأمبراطور قسطنطين الأول  Constantine (306 - 337) حيث عمل على اشاعة الديانة الجديدة وأضفى عليها طابعاً إمبراطورياً سياسياً أمام كافة الشعوب. وأدرجها في متن التوظيف السياسي لنظامه وبذلك إلتقت لدى المسيحية الرومانية النزعة التأليهية والأبوية داخل بعضهما البعض، لدرجة أن حقبته باتت  تحمل لقب بالامبراطوية المسيحية Christian Empire  .

حيث بدأت أحوال المسيحيين القلقة تثبت بهذا الغطاء الروماني. لم يعد المسيحيون يتحاشون الظهور والانتشار وغدا الوضع الجديد قوياً أمام أية قوى أخرى. وكان الإمبراطور الروماني قسطنطين الأول، هو أول إمبراطور روماني ينتقل إلى المسيحية أثناء فترة حكمه. لكنه لم يكن أول حاكم يعتنق المسيحية حصراً، حيث كان هناك ملك أرمينيا تيريداتس الثالث الذي تحول إلى المسيحية عام 301 بعد الميلاد. وكان الأخير قد طارد المسيحيين بكل شراسة خلال بداية حكمه، ولكنه بعد اعتناقه المسيحية طارد وأقصى غير المسيحيين والأديان الأخرى. وعلى العكس من ذلك، كان قسطنطين الأول بالمقارنة متسامحاً مع غير المسيحيين، على الرغم من أنه عمل دون توقف وباصرار على نشر المسيحية الجديدة عبر الإمبراطورية. وليس هذا فقط، بل قام بسن القوانين والتشريعات التي تضمن للمسيحيين حرية اعتقادهم وحياتهم الخاصة وأمر بإعادة أملاك الكنائس التي تمت مصادرتها أيام الاضطهاد. ثم قام بوضع المسيحيين في معظم المناصب والمواقع الحكومية الرسمية، واعطاهم أولوية في السياسة وممارسة السلطة .

ضمن تلك الثقافة، توافرت كل عناصر التأله والأبوية، وعلى حاشيتهما الغارقة في الموروثات السياسية الأسطورية، تم إحياء نمطان من (الشخصيات والوظائف والأفعال) العامة:

أولاً: الحاكم الإله: وهو الذي تجاوز نزعة إدعاء الألوهية كما أبرزت سلفاً، بل هو (إله مقدس) كما ينظر إليه أتباعه وكما يمارس دوره فعلياً. وهذا النمط يقع بين السياسة واللاهوت، ويخلط خلطاً وجودياً بين الإثنين كما لدي إمبراطوريي الرومان. فالامبراطورImperator لقب لاتيني معناه المُبجل، فالحمولة الدلالة المقدسة فيه جاهزة للتشغيل. الامبراطور كان له الحق في سن أو إلغاء عقوبة الإعدام(الموت والحياة)، وكان مستحقاً لطاعة المواطنين العاديين (الخنوع والطاعة الكاملتين)، وكان بوسعه أن يُنقذ أيَّ شخص من أي قرار صادر عن بطارقة الروم وهم الأشراف والسادة والطبقة العليا(إلغاء الأحكام الاجتماعية)، وبوسعه كذلك أن يلجأ إلى حق النقض  ضد أي عمل أو اقتراح من جانب أي قاض، بما في ذلك قرارات المحاكم الداخلية (إبطال القوانين وسلطة الاستثناء)، بالاختصار كان شخصاً مقدساً (فوق الشعوب والرعايا).

ثانياً: الكاهن: وهو رمز لوظيفة قديمة توسُطاً بين الآلهة والناس، حيث يقوم برعاية الأسرار وتسهيل بعض الخدمات عند الآلهة. وظلت تلك الوظيفة موجودةً بكل محمولاتها الإجتماعية والسياسية في الامبراطورية الرومانية. وبقدر ما يكون الامبراطور مقدساً بقدر ما ينال الكاهن أهميةً. لأن الاثنان يخدمان بعضهما البعض في الحياة العامة، ومادام الناس يؤمنون بأحدهما، فإنهما يؤمنون تلقائياً بكل الدوائر حولهما تقريباً. وتلك الدوائر واسعة جداً، ليس بدءاً بالسلطة فقط، بل بكل ما ينتمي إلى الدين والسياسة، لأنهما أصبحا شيئاً واحداً على وجه الدقة.

اللاهوت والسياسة

ودليل ذلك أنَّ قسطنطين الأول وهو صاحب السلطة السياسية قد حافظ على لقب الحبر الأعظم (أو الكاهن الأعظم)، إذ كان اللقب يمثل رأس الحربة في الديانة الرومانية القديمة، والذي استمر تقليد الأباطرة الرومان بحمله على تعاقب الأزمان. والحبر الأعظم باللاتينية Pontifex Maximus  (بونتيفكس ماكسيموس وفقاً لترجمة الإسم اللاتينية(هو لقب كان يُطلَق على أعلى قسّيس في هيئة الأحبار بروما القديمة. كان يعتبر هذا المنصب (أهم وأعلى رتبة) في المؤسسات الدينية الرومانية. ولذلك السبب لم يكن مسموحاً بحيازته إلاَّ لأفراد طبقة الباتريكيان أو النبلاء patricius حتى سنة 254 ق. م، عندما تم افساح المجال للمرة الأولى أمام رجلٍ من عامة الناس بإستلامه. وكان هذا المنصب رتبة لاهوتية بحتة خلال عهد الجمهورية الرومانية، إلا أنَّه أصبح أكثر توظيفاً سياسياً بمرور الوقت. ثم بحلول عهد الإمبراطور الأول أغسطس Augustus  أدرج إسم (بونتيفكس ماكسيموس) ليمثل منصباً إمبراطورياً، أي أنَّه بات حكراً على أباطرة روما تحديداً. استمرَّ هذا الحال حتى عهد جراتيان Gratian(375 383 –م) الذي قرَّر محو لقب بونتيفكس ماكسيموس من دلالته، ليختفي اللقب من روما القديمة .

وتبعاً لما أورده بعض الكتاب المسيحيين، فإن الإمبراطور قسطنطين الأول كان عنده أربعين عاماً وقتما أعلن اعتناقه للديانة المسيحية، وأنه من ذلك الحين سيكون تحت عناية الإله المسيحي الأوحد. و بالرغم من الأقوال التي قالها قسطنطين الأول في حينه، إلاَّ أنَّ هذا الإمبراطور انتظر إلى قبيل وفاته بقليل، لكي يُعتمد ويصبح حاكماً مسيحياً على نحو رسمي. وقد آمن قسطنطين بأن المعمودية ستطهره من جميع الخطايا التي ارتكبها في حياته، والتي كانت نتيجة مسيرته التي عاشها كإمبراطور، وهذا هو المعنى اللاهوتي- السياسي الذي يعبر عن الجانبين المقدس والدنيوي.

بعد اختفاء هذا اللقب، أصبح مصطلح بونتيفكس أو الحبر الأعظم Pontifex يستعمل لإضفاء هالة من القداسة على الأساقفة المسيحيِّين، بمن فيهم أسقف روما الأكبر. أمَّا لقب بونتيفكس ماكسيموس، فقد أُعيد استعماله في الكنيسة الرومانية الكاثوليكية، ليكون تشريفاً للبابا كحبر أعظم للمؤمنين وأكبر مكانة لاهوتية. ورغم أنَّ لقب الحبر الأعظم لا يصنَّف عادة ضمن ألقاب البابا الرسمية، لكنه كان يظهر على العملات النقدية والنُصب التذكارية والمباني التاريخية التي تحمل تخليداً لذكرى (بابوات) عصر النهضة.

إنَّ انتقالاً من التحولات السياسية في الامبراطورية الرومانية إلى اللاهوت وتوظيفة وإلى الرتب التي تجمع بين الإثنين سيكشف خلفية النزعة الأبوية. فليس يبعد عن هذا لقب(البابا) الذي نشأ داخل تلك الثقافة، ويوضح انحرافاً- بفضل السياسة والثقافة- عن واقعة مريم العذراء الأم ودلالتها، وكذلك يوضح الجوانب التعويضية التي حدثت بالممارسات السياسية نتيجة ما سبق.

لقب البابا (باللاتينية: pope) و(باليونانية: πάππας: pappas)‏، هي كلمة تعني (الأب)، وإجمالاً تعبر دلالتها عن المحبة. فالبابا هو من يحب الناس كما يحب الأبُ أبناءه مهما يكونوا. البابا هو أسقف روما ورأس الكنيسة الكاثوليكية، ووفق العقائد الكاثوليكية يعد خليفة القديس بطرس أحد تلاميذ  السيد المسيح الإثني عشر. والبابا له سلطة إدارية وتعليمية واسعة على الكنيسة الجامعة، وهو معصوم من الخطأ في حالة بشرية نادرة قلَّ إنْ وُجدت، وبخاصة عندما يعلن أنه يشرح العقيدة انطلاقًا من كرسي القديس بطرس الرسول .

ومع الوقت، تضخمت سلطة البابوية، ولم تقرأ جيداً المضامين الأولى للأمومة في شخصية مريم العذراء، بل لم تأتِ على ذكرها أساساً كي تعدل من المسار، لأنها أخذت منحى سياسياً ليس سهلاً الرجوع عنه. لقد كانت البابوية من نسل المفاهيم والألقاب البينية inter-surnames التي تكونت في شجرة ألقاب العائلة الرومانية بكل موروثاتها الثقافية. وطرحت البابوية سيادتها الروحية والزمنية في شخص البابا Papal supremacy، بسبب مكانته الكبرى التي يبلغها كنائب للمسيح وكخادم للرب  كمصدر الحياة المرئية واللامرئية. والبابا يرمزُ إلى وحدة كل من الأساقفة والمؤمنين جنباً إلى جنب، وكما أنه راع كامل يتمتع بسلطة شاملة على الكنيسة بأكملها، وهي سلطة يمكنه دائماً ممارستها دون عوائق. باختصار، "يتمتع البابا، من خلال المؤسسة الإلهية، بسلطة عليا تامة وفورية، وله جوهر القوة في رعاية النفوس على نحو خاص وعالمي في الوقت نفسه . وهذا ما تبناه الامبراطور قسطنطين الأول من أممية مسيحية Christendom تتجه نحو آفاق العالمية والكونية على امتداد إمبراطورية الرومان في أوروبا وخارجها .

على الرغم من هذا التكوين التاريخي المتشعب للنزعة الأبوية، إلاَّ أن الحواشي الثقافية أدت فيها دوراً خطيراً وإعادت توظيفها على نطاق أعمق. وإنْ كانت المسيحية من وقت لآخر لا تستطيع أن تتجاهل (المرجعية الأمومية) في شخصية مريم العذراء، وبخاصة عندما يتم الإحتفال بالسيدة العذراء وتجلياتها وبواسطة معاني الحب والرحمة والسكينة والتسامح، وهو ما يُقلل من حدة الأبوية الموروثة. تقريباً تركت الجوانب الأنثوية في العذراء دلالتها على خشونة التصورات والأفكار الدينية. لأن رمزية العذراء ليست رمزية عارضةً، لكنه من صلب المعتقدات المسيحية ولا يُذكر المسيح إلاَّ معها مولداً وحياةً.

***

د. سامي عبد العال

ابراهيم ابو عوادالتحليلُ المنطقي للظواهر الثقافية مُرتبط بطبيعةِ السُّلوك الاجتماعي، وبُنيةِ السُّلطة المعرفية. وإذا كان السُّلُوكُ يَكشِف الفِعْلَ الإرادي للفرد، فإنَّ السُّلطة تَكشِف الجانبَ الفكري للجماعة. وهذا الكَشْفُ المُزْدَوَجُ يُؤَسِّس مَجَالًا اجتماعيًّا حيويًّا، يَشتمل على البُنى الوظيفية المُسيطرة على الأحداث اليومية، ويُؤَدِّي إلى إيجاد روابط منطقية بَين الوَعْي كَنَسَقٍ حاكم، والواقعِ كَنَسَقٍ مَحكوم. وإذا كانت مُعطياتُ الواقع المادي تَدفع الأفرادَ إلى الخُضُوع للعقل الجَمْعي، بِوَصْفِه القُوَّة المُنظِّمة للأعراف والعادات والتقاليد، فإنَّ إفرازات الوَعْي تدفع الظواهرَ الثقافية إلى الالتزام بقوانين السُّلطة المعرفية، بِوَصْفِها القُوَّة المُنظِّمة للمعايير الأخلاقية والعوامل العاطفية. وعندما تَقترن ماهيَّةُ القُوَّة بمنظومة الحقوق والواجبات، تتكرَّس هُوِيَّةُ المُجتمع كمسؤولية مُشتركة وغاية وجودية. والسُّلطةُ والمسؤوليةُ مُتلازمتان ومُتكاملتان، وتُوجَدان معًا، وتغيبان معًا. والمُجتمعُ في صَيرورة تاريخية مُستمرة ودائمة، مِن أجل توليد أنماط معرفية مُستندةٍ إلى شرعية الكِيَان الإنساني، ومُعتمدةٍ على قواعد البناء الاجتماعي، وهذا يَدفع باتجاه تَوثيق العلاقة بين السُّلطة والمسؤولية كَهَمٍّ وُجودي غَير قابل للانفصال عن الواقع. وكما أنَّ الفرد لَن يَجِدَ نَفْسَه إلا بالتخلُّص مِن العُقَد النفسية المتجذرة في داخله، كذلك المُجتمع لَن يَجِدَ نَفْسَه إلا بالتَّحَرُّر مِن العُقَد التاريخية الساكنة في أعماقه.

2

مفهومُ السِّيادة في بُنية السُّلطة المعرفية لا يَمنع الفردَ مِن مُمارسة الفِعل الاجتماعي بشكل حُر، ولكنَّه يَمنع الفردَ مِن تحويل مصالحه الشخصية المُتضاربة إلى مَنظومة نفعية استغلالية تصير تاريخًا للمُجتمع. والتاريخُ الحقيقي للمُجتمع لَيس الوقائع والأحداث، وإنَّما هو النظام العقلاني الذي يُسيطر على المُجتمع في رحلة البحث عن مَعنى. وهذا مِن شأنه إلغاء التَّصَوُّرَات الذهنية المُسْتَهْلَكَة، واستخراج تفاصيل جديدة لحياة المُجتمع أفرادًا وجماعات، بين الزمنِ الذي يَنبعث مِن أعماق الوَعْي، والزمنِ الذي يُحَاصِر حُلْمَ المُجتمع في التَّحَرُّرِ مِن الوَهْم وتَغييرِ الواقع. وهذان الزَّمَنَان يُحَوِّلان تاريخَ المُجتمع مِن جَسَد للمكان إلى تجسيد للمعرفة. والرابطةُ بين الزمن والمكان لا معنى لها بدون المعرفة. ووجودُ الفرد في الواقع المُعَاش لا يَعني أنَّه يَملِك معرفةً عنه، لأنَّ المعرفة تأتي مِن التحليل المنطقي للظواهر الثقافية، ولا تأتي مِن انحصار الفرد في الزمن والمكان. وأيضًا، إدراكُ الفرد لوجوده المعنوي والمادي لا يَعني أنَّه يَعرِف تفاصيلَ التاريخ الكامن في أعماقه، لأنَّ وجود الفرد لا معنى له بدون الوَعْي. والوَعْيُ والمعرفة لا يَصِيران نظامًا إنسانيًّا يَعيش الفردُ به وفيه، إلا بامتلاك أدواتِ التحليل المنطقي، وآلِيَّاتِ التأويل اللغوي. وكما أنَّ الفرد لَن يَستفيد مِن مَنجم الذهب إلا إذا امتلكَ خريطةَ الموقع وأدوات التنقيب، كذلك لَن يستفيد مِن حياته إلا إذا امتلكَ الوعي والمعرفة واللغة. وأصعبُ شيء في حياة الفرد أن يَرى كَنْزًا أمامه، ولا يَستطيع الوصولَ إليه. وأصعبُ شيء في حياة المُجتمع أن يَجِدَ نظامًا لُغَويًّا مُسيطرًا على العلاقات الاجتماعية، ولا يَستطيع فَكَّ شِيفرته.

3

تحديدُ مصادر المعرفة يتطلَّب تحديد الثغرات الموجودة في تاريخ المُجتمع، لأن الثغرات تكشف مواضع الانفصال والتَّشَظِّي في علاقة الفرد بِنَفْسِه، وعلاقته معَ الآخرين، وهذا يُؤَدِّي إلى تحليل طبيعةِ مركزية الذات الإنسانية في الظروف البيئية، وَدَوْرِ هذه الظروف في إنتاج نظام عقلاني قادر على نَقْد المعرفة، وذلك بتوضيح كيفية نشأتها، وشُروط استعمالها، وطُرُق توظيفها. والمجتمعُ لَيس انعكاسًا تلقائيًّا لمراحل الانقطاع في العقل التاريخي، ولكنَّه سُلطة معرفية تتشكَّل باستمرار، ومنظومة أخلاقية يتم إنتاجُها لإيجادِ العُمق الفكري للفرد، والمُحافظةِ على توازنه النَّفْسِي في ظِل مأساةِ الحضارة وأزمةِ الوجود. ولَن يستطيع الفردُ الوصولَ إلى جَوهر البناء الاجتماعي، إلا إذا حوَّل البُنى اللغوية القائمة على تأويل المعنى وتجاوُز التاريخ، إلى خصائص نَفْسِيَّة قادرة على التمثيلِ المادي للأفكار.واللغةُ هي فلسفة السُّلطة المعرفية،وكُلَّمَا عاد الفردُ إلى اللغة وُلِدَ مِن جديد. والفلسفةُ أُسلوبُ حياةٍ لإدراك حقيقة الأشياء، ومنظومةٌ تجميعيةٌ للأسئلة الدائمة، ولَيْسَتْ بحثًا عن النظريات والخَيَالات والمُسَلَّمَات.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

حاتم حميد محسنيشير مفهوم العود الأبدي Eternal Return الى ان الكون وكل الوجود وما فيه من طاقة هو في إعادة حدوث، وسوف يستمر بالتكرار بشكل مشابه لذاته لعدد لا متناهي من المرات عبر زمان او مكان لامتناهيين. تتصل فكرة العود الابدي بفلسفة الحتمية في ان الناس محكوم عليهم الاستمرار في تكرار نفس الأحداث مرة بعد اخرى الى ما لانهاية. في احدى تعليمات فيثاغوروس (570-495 قبل الميلاد) انه "بعد فترات محددة، نفس الأحداث تحدث مرة اخرى" وان "لا شيء هناك جديد بالكامل".

الرواقيون

تحت تأثير افلاطون الذي هو ذاته تأثر بفيثاغوروس، إعتقد الرواقيون ان الكون يباشر دورات منتظمة، يتحطم فيها بشكل دوري من خلال حريق كبير ومن ثم يولد من جديد، وهكذا الى ما لانهاية.

وبما ان الله، كونه كامل عقليا، هو ملزم ليقوم بنفس الخيارات، كل دورة كونية تعمل بشكل مشابه او حتى مطابق لسابقتها، بحيث ان العالم كما نعرفه، ونحن معه، موجود في الدورة السابقة، وسوف يتكرر في الدورة القادمة.

الرواقي الروماني سينيكا (65 ميلادي) يخبر في رسائله لوسيليوس: "الاشياء التي تتلاشى من أبصارنا هي فقط تُختزن في العالم الطبيعي: انها تكف عن الوجود لكنها لم تُفنى .. النهار سوف يأتي مرة اخرى ليعيدنا الى الضوء. انه نهار يرفضه الكثيرون، الاّ اذا نسينا كل شيء قبل العودة".

الرواقيون الذين تأثروا بفيثاغوروس، دمجوا نظرية العود الابدي في فلسفتهم الطبيعية. طبقا لفيزياء الرواقيين، الكون يتحطم دوريا ومن ثم يباشر إعادة ميلاد جديد. هذه الدورات تستمر الى الابد، ونفس الأحداث تتكرر بالضبط في كل دورة. الرواقيون ربما وجدوا دعما لهذه العقيدة في مفهوم "السنة العظمى"، وهو أقدم تعبير وُجد في حوار طيماوس لإفلاطون. افلاطون افترض ان دورة واحدة تامة من الزمن ستُنجز عندما تستكمل الشمس والقمر والكواكب دوراتهم المختلفة ويعودون الى مواقعهم الأصلية. المصادر هنا تختلف حول ما اذا كان الرواقيون يعتقدون ان محتويات كل كون جديد ستكون واحدة كما كانت في الكون السابق، ام انها فقط مشابهة جدا لدرجة لايمكن تمييزها. وجهة النظر الاولى تُنسب الى الاسكندر افروديساس. ومن جهة اخرى، نجد عالم اللاهوت اوريجانوس يؤكد على ادّعاء الرواقيين ان محتوى كل دورة سوف لن يكون متشابها تماما وانما فقط لا يمكن تمييزه (عند المقارنة مع المشابه لها): " لكي نتجنب افتراض ان سقراط سيعيش مرة اخرى، هم يقولون انه سيكون شخص ما لا يمكن تمييزه عن سقراط، الذي سوف يتزوج امرأة لايمكن تمييزها عن زانثيبي (زوجة سقراط)، وسيكون متّهما من قبل رجال لا يمكن تمييزهم عن السياسي انتيوس والشاعر ملتيوس (اللذان حكما على سقراط).

 الاستجابة المسيحية

هذا المفهوم في العودة الابدية تردد ايضا في الكتاب المقدس:

الشيء الذي كان، هو ذلك الذي يجب ان يكون، وان ذلك الذي تم هو ذلك الذي يجب ان يتم: ولا يوجد هناك شيء جديد تحت الشمس. هل هناك شيء يمكن ان يقال عنه هذا جديد؟ انه كان سلفا في الزمن القديم، الذي كان قبلنا. لا توجد هناك ذكريات للاشياء السابقة، ولا هناك أي ذكريات للاشياء التي يجب ان تأتي لاحقا (سفر الجامعة 1: 9-11).

في مدينة الله (426 ميلادي)، القس اوغسطين يسعى لإنكار ان هذه الآيات وغيرها يشير الى العود الأبدي. اذا كان "الشرير يمشي في دورة"، يقول اوغسطين، "فان هذا ليس بسبب ان حياته ستتكرر بوسائل من تلك الدورات، التي يتصورها هؤلاء الفلاسفة، وانما بسبب ان المسار الذي تسير به الان عقيدته الزائفة هو ملتوي".

المؤلفون المسيحيون هاجموا العودة الابدية... القس اوغسطين اعتبر الخلاص غير ممكن وفقا لمشروع الرواقيين، مجادلا انه حتى لو تحققت السعادة الحقيقية، فان الروح لايمكن ان تكون مسرورة حقا اذا حُكم عليها بالعودة مرة اخرى الى الشقاء.

فردريك نيتشة 1844-1900

مفهوم العود الأبدي كان واحدا من المفاهيم المركزية في فلسفة نيتشة (1844-1900). ومع ان الفكرة ذاتها ليست أصلية لدى نيتشة، لكن استجابته المتفردة لها أعطى للنظرية حياة جديدة. اول عرض نُشر لرؤية نيتشة للنظرية ظهر في (العلم المرح) قسم 341، كان يُقترح للقراء كتجربة فكرية (تتم فقط في التصور)."ماذا لو في يوم ما او ليلة ما يأتي شيطان لك سرا في وحدتك، ويقول لك، "هذه الحياة كما تعيشها الان وعشتها من قبل، عليك ان تعيشها مرة اخرى ومرات لا متناهية، وسوف لن يكون هناك شيء جديد وانما كل ألم وكل مرح وكل فكرة وحسرة وكل شيء صغير ام عظيم في حياتك سوف يعود لك دائما في نفس التعاقب .. هل سترمي نفسك في الارض وتلعن الشيطان الذي تحدث لك بهذا ؟

الوجودي مارتن هايدجر يشير الى ان نيتشه يعرض هذا المفهوم كسؤال افتراضي وليس كحقيقة. طبقا لهايدجر، النقطة الهامة كانت هي المسؤولية والعبء المفروض بسؤال العود الأبدي، بصرف النظر عما اذا كان صحيحا ام لا.

من جهة اخرى، كان نيتشة قد نشر بعد وفاته دفتر ملاحظات يحتوي على محاولة لبرهان منطقي على العود الأبدي فيه دليل على ايمان نيتشة في النظرية كإمكانية واقعية. البرهان ارتكز على مقدمة بان الكون غير متناهي في الزمن لكنه يحتوي على كمية متناهية من الطاقة. في هذه الحالة، كل المادة في الكون يجب ان تمر من خلال عدد محدود من المجموعات او التوليفات، وكل سلسلة من التوليفات يجب بالنهاية ان تتكرر في نفس الترتيب، وبهذا تخلق "حركة دائرية لسلاسل متشابهة بالمطلق". غير ان باحثين اقترحوا ان السبب الذي أبقى هذه المادة غير منشورة هو لأن نيتشة ذاته كان غير مقتنع بإمكانية صمود حجته امام التمحيص.

في مقالته، اسطورة سيزيف (1942)، يقارن البير كامو ظروف الانسان بمأزق سيزيف، الملك الاسطوري الذي عوقب لتحدّيه الآلهة بجعله يكرر الى الابد نفس المهام الخالية من المعنى في دحرجة صخرة فوق جبل فقط ليراها تتدحرج نحو الاسفل مرة ثانية. يستنتج كامو، "ان الكفاح الى القمة هو ذاته يكفي لملأ قلب الانسان. يجب على المرء ان يتصور سيزيف سعيدا". حتى في حالة اليأس المطلق، سيزيف لايزال سعيدا. في الحقيقة، هو سعيد بالضبط لأنه في حالة من اليأس المطلق، لأنه في الاعتراف وقبول اليأس في ظروفه، هو في نفس الوقت يحوّلها. او، حسب الكلمات الرائعة للشاعر الروماني فيرجل virgil، "الأمل الوحيد للمحكوم عليه بالقدر هو ان لا أمل أبدا".

***

حاتم حميد محسن

....................

المصادر

1- الكسندر افروديسياس، تعليق على تحليلات ارسطو السابقة، 180، 33-6

2- سينيكا، رسائل الى لوسليوس، الرسالة 36

3- اوغسطين، مدينة الله، 12، 13.

 

محمد زكاريكانت النهضة الأوروبية في القرن السادس عشر محصّلةً للإصلاح الدّيني، الذي مهّد له مارتن لوثر، وقرينةً بالاكتشافات الجغرافية، وقد اتّصلت، أيضاً، بالطفرة التي حدثت في ميادين العلم في اتصال بالثورة الكوبرنيكية وما أسهمت به في إعادة النظر إلى موضوعات الكون والطبيعة، عموماً. وقد كانت النهضة، أيضاً، محصّلةً لما قدّمه الفكر الفلسفي السياسيّ من مكيافيلي إلى ديكارت ثم هوبز. تتموضع النهضة في تاريخ الفكر الغربي بوصفها قطيعةً مع العصر الوسيط، وتتمظهر في قالب الإبداع والابتكار. ينظرُ إلى الفكر النهضوي على أنّه الشكل الأكثر اتصالاً بالحاضر والمستقبل منه بالماضي، إذ يحرّر المرء من كلّ ما يقيّد جسده، ويطلق العنان للأهواء كي تقول كلمتها في تاريخ الفكر، تلك الأهواء التي كانت محرّمةً لردح طويل من الزمن. لقد سمحت النهضة الأوروبية بإحداث تطور جذري في بنية المجتمع الغربي وواقعه، وانعكس هذا التتغيير بشكل جدلي على البنى الفكرية، حتّى صار عصر النهضة ورشاً فكرياً، انبثقت منه سائر الأفكار اللاحقة.

هل يمكنُ أن نقارن – بأيّ حال من الأحوال – النهضة الأوروبية بنظيرتها العربية؟ تتفاوت مستويات المقارنة بين النهضة الأوروبية والنهضة العربية؛ وذلك يرجع إلى عامل أساس؛ فالنهضة الأوروبية بنت معالم تطوّرها على وعيّ تحصّل في ذهن الإنسان الغربي تجاه التاريخ، وتُجاه قضايا الإنسان؛ فمن جهة لقد توجّه صوب الفكر اليوناني بغاية إحيائه وإعادة بعثه، متجاوزاً مرحلة القرون الوسطى، وهو من جهة أخرى عمل على تطوير كافة الوسائل العملية من أجل جعل حياته أكثر يُسْراً، غيرَ أنّ النهضة العربية لم تمتح من نفس الشروط التي نبعت منها النهضة الغربية. صحيحٌ أنّ تسميات النهضة العربية تختلف في سياقات شتّى بين أن تكون نهضة أو يقظة أو حركة تنوير، غير أنه منذ أواخر القرن الثامن عشر وإلى غاية مطالع القرن العشرين، شهدت الساحة الفكرية والثقافية العربية حركة فكرية مشهودة، أثارت قضايا هامة وبارزة غير مطروقة من ذي قبل، كالتخلف والأميّة والفقر وغيرها من القضايا التي استفحلت في الوطن العربي، وقد أثيرت هذه القضايا في علاقة بالآخر الغربي الذي ظهر على المسلمين في حين غفلة منهم عن التاريخ (حملة نابوليون بونابارت)، فتلقوا صدمتهم على يده متفقين على أن الخروج من السبات نحو اليقظة صار في حكم الضرورة. وبالتالي فإن العرب والمسلمين وجدوا أنفسهم مضطرين إلى طلب التقدم على منوال ما حصّله الغرب.

لقد تمخض عن الفكر النهضوي أسئلة كثيرة، طافت في أغلبها على قضايا العلاقة بين الواقع والدين، فكان الإسلام منطلقاً للوقوف عند قضايا الإصلاح، حتّى اعتبر أن الإصلاح شأنٌ دينيٌّ بامتياز وأنه لا سبيل إلى تغيير واقع المسلمين من غير ردهم إلى جوهر دينهم. تلك القضيّة بالذات قد وجّهت معظم مفكري عصر النهضة العربية والإسلامية فاستعانوا بالتاريخ، من أجل إضفاء المشروعية على مسعاهم ذاك، حتىّ خُيّل إلى بعضهم أنه يقوم بنفس ما قام به أصحاب النهضة الأوروبية متناسياً الشروط الموضوعية، ونازعاً طابع التاريخية عن الفكرة والفعل معاً.

آذنت النهضة العربية بميلاد تيار سلفي، يجدُ ضالته في كتابات القدامى الداعية إلى الاقتداء بالسلف، مثل ما يظهر بجلاء في كتابات ابن تيمية وكتابات أحمد بن حنبل. غير أن مواقف التيار السلفي في القرن الثامن عشر مع رواده محمد بن عبد الوهاب والشوكاني والمهدية والسنوسية، قد أنشأوا سلفيّتهم على ناشئة أخرى؛ إذ عملوا على الاستعانة بكلّ أنماط التديّن التي قد تدْعمُ خطابهم وتجعَلُه راسخاً عند غيرهم. لقد كانوا على بيّنة من أنّ التخلف الذي لحق المسلمين إنّما كان جرّاء تركهم ونأيهم عن حكمة الدين، وتخليهم عن العقيدة الحقة وعن الاجتهاد. يمكن اعتبار هذه النزعة المحمولة على التّوجّه السلفي صورةً دفاعيةً ضد ما جلبه الغرب، ثمّة عاملان أساسيان إذن ساهما في تشكّل الخطاب السلفي: العامل الذاتي الداخلي المتعلق بمحاولة التفكير في أحوال (الانحطاط الإسلامي) والعامل الخارجي المتعلق بالتدخل الأجنبي، والهيمنة الاستعمارية بكلّ ما تحمله من عناصر الهجوم والغزو وتمزيق أوصال المجتمع وبنيانه. وقد شكّل الخطاب السلفي محاولة في التعبير عن موقف إصلاحي من مختلف النتائج التي ترتبت عن هذين العاملين في بنيات التاريخ والوعي الإسلامي المعاصر.

لقد احتل الفكر الديني مساحات، هامّة، من مجالات التفكير في واقع المسلمين وحضارتهم، بل وأصبحت كلّ رغبة في الإصلاح تجدُ ضالتها في ما تحتازه من إرث عقدي، فكان من نتيجة ذلك أن مفهوم الإصلاح نفسه لم يعد غاية الفاعلية الخطابية بل صارنا إلى الحديث بدله عن الإحيائيّة التي اتخذت من المتخيّل الديني مجالاً خصباً لبلورة أفكارها، فخرجوا من دائرة التفكير في التقدّم والانحطاط، إلى التّفكير في التقابل الحاصل بين عالم إسلاميّ وعالم غربيّ؛ فكانت هذه النّظرة أكثر تقوقعاً وانهماماً بالهوية وانكفاءً على ما يُشبعُ الرّغبة في الاعتداد بالنفس، فما كان لهم إلا أن يعلنوا بأن إحياء الدين الإسلامي ضرورة، مطلقة، في مواجهة الغرب الكافر. شكّلت هذه اللحظة مخيال جماعات بعينها تبدأ مع الإخوان المسلمين وتجد أرقى صورها مع جماعة الهجرة والتكفير ثم تنظيم القاعدة فتنظيم الدولة الإسلامية في الشام والعراق (داعش). لقد تخطّى الخطاب الديني صورة الخلاص الفردي نحو الخلاص الجماعي، وتخطّى، أيضاً، الدعوة إلى الجهاد؛ وصارت نتائج ذلك غير محسوبة في أفق التفكير في مسألة قيّام الأمّة وتحقيقها لوعيها.

تحوّل الخطاب من مجرّد النصّ إلى واقع الفعل، وتَجلّت ضرورة النقد لمّا انحبس الفكر وانغلق. فما المقصود بالفكر الدينيّ؟ وما هي المستويات التي قد يطالها النقد؟

لا يسعنا أن نتحدّث عن الفكر الديني في كافّة جوانبه، بل الحال هنا أن نلقي النظر على ما كان له أثر على واقع المسلمين، في الفترة المعاصرة، وأقصد بالذكر تمفصلات العلاقة بين الدين والسياسة؛ لأن روابط هذه العلاقة قد انتسجت بقوة في وعي العرب والمسلمين لتوالي الأزمات التي شهدها العالم العربي والإسلامي على مراحل متقاربة من الزمن. لقد أثارت صورة المشاكسة بين الديني والسياسي ما لا عدّ له ولا حصر من الإمكانيات التي تزخر بها القطاعات المعرفية الإسلاميّة قاطبةً، فقد أثّرت التصوّرات السياسيّة لأصحاب السّلطة في التصوّرات الاعتقاديّة والعكس صحيح، لقد حاول رجال السياسة أن يجدوا في الدّين ما يبرّرون به أمور الدّنيا ولو كان ذلك على حساب الدّين، هذه العلاقة التي بدأت منذ الأمويين إلى اليوم، بل يمكن رصد مظاهرها قبل ذلك، تتأصل في رؤيتنا إلى ماهية الفعل السياسي وجوهره. ليس غريباً اليوم على من يطالعُ حال العرب والمسلمين أن يلحظ، أيضاً،أنه من غير الممكن أن يكون هناك نقدٌ جدريّ دون القيام بمطالعة النّصوص التأسيسية للفكر الديني المعاصر، والتي تزخر بقراءات انتقائيّة للتراث الديني والفكري، أو لنقل قراءات مغرضة، تقطع مع دابر العقل موغلة في النقل.

وبما أن نقد الفكر الديني يقتضي نقد نصوصه المؤسسة فإنه، قبل أن يشرع المرء في قراءة نصٍّ من النّصوص؛ فإنّه يكون موجّهاً بأسئلةٍ تعينهُ على تلك القراءة. تتبلورُ الرؤية النقدية في قراءة النّصوص من خلال القدرة على إدراج النصّ ضمن سياقيه، وبالتالي قراءته قراءةً أفقيةً تتداخل فيها العناصِرُ الذاتيةُ والموضوعية، أمّا المستوى الثاني؛ فإنّهُ يقتضي فصل النّص عن مدلوله الزمني، والتعامل معهُ في ذاته ولذاته. يلتقي ثالوث القراءة، والنقد، والمساءلة في وقوف الذات أمام النّص، ومحاولة النظر في كل أشكال الغياب في ظلّ الحضور المطلق أمام النّص. يظهرُ النّص بوصفه تجربةً مستقلّةً وفريدةً؛ فهو انفصل في لحظة الكتابة عن مؤلّفه، وصار في ملكية قارئه، ويمثُل النصّ أمام الوعي في إطار الفرادة التي تمكّنُه من النطق بما فيه من مكنونات. ما من نصّ إلا وهو ظاهرةٌ يحاولُ الوعي إدراكها، وبالتالي فإن كلّ ذات إنما تحاور المقروء في ضوء إشراطات الوعي، والقصدية التي تؤسس إدراكها.

يستقلُّ اللفظ بمعناهُ، ويحتمي خلف الكتابة (الرّسم)، وبالقدر الذي به تتجهُ نحوه الذاتُ، في حركةٍ قصديّةٍ، فإنّهُ يتّجهُ نحوها، هكذا فإنّ المسافة تصيرُ استعارةً في إطارِ قراءة أيِّ نصٍّ من النّصوص، وتلقي الذاتُ قبضتها على النصّ، راغبةً في تشكيله بما يتلاءم مع القصد الذي صدرت عنه في التعاطي مع النّص، غير أن الإمكانيات اللانهائية التي يمكنُ له أن يظهر بها تجعلُ أمر القبض عليه مستحيلاً، وتصيرُ الذات كما لو أنّها في غرفة مرايا، كلّما نظرت إلى زاويّةٍ من زوايا النصّ فإنّها تشكّلُ نفسها من جديد. ليس النصّ في هذه النّقطة مجرّد موضوعٍ نسلطُ عليه معارفنا رغبةً منّا في استنطاقه، واستخراج مكنوناته، ورغبةً في محايثة مضامينه، بل إنّ هذه النظرة الموضوعية (الحيادية) تَجعلهُ مفارقاً لنا. والحال هاته ينبغي علينا أن نستبق النصّ، وأن نقرأه وفق منظورين اثنين؛ الأوّل أفقي، والثاني عمودي.

لا فرق في قراءة النّصوص بين القراءة المقدّسة المؤمنة الطقوسية، وغيرها من القراءات العادية، ما دامت القِرَاءَةُ العَالمة تقتضي العودة إلى حالة الصّفر في التعامل مع أيّ وثيقة مكتوبة. فالتعامل مع أيّ نصٍ يقتضي من قارئه أن يفترض في نفسه أنه "مريخيٌّ" حلّ لتوّه على الأرض، وأراد أن يعرف ماهية الكتب، فإنه بكل تأكيد سينطلق في فهمه لما في تلك الكتب ولغتها من حالة الصفر، وهي حالة الدّهشة المطلقة، في محاولتنا لفك لغز المقروء، ومحاولة فهمه، لكن هذه الحالة الصفرية التي تفترض وجوداً خالياً من كلّ تجربة غير ممكنة، ومع ذلك فإنّ التزام منطقها أمرٌ ضروري في إحلال النصّ مكانته ضمن مساره التاريخي.

***

يتطلّبُ النقدّ، إذن، مُسَاءَلَةَ العقل المنتج للمعرفة، وفي ذلك، أيضاَ، تنبغي مساءلة آليات عمله وإنتاجاته، كيّما نتبيّن ما يقعُ ضمن ممكنات تفكيره وما يستحيل عليه التفكير فيه. لقد تحققت بالنسبة إلى العقل العربي المعاصر شروط جمّة من أجل تحقيق مسافة بين الموروث الثقافي وبين الوجدان الاجتماعي، غير أن تلك المسافة قد أنتجت نمطين من التفكير؛ النمط الأول، يرى أن العقل العربي لا سبيل إلى تقدّمه إلا من خلال إحياء الإسلام، ديناً ودنيا؛ فتصير به سياسة البلاد والعباد؛ ونمط ثان، يرى أن الإسلام إنما هو ثمرة لحظة تاريخية سياسية وثقافية، وأن الواقع لا يرى إلا في ميزان التّقدّم. لقد شكل هذان النمطان رؤية تيارين متعارضين حول أمور الدّين والسياسة. تتسعُ الرؤية أكثر كلّما أدركنا أنّ مشكلات الراهن لا تنتمي إليه بالضّرورة، بل هي جزء من صيرورة متّصلة أو منفصلة من التراكمات التاريخية والاجتماعية التي تضافرت مع بعضها البعض، والحال أن الفكر الدّيني لا يزال يلقي بظلاله على العقل، أو لنقل بالجدلية الكلاسيكية لا يزال العقل أسيراً لسلطة النقل.

***

محمد زكاري

 

سامي عبد العال"حين تتكلم الأديان بنبرةٍ إنسانيةٍ صارمةٍ عن التاريخ يجب أنْ نحاول فهمها.."

إهتمَ القرآنُ بالغايةِ من (دلالة الأم) في مريم العذراء آتياً على سردها، لا من باب إزجاء القصص إلى الناس، بل من زاوية تسديد الأهداف في مرمى الإنسانية قاطبةً. لأنَّ تعديل مسار الإنسانية كان مُلاصقاً للنصوص والآثار والسرديات الدينية على اختلافها. حتى وإنْ لم يؤمن كلُّ الناس بالأديان، وحتى وإنْ حارب البعض الرؤى والأفكار المتعلقة بها حرباَ ضروساً. لأنَّ من (هواية الوعاظ والكهان وآباء الفتوى) خلال مراحل التاريخ المختلفة: أنْ يحصروا دلالات النصوص الدينية في (مآرب ضيقةٍ) لأتباع الرسالات والأنبياء، بينما هناك مستويات إنسانية أخرى أرحب لا يجب أنْ يخطئها الفهم.

كلُّ ذلك أمرٌ واضحٌ، شريطةَ قراءة النصوص الدينية تحت مظلةٍ أبعد لا تخصُ جماعةً ولا فرداً ولا عائلةً ولا قبيلةً ولا نحلةً ولا حزباً معيناً. هي قراءة أخرى واعية دائماً بالمحددات والفخاخ الثقافية التي قد تقع فيها. كما أنه لا يحب أن تكون قراءة لخدمة أغراض لاهوتية ولا تلفيقية، وليست ضرباً من الموائمة بين النص والعقل كما يُقال عادةً. لأن النص القرآني شديد (الصرامة الثقافية والإنسانية) حين يتحدث عن أحداث التاريخ وتحولاته. ها هنا ستضع الفلسفة أصابع التفكير والتحليل على مشكلات الأديان عند مخاطبة الإنسان كإنسان في المقام الأول. لايهمها ما إذا كان هذا النص (يهودياً أم مسيحياً أم اسلامياً). المهم كيف يُخاطب الإنسان وبأية معان كونية يقول الخطاب ما سيعبر عنه؟! وما إذا كان يمس الخطاب جوهر حياة الناس أم لا؟ وبأي منطق يكون تفاعل هذا الخطاب مع وقائع التاريخ وأحداثه؟!

نزعتان اسطوريتان

ثمة نزعتان اسطوريتان نقدهما القرآن نقداً متكرراً ولا يتوقف عن نقدهما في كل مناسبة مواتية .. نزعة التألُّه ونزعة الأبوة. وهما نزعتان قويتان تؤديان وظائف خطيرة في المجتمعات الإنسانية، بل ربما كانتا تؤديان كل الوظائف التي هي ضد الإنسانية فينا تقريباً. واللافت للنظر أنه تقع بين هاتين النزعتين (معاني الأم) لدى مريم العذراء. وربما أن النص القرآني كان قد أكمل سردية مريم العذراء نتيجة ظهورهما مجدداً في تلك الظروف الثقافية المحيطة بالمسيحية آنذاك. وأن النزعتين مازالتا متواصلتين، ويراهما القرآن عائقاً في توصيل أية رؤية مختلفة للحياة والدين والحقيقة:

1- نزعة التأله أو التأليه: وهي انتزاع قدرة ميتافيزيقية فوق رؤوس البشر قاطبة لتعود متسلطة ومقدسةً بين الناس. وفي التاريخ كان التألية متدرجاً من تأليه الكائنات والظواهر والقوى إلى تأليه الأشخاص والحكام ورجال السلطة، ثمَّ  تأليه المفاهيم والأفكار، ثمَّ تأليه الجماعات والأيديولوجيات، ثمَّ مؤخراً تأليه التقنيات والأدوات في شكل استعمالي يكرس صور الهيمنة والتقديس.

في هذا الإطار على سبيل المثال ذكر القرآن إدعاء فرعون للألوهية: "وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى، وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ " (القصص: 38-39(.

ولنلاحظ أنَّ التأله سيكون مفروضاً نتيجة انتزاع فكرة القداسة وتجسدها في شخصٍ ما، ويرتبط بعملية الهيمنة على الآخرين. فالتألة ليس حالة خاصة ترتهن بوجود الفرد المتألّه، لكنها حالة تتجاوز صاحبها. وهو يقصد ذلك لممارسة سلطته المطلقة على الناس" َفحَشَرَ فَنَادَى، فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى" (النازعات: 23-24). فهناك الجمع واللغة وإعلان التقديس لذاته.

2- النزعة الأبوية: وهي الغطاء الإجتماعي الثقافي لكل قوة متسلطة باسم الأب أيا كان تجاه المجتمعات وقواها الأخرى. وهذا الاسم الخاص بالأب هو السلطة والطبقة والجندر والزواج والطقوس الاجتماعية والسياسية وقوة المجال العام. إذ بات كل شيء تقريباً ينتمي إلى المعاني الأبوية ويعاد افرازها ضد الإنسان وحريته وحقوقه. والأبوية هي رأس الحربة التي تقتل كل من يقترب من ميراثها التاريخي، وقد يحملنها النساء أنفسهن في أخص ما ينتمي إليهن. لأنهن كائنات إنسانية من لحم ودم في النهاية، ولابد أن يتكيفن مع الأنماط الثقافة الغالبة سواء أكانت بطريقة الموائمة أم بإعادة تأويل واقعي لها.

القرآن يرسل إلينا فكرة أن رمزية الآباء سلطة تقف حتى ضد الدين نفسه، وأنْ الثقافة تضع هؤلاء الآباء حجاباً منيعاً أمام النظر المختلف للواقع والحياة. وهو ما يعرف بقوة الأبوة كمعيار ماضوي لقيام الأفعال والأفكار:" وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ" (الزخرف:٢٣).

المترفون هم الناطقون بلسان الثقافة الأبوية، وهم الحافظون لها في القرآن أمام أي تغير ممكن. وهذا قانون تاريخي ثقافي لا ديني يكاد ينتشر في تاريخ الإنسانية. لأن هؤلاء شكلوا طبقة لها تقاليدها وآليات عيشها وبادروا بإعلان وجودهم وضرورة الإبقاء عليه طوال الوقت. وهو ما يوضح كم كان النص القرآني مدركاً لحركة الواقع والتفاعل البشري معه في أدق التفاصيل. ليس على مستوى التوصيف، بل كيف يمكن أن يوصل خطابه إلي الناس والمحاذير التي تفرضها الثقافة الغالبة. إن الترف قوة إقتصادية ملتحفة بالنظام الإجتماعي لتسييس سلطة الآباء. لكن من أجل ماذا؟ من أجل إبقاء المصالح الخاصة بهم. ولهذا ستنتهي سلطة الآباء إلى الشعور بخطر الدين في تغيير الأوضاع القائمة. وهنا ستنقلب النزعة الأبوية إلى قوة دينية تستثمر في كلِّ ما يحافظ على مآربها ومنافعها.

وقد أثرت النزعة الأبوية حتى على صورة الدين كما ورد على لسان أبناء يعقوب:" أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ" (البقرة 133). أي أنَّ النزعة الأبوية قد تعيد تكييف صورة الدين لصالح وجودها الممتد كما حدث مع المسيحية التاريخية اللاهوتية ومع الإسلام السياسي. فأحد مبررات الإيمان بإله يعقوب أنه كان إله الآباء والأجداد ليس أكثر، مع أنه قد تكون هناك مبررات شخصية أخرى، لكنها ستكون ذات أهمية أقل. وكانت المسيحية التاريخية قد أسست لآباء آخرين من رجال الدين للتعبير عن سلطة الإله في شكل متواتر من الأُبوات، على الرغم من كون الواقعة الأم في المسيحية - كما أشرت مراراً - أن السيد المسيح (وهو الركن الأول  والأساس داخل المسيحية) لم يكن له أبٌ.

وهذه لعبة الأبوة المتشابهة على امتداد التاريخ من عصرٍ إلى عصرٍ، هي لعبة الرفض لكل شيء جديد، وقبول ما هي عليه من أحوال، تمسكاً بما يحقق أهدافها في المقام الأول، " وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ" (٣٤ سبأ 34).  ولأول مرة تقريباً يحدث: أن هؤلاء المترفين يستعملون لفظة كفر في مقابل الإيمان، فهم كافرون بما ينذرهم من طريق آخر كطريق الإيمان. وهذا يكشف أن النزعة الأبوية لابد أن تتدخل في تشكيل الدين، ولابد أن تجد لها موقعاً يخدم أهدافها من جهةٍ ويواصل تغذية جسدها الثقافي من جهةٍ أخرى. وطبعاً كلُّ ذلك سيكون مصحوباً لدى هذه النزعة بتقديم مفاهيم وتشريعات وطقوس دينية يتم الاختباء داخلها. وربما كانت قضايا الطبقة أو النخبة المتألة والأبوية خطاً مشتركاً بين الأديان جميعاً، سواء من زاوية الرفض أم القبول.

المعنى في القرآن

أمام هذه القضايا تحديداً، لا يأتي المعنى في القرآن بطريقة الوعظ والإرشاد، لأن الله لا يعظ كما لو كان كاهناً أو رجل دين، لكنه يتكلم بلغة كونية معبرة سواء أنزلت المعاني من الناس منزلاً ايمانياً أم تأويلياً أم غيرهما. ففي مجمل الأحوال تعبر اللغة عن تشكيل رؤى تجاه العالم والحياة وتضع موضوعاتها بصدد أحداث المجتمعات وتحولاتها. وما يجري على موضوعات الطبيعة جرى بالمثل على حالة السيدة العذراء. بشكل مباشر يقول القرآن" واذا قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاكِ وطَّهَركِ واصطفاكِ على نساء العالمين" (آل عمران42).

لم تأتِ دلالة (نساء العالمين) خارج سياق الأديان والاعتقاد والإيمان بوصفها أمراً عارضاً، كانت العبارة مقصودة لمخاطبة الإنسان بشأن الأم العذراء. وتأكيداً أشار القرآن في موضع آخر إلى إيصال الفكرة للناس جميعاً من تلك النقطة العامة جداً من آدم حتى آل عمران مروراً بآل إبراهيم. " إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل ابراهيم وآل عمران على العالمين، ذريةً بعضها من بعض والله سميع عليم"(آل عمران 33- 34). فلئن كان البعضُ يعتقد أن الله يتحدث فجأة عن مريم، فالقرآن يقول إن العذرية كانت مبنية على تراث آخر ممتد بجانب اختيار إلهي لأصلها فوق مستوى الشبهات. أي كان هناك حرص وعناية إلهيين تجاه المسألة، لكي يكون وضع السيد المسيح آمناً ضد التشكيك فيه وفي وقوع ولادته على النحو الذي حدثت به.

لا يعني القولُ السابق أنْ يكون الإنسان ابراهيمياً أم عمرانياً (على مسمى آل عمران) أم غيرهما من جهة الانتماء، لكن علة الاصطفاء هي التي جعلت القارئ يهتم بالتواصل الانثروبولوجي بين تلك الشجرة الإنسانية الممتدة إلى آدم. لدرجة أنه لو تشكك أحدٌ في وضعية تلك العذراء وإنجابها، فالرعاية الإلهية قد  فعلت فعلها وقد حفظت مريم من قبل أن تولد، حتى وصلت إلى تلك النقطة من شخصية الأم العذراء بين الميتافيزيقا والبيولوجيا: " فتقبَّلها رّبها بقبول حسن. وأنيتها نباتاً حسناً")آل عمران 37). والقرآن يعول على امتداد الأصل حتى يستطيع أن يطرح الغاية المنتظرة، لأنه يخاطب إنسان العرب وغيره من الناس. وتفكير الإنسان عادة لا يكف عن استحضار الأصل والغاية في مواقف الحياة وأحداثها الحرجة.

الأصل لدى مريم العذراء (وإنْ كان معروفاً وإلاَّ لما نظر إليها المجتمع نظرة الإحترام والتقدير) يحمل غاية الكلمة التي ستقال عبر وجودها الإنساني. الكلمة التي هي السيد المسيح، وهي كلمة منذ منطوقها المبدئي للناس حين يتلقون معاني مختلفة تمام الاختلاف. " إذ قالت الملائكة يامريم إن الله يبشركَ بكلمة منه.."(آل عمران 45). وطالما أن المسيح هو الكلمة أو الروح فقد غدا خطاباً من يوم أن حبلت به السيدة العذراء. لأنه جاء لمن يعنيه أمر الحياة والحقيقة بشكل عام. والخيط الرفيع هنا لا يبدو خفياً إلى هذه الدرجة بين (الكلمة – المسيح) وبين (الكلمة- اللغة) في الآن نفسه.

الحبّل عند العذراء بالكلمة الروحية المقدسة هو حبّل اللغة بالمعاني المغايرة في تماثل بين السيدة العذراء واللغة على طول الخط، أي في تماثل بين الولادة والمعنى. ولذلك ستلعب اللغة دوراً خطيراً في واقعة ميلاد المسيح من العذراء، سواء أكان عن طريق نطقه من تحتها أم تكلّمه في المهد صبياً أم تجسده على هيئة خطاب وحياة. وحين يقول الكتاب المقدس "في البدء كان الكلمة"، فالكلمة ظلت باقيةً إلى النهاية أيضاً، بحيث يمكننا القول أيضاَ " في النهاية كان الكلمة ".

وطبعاً معظم التفسيرات الإسلامية(مثل أقوال الزمخشري والرازي) لمعنى الكلمة: أنها (كلمة) تحمل مضمون (كن فيكون). عندما أراد الله خلق المسيح دون أب، قال للكلمة تجسدي في شكل إنساني عن طرق مريم العذراء. وهي أحد أفعال الخلق الذي إذا أقره الله، فالكلمة هي أسرع الطرق الوجودية إليه. والكلمة أيضاً هي الافراز الطبيعي لنظام اللغة لدى البشر، غير أن كلمة الخلق المبشر بها تعتبر ذات دلالة وجودية تخص الخالق، أي هي تعبير بالكيفية التي تقال جوهرياً مع مقصودها الوجودي. لأنه إذا كان الكلمات في اللغة تتكون من لفظ ومعنى على شاكلة وجهي العملة النقدية، فإن تعبير (كلمة منه) كما جاء في القرآن يكون ارتباطه ضرورياً بين النطق والمعنى دون مبارحة ولا تراتب. أي فليكن المسيح عيسى ابن مريم كما جاء، فيكون هذا الابن قد ظهر، من غير السؤال عن الكيفية ولا الوسيلة ولا الحقيقة.

لأنَّ جزءاً من فعل الخلق أن تكون هناك إمكانية الكينونة في وجود المسيح. ومهما قيل عن أنه خُلق من كونه سراً و روحاً بثت في العذراء أو تجسد إمامها الملاك بشراً سوياً ليحدث ذلك، فإن الكلمة تعني أنه لا توجد عملية خلق معتادة ولا تجري كحال نطق الكلمات والانفعال بمعناها بيننا نحن البشر. ولذلك هناك سؤال مفصلي: إذا كانت الكلمة جزءاً من نظام اللغة، وبالتالي تعد الكلمة الإلهية جزءاً هي الأخرى من نظام إلهي آخر مقدَّم للبشرية، فماذا عن الباقي من هذا النظام أو ما طبيعة معالمه في سردية الأمر العذراء؟!

اللغة والطبيعة

يأتي الباقي عن طريق اللغة، طالما أنَّ حال المسيح هو حال غير معتادٍ ومرتبطٍ بالثقافة والطبيعة ".. ويّكلمُ الناس فى المهد وكهلاً ومن الصالحين" (آل عمران 46). فالنص القرآني يشير إلى أنَّ كلام  الطفل حجةٌ على الناس المتلقين، بالضبط مثلما كانت ولادته دون أب حجة واضحة إزاء آليات الطبيعة لتغيير نمط الثقافة السائدة. في الحالين لابد أن تكون الواقعة غير خاضعة لتصور بشري- ثقافي مألوف. لم يكن ليتقبلهما العقل البشري الذي يألف تكرار حوادث الطبيعة بالأسباب والمسببات ويألف كذلك أنْ لا يتكلم من كان في المهد صبياً. وحتى الأخير(أي الطفل) لا يستطيع أنْ يقول كلاماً مفهوماً في عرف الناس من جهة المرجعية والدلالة.

لكن تعامل النص القرآني (بصدد المسيح ابن مريم) مع الطبيعة واللغة بطريقة واحدة، فالولادة دون سبب مباشرٍ تساوي التكلم من غير مرجعية مباشرة. وعليه فإن تعطيل آلية العلة والمعلول فلسفياً هو نفسه العمل على إظهار الكلام والتعبير دون المرجعية الواضحة." ..  فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبياً .."(مريم 29). أي كيف سيتكلم من يجهل مرجعية الكلام والثقافة فيما يخصنا ويخص الحديث بيننا وكيف سنفهم كلامه؟

الجديد في واقعة التكلم أن نظام اللغة لا يعمل بتلك الطريقة أصلاً، لأنه نظام مرتبط كسلطة رمزية أشد الارتباط ببنية الثقافة التي يعلم الله أنها غالبة وطاغية إلى حد القهر. وبالتالي لا يستطيع طفل كائناً من كان أن يتكلم بها وبخاصة أن المتلقين سيكونون هم القوم المنتج للثقافة والشاعرين بها حدَّ الاشباع. وبالتالي عندما يتكلم طفل، فإنه سيقول ما هو موجود في تلك الثقافة. ولكن المفاجأة أن الطفل تكلم بحسب نص القرآن وقال كلاماً في صلب المرجعية اللغوية مخالفاً لطبيعة الثقافة الأبوية التي لم تكن لتقبل ولادته إبتداء: " قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا، وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا، وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا، وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا" (مريم 30-33).

كل هذا كان في المرحلة المتقدمة جداً من شعور ديانة المسيحية بالثقافة الأبوية والخضوع لها في النهاية. بل كان في طفولة السيد المسيح وهذا إدراك لغوي مبكر أن الطفل المتحدث قد نقض بنية الثقافة الأبوية، قبل أن تُخضَّع هي بدورها السيد المسيح لقوانينها من خلال التأله والنزعة الأبوية اللاحقة. وجاء قصد الكلام مشيراً إلى ذلك من غير مواربة، فالنبوة الواردة معناها ببساطة أن المسيح ليس إلهاً والكتاب دال على كونه صاحب رسالة وينضم من حينه إلى قائمة الكتب في الأديان المختلفة وأن هناك وحياً متعالياً قد نزل من السماء إلى الأرض. وحرص النص القرآني على ذكر دلالة (الحياة والموت والبعث) لشخص السيد المسيح، ذلك للتأكيد على عدم إمكانية استنبات الثقافة الأبوية مرة أخرى.

وهنا يجب الإلتفات إلى نقطة إلتقاء الطبيعة والثقافة وهي ذروة السرد، فلئن كانت ولادة المسيح واقعة غير مكررة ولا مسبوقة (الطبيعة)، فهناك الثقافة التي لا تقبل أن يتكلم طفلاً كلاماً يخص جوهرها الأبوي. ولكن بما أن حياة السيد المسيح قد جرت في الجانبين، فسردية القرآن حول الأم العذراء كانت تستهدف إسقاط تلك التصورات الطبيعية والثقافية معاً، أي اسقاط  نزعة التأليه والنزعة الأبوية. وبجانب ذلك لا يهمهما من يؤمن ومن لا يؤمن، لكنها كانت معنيةً بوضع حقائق محددة أمام الإنسانية. وإذا اجتمعت الطبيعة والثقافة على شيء، فهذا الشيء من الأهمية بمكان للإنسان دون سواه بصرف النظر عن التبعات الدينية الخاصة.

***

د. سامي عبد العال

 

 

محمد زكارييلعبُ الواقع المعاصر دوراً، كبيراً، في تحديد معالم الشأن الدينيّ، والمجالات التي يتقاطع معها. بيّنة هي المكانة التي يتبوّؤها الدينُ داخل الاجتماع البشري؛ إذ لا يكاد أن يضاهيه في تلك المكانة قطاعٌ من قطاعات المعرفة الإنسانيّة؛ فبقدر ما يكتنزُ الدّين إيمان الجماعة الاعتقاديّة، بقدر ما يمثّلُ أملهم في الخلاص من الشرور التي تتهدّدهم من الدّاخل (= من أنفسهم) ومن الخارج (= الأهواء). يصيرُ الدينُ جزءاً من التجربة الوجدانية التي تغمرُ الإنسانَ، وتُجَسدُ مسارهُ نحو لا نهائيته (= الخلود)، ويبني بذلك الإنسانُ عوالم من الخيلات حولَ الأفكار الدينيّة الأساسية، كالأصل، والغاية، والرضى، والابتلاء، والجزاء، والعقاب. ليست التجربة الدينية، إذن، سرديّة ناجزةً، ونهائيةً، بل هي مثالٌ للروح البشريّة الكليّة في استمراريتها، وتحقّقها. من يقولُ بإمكانيّة مجاوزة الدين، بدعوى عدم صلاحيّته للواقع المعاصر، كمن يقول بإمكانية مجاوزة مرحلة الكهولة عند الإنسان. تمرّ الإنسانيّة بأطوارٍ ضروريّة، ولا يمكنُ بأيّة حال من الأحوال القفز عنها، أو محاكمتها من منظورٍ مغايرٍ لواقع نشأتها وتبلورها.

لم تكن النظرة العلمويّة (Scientisme)، في نظرتها إلى الدّين، أقل عداءً، بل هي رأس جميع الاتجاهات التي تسعى إلى الكشف عن العورات التي يقترفها الدين، والأخطاء التي يمكنُ أن تفصح عنها النّصوص المقدّسة، وهي إلى جانب ذلك تصدُرُ عن مقدّمة مفادها أن الدين مدانٌ، وأسطورة، تقف عائقاً أمام أي تقدّم يمكنُ أنْ تحرزهُ البشريّة. وجدت هذه النظرةُ ما يعضدُها، في التاريخ المعاصر، منذ أوروبا الأنوار في القرن الثامن عشر، وإلى الاتحاد السوفياتي في القرن العشرين. لم يعدْ وجود الدّين مرغوباً فيه، وأخذ وجوده يخبو في الفضاء العام، ولم يعد بالإمكان النظرُ إليه كشكل من أشكال الخلاص التي ازدهرتْ في القرون الوسطى، لقد أصبح الدين شكلاً بالياً من أشكال التعاطي مع الوجود، وتحول إلى مجرّد معطى ثقافي لا يسمن ولا يغني. تعود أسبابُ هذه الانتكاسة إلى تكوّن صورةٍ عن الدّين، في الوجدان الغربي، سلبيّة، لم تغيّب الدين عن المجال العامّ، بل عملت على إقصائه وتهميشه. وهكذا أخذ الدينُ موقعاً هامشياً من دون أنْ يكون ثمّة أيُّ داعٍ إلى اعتبارهِ ملغياً أومنتهي الصّلاحيّة.

كانت الدعوة إلى تبرير دور الدّين في المجال العام، من الأمور الضرورية، في الآونة الأخيرة، لا سيما بعد العودة القوية لأشكال التديّنْ. لم تعُد المسألة الدينيّة حكراً على الفرد مثلما بشرت بذلك الخطابات العلمانية الداعية إلى فصل الدين عن المجال العام وإلحاقه بالمجال الخاص، ومردّ ذلك إلى أنّ الخاصّ والعام في الفضاء العمومي غيرُ منفصلين؛ فالشخصُ المتدينُ ليس في الحقيقة فرداً معزولاً، أو "فرداً ذرياً"، وإنّما هو يعيش مع الآخرين، وبالآخرين، وأحياناً من أجل الآخرين، ويتعززُ لديه الشّعور بالانتماء حين يتعلّق الأمرُ بالانتماء الديني. لم يعُد الدينُ عائقاً أمام الوجود الفردي والجماعي، بل أصبح دليلاً على الاختلاف الذي يتعززُ بالحوار، من دون أن ننسى تبعات تلك العودة، وما أفرزته من أشكال التطرّف والتعصّب التي انتهت إلى أشدّ صورها الإرهابيّة.

ليس الشأن الديني حكراً على طرفٍ في المجتمع من دون الآخرين، وإنّما الدين إرث حضاريّ مشترك بين الأفراد، حتى أولئك الذين ليس لديهم ميل إلى التّدين. وعلى الرّغم من ذلك؛ فإنّ الحديث عن شكل واحد للدين أمرٌ مستحيلٌ؛ إذ الدين، بطبعه، قابلٌ للتّأويل، وليس في وسعنا أنْ نضع أشكاله كلّها على صعيدٍ واحدٍ. يذهبُ كثيرٌ من الباحثين إلى وضع مسافة فاصلة، بين "الدين" و"التّدين"، من غير أنْ يكون في ذلك ما يوجبُ وجود فاصل بين المفهومين، "الدين" عينه "التّدين"، هذا إذا كنّا نريدُ من "التدين" شكل الممارسة التي يقوم بها الفرد من خلال قراءته الخاصة للتعاليم الدينيّة العامة. و، بالتالي، فلا وجود للدّين من دون وجود مظاهر الممارسة الدّينيّة. تزدهر الرّغبة في الفصل بين الدّين والتّديّن، داخل الأوساط الدينيّة؛ حيث يتمّ عزل "المقدّس" الذي يظلّ ثابتا أزلياً، عن "الدنيويّ" الذي يخضع للتغيير باستمرار، وهكذا فإنّ الممارسة الدينيّة "التّدين" تصبحُ ظلاً، ونسخة غير مطابقة للدين، باعتماد المنطق الأفلاطوني في التّقسيم بين المثُل ونسخها، إلّا أنّ هذا الأمر لا يصدُق على الدين؛ إذ لا وجود لمثالٍ بدئي خالصٍ يحدّد، بالتّدقيق، الدين المثاليّ.

يحضُرُ الدينُ في المجال العام، ويفرضُ سلطانه كلّما كانت الجماعة المؤمنة متمسّكة بشرعيّته في تدبير وإدارة الحياة العامة والخاصّة للجماعة البشريّة. ليس الدّين، إذن، معطًى قبليًا ينسجهُ الخيالُ البشريّ، أو تنسُجه إرادةُ شخصٍ، زعيم أو قائد أو نبيّ، بل هو ما تتعاقد الجماعة المؤمنة، ضمنيًا، على قبوله، حتى وإنْ كان مخالفاً للعقل؛ فالغايَة من حضور الدين في الاجتماع البشري توحيدُ الإرادة من طريق تحفيز الخيال، ورفعه إلى تصوّر عالم تنمحي فيه الفوارق، ويصير في الناسُ جميعهم على كلمة سواء. لم تكن الأديانُ الإبراهيميّة الثلاثة بمنأى عن هذا النّزاع بين قيم العقل والرّوح، وتفسير النصوص الدينيّة على الظاهر والباطن. ترجع تلك الحدود إلى طبيعة هذه الأديان، وإلى العقل الكلّي الذي يحكم المعتقدين فيها. إنّ مظاهر التّوتر حاضرة، بقوة، في الحياة العامة والخاصّة للمجتمعات التي تسود فيها هذه الأديانُ، ومردّ ذلك إلى التداخل الحاصل بين الإلهي والبشريّ؛ فخلفَ كلّ إرادة تعلنُ باسم الله ثمّة مطامعُ بشريّة خالصة.

أستشهدُ بمقولة وردت على لسان السيد المسيح، "فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: «أَعْطُوا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا للهِ للهِ». فَتَعَجَّبُوا مِنْهُ." (مر 12: 17). وأخرى لسعد زغلول ألقاها في أحد خطاباته: «الدين لله والوطن للجميع». لكن ما الذي يعنيه هذا الفصلُ بين ما لله وما للبشر؟ هل الفصلُ بين الدّين والسياسة يرادُ به تهميشُ الدين أم تقديسهُ؟ وكيف يمكنُ للجدل بين الدين والسياسة أن يصل ذروته في الصراع على المقدّس؟ وهل مفهوم "العلمانيّة" يشكّل تهديداً على الدين أم على السياسة؟ ولم لا يزال الصراع على السلطة في العالم العربي محمولاً على حاملٍ دينيّ؟

1. تتداخلُ السلطة السياسية مع السلطة الدينيّة، ويؤدي ذلك إلى خلق مجال من التجاذب والتّماس، وخلق ثلاثة نماذج متباينة ومختلفة؛ النموذج الأولّ تكون فيه الطبقَة الحاكمة هي عينها الطبقة الدينيّة، وتكون مهابةً من لدن المجتمع؛ فبأمرها يصبحُ الرّخاء، ويزدهرُ حال النّاس، وبسخطها يعم البلاء، وينتشرُ الوباء. تمثّل هذه الطبقة وسيطاً بين عالم الألوهة وعالم البشر، وقد يصيرُ بعضهم في كثير من الأحيان إلهاً كما هو الحال في المجتمعات القديمة؛ والنموذج الثاني، تنفصل فيه السلطتان عن بعضهما البعضْ وتتنافران إلى حد تتقاطع فيه مصالحهما، ويؤدي ذلك إلى تكوين قطبين قائمين على المصالح الماديّة؛ يفشو الشعور بالانتماء الديني عند الطبقات المسحوقة والكادحة، في حين ينافحُ أرباب المال عن السلطة السياسية، ويمسي الصراعُ صراع مصالح. أما النموذج الثالث؛ فهو نموذج الإخصاع السلس؛ حيثُ تظهرُ الاستقلاليّة الشكليّة لسلطة القرار السياسي؛ في حين أنّه صادر عن مرجعيّة دينيّة أو العكس؛ فتكون بذلك الاستقلاليّة مجرّد وعاء لفرض نمودجيّة معينة في توجيه القرار.

2. يصير لطالما أرادَ الإنسانُ بناء عالم مثالي (=أو مدينة فاضلة)، لا يعاني أفرادهُ من الشرور، وكي يتحَقّق هذا الأمرُ شرع الإنسانُ في تدبير أموره؛ فالسياسةُ من الكياسة، أي الحكمةُ في اتخاذ القرار بما ينعكسُ إيجاباً على المصلحة العامة، وبتوسُلها يمكن للإنسان أن يحقق خلاصهُ الأرضي، ومن خلالها يمكنُ أنْ يأمل في واقع أفضل، و، بالتالي، تتحولُ المدينة الفاضلة إلى نموذج معياري يقيس عليه الإنسانُ كمال مدينته، مع إيمانه بأنّ تحقّقها أمرٌ مستحيلٌ. ما في الدين عن سياسة المدينة مثالٌ لما في السياسة المثالية؛ فالشرائعُ جاءت لتحقق مدينة الله على الأرض، ولتخلص الناس الشرور التي تتهدد وجودهم، وكيانهم، ولكن مع تأويل لما عساهُ أن يكون مصدراً لتلك الشرور. أضف إلى ذلك أنّ التطلّع إلى السلطة السياسيّة بتوسل الدينْ يفرضُ قبولَ ذلك الشر لا محوهُ؛ إذ ستغدو محاولة محوه شراً بديلاً، وهذا ما يفسّرُ أشكال الفشل الذريع الذي منيت به الجماعات ذاتُ المنزع الديني حين بلغت الحكم.

3. القرارُ السياسيّ مسألة جماعيّة، في حين أنّ القرار الديني مسألةٌ فرديّة. غير أنّ الدّمج بين القرارين من صالح السلطة السياسيّة، ويكون الغرض من ذلك توجيه الإرادات المتباينة والمختلفة صوب طريق واحدة، ومع ذلك يستحلُ إخضاعُ القرار الديني، في كليته، لإرادة واحدة من دون أن يكون ثمّة مجازفة يتفتّق معها الجسدُ الاجتماعيّ، وينتهي إلى معارضة التّوجّه السياسي العام. ومعلومٌ أنّ القرار السياسيّ يجدُ في الدين ما يبرّره إلّا أنّ القراءات الأصولية تظلُ تبحثُ عمّا يبررُ معارضتها للسياسة، بدعوى ألا وجود لسياسة إلا ما نصّ عليه الدين، ويتناسى أصحابُ هذا الرأي أنّ السياسة، إنْ كانت من الدين، فما هي إلّا رأي يتغيّر بتغيّر أحوال البشر، وظروفهم؛ فالسياسة لا تقوم على المطلق من الأمور، بعكس الدين الذي يسعى إلى التأكيد على الحقيقة المطلقة. ومهما تكن حجم المسافة التي تفصلُ الإنسان عن القضايا الدينيّة، لا سيما حين تتعلقُ بالمشاكل العامة، فانشغالهُ بها يضمنُ لهُ فهم طبيعة وجوده الاجتماعيّ. لئن كان اليونانيون ينعتون الشخص اللامبالي بشؤون السياسة ب "البليد"؛ فيضافُ إلى ذلك قضايا الدّين، حيثُ ما عادت بوسع الإنسان، اليوم، إغفالُ هذا الشأن بعدما خبر حقيقة فعله في مصير المجتمع.

4. إقحامُ الدين في مضمار السياسة، وفي الخطابات السياسية، على وجه التحديد، فيه ما فيه من أضرار تلحق الدين والسياسة معاً. يوظف الدين سياسياً بوصفه إرثاً اجتماعيا يوحدُ الأفرادَ حول قضايا مصيريّة تعيشها الأمة أو المجتمع، و، في أغلب الاحول، يتمُ تحويل الدين إلى أداة للمزايدات السياسيّة، وجلب التعاطف، فما معنى أن يكون ثمّة حزبٌ سياسي ذو مرجعيّة دينيّة؟ معنى ذلك، ببساطة، أنّه يوظفُ الدين للظفر بالسلطة، خاصّة حينما يتعلقُ الأمر بالديمقراطيات التمثيلية التي تقوم على ديكتاتورية الأغلبيّة. شهد العالم العربي على مثل هذه النماذج التي خرجت بقوة إلى الواجهة، في مشاهد سياسية كثيرة، بينها قواسمُ مشتركةٌ وفوارق، أيضاً، ولكنها تتفقُ جميعاً في استخدام الدين كأداة لمخاطبة الحشود، والجماهير التي تميل إلى إعمال العاطفة أكثر من ميلها إلى إعمال العقل. أدّت الانتخاباتُ دورها التاريخي في إقحام العالم العربي في سلسلة من التحولات التي لا يزال مفعولها سارياً، بعد عقد من الزمن رسخت الأحزابُ ذاتُ المرجعيّة الدينيّة، أمراً في غاية الأهميّة مؤداه أنّ الدينَ يَفسُد حين يوظف لمصالح سياسية زائلة، ويصبحُ أداةً لتمزيق اللحمة الاجتماعية، ما حدث في العراق أو في لبنانْ خيرُ شاهد على ذلك.

5. لم يغب الدينُ قط عن المشهد السياسي في تاريخ الإسلام وظلّ حضوره قوياً، بل إنّ أسمى الوظائف السياسيّة كانت تحتكم في حلها وعقدها للشرع، وأقصى ما يمكنُ لسلطة ما أن تخشاهُ هو أن تُواجه بسلطان الدين، أو أنْ يعلنَ عنْ مخالفتها للشرع، تحقق الوعي التاريخيّ بأهميّة الدين في الاجتماع العربي الإسلاميّ، مثلما اهتدتْ النُّخبُ السياسيّة إلى مهادنة القائمين على أمور الدّين، وامتزجت المصالحُ حتى صار بقاء أحدهما رهيناً ببقاء الآخر. يتمُ، في العادة، التأريخُ للمنعطفات الدينيّة، في تاريخ الإسلام، بنظيرتها السياسيّة، ونادراً ما يُنظرُ إلى الدين على أنّه الفاعل المباشرُ في أمور السياسية، وذلك تسليماً بتبعيته، ولكن الأمرَ لا يسيرُ على هذا النّحو، وإنّما طبيعة العلاقة بينهما علاقة تأثير وتأثر. يرعى الدينُ العلاقة بين الإنسان واللّه، ويؤكد على الطبيعة المتقلبة للإنسان، وعلى بذور الشّر المغروسة فيه. لكنّ النظر إلى طبيعة العلاقة بين الفاعل الديني والسياسي ينأى بنفسه، تماماً، عن المعيار الأخلاقي، ويتخذ بدلا منه الأثر الاجتماعي والاقتصادي.

6. يتأثر المجتمع بحركة الأفكار الدينيّة التي يجسدُها أشخاصٌ، هم بالعادة ذوو نظرة إصلاحيّة تتخذ من الدين غطاءً لها. الحركات الصوفية والدعوية والوهابية والسلفيّة الجهاديّة، كلها خطاباتٌ تعملُ على إقحام الدين في مشروع يبدو في ظاهره إصلاحاً للواقع، وهم، على الأغلب، يؤمنون بفساد الحاضر ويأملون باسترداد ماض متخيّل لا وجود له. تطورت هذه النظرة المتخيّلة في الإسلام السياسي، ووجدت لنفسها مخرجاً، لقد أصبحت المخرج الذي لطالما تمّ انتظاره وعلّق عليه المجتمع آماله، ولمْ يعد ثمّة بينهم وبين ما وعدوا به إلا الانتخابات التي أظهرت للعلن ما يتوارى في الوجدان العام، ويسكن اللاوعي الجمعي؛ إذ لا بديل، اليوم، من أنْ يصل الإسلامُ السياسيّ إلى الحكم. صارَ بوسعهم ممارسةُ نشاطهم السياسي بشكل علني، وتبرير إيديولوجيتهم أمام العالم. اصطدم الإسلام السياسي بالواقع، وانهارت بذلك قلاعهم المتخيّلة، وأيقنوا بعد ذلك أنّ الأمل شيء والإرادة شيء آخرُ مباينةٌ له.

7. يقعُ التنافس على السلطة حتى في ظلّ الأنظمة التي يظنّ بأنها مغلقة، ولم تعد قابلةً للتطور إلا من جهة ما هي كيانات تعيد خلق نفسها باستمرار، ضمن تاريخ دوري، يمسي معه الدين جزءاً من التراث الرسمي الذي لا يمكن تجاوزه. والحق أن ما يتم النظر إليه في هذه الحال هو تأويل طرأ على النصوص، أو تجسيد متخيّل وميتولوجي للشخصيات المؤسسة، وأفعالها. وهكذا، يصير التنافس على سلطة المتخيل الديني بدلا من التفكير في حقيقة الواقع الاجتماعي. تصير الكلمة الحاسمة في يد السلطة التي تقرر باسم الدين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، وتستثمر السلطة الرمزية للألوهة من أجل إخضاع البشر لمنطق السياسة. وما لا يمكن فهمه هو كيف تصير السياسة – بما هي لعبة مصالح- متحكما وفاعلا في الحقل الديني؟

8.لا يمكن أن تمارس السياسة داخل مجتمع متشبع بقيم دينية من دون أن يعكس رجل السياسة في شخصه مظاهر الورع، وأن تكون لديه القدرة على تقديم نفسه كجزء من مخطط الخلاص الذي أعدّه الله للبشرية جمعاء، عليه أن يعمل على تشكيل المتخيل بالقدر نفسه الذي يعمل على الخطط الواقعية. إنه الشكل الأبرز لمعنى الاستثمار في الكاريزما الحضارية والثقافية، حاول كلّ القادة استلهام شخصيات تاريخية أحيطت بهالة من التقديس ونسجت حولها شتّى أنواع الأساطير، وهؤلاء القادة أنفسهم صاروا جزءاً من حركة هذا المخيال الاجتماعي الذي يحدّد المعنى ونقائضه. تعيد المجتمعات والثقافات بناء منظورها المتخيّل في أزمنة متوالية، ومن دون انقطاع، ويكون التشبت بقيم الأمس والماضي أصيلا في الثقافات الحاملة للتاريخ.

تلك، إذن، خلاصات ثمان لما يمكن التفكيرُ فيه، خاصَّةً حين يتعلّق الأمر بالتّمفصلات القائمة بين الدينيّ والسياسيّ، وهي بمثابة محاور لإعادة النّظر في حدود المجالين.

***

زكّاري محمّد، كاتب من المغرب

 

 

سامي عبد العالالخلفية الكامنة وراء سرديات (الأم العذراء) في المسيحية والإسلام هو إبطال منطق الثقافة الأبوية بآلية طبيعيةٍ واضحةٍ. وهو ما يُسمى بعملية (الهدم الثقافي) من الجذور، وذلك بخلاف (التدخل الإلهي) القديم في مسار المجتمعات بطريقة الكوارث والأحداث الجسام واللعنات والهلاك. فمن المعروف أنَّ الله عندما كان يغضب على قومٍ كان يسلَّط عليهم قوى الطبيعة (الزلازل والبراكين والطوفان والريح والنيران والأمرض...) لإشعارهم بالغضب والعقاب وليجعلهم آيةً للعالمين. هذا بجانب غايات أخرى تتعلق بالإعجاز واثبات القدرة الإلهية وارسال الرسالات السماوية وكشف النعمة للبشر. غايات انبثقت عنها تصورات العناية الإلهية والرعاية ولاهوت النعمة والمحبة السارية في العالم وفقاً للفلسفات المسيحية.

إذا كان السيد المسيح قد ولدَ من أمٍ فقط، فلتكن ثمة فكرة جديدةٌ لا بد أنْ تبنى على حالته المختلفة. فكرة أنّ مسار الحياة ليس كما يعتقد الناس عادةً، وأنّ سلطة الأبوة المخبّأة في الذكورة بدأت تترنح، واثبات أنها ليست حتى اعتقاداً مبنياً على أساس متماسك. وجاءت المعاني التي أبطلت ذلك من جهة المبدأ (الميتافيزيقي – البيولوجي) الذي أنجبت على أثره إمرأةٌ عذراء ابناً بلا زوج. وهو مبدأ السر الإلهي الخفي من جنس قوانين الطبيعة، ولكنه تمَّ بصيغة اللاقانون هذه المرة كما نعرف. وكأنَّ الله يقول: إذا كنتم يا معشر البشر تعتقدون أنَّ قانون الطبيعة (الوالد والمولود- الذكر والأنثى) قد اخضعتموه للتحريف الثقافي، وبنيتم فوقه تلالاً قميئة من السلطة المذلة للشعوب، فلم يعد يجدِ ذلك كله، ولن يجدي كما تعبر (الأم العذراء) عن ذلك بلسان حالها الوجودي.

دوماً أحداث الطبيعة في السرديات الدينية تُغير جذرياً من نمط الثقافة السائد. ذلك عن طريق القوة الإلهية التي تتحكم في قدراتها (سلباً وايجاباً) لصالح الناس أو ضدهم. حدث هذا في عصور ما قبل الأديان الإبراهيمية، وجاء خبرها في قصص الأولين ومآلاتهم المحتومة ضمن الكتب المقدسة (التوراة والانجيل والقرآن). وربما تطوّرت الفكرةُ تباعاً مع الزمن، فبدلاً من أنْ يصب الإلهُ عقاباً طبيعياً أو كونياً على الأشرار ومرتكبي الخطايا، كانت دلالة المعجزات وأصداؤها تؤدي الغاية السابقة بطريقة فائقة للطبيعة وتترك تأثيراً كبيراً في الثقافة. وفي الوقت عينه، تترك المعجزات أثراً في طرائق النظر إلى العالم والأشياء والحياة. والتغير الثقافي من هذا اللون كان في المسيحية من جنس ما هو سائد من ثقافة أبوية غالبة في اليهودية والثقافات الشرقية الرعوية.

حيث كانت النزعةُ الأبوية قد تحولت إلى نمط حياة عصية على الترويض، وأخذت تتعارض بعناد شرس مع القيم والأخلاقيات والجوانب الإنسانية والزمنية من الأديان. فجاء تكوين المعنى عن العذراء مختبراً تاريخياً قوياً لنقض النزعة الأبوية وتقويض المكونات والطباق الإجتماعية والسياسية القائمة عليها. وليس هذا فقط، بل كان التأويل الأقرب للترجيح هو وضع الإنسانية في تجارب ميتافيزيقية مختلفة وتدريب الذهنية اليهودية بكل أبويتها لتقديم المرأة بصورة جديدة في الواجهة. وجرى ذلك بقصد محاربة الثقافة الأبوية بسلاحها الفتاك نفسه، فإذا كانت المجتمعات تستقوي بالذكورة، فهاهو السيد المسيح قد جاء مخالفاً لها من البدء.

إنَّ الأحداث الطبيعية الشاذة عن المعتاد (مثل ميلاد طفل دون أب) كانت تتطلب تحولاً في ذهنية المتلقين مباشرة عما هو سائد. وبخاصة أن الجانب الطبيعي منها كان علامة فارقة بالفعل في مسار التفكير والفعل ومسار الثقافة الطاغية آنذاك. بينما لو أنَّ أمر هذا التغير في المنظور كان ثقافياً (أي حَدثَ أنْ ولد السيد المسيح من أب بيولوجي وأم بيولوجية واضحين) ثمَّ جاء بالرسالة وسط العادات والمعتقدات الجارية ما كانت لتتغير الثقافة الأبوية بهذه السرعة التي حدثت.

هكذا لم يكن ممكناً إلاَّ اختبار مملكة الأبوة في عقر دارها التاريخي بتلك الصدمة الكبيرة التي حدثت لركيزتها الأولى وهي الذكر. إذ لم يؤدِ الذكرُ أي دور بيولوجي في عملية الولادة والخروج إلى الحياة. لأنَّ كل مولد لطفل من أب كان شيئاً مألوفاً ولم يكن ليلفت الانتباه إلى أي أثر غير تقليدي في المسألة. وبالتالي فإن ردود الأفعال وتكوين اللاهوت المسيحي بالنسبة لفكرة الروح القدس والآب والإبن ومعرفة المريمياتMariology جزء من العتاد الثقافي واللاهوتي المختلف في تاريخ الأديان الإبراهيمية.

بكلماتٍ واضحةٍ، كان الله قد عطَّل الناموس الطبيعي ليبرهن للناس أن التراتب الثقافي المبني عليه ليس ذات نفاذٍ طوال الوقت. وكذلك سيكون المعنى على موعدٍ مع اثبات المقصد الإلهي من المسألة. وهذا هو (خط إلتقاء) الثقافة والطبيعة حول أن الميلاد دون أب يؤدي وظيفة ثقافية خطيرة في تاريخ المجتمعات أو هكذا يفترض أن يكون الأمر. وبطبيعة الحال لا توضع تلك الغاية فوق إمكانية التفسير التاريخي للمسألة من عدمها. لأن الذي حدث قد جرى فعلياً ودخل حيز التاريخ، وكان جزءاً من تفسيرات المسيحية للحياة وعلاقة الرجل بالمرأة، وحاول مفكرون آخرون ذات توجهات كثيرة تبرير هذه الواقعة أو نقدها بحسب منطلقاتهم.

فلسفياً تعدُّ أبرز قضايا المسيحية هي تشكيل الطبيعة الأنثوية بخلاف المعتاد وجعلها جزءاً من المعتقدات ونمط العيش، حتى تنبني عليها تصورات وأفكار ومعالم أخرى تجاه الحياة والإنسان. وتمثل المسيحية في هذا توجها (انسانياً أنطولوجيا) لم يدركه أصحاب الديانة السائدة (الديانة اليهودية) بما اختمرت به من رؤى ذكورية في المقام الأول، حتى جعلت الرب بشراً ذكراً سواء في تفسيرها للماضي أو المستقبل أو خلع صفات بشرية عليه كرجل طاعن في الوجود والحياة وأنه قد اختار أصحاب اليهودية كرئيس قبيلة على العالمين. وجاءت تلك الخطوة المقلوبة أمراً مدهشاً بالنسبة للأم مريم العذراء ذاتها: " كيف يكون هذا وأنا لستُ أعرف رجلاً" (لوقا 1: 34).

علماً بأن السيدة العذراء كانت مخطوبة ليوسف النجار المنتمي إلى نسل عائلة الملك داؤود، وكذلك كانت السيدة مريم عذراءً (قبل الولادة وأثناء الحبل وبعد الولادة) وهو ما يبرهن على الصمود أمام الثقافة الأبوية حتى النهاية. وظل يوسف خطيباً لها أمام الناس، ولكنه لم يقربها مقاربة الأزواج. وفوق هذا وذاك حمل السيد المسيح بين يديه ورباه صغيراً وذهب معها في رحلة العائلة المقدسة إلى مصر وعودتها مرة أخرى إلى الناصرة دون أنْ يُعلق على (الإنجاب مجهول الأب) أو تصدر منه كلمةٌ واحدة أو موقف واحد يبدو معبراً عن الإندهاش.

ليس هذا فقط ما حدث، بل هناك أقدم الوثائق الكنسية التي تتحدث عن يوسف كقديس ومربي ليسوع تعود إلى العام800 للميلاد مشيرة إليه بتعبير لاتيني(nutritor Domini) ويعني (مربي الرب والمعلم). وناقش القديس توما الإكويني ضرورة وجود يوسف النجار في حياة مريم العذراء، وقال الإكويني إنْ لم تكن مريم مخطوبةً لرجمها اليهود بتهمة الزنا حين اعلنت عن مولد طفلها. وكان اليهود يؤمنون بوجود يوسف النجار ويطلقون على ابن السيدة العذراء" يسوع بن النجار" ولا يعتقدون بقدسيته ويؤمنون أنه تزوج من مريم.

وتزايد الاهتمام والتقديس لشخص يوسف في الكنائس، إذ في عام1889 حثّ البابا ليون الثالث عشر المسيحيين بالصلاة ليوسف لمواجهة التحديات التي تواجه الكنيسة. ومنذ القرون الوسطى تحيي الدول الكاثوليكية عيد الأب في يوم تذكار القديس يوسف، ورغم أنَّ احتفالاً بعيد القديس يوسف انتقل إلى العديد من الدول الغربية غير أنَّ هناك من يحتفل بعيد الأب في يوم مخالف لـ 19 مارس. فمثلًا تحتفل ألمانيا بعيد الأب في عيد الصعود والذي يحل بعد أربعين يوماً من عيد الفصح.

وعلى نطاق تاريخي، تحتفل الكنيسة الأرثوذكسية بعيد القديس يوسف النجار قبل بدء صوم السيدة العذراء بأسبوع، وقد شيدت له كنيسة باسم القديس يوسف النجار على سبيل المثال في مصر القديمة بالقاهرة. تكرّم الكنيسة الأرثوذكسية يوسف كقديس عظيم كالرسل أنفسهم، تخصص الكنيسة الكاثوليكية الرومانية - الكنيسة الغربية عيداً للقديس يوسف في19 آذار مارس من كل سنة، بينما تحتفل الكنائس الأرثوذكسية والكنائس الكاثولوكية الشرقية (مثل كنيسة الروم الملكيين الكاثوليك) والذي يسمّى تذكار يوسف الصّدّيق خطّيب مريم في الأحد الذي يلي عيد الميلاد، وترى فيه شفيع الكنيسة الجامعة الرسولية.

وكل ذلك كان تكريماً لفكرة العذرية والبتولية لدى السيدة مريم، لأنَّ يوسف لم يكن زوجاً بالمفهوم الدارج، إنما أدرك عملية الانجاب اللا أبوي والسر وراءها وأوصلها إلى تاريخ المجتمعات ووضعها في مقارعة الثقافة الأبوية، تلك التي لو أدركت السر لحاربت العذراء ووليدها حتى الرمق الأخير مثلما أشار توما الإكويني. وقد فعلت الأبوية ذلك عندما أمر الملك اليهودي هيرودس Herodus بقتل الأطفال الرضع على خلفية إخبار المجوس الناس بعلامات ميلاد المسيح باعتباره ملكاً قادماً لليهود.

وهو ما يعرف برحلة العائلة المقدسة إلى مصر، أي حدث هروب (الطفل يسوع ومريم العذراء ويوسف النجار) من بيت لحم إلى مصر بحسب رواية إنجيل متى، كي لا يقعوا في قبضة هيرودس الملك الذي تخوّف أن ينازعه المسيح المُلك ، إذ أنَّ من الصفات التي وُصفَ بها المسيح كونه ملكاً، وهو ما سيتحقق في المجيء الثاني وفق المعتقدات المسيحية، فأراد هيرودس في البداية قتله عن طريق المجوس، ولكنه فشل، فقرر قتل جميع أطفال بيت لحم من دون السنتين. يبد أن هاتفاً كان قد جاء ليوسف في الحلم يخبره بأن يأخذ الطفل الوليد وأمّه إلى مصر، فهربوا جميعاً وأقاموا بها حتى وفاة هيرودس، قبل أنْ يعودوا إلى الناصرة.

إنَّ هيرودوس كان رمزاً لثقافة يهودية فقدت مبررات وجودها، وتكلست في إطار أبوي ديني قاتل. وهو ما حرك الملك اليهودي إلى قتل الأطفال الذكور الآخرين. لأن النزعة الأبوية السياسية لا ترضى بديلاً عن وجودها الأوحد مهما كانت النتائج. ولذلك كان هيرودس عاجلاً أم آجلاً سيزيح كل قوى حتى الذكور المنتمين إلى نوعه. بينما كانت أمومية العذراء رمزاً للخصوبة الميتافيزيقية في ولادة مقدسة خارج المعايير الذكورية المعمول بها. كانت رمزاً لوجود روح أخرى ليست خاضعة لكل هذا التراتب الأبوي المستبد ولم تخضع لميراث العنف ولإسباغ صفات ومعالم الذكورة على الإرادة الإلهية المتمثلة في السلطة الدينية أو حتى التقاليد اليهودية الفاعلة آنذاك.

الغريب أنَّ هذا (القطع الرأسي الميتافيزيقي) لميلاد المسيح مع تراث الأبوة كان مقصوداً من الله، ومع ذلك لم يفهمه المسيحيون تاريخياً. وكرسوا وظائف لاهوتية تستعيد وظيفة هيرودوس الذي أراد قتل السيد المسيح لأسباب أبوية. في حين جاء نبي المسيحية دون أب بشكل صريح ومتمرد على تراث البشرية كلها. وكان ميلاده ذكرى تتجدد أمام هذا التراث المتسلط والديكتاتوري.

وأيا كان التصرف وقتئذ أو بعدئذ، فكان هناك قطع بارز في هذا الخط من الله إلى العذراء مباشرة دون وسيط، وهذا واضح تماماً منذ اللحظة الأولى: " الروح القدس يحلّ عليك، وقوة العلي تظلّلك، فلذلك أيضاً القدوس المولود منك يُدعى ابن الله"(لوقا 1: 35). وأتصور أنَّ الله أراد التعبير آنذاك عن ظلاله ونعمائه على البشرية في شخص السيد المسيح، لتغيير مسار الثقافة اعتماداً على آليات أخرى للطبيعة كما أشرت. وأن عبارة (ابن الله) الواردة في الفقرة، هي اسناد الفضل أثناء التفكير في السبب إلى القوة الإلهية العليا التي وضعت عنواناً غير أبوي للمسألة. أي حين يسأل أحدهم من أين لك هذا يا مريم، فقولي هو من عند الله ليس أكثر ولا أقل.

وعلى البشرية من الآن فصاعداً أن تأخذ خطاً مختلفاً غير الثقافة الأبوية التي اغرقت الأديان في تصورات الاقصاء والدماء. أما حين تحولت القضية إلى نوع من (التأليه الآخر) في شخص الإبن، فذلك بمثابة إعادة إلتحاق بالتقاليد الذكورية بطريقة مقلوبة. وهي تغليب نبرة الوصاية باسم الإبن دون أن يكون هناك جذر منصوص عليه في سياق الكتاب المقدس ولا معنى يلائم الثورة الكونية في علاقة الذكورة بالأنوثة.

لنتخيل أنَّ الله قد عطل وأخلف ونسخ وفكك العلاقة الوجودية الأصلية بين الذكر والأنثى في شخصية مريم العذراء، فهل كان ذلك اعتباطاً أم لعلّة أخرى بعيدة أمام الإنسانية؟ المسألة واضحة هي نقض هذا الفعل الأبوي الغالب قبل المسيح والذي بلغ ذروته واستنفد مآربه وإمكانياته في الثقافة اليهودية، ولذلك حدد الكتاب المقدس مباشرة غياب الوسيط والغاية البعيدة منه: "مباركة أنت في النساء ومباركة هي ثمرة بطنك" (لوقا 1: 42(.

لأنَّ المقصد النهائي كان تحرير الإنسانية جمعاء لا مجرد طفل مولود من عذراء أمام جيوب ذكورية يهودية مازالت مؤثرة في المجتمع. وإطلاق كلمة النساء من جهة مباركة السيدة مريم بينهن، دلالة واضحة على القضية الرئيسة. فلو كانت القضية محدودة بحدود السياق الحاصل آنذاك ما كانت لتصبح فكرة الإبن دون أب فكرةً خطيرةً وجذرية على أي مستوى من المستويات الثقافية، ولكانت الفكرة لا تقتضي تغيير نمط الولادة وتداعياتها منذ آدم حتى عيسى ابن مريم. "سلام عليكِ أيتها الممتلئة نعمة. الرب معك. مباركة أنت في النساء" (لوقا 1: 28).

إن المرجعية الأنثوية المتوافقة مع الرحمة والنعمة والمباركة بخلاف مرجعية الذكورة المسيَّسة والتي فتكت بالإنسان كانت هي أساس فهم وجود السيد المسيح مهما تمَّ بعد تلك الواقعة من تراتب لاهوتي وسن تشريعات وطقوس أبوية أخرى في الأزمنة المسيحية اللاحقة. " لاَ تَخَافِي يَا مَرْيَمُ، لأَنَّكِ قَدْ وَجَدْتِ نِعْمَةً عِنْدَ اللهِ. وَهَا أَنْتِ سَتَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ابْنًا وَتُسَمِّينَهُ يَسُوعَ. هذَا يَكُونُ عَظِيمًا، وَابْنَ الْعَلِيِّ يُدْعَى، وَيُعْطِيهِ الرَّبُّ الإِلهُ كُرْسِيَّ دَاوُدَ أَبِيهِ، وَيَمْلِكُ عَلَى بَيْتِ يَعْقُوبَ إِلَى الأَبَدِ، وَلاَ يَكُونُ لِمُلْكِهِ نِهَايَةٌ" (لوقا 1: 30-33).

الله يعلم في كل الأديان أنَّ الثقافة (صناعة بشرية) مبنية على أساس طبيعي ميتافيزيقي، وأنه بموجب هذه الأديان لن ينزل ليدير عقارب العقول بخلاف ذلك. وحتى من الصعوبة بمكان تغيير الأذهان والأفكار بين يومٍ وليلة، لأنها حافظة لشفرات الحياة الإنسانية وأسرارها منذ العصور البدائية الغابرة إلى يومها هذا. وربما كان تغيير مظاهر الطبيعة أيسر مما لو كانت الثقافة هي المقصودة. لأنَّ الأخيرة لا تتجاهل تراثها إطلاقاً ولا تفقد بصلتها التاريحية. بدليل أننا مازلنا نعيش حتى اللحظة في سرديات الأسلاف ومازالت دوافع وخلفيات الغرائز والرغبات واحدةً منذ الإنسان الأول. فالخوف والحب والكراهية والصراعات هي التي تشكل عالمنا المشترك. وعصور الإنسانية لم تفعل شيئاً ذا بال أكثر من تثبيت نمط حياة غالب دون مسارات وأنماط مغايرة. لدرجة أنَّ الأبوة ظلت هي الغطاء العام لكل لاهوت، سواء أكان سماوياً أم أرضياً. كانت الأبوة بمثابة (الثقب الأسود) الذي يمتص طاقات الإنسانية على الاهتمام بكافة عناصرها وبخاصة النساء في ابداع معان أخرى للحياة.

هكذا تعد المسيحية هي الخطوة (الميتافيزيقية- الوجودية) لمقاومة تلك الفكرة، وجاءت بإنقلاب جوهري في متن تصورات العالم ورؤاه ونقلت مرجعية الحقيقة الأبوية إلى مرجعية أكثر انفتاحاً وفاعلية، رغم كل ما يقال من انتقادات حول تكوينها التاريخي ورغم ما حدث وأخضعت لتفسيرات وتشريعات وطقوس مقيدة للحرية والعقل. وربما من يعالج تلك القضية لم ينظر إلى تاريخ المسيحية من هذا الباب الأمومي المفتوح على مصراعيه.

***

د. سامي عبد العال

 

ابراهيم ابو عوادأهميةُ العلاقات الاجتماعية لا تتجلَّى في قُدرتها على تَوليد أنساق حياتية للفرد والجماعة فَحَسْب، بَلْ أيضًا تتجلَّى في قُدرتها على تكوين سُلطة معرفية تُوازن بين الأبعاد الروحية والنَّزَعَات المادية، وتُوَائِم بين أعماق اللغة وقواعد التاريخ الاجتماعي. وكما أنَّ العَالَمَ سريعُ التغيُّر، ويُغيِّر الحراكَ الاجتماعي، وحركةَ المشاعر، واتجاهَ الأحداث اليومية، وطبيعةَ الوقائع التاريخية، فكذلك النظام الثقافي في المجتمع، فهو سريع التغيُّر، ويُغيِّر صَيرورةَ التاريخ، وماهيةَ الظروفِ المُعَاشة، ومسارَ المنظومة الأخلاقية، ومضمونَ الذات الإنسانية. وكما أنَّ الإنسان بناء اجتماعي، فكذلك اللغة بناء اجتماعي. ولكنَّ الفرق هو أنَّ الإنسان يَبحث عن الحقيقة في البُنى الوظيفية في المُجتمع، في حِين أنَّ اللغة تُنتج الحقيقةَ باعتبارها بُنيةً تاريخيةً، وجَوهرًا اجتماعيًّا، وصُورةً للإنسان في مِرْآة التاريخ الوجودية. إنَّ الإنسان يَذهب إلى الحقيقة لأنها بُنية مُستقلة عنه، أمَّا اللغة فهي أساس الحقيقة، وهُما مُتَّحِدَتان شكلًا ومَضمونًا، لذلك فإنَّ اللغة لا تذهب إلى الحقيقة، وإنَّما تُولِّدها في سِياق الالتزام الأخلاقي، لمنع التبرير الفلسفي لعجز الإنسان عن مواجهة المُسلَّمات الافتراضية، التي تَفرضها السُّلطةُ الاجتماعية لِمُحَاصَرَةِ أحلام الإنسان، ومُصَادَرَةِ حُرِّية أفكاره، وتَطويقِ حركةِ الوَعْي التي تَهدف إلى صناعة بُنية فكرية تنطلق من الزمن، كَي تتجاوزه، ولا تغرق فيه.

2

قِيامُ اللغة بتوليد الحقيقة في سِياق الالتزام الأخلاقي يُؤَدِّي إلى إيجاد منهج اجتماعي يَربط الأفكارَ ببعضها البعض، وهذا ضروري لكسر الحدود الفاصلة بين السُّلطة والمعرفة. وارتباطُ الأفكار يعني أنَّ هناك نظامًا اجتماعيًّا منطقيًّا مُسيطرًا عليها، لا مجال فيه للعبث أو الفوضى أو التلقائية. والصُّدفةُ قد تُنتج فكرةً عابرةً، ولكنها لا تُنتج نظامًا مِن الأفكار المنطقية والمُتسلسلة. والحَظُّ قَد يُوصل الإنسانَ إلى الوظيفة، ولكنَّه لا يُؤَدِّي الوظيفةَ نِيَابَةً عن الإنسان، مِمَّا يدلُّ بوضوح على أنَّ المُجتمع بِوَصْفِه تاريخًا للأفكار، ونظامًا لتحرير الإنسان، يتحرَّك بشكل عقلاني، ويَفتح المساحات لدمج السُّلطة بالمعرفة، لإنتاج سُلطة المعرفة التي تَرْمِي إلى إقامة القطيعة معَ الوَهْم لتكوين صورة الحاضر وجَوهره. وكُلُّ مَعرفةٍ هي كُتلةٌ مُتَجَاوِزَةٌ لِنَفْسِهَا، وفاعليَّةٌ مُتَقَدِّمَةٌ في الوَعْي والإدراك، لذلك كانت المعرفةُ هي ما بعد المعرفة، والتاريخُ هو ما بعد التاريخ، والإنسانُ هو ما بعد الإنسان. واللحظةُ الآنِيَّةُ التي يَعيشها الإنسانُ سَتُصبح بعد انقضائها ماضيًا خارجًا عن سَيطرته، لذلك فإنَّ الحياة الحقيقية هي مُطَارَدَة الحُلْم الذي يأتي مِن المُستقبل، وليس الهُروب إلى الأمام. والوجودُ نهرٌ دائمُ الجَرَيَان،تجب مُلاحقته باستمرار،وتحديد نُقْطَتَي المَنْبَع والمَصَب،مِن أجل تحديدِ فلسفة الوجود ومعناه الغائي، ورسمِ معالم الأفعال الاجتماعية الناتجة عن مساره في النَّفْسِ الإنسانية، والواقعِ المادي.

3

الوجودُ لَيس نَصًّا فلسفيًّا خاضعًا لأدواتِ النقد، وآلِيَّاتِ التشخيص، وتقنياتِ التأويل، وإنَّما هو بَحْثٌ دائم عن المعنى، وكيفيةِ التعامل معَ الأسئلة المصيرية، وتفتيشٌ مُستمر عن الطاقة الرمزية اللغوية، وكيفيةِ تَوظيفها في الوَعْي الذي يُمثِّل حاضنةً للتفاعلات الاجتماعية، التي تَبْني مصادرَ المعرفة التي تكتشف مسارَ تَكوين الزمن، وتُبْرِز طريقةَ ارتباطه بفلسفةِ الأفكار، وقواعدِ المنهج الاجتماعي، مِن أجل تفكيك الحاضر كَجُغرافيا غارقة في الأحلام الماضية، وإعادة بنائه كنشاط عقلاني مُستقل عن القوالب الجاهزة التي تكرَّست بسبب الاعتياديةِ، وغيابِ التساؤل الفلسفي، وعدمِ التنقيب في جسد التاريخ. وهكذا، يَصير غِيَابُ التساؤل الفلسفي تأسيسًا لِحُضُور الأجوبة المُعَدَّة سَلَفًا، التي تفتقر إلى الخِبرة الوِجدانية، والتجربة العملية. وشيئًا فشيئًا، يكتشف المجتمعُ الإنسانيُّ حُضُورَه في الغِيَاب، ويَسقط في العدم، بلا بارقة أمل، ولا ضَوء في نهاية النفق. ومِن أجل إنقاذ المجتمع الإنساني مِن هذا المصير المُظْلِم، وحمايته من الانكماش على ذاته، وتدمير نَفْسِه بِنَفْسِه، ينبغي أن يَكون الحُضُورُ وَعْيًا نابعًا مِن شخصية الفرد وكِيَان المُجتمع والعناصر المُحيطة بهما. وهذا مِن شأنه فَتْح تاريخ المُجتمع على الأسئلة المُتَجَدِّدَة والتجارب الحيوية، وتكوين فلسفة جديدة في تأويلِ الأفعال الاجتماعية، وصياغةِ تاريخ جديد للمُجتمع، بحيث يُصبح جسدًا للحضارة، وتُصبح الحضارةُ رُوحًا للعلاقات الاجتماعية على الصعيدين اللغوي والوجودي.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

علي محمد اليوسفتمهيد: كتاب عالم اللسانيات وفيلسوف اللغة نعوم جومسكي (افاق جديدة في دراسة اللغة والعقل) ترجمة عدنان حسن يحتوي اشكاليات فلسفية لغوية معمقة تحتمل نقاشات عديدة. اجد باديء ذي بدء ضرورة الاشارة الى ورود اسبقية اللغة على العقل في عنونة الكتاب كانت غير صحيحة.

فالاصح دراسة العقل واللغة من حيث دلالة معنى اسبقية العقل على اللغة في التراتيبية البيولوجية لكل منهما. فاللغة تجريد ونتاج العقل وليس العقل تجريدا ولليس وجودا بيولوجيا لنتاج اللغة. عليه تكون اسبقية العقل على اللغة اصح.

قبل الدخول الى معالجة اشكالية الفطرة اللغوية والمكتسبة لدى جومسكي اطرح التساؤل التالي رغم اني عالجت الموضوع باكثر من مقال منشور لي:

هل العالم الذهني هو نتاج العقل التفكيري في وعيه المدركات الشيئية بايولوجيا؟ ام الذهن اشمل تفكيرا من العقل والوعي وتعبير اللغة؟ علما ان كلا التفكيرين للعقل وللذهن في تعبيرهما عن المدركات والمواضيع هما تجريد لغوي صوري تمثلي للاشياء سواء نتج الادراك عن مصدر عضوي بايولوجي هو الدماغ او نتج عن مصدر غير عضوي هو الخيال، علما ان تعالق الخيال بالذاكرة تعتبر ما يدركه الخيال هو تفكير مختلط يتداخل فيه الشعورواللاشعور وكلاهما نتاج عقلي تجريدي في تعبيراللغة عنه . لذا يكون كل مدرك للعقل تعبّر عنه اللغة مصدره العقل وبالتحديد جزء في قشرة الدماغ بضمنها مواضيع النفس والعواطف والاخلاق والحاجات الغريزية للانسان التي مصدرها الاحاسيس الاستبطانية الداخلية التي تثيرها تكوينات الجسم الداخلية...

المفارقة التي اود ذكرها لطبيعة غرابتها المعرفية عندنا ان الشعور الواقعي الانساني بكافة تجلياته لا يشكل اكثر من 5% بالمئة. في حين يمتلك اللاشعور نسبة اكثر من تسعين بالمئة، هذا يترتب على أننا لا نعيش عالمنا الحقيقي الذي نحياه بل نعيش زيف واقعنا بالحياة وهذه اشكالية طرحها افلاطون تحتاج برهنة صحتها فلسفيا. لذا تكون هلوسات نيتشة وهيجر وفوكو واخرين غيرهم يجدون فلسفيا انه يترتب علينا السعي ان نعيش عالمنا الحقيقي الذي يتمثل غالبيته في اللاشعور مثل كل تداعيات عالم الاحلام كما نجده في لا شعور الشاعر ومعظم الاجناس الادبية والفنية وكذلك في لاشعور ادراك المجنون لواقعنا واسلوب حياتنا. (لي اكثر من مقال منشورحاولت فيها تعرية هذه الخيالات غير المنضبطة عقليا واقعيا).

علاقة التفكير بين العقل والذهن

اذا كان يذهب بعض الفلاسفة ان مرادف العقل هو الذهن وهما يشتركان بخاصية واحدة هي التفكير بالمدركات وتعبير الوعي واللغة عن تلك المدركات بالمطابقة التعبيرية بين اللغة والواقع.. فهذا خلط غير مبرر لا يمكن التسليم به لا علميا فسلجيا ولا فكرا فلسفيا. فتفكيرالدماغ هو ليس تفكير الذهن ولا ينوب احدهما القيام بوظيفة الاخر. فالدماغ موضوعه التفكيرفي تجريد الفكر اللغوي التمثّلي عن مدركاته الشيئية في الواقع والخيال. اما تفكير الذهن فهو نقل حزم الانطباعات الحسّية من العالم الخارجي بواسطة الحواس وتوصيلها الدماغ عبر شبكة منظومة الادراك العقلي.

واذا كان المقصود بالذهن فلسفيا وليس بيولوجيا هو العقل غير الفيزيائي الذي يقصده ديكارت انه جوهر خالد بمعنى ماهيته التفكيرالذي يزودنا بالمعرفة حينها يكون الذهن أعلى مرتبة تراتيبية معرفية تعلو اولوية العقل بمعناه البايولوجي الذي ينتج لنا تعبير لغة التجريد. بهذا المعنى يكون الدماغ هو تكوين نتاج تفكير ذهني لا يمتلك استقلالية السيطرة على مجموع حلقات سلسلة منظومة العقل الادراكية التي تبدا بالحواس وتنتهي بالدماغ من ضمنها الذهن نفسه وهو استنتاج خاطيء فضيع.

ان نخلع على الذهن خاصية الدماغ العقلية البيولوجية بالتفكير خطأ واضح. الذهن وظيفته معالجة الانطباعات الادراكية الواصلة له عبر الحواس. والذهن ليس موضع تخزين لمعطيات الفكر والوعي واللغة. اي الذهن لا ينوب عن الذاكرة في مخزون التجارب التراكمية المصحوبة بطبيعة استذكارية وخبرة سابقة عن مدركات الاشياء واهمية التعامل معها في استقلالية او في علاقاتها مع التصورات الاستذكارية خياليا المرتبطة مع بعضها في علاقة تخارج معرفي يتداخل فيه الزمن والخيال والواقع.

الذاكرة هي مستودع تخزين وقائع التاريخ الماضي كتحقيب مكاني مشروطا بزمن ماض لا قيمة حقيقية له في عملية الاستذكار. اكتسب التاريخ تحققه الزماني كوقائع ثابتة بدلالة زمنية لايمكن الاخذ بها سوى في تورخة الوقائع التاريخية التي حدثت بالماضي ونحاول استذكارها.

لذا لا علاقة بين الذاكرة والذهن بمقدار العلاقة الحقيقية بين الذاكرة والاستذكار الخيالي. برجسون وهيوم ينكران اية علاقة ترابطية بين الذاكرة والذهن. خلاف خاصية العقل انه يعالج افكارا مادية بمعنى يمكن التاكد من حضورها الانطولوجي المتعيّن وقد اكتسبت البت القاطع عقليا بها ولا يشترط ان تكون ردود الافعال العقلية صحيحة على الدوام التي اطلق عليها كانط مقولات العقل في ادراكه الاشياء والموضوعات.

فالعقل بمجموع منظومته الادراكية يخطأ تماما مثلما يخطأ الذهن والوعي وتعبيرات اللغة عن إعطائهم المعنى التام عن مدركاتهم. ان تعرف الشيء على حقيقته التامة امر مستحيل اذا ما علمنا ان جميع حلقات المنظومة الادراكية في مصدرها العقلي تكون لديها نقص يحتويها في نقل ادراكاتها للاشياء. فالحواس خادعة، والانطباعات خادعة، والذاكرة ينخرها داء النسيان ، والوعي يغالب الفكر واللغة في المصداقية. عليه تكون الايعازات الواصلة للدماغ ادراكيا  حتما تعطي في بعض الحالات ردود افعال تخالف حقيقة المدركات المادية او الموضوعات التي مصدرها المخيال او حتى التي يكون الواقع المادي مصدرها.

جومسكي الفطرة اللغوية والمكتسبة

اثار جومسكي قضية لغوية اخذت حيزا نقاشيا كبيرا من قبل علماء اللسانيات وفلاسفة اللغة. وكانت قضية مركزية اكسبت جومسكي رغم تواضعه الجم شهرته العالمية اضافة لشهرته في قضايا سياسية واجتماعية ومواقفه الثابتة من الحرية وحقوق الانسان والتمييز العنصري وانتاده اللاذع الجريء للراسمالية وغيرها توزعت مؤلفاته ومقالاته بالمئات.

اخترت مناقشة قضية الفطرة اللغوية في النحو التوليدي باللغة لأني كنت طرحت مناقشتها في مقالات اخرى سبقت هذه المقالة وعندي بعض التحفظات عليها ارجو التوفيق في عرضها ومناقشتها سريعا بما يسمح به المجال.

يقول جومسكي ( ان جزءا اساسيا من معرفتنا باللغة يتحدد وراثيا. او يكون فطريا، وان كل شيء لغوي فطري يعني مبرهن ذاتيا من حقيقة ان الاطفال يكتسبون اللغة بخلاف القطط والكلاب والعناكب والصخور والاشجار لا تفعل ذلك.) ص 14 من مقدمة كتاب جومسكي المشار له بالتمهيد.

لا بد لي من تسجيل بعض الملاحظات:

هل المعرفة باللغة يعني اختراعها بوعي مسبق قبلي لا يعتمد مصدر تزويده ببعض خصائصها المطلوبة اللغوية؟ ام يعني امتلاكها وراثيا جاهزة في ابجدية لغوية صوتية ذات معنى مخزّنة بالجينات الوراثية؟ بضوء تعبير جومسكي؟

المعرفة باللغة يعني انك قد اكتسبت قبليا الكثير عنها من نحو وقواعد ومرادفات وبلاغة واعراب وغير ذلك كثير ومتنوع، اما اختراع اللغة في تمام صفاتها وخصائصها النحوية التي تتعايش بها ومعها امم وشعوب مختلفة لكل منها لغتها الهوياتية الذاتية الخاصة بها. او الاضافة الحتمية الضرورية المرافقة لسيرورتها التطورية في بعضها فهي اضافة مكتسبة تعديلية تزامن مراحل عمرية متقدمة على مرحلة الطفولة غير الناطقة بلغة فطرية صوتية لها معنى. اصوات الطفل ليست لغة لها معنى تواصلي نفهمه بل اصوات اللغة تصبح لغة ذات معنى في مراحل عمرية متقدمة على الطفولة.

توليد تراكيب جديدة يخترعها المنطق اللغوي لما نجده في اللغة من اخطاء يتوجب معالجتها يمثّل الاضافة المكتسبة للغة. كما ان خاصية التوليد اللغوي المتجدد لا تكتسب خصائصها بالفطرة بل بالخبرة التراكمية المكتسبة مجتمعيا.

اللغة داخل الدماغ هي غيرها اللغة خارجه التي يخترعها الانسان ويبنيها بقواه الفردية وامكاناته كفرد ضمن مجتمع التي هي لغة التواصل والعلاقات المعرفية والادراكية التي تمتلك جميع الضوابط والاحكام النحوية الخاصة بها. في التعامل مع المحيط ومظاهر الحياة والناس الاخرين وهي جميعها لا تمت للفطرة اللغوية بصلة بل هي من الالف الى الياء مكتسبة..

كل ادعاء ان بعض من المعارف وراثية فطرية ليس مصدرها التعايش المجتمعي كخبرة تراكمية هي خاطئة. كانط حينما اعلن ان ادراكاتنا ومعارفنا العقلية الفطرية انما يحتويها وتقتصر فقط على عملية كيف ندرك وليس عملية كيف نعلم. ما اطلق عليه فطرية قالبي الزمان والمكان على انهما وسيلة ادراك للعقل ولا يمثلان موضوعين يدركهما العقل متحدين او منفصلين بين ما هو مكاني عما هو زماني. وحينما وجد كانط هجوم ديفيد هيوم وجون لوك وبيركلي نفيهم نفيا قاطعا وجود ما يسمى معارف فطرية تورث بالولادة. قال كانط مقولته الشهيرة (لقد ايقظني ديفيد هيوم من سباتي الفلسفي الدوجماطيقي).

ليس كل معرفة لغوية هي معطى فطريا يكتسب برهان حقيقته بالوراثة الولادية كما يقول جومسكي. كل ما نرثه بالولادة يكون معيار حقيقته هما واقع الحياة والمجتمع الذي يتكلم ويتعامل بلغة خاصة به. الاسرة والمدرسة والمجتمع يعّلمون اللغة التي أورثوها اجيال من بعدهم من نسلهم ولم يرثوا الاطفال حتى في يفاعتهم عن اللغة ما يمكنهم التعامل باللغة غير اهميتها كهوية واعتزاز بها لغة مميزة لشعب تجمعه العيش المشترك والمصالح المشتركة..

ولا تحمل الفطرة اللغوية البرهنة الاستبطانية المشكوك بها التي لا تحتاج تقويم المكتسب المجتمعي المضاف لها.. اللغة المعاشة في تعبيرها عن الحياة اصدق تعبير لا تحتكم الفطرة بما تنجزه من نمو لغوي توليدي مكتسب. اللغة هي سريان يداخل ويزامن مجرى سيرورة الحياة ولا يورث بالولادة.

ولا صحة دقيقة لتعبير جومسكي ان جزءا اساسيا من معرفتنا باللغة يتحدد وراثيا او يكون فطريا ناجزا في تلقي الطفل له. الانسان كائن لغوي يرث استعدادا فطريا في تحقيق اكتسابه اللغة المجتمعية بتأثير المجتمع في السلوك والتخاطب التواصلي.، ولا يوجد ما يؤكد اننا نرث بالولادة الفطرية ابجدية لغوية صوتية في التعبير تمتلك معنى ندركه في الواقع. معنى اللغة يحدده المجتمع ولا تحدده الفطرة غير المكتسبة التي هي اصوات لا معنى لها يتفوّه بها الطفل.

اللغة بمفهومها العام في علم اللسانيات هي الملفوظ الصوتي الذي له معنى محدد ادراكيا. والمعنى الصوتي للغة لا يقوم برهانه على حقيقة وراثية يمتلكها الطفل دون غيره. الفطرة اللغوية نفهمها انها استعداد فطري لتعلم اللغة حسب خصوصية كل شعب أو أمة وليس إختراعها توليدا جديدا لها لانها معطى انثروبولوجي اقامه الاسلاف منذ مئات الالوف من السنين.

جديد اللغة يأتي مكتسبا وليس موروثا فطريا. والتوليدية اللغوية الاشتقاقية المتجددة باستمرار تكون تكاملية معرفيا بفعل عامل تاثير المجتمع لا عامل تاثير الفطرة.

كم كان جون لوك متشددا بصرامة عقلية لا تقبل ولا تتقبل الخطأ بالقوة في مقولته الخالدة (الطفل يولد وعقله صفحة بيضاء).

الجينات الوراثية الكروموسومات ومنظومة الخصائص الوراثية (دي.ان.اي) لا تورّث ماهو مكتسب غير معروف ومخزّن تجريبيا، بل ما هو اصبح فطرة مكتسبة بتراكم الخبرة يوّرثها الوالدان لطفلهما كصفات وليس كمعارف في فهم الحياة. وتؤخذ عن الوالدين فقط تعليم الصغار ان اللغة خاصية انفرادية ذاتية يكون توريث المجتمع لها بمعنى الحفاظ على خواصها التطورية  سابقا على توريث منظومة الجينات الوراثية لها.

كل معرفة لغوية فطرية هي بالاساس مصدرها مكتسب من المجتمع وليست فطرة يخترعها وينتجها العقل بقواه الذاتية لوحدها. مثلما انكر ديفيد هيوم منطق السببية عندما قال ان تجاربنا بالحياة حول السبب يلد عنه نتيجة هي بمرور الزمن تصبح (عادة) يقينية لا تحتاج برهان تحققها.

كذلك تكون مراكمة الخبرات اللغوية طيلة فترة مرور اجيال تصبح عادة مكتسبة من الاسرة والبيئة والمحيط ولا مكان لشيء لغوي نرثه بالفطرة.

كما ليس لدينا دليلا تجريبيا موثوقا علميا ان ما تدركه الانا الذاتية هو معطى قبليا مسبقا يكون مبرهن عليه بالبديهة الوراثية الفطرية.. من حيث كل مكتسب عن العالم الخارجي والطبيعة لا يكتسب الفطرة الوراثية الا بعد اجيال متعاقبة في اخذها نفس الفكرة المكتسبة مجتمعيا تداوليا.

تراكم الخبرة اللغوية المكتسبة عبر اجيال لا تغذّي الفطرة الوراثية اللغوية الناجزة بسمات وخصائص يمكن توريثها. ثم يوجد فرق كبير بين الاستعداد الفطري لتعلم اللغة الذي هو حصيلة توفر اسباب انثروبولوجية وبايولوجية متداخلة تحمل خصائص معينة لما نطلق عليه لغة. وبين موروث لغوي لا علاقة تنموية تربطه بالمجتمع. اللغة من دون كلام وكتابة لغوية مجتمعية تواصلية يصبح الانسان فيه حيوانا لا يمتلك عقلا مفكرا.

 قول العالم جومسكي ان جزءا كبيرا من اللغة هو فطرة مكتسبة لبرهانها اليقيني الثابت التي يستلمها الطفل بالولادة كاصوات لغوية وليس كلغة ذات حمولة مدلول صوتي – ومعنى جاهزا موروثا فطريا.

لاتوجد معرفة فطرية تكتسب مشروعية برهانها معها قبل ولادتها ورعايتها في حضن مجتمع. كل مكتسب لغوي يمكن البرهنة عليه لا يمثل خصائص فطرية تحمل برهان حقيقتها قبل اكتسابها برهان تحققها من المجتمع.

مقارنة الاستعداد الفطري للغة وليس وراثة اللغة مكتملة ابجدية المعنى والصوت عند الطفل بخلاف القطط والكلاب والعناكب كما اشار له جومسكي لا تمتلك لغة ولا توّرث لغة ناتج تزاوج ذكور واناث اي نوع من الكائنات بضمنها الانسان ولا لغة فطرية مستودع تخزينها الجينات الوراثية ليس سببها الحقيقي الفطرة والمكتسبة بل:

العقل الانساني للطفل واليافع ارقى انواع عقول الكائنات في الطبيعة الذكية فهو عقل مخترع ذكي يفكر يعي ويعبّر ويرغب تفسير كل شيء يصادفه بالحياة وهكذا وهو ما لا تتوفرعليه معظم الكائنات.

منشأ اللغة عند الانسان بهذا النظام الفريد الخاص بكل مجتمع او شعب من الشعوب تعود الى مصدرها انثروبولوجيا لعاملين نود الاشارة لهما قبل مناقشة اشكالية الفطرة اللغوية والمكتسبة.

العامل الاول والاخير هو تطور حنجرة الانسان ولسانه اللذان كانتا في بداياتهما الاولى عند الانسان هي تقليد اصوات الحيوانات التي وعيها الصوتي هي لغة رغبة التزاوج والتكاثر او رغبة الدفاع عن النفس من المخاطر التي تحيق بجنس متعايش نوعيا من الحيوانات.

الذكاء الانساني الطموح في وعيه الحاجات الانسانية المتعددة اهمها رغبة تحقيق اصوات ذات معان عديدة لا تقتصر على حاجة التكاثر ولا حاجة تحاشي الاخطار المستهدفة لنوع من الحيوانات. ولا حاجة العيش من اجل اشباع غريزة الاكل. بل اصوات تواصلية من اجل البقاء والنمو المتطوربصنع الحياة.

هذه الخصوصية التي يمتلكها الانسان دفعته نتيجة عوامل موضوعية ضرورة مغادرته اصوات الحيوانات وتركه تقليدها لانها لا تعبّر عن معاني حاجات انسانية لا تحتاجها تعابير لغة الحيوانات.

لذلك كان تعدد الحاجات التي تلبيها اللغة عند الانسان بخلاف الحاجة اللغوية الصوتية المحصورة بحاجة محدودة جدا لدى الحيوان وفي مراحل طويلة من الوجود الانساني اخترع الانسان الاشكال الرمزية اللغوية ليستقر في خلق نوع من الابجدية البسيطة التي يقترن بها الصوت مع دلالة المعنى منذ ما يقارب 2500 عام قبل الميلاد في اللغة المسمارية السومرية والاكدية..

وخير دليل نستشهد به هو تطور اللغة الى انواع من التعابير الجمالية مثالها خطوط الكتابة والحفر اللغوي على الجدران وعلى الرقم الطينية واراق البردي وغيرها ورموزمرسومة محفورة تمّجد ملوكها وآلهتها باشكالها المتنوعة وفي توظيفها في عصورنا الحديثة بالغناء والرقص والحركات الجسدية التعبيرية كما في المسرح الصامت والباليه واليوغا. هذا غير اعتماد اللغة توظيفها في الاجناس الادبية من شعر وقصص وروايات وفنون تشكيلية في عصورنا المتاخرة الخ.

نخلص من هذا ان لغة الانسان لغة وعي عقلي يتحسس الحاجة ويعيش ادراك الزمن بوعي متفرد لذا نجد تطور اللغة كانت عنده واضحة الطموحات حتى في توظيفها بنواحي جمالية ابرزها فن الغناء . بينما بقي وعي الحيوان لا يحتاج التفكير بامتلاك لغة متطورة تحمل خصائص حيوانية وتلبي حاجاته المستقبلية كما يفعل الانسان. اهم خواص تعتمدها اللغة انها عقلية هادفة متطور باستمرار وتحمل معان لا حصر لها وهو ما تمكن الذكاء الانساني من تحقيقه.

اللغة والعصر:

بضوء كل ما ذكرناه نعرض لفقرة وردت في احدى مقالاتي عن اللغة في مساءلة مركزية ماذا يريد العصر تحقيقه من اللغة وبها فلسفيا؟ هل لازالت اللغة سيدة حياة الانسان ام الانسان لم يعد له مايجعله محوراهتمام اللغة في جميع اشتمالاتها الاجناسية الادبية والفنية؟ وفي مناحي توفير حياة افضل.

يعبّر الفيلسوف الامريكي ليفريد سيلارز (1912 – 1989) عن الالتباس اللغوي الناتج عن أمثال مقولته: لا وجود لوعي سابق على اللغة، وأن مبتدأ ومنتهى فهمنا العالم هو تعبير لغوي، فهو يصادر العديد من الاعتراضات الواقعية المهمة التي تقفز على حقائق بيولوجيا الوعي العلمي وتجريد تعبير اللغة في البحث عن معنى الوجود في معنى اللغة،..لا وعي يسبق اللغة حسب سيلارز مقولة صائبة جدا صحيحة من حيث الصياغة في تغييب المعنى المضموني ان لا وجود للغة بلا وعي ولا وجود لوعي لا تستعوبه اللغة وسيلة افصاح ادراكي تعبيري عن معناه.

سيلارز بهذا التصور الالتباسي في عدم التفريق بين تمثلنا العالم الخارجي باللغة تجريدا، وبين أن تكون اللغة في فلسفة المعنى هي حقيقة تحصيلنا فهم العالم من حولنا، بهذه الازدواجية غير الواضحة في تعبير سيلارز يصادر حقائق مثل حقيقة الوعي واللغة كلاهما نتاج عقلي مصنوع ذهنيا ولا يمتلكان استقلالية فاعلة لها أهمية في عدم تعالقها بمنظومة العقل الادراكية، ويعتبر سيلارز اللغة والفكرالمتداخلين مرتكزي فهمنا العالم من حولنا وأنهما أداة فهمنا العالم من خلال فهمنا المعنى في اللغة، لكن لا يمكن للوعي واللغة خلق (عقل) يأتمر بوصايتهما هما عليه، الوعي واللغة هما حلقتان تجريديتان لا فيزيائيتان تحتويهما بيولوجيا نظام العقل الفيزيائي بالوصاية العقلية عليها، واذا كان الوعي واللغة كلاهما جوهران لا فيزيائيان قبل تعبيرهما عن موضعتهما الاشياء في عالم الموجودات، فهما (الوعي واللغة) يمثلان فكرا أعزلا ولا وجود حقيقي لهما خارج انتاجية العقل لهما ووصايته عليهما.

وبالنتيجة يكون الوعي هو حلقة بيولوجية في ارتباطه بمنظومة الادراك العقلي وليس تجريدا نفسيا لاعلاقة تربطه بجوهر العقل البيولوجي.وهو ما يؤكده الفيلسوف الامريكي جون سيرل. بمعنى أكثر وضوحا لا وجود لوعي خارج ارتباطه بالفكر واللغة ولا أهمية لهم ثلاثتهم جميعا يعتد الاخذ بها (الوعي، اللغة، الفكر) من غير وصاية تفكير العقل البيولوجي والخيالي عليهم وتوجيههم في تنفيذ ايعازاته في تمثلاته الاشياء ومدركاته الشيئية ومواضيعه في معرفتها وتغييرها.

لذا العالم لا يتغير باللغة المجردة ولا بالفكر المجرد ولا بالوعي المجرد غير المقيّد بتخليق العقل، بل بالعقل التفكيري الذي يلازمه الوعي والفكر واللغة كوسائل تنفيذ لمدركات العقل النظرية على الدوام في الاحتدام الفكري المتقاطع مع الواقع في تعبير العقل عن توسيله الوعي واللغة والفكر نيابة عنه الذين بواسطتهم يتطور الواقع ويتغير في مرجعية العقل لهم......

***

علي محمد اليوسف /الموصل

عبد الجبار الرفاعيحسن حنفي ‏مفكرٌ مدهش، لا يُخرِجُ القارئَ من متاهةٍ إلا ويدخله ‏في متاهات عويصة، ربما يتعذر عليه الخروجُ منها كلَّ حياته. يستطيعُ أن يكتبَ عن معتقدَين متعارضَين بلغةٍ تصالحية توحّدهما، وأحيانًا يكتبُ رأيين متضاربين عن معتقَد واحد.كتاباتُه متنوعةٌ غزيرة، الجملُ قصيرةٌ، الإيقاعُ سريعٌ، يكتبُ بلغةٍ عاطفية متوترة، بقدرةٍ فذّةٍ على إيقاد المشاعر قبل إيقاظ العقل، واستعمالِ الدين في إذكاء العواطف وتحريض الضمير، قبل توظيفه في مجاله الروحي والأخلاقي. بالرغم من أن حسن حنفي خبيرٌ متمرّس في التراث، يمتلك تكوينًا ممتازًا في أصول الفقه، واطلاعًا واسعًا في علم الكلام، ‏مضافًا إلى خبرته الجيدة في الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع الحديثة، إلا أن عقلَه لبث حتى وفاته يرى الماضي والحاضر في أفق قراءته الأيديولوجية.

القراءةُ الأيديولوجية تتلاعب بالتراث وتسقِط عليه رؤيتَها وأحلامَها الرومانسية. الأيديولوجيا تمارس حجْبًا مزدوجًا للماضي والحاضر، ترى الماضي في الخيال كما تتمنى أن تراه، ترى الحاضرَ في الأماني كما ترغب أن تراها. في الأيديولوجيا يقع التفكيرُ أسيرًا للعواطف وتتحكّم فيه المشاعرُ والانفعالات أكثر مما يتحكمٌ فيه العقل. التفكيرُ عندما يستمدُّ طاقتَه من الخيال فقط من دون أن يمحّصَه العقل، يعجزُ عن رؤية الأشياء بوضوح خارجَ مملكة الخيال الغزيرة المشحونة بالمسلّمات والأحكام والإجابات الجاهزة. الأيديولوجيا تستمدُّ قوةَ تأثيرها من الحماس والعواطف والأمنيات وليس من العقل. الحماسُ متعجّلٌ متحيّز متّقد، لا يلامس الحماسُ شيئًا إلا وأوقده. العقلُ باردٌ متمهل، يتفحّصُ الأشياءَ ويغربلُ الأفكارَ، ويدرسُ المعتقداتِ بتأمل وهدوء وروية. تستمدُّ الأيديولوجيا فاعليتَها من قوة وكثافة الشعارات وإيقاعها السريع وتكرارها المتواصل. عندما تتسيّد الأيديولوجيا يغرق الذهنُ بالشعارات والأحكام المسبقة والإجابات الجاهزة، ولا تعود للتفسيرِ العميق والتحليلِ العقلي الدقيق حاجةٌ، وقلّما نعثرُ في لغة الأيديولوجيا على أدلة علمية وحجج منطقية وبراهين عقلية.4043 الدين والثورة حسن حنفي

حسن حنفي بارعٌ في القراءةِ الأيديولوجية للدين والتراث، وتوظيفِها بتلفيقِ مقولات الفِرَق المتصارِعة، ودمجِ الماضي بالحاضر في خلطةٍ غريبة، يخرجُها لفظيًا ببيان آسر أحيانًا، يستطيع أن يحوّل مقولةً واحدةً إلى كوميديا مضحكة مرة، وتراجيديا سوداء مرة أخرى، وربما يجمعهما معًا في مشهد أخّاذ. لا يغفل القارئُ المتمهل عن التلاعب والتمويه الذي تمارسه قراءتُه الأيديولوجية. في بعض المواقف يعلن نواياه وما يعمل عليه، وإن كانت تتضمن تهافتًا عمليًا مكشوفًا يتنكر إليه الواقع، فهو يعمل في مصر كما يقول على: "‏الجمع بين شرعية ثورة يوليو، وشرعية الإخوان. بين شرعية الماضي، وشرعية الحاضر… ‏صيغةٌ توحّدُ بين صيغة الخطاب السلفي والخطاب العلماني، فكلاهما ناقص. صيغة يجعل بها الوطن وطنًا للفقير مثلما هو وطن للغني"[1].

كتبَ حسن حنفي عن تجربته في الانتماء للإخوان المسلمين، وتحدّث عن تأسيس هذه الجماعة ودرس أدبياتِها وتاريخَها. قرأتُ كلَّ ما نشره حول الجماعة، رأيتُه منحازًا لا يكفُّ عن تبجيلِها وامتداحِ رجالها والاعتذارِ لمواقفهم الخاطئة، وتوجيهِ دلالات ما تتضمنه أدبياتُها إلى غير وجهتها، وتأويلِ مقاصدها بعكس ما ترنو إليه. يسرف خيالُه في رسمِ صورٍ بديلة للأشخاص والأفكار والكتابات لهذه الجماعة، لا يرى القارئُ الذكي شيئًا من ملامح هذه الصورة في غير كلماته العاطفية.

‏مواقفُ حسن حنفي وكتاباتُه عن جماعة الإخوان المسلمين تكشف عن تواطؤٍ واضح ومراوغةٍ مكشوفة. ‏يكيل لهم المديحَ بمناسبة وغير مناسبة، ويتغافل عن التبسيط في رؤيتهم للعالَم، ووهنِ تفكيرهم السياسي، وعجزهِم النظري عن فهمِ الدولة، ومناهضتِهم للدولة الحديثة ونظمِها، ولا يقف طويلًا عند أحلامَهم باستئناف الخلافة والدولة السلطانية في تاريخنا. لا يُنكَر أن حسن حنفي متعدّدُ المواهب، متنوّعُ التكوين الأكاديمي واللغوي، ولا أظن مفكرًا موهوبًا بقامته تخفى عليه هشاشةُ أدبيات الإخوان المسلمين وسطحيةُ أفكارهم، وأوهامُهم عن الدولة والمجتمع، وعجزُهم عن اكتشاف طبقات الواقع المركب الشائك العميق. لا يحتاج القارئُ إلى الاستقراءِ الواسع والغوصِ في مؤلفات حنفي كي يرى غضَّ نظره وتواطئه المكشوف مع مواقف الإخوان السلبية من العلوم والمعارف والآداب والفنون الحديثة، وتغافلِه عن كتاباتهم التحريضية ضدّ الأدباء والمفكرين الأحرار. يتجاهل حسن حنفي الآثارَ العاصفة لأجهزتِهم المختلفة ومؤسساتِهم العديدة على حياة المجتمع المصري، وكثافةَ تأثير ما يمتلكونه من أجهزةِ تربيةٍ وتعليم وتثقيف ودعوة وإعلام ودعاية، مثل المدارس بمختلف مراحلها، وأئمة الجماعة وخطباء الجمعة من أعضاء الجماعة، والمؤسسات الدعوية، وأخطبوط الشبكات المالية في مصر وخارجها.

يمتدح حنفي هذه الجماعةَ ويشيرُ إلى ما يفتقرُ إليه المجتمعُ المصري بغيابها، قائلًا: "‏كانت جماعة الإخوان تمثل تيارًا أصيلًا في مجتمعنا. وكانت على وعي بقضايا التراث والتجديد. وكانت تأخذ مواقفَ حاسمة بالنسبة للتراث الغربي، والتبعية للآخرين، وتقليد مظاهر المدنية الغربية، والافتتان بقشور الحضارة… ‏ومنذ توقف نشاط الجماعة والافتتان بالغرب يزداد، والتقليدُ للآخرين يقوى، والتهافتُ على البضائع المستوردة، وعلى البيع والشراء بالعملات الحرّة، والجريُ وراء أنماط الاستهلاك… نشأ الشباب فلم يعرف إلا تقليد الغرب في غياب حركة أصيلة تأخذ موقفًا نقديًا منه، كما كانت تفعل جماعة الإخوان المسلمين"[2]. ويمضي في الحديث عن التأثير الهائل للجماعة في المجتمع المصري، بوصفها ناطقةً باسم "التيار الإسلامي الإصلاحي الأصيل"، وما أنجزته من مكاسب استثنائية لمصر، من أن يذكر أثر هذه المكاسب في البناء والتنمية الشاملة، ويلوم أخيرًا من يحاول أن يجهِض مسيرتَها. يلخصُ ذلك بقوله: "‏تحوّل الدين من عقيدة إلى حركة جماهيرية، وأصبح الإسلام غذاء الجماهير اليومي، ولأول مرة في عصرنا الحاضر يجند الإسلام الجماهير بهذه القوة، وهذا الاتساع… أصبح الدين لمصلحة الجماهير، وأصبح الإسلام دين الشعب، ووجد الإسلام في الشارع، فوق الحصير، وعلى المصطبة. وأصبحت الجماهير وريثة العناية الإلهية في القدرة على العمل والحركة… ‏كانت الجماعة دليلًا ومؤشرًا على أن التيار الإسلامي الإصلاحي الأصيل ما زال مستمرًا، وكانت بؤرة يلتف حولها كل مسلم يود جعل إسلامَه نظامه في الحياة. وكانت مدرسةً يتخرجُ فيها الدعاة، وكانت جريدةً يتطورُ فيها الفكرُ الإسلامي، وكانت محطًا لكلَّ زائر إسلامي. كانت معلمًا من معالم مصر، وعلامةً على طريق مستقبلها وماضيها، ومحورًا تدور حوله كل قوانا الإسلامية المبعثره كما هو الحال الآن. لقد كسبت مصر كثيرًا فلماذا تفرط في ما كسبت؟"[3]. يعلنُ حسن حنفي أسفَه على ما خسره الفكرُ الإسلامي عندما: "وقف التطور الفكري للجماعة، وهي خسارة كبيرة على مستوى الفكر الإسلامي الحديث، فقد كان الإخوان المسلمون حركة إصلاحية أصيلة، نابعة من فكرنا الإصلاحي الحديث منذ ابن تيمية، وابن القيم، ومحمد بن عبد الوهاب، والمدرسة السلفية بوجه عام… ‏وامتاز فكر الشهيد حسن البناء بالوضوح والإيجاز والتركيز، كما امتاز أسلوبه بالإقناع. ثم تطور فكر الجماعة على يد المفكر الشهيد سيد قطب، وتحول الإسلام إلى: نظرية في العدالة الاجتماعية، والسلام العالمي، والتحرر الإنساني، كما أصبح أيديولوجية شاملة تعطي تصورًا فلسفيًا للعالم، ونظرية في الفن، ومنهجًا في التفسير. ولسوء الحظ توقف هذا التطور الفكري باستشهاد مفكرنا الأخير. ومن يدري ماذا يدور في عقول مفكرة الإسلام الآن"[4].

يسكتُ حنفي عن نمط التديّن السياسي المغلق الذي صنعته الجماعة، وجعلته في صدام مع إسلام المجتمع المسالم، وأحدث انقسامًا حادًا في المجتمع والعائلة الواحدة، ووضعت الجماعةُ هذا النمطَ من التديّن في مواجهة المؤسسات الدينية التقليدية العريقة كالأزهر، ووجهت أعضاءها للانشغال بهموم الغير قبل هموم المواطن المصري، لأن "جنسية المسلم عقيدته" كما يشددُ سيد قطب، وليس وطنه. نشر حسن حنفي "الدين والثورة في مصر" في ثمانية أجزاء في ثمانينيات القرن الماضي، وكتب كثيرًا عن الموضوع بعد هذا الكتاب وقبله. لم أقرأ له بحثًا علميًا ناقدًا، يستعملُ فيه مناهجَ العلوم الإنسانية الحديثة الملمّ فيها، ويدرسُ في ضوئها الآثارَ السلبية لمنابرِ جماعة الإخوان وأدبياتِهم ومواقفِهم على التربية والتعليم والثقافة والسياسة والاقتصاد والتنمية والهوية الوطنية في مصر، وما أحدثته منابرُهم ودعايتُهم من استقطابٍ طائفي حادّ، تفجّرَ في حوادث عنف مؤسفة، إثر إثارة بعض منابرهم لإحياء أحكام أهل الذمة المنسية وأمثالها، وتصدّع مكونات المجتمع الذي توحّده المواطنةُ والانتماءُ لأرضه وهويته المصرية.

***

د. عبد الجبار الرفاعي

........................

[1] حنفي، د. حسن، الدين والثورة في مصر، ج5: ص 320، مكتبة مدبولي، القاهرة.

[2] المصدر السابق، ص 296 - 297.

[3] حنفي، د. حسن، الدين والثورة في مصر، ج6: ص 302 – 303.

[4] حنفي، حسن، الدين والثورة في مصر، ج6: ص 293 - 294، مكتبة مدبولي، القاهرة.

سامي عبد العاليمكن للفلسفة أنْ تقترب من دلالة الأم في شخصية (مريم العذراء) من أربع جهاتٍ:

1- جهة السر في كونها أمَّاً دون زوجٍ بالمعنى المتعارف عليه. وهذا السر ظل ممتداً وسارياً في جميع تفاصيل الديانة المسيحية. لأنه مَكَّن اللاهوت المسيحي تاريخياً من بلورة معاني الروح القدس والتجسد والحب والخطيئة والخلاص.

2-  جهة معاني المرأة التي احتفظت بقداسةٍ ما، وكانت ذات مكانة كبيرةٍ كأمٍّ للإله مثلما وردَ في تاريخ المسيحية. وهو ما جعلها مبحثاً لاهوتياً خاصاً بالعذراء وظهورها وسماتها وإعتبارها مرجعية لاهوتية في تاريخ الإيمان.

3- جهة مفارقة العذراء- الأم .. كيف تكون عذراءً من هي أمُّ بالضرورة أو العكس؟! وهنا كان المنفذ الروحي لحياة التبتل والنقاء والخلاص الإنساني بالمثل. لأنَّ معجزة الأم العذراء ليست تعطيلاً لقانون الطبيعة فقط، بل كذلك تعطيلاً لقوانين الثقافة وهذا هو الأخطر على المدى البعيد. وهو نوع من الأمل لدي المسيحية بأن هناك نتائج دون مقدمات ملموسة وأن الحقيقة دوما ليست كما نعرفها، لأن الإله ظل حاضراً في العذرية بدرجة كبيرة. وكان ذلك مدخلاً لفهم التصنيفات الأنثوية والذكورية بشكل فلسفي مختلف.

4-  جهة خُفوت نبرة الأبوة في السرديات الدينية مع وجود السيدة العذراء. وكأن الأديان تكسر أقنوماً ثقافياً هو الأب واسع التسلط والأسبقية. والحقيقة التاريخية تقول إن تلك الفكرة كانت لها أبعاد فلسفية، لكونها رسخت مبدأ الأنثى وأصالة أفعالها في الحياة البشرية وأتاحت للمرأة المطالبة بالحرية والمساواة والحياة الكريمة. فلئن كان الأنبياء السابقين ذكوراً، فإن السيد المسيح يدين بالفضل لأمه العذراء. وهذا تحول خطير في (جهاز إدراك البشرية من ثقافة سائدة إلى معان أخرى، عليهم أن يفكروا فيها.

ورغم أنَّ الفلسفة لا تجتمع والقداسة في وعاءٍ واحد، إلاَّ أنَّ وضعية المرأة الدالة في السيدة مريم العذراء كانت محلاً لإستفهام جدلي. استفهام من قبيل: كيف كانت المرأة منتجة لسر مقدس من قوة فوق طبيعية (الله)؟ أليس ذلك بعداً إنسانياً آخر لوجود المرأة من الحياة والعالم والإله ؟ لماذا كانت العذراء علامة فارقةً في تراث الأبوة؟!

إذْ لم تظهر فكرةٌ بوضوحٍ مثلما ظهرت فكرة الأبوة خلال تاريخ البشر، فهي متعلقة بالسلطة والقوة وصورة العالم والحقيقة والزمن والإله. فلقد تمَّ تصوير كل تلك المفردات الأساسية على هيئة ذكورية خالصةٍ، وتم رسمها كأنها نابعة من ذلك النسغ الثقافي البعيد. تقريباً لا يوجد نمط من أنماط السلطة لم يمر بالأبوة سلباً أو إيجاباً، لدرجة أنه لم يظهر معنى إجتماعي دون أن يعيد انتاج نفسه من خلالها. الأبوة هي الشكل الذي أخذته المجتمعات لكافة الأعمال والأفكار في المجال العام. هل حين جعل الله مريم العذراء (أماً وأباً معاً) كان يقصد هذا التعارض إزاء الأبوة؟ فلم يكن الآباء ليعلموا أنهم (مجهولو النسب) فجأة، بمجرد إبطال مسارهم كونياً من قبل سلطة أعلى هي (الله).

دعَكَ من الرسالة النبوية التي حملها ابن السيدة العذراء، لأنَّ إعجازها وقوتها في سياق الإنسانية عملية خاصة بالإيمان من عدمه. وهذا أمر سهل بالنسبة لمن يؤمن ولمن يكفر على السواء. فالمؤمن بالمسيحية سيقبل ألوهية السيد المسيح بطريقة من الطرق، وغير المؤمن بها سيرفض ذلك بالطبع، كل منهما وفقاً لمذهبه سواء أكان أرثوذوكسياً أم كاثولوكياً أم بروتيستانياً. وستنتهي القضية عند هذا الحد الذي لن يؤثر في تراث الثقافة الأبوية.

غير أنَّ السيد المسيح ابن مريم يمثل مفاجأة ما بعدها مفاجأة داخل هذا التراث الإنساني. بل يمثل كذلك شيئاً غير تقليدي داخل فكرة المجتمع والأسرة والزواج والقرابة والعلاقة بالآخر والقبيلة والعائلة. وبالتبعية سيمثل السيد المسيح خطوة غير مسبوقة في معاني الصراع والاختلاف والكراهية والحروب وحتى التسامح والإخاء والمحبة. إنه السر الكوني الخطير الذي يبطل مفعول المعاني السابقة التي تشّغّل مفاعيل البشرية في كافة الإتجاهات. ولذلك إذا انتقلت قضية العذراء إلى مجال الثقافة لا الدين كانت كفيلة بإظهار طرائف ولطائف الأفكار الفلسفية.

هل كانت المسيحية تقصد بألقاب (البابا) التي تطلق على كبار رجال الدين (تعويضاً ثقافياً ما)، نتيجة مولد السيد المسيح دون أب؟ هل يمكننا القول بأن أحد الأقانيم الثلاثة (الآب والابن والروح) القدس هو إلتفاف لاهوتي بشري على حقيقة المرأة العذراء التي انجبت الإله؟

جاء في الكتاب المقدس" هُوَ ذَا العذراء تحبل وتلد ابناً، ويدعون اسمه عمانوئيل" (انجيل متى 1- 23). ولنلاحظ أن التعبير عن الأنثى بصيغة المذكر في الضمير (هُوَ ذَا) قبل كلمة العذراء، وبخاصة أن فكرة الحَبّل ضد مبنى الضمير الذكوري (هو) وضد دلالته في الحياة البشرية عادةً. غير أن اللغة تكسر هذا المعنى لتكون الأم قائمةً بدور مزدوج: الإنجاب بعد الحبل والمخاض والولادة تباعاً وفي الوقت نفسه سينسب إليها الإبن. ولم يكن هناك سبب مباشر ومعروف لذلك،  فضلاً عن هذا، سيكون المولود ذكراً كامل البناء والهيئة بالنسبة إلى ثقافةٍ لا ترى في الأنثي أي شيء يقارن بالرجل إطلاقاً.

والأسم عمانوئيل (إيمانويل كما هو متداول Imanu'el) معناه(الله معنا)، فكان الاسم مناداة واستحضاراً لمجهول القضية الأنثوية في حالة مريم العذراء. وعمانوئيل اسم عبري עִמָּנוּאֵל ظهر أولاً في سفر أشعياء بتلك الصيغة للفقرة السابقة: "فَإِنَّ الرَّبَّ بَيْنَهُ يُعْطِيكَ آيَاتًا. هُوَ ذَا الْعَذِرَةُ تَحْمِلُ وَيَحْمِلُ ابْنًا، وَيُدْعُونَ عَلَى إِيمَانُئِيلَ (اشعيا 7: 14). وبالتدقيق الأكثر سنجد أن ضمير الذكورة (هو) يواصل تباعاً الحضور في(يحمل ابنا) مع دلالة المرأة العذراء. وعمانوئيل(أو إيمانوئيل) تعبر عن معية الإله - الرب فيما يكون عليه الإبن، مخاطباً من يسمع: إياك أن تظن أن العذراء ستكون بمفردها، بل هي جاءت في معية مقدسة أخرى. وهو دفاع عما يمكن أن تطلقه سلطة الأبوة من ردود وآليات جاهزة في تلك الثقافة الشائعة ضد العذراء.

واسم عمانوئيل يحمل دلالة على أنَّ الإله سيتجسد– كما يقال في المسيحية- من خلال المولود الإبن، وسيكون مع الأم في كل حياتها وسيصاحب شعبها إلى الأبد ساعياً إلى خلاصه من الخطايا.  "الآن مسكن الله مع الناس، وسيعيش معهم. هم سيكونون شعبه، والله نفسه سيكون معهم ويكون إلههم"(متى 3: 21). إذ كان الإسم واعياً بقوة الثقافة الذكورية التي تحتاج إلى كسر قانونها الأول، وهو الأب البيولوجي الذي يغذي سلطة الأب الرمزي الذي سيشكل الشرائع والقوانين والأخلاقيات.

ووردَ في سفر أشعياء بوضوح:" لأنه يولد لنا ولد، ونعطي ابنا وتكون الرياسة على كتفه، ويدعى اسمه عجيباً مشيراً إلهاً قديراً، أباً، فهو وحده الذي يحق أن يقال عنه (أشعياء 9:6). هكذا تندرج الولادة بالتملك الذكوري على لسان المتحدث في الفقرة المذكورة من سفر أشعياء. وليس المستهدف هو الولادة تحديداً، لكن المهم أن تأتي الرياسة على كتفه الذي هو كتفنا نحن بصيغة الجمع بالتبعية. وهذا مؤداه تركز السلطة إستناداً إلى حيازة الألوهية في صالحهم. وكل ذلك كذلك مع أنَّ خروج الإبن الإله - كما تقول الفكرة (إلهاً قديراً) - من أنثى يناقض دلالة ما ينتظره من تأويل سلطوي. فإذا كان المسيح قد خرج من مريم العذراء، فالقائل بصيغة الجمع سيحصد به الرياسة في قومه وستكون لهم الغلبة على الأغيار.

على الرغم من أنَّ الكتاب المقدس يؤكدُ على المرجعية الأنثوية المتمثلة في مريم العذراء" أمه تدعَى مريم" (انجيل متى13:55)، ويردد أيضاً " عذراء مخطوبة لرجل من بيت داود اسمه يوسف، واسم العذراء مريم" (انجيل لوقا 1: 27 (، إلاَّ أن طرف الذكورة يراقب تلك الأقوال عن كثب، كأنه هو المعني قصداً بالكلام أو هو المرسل إليه الخطاب. إذن كانت سردية الأم العذراء تجري داخل متن الثقافة الذكورية، ولذلك كانت المسيحية في طبيعتها أنثوية فلسفياً، ولم تكن لتجانب التأمل الأنثوي في الحياة من تلك الجهة. كيف لا وقد شكلت طبيعة السيدة العذراء أغلب تصوراتها اللاهوتية والاجتماعية حتى الآن؟

ويعبر القرآن عن سر السيد المسيح واصفاً بعض التفاصيل:" فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا"(مريم/24 (. وبخلاف ما يقال– في بعض التفسيرات- من أن المنادي للسيدة العذراء هو جبريل وأنَّ السري (سريّاً) هو النهر الصغير، إلاَّ أن جانب المعنى الأكبر والخارق للعادة واضح تماماً. لأن السر- سر الأم العذراء وابنها الوليد- هو من يخاطب نفسه كموقف وجودي. فالآية تقول إن الكون كله لا يكفي لتفسير ما يحدث، وهو كذلك بالفعل مقارنة بالماضي. لأن ما يحدث من حال الأم العذراء ليس من جنس ما قد حدث بالفعل من أمور مشابهة. إذن فليكن أمر ولادة إبن دون أب سراً معقوداً مع الله. وهذا يدل على أهمية وضع (الأم العذراء وابنها) بين قوسين في كل عصور الحياة البشرية. وبخاصة أن الحزن المشار إليه في الآية كان بلغة المجتمعات الأبوية. فلو لم تكن مريم تفكر بطريقة الآباء أو الثقافة الجارية، ما كان لينطق الإبن كاسراً نواميس الطبيعة.

وبخاصة أن السيدة العذراء كانت تعاني من تلك الثقافة الذكورية، جاء على لسان أمها: " فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ" (آل عمران36). وفكرة الأم هنا ثنائية الطرح هي الأخرى، لأن الأم الاعتيادية تقول لله إن المولودة جاءت أنثى، ثم تشير إلى معيار القبول أو الرفض للمولودة لدى أم أخرى وهي الثقافة إذ ليس الذكر كالأنثى.

وعندما ولدت مريم الأم (لا مريم المقدسة) ابنها السيد المسيح، كانت تعرف مكانتها ثقافياً عبر هذا الإطار لا خارجه، " فأتت به قومها تحمله، قالوا يا مريم لقد جئت شيئاً فرياً"(مريم/ 27). والشيء الفري كان هو الولادة غير الطبيعية مقارنة بما يجري مع سنن الطبيعة والمجتمع. واتضح أنَّ القضية الفلسفية الأولى هو أهمية التفكير بشكل مختلف في تلك المعطيات. لأن الأبوة تضع عناوين من عندياتها لما يحدث من أشياء غير معتادة مثل ولادة طفل من أنثى دون ذكر. وهذا يثبت أن ما يفعله الرهبان ورجال الدين من تقنين معاني الأبوة الدينية (البابوات) كانت إحدى القضايا الفلسفية التي تستهدفها واقعة السيدة العذراء حين ولدت ابناً دون زوج.

وردَ في القرآن بصريح العبارة: " وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ" (المائدة/ 116).

والموازة في الآية لا يخطئها العقل بين الأبن والتأليه على خلفية غياب الأب، من حيث أنَّ الله يشير إلى أنه عندما جاء المسيح كولدٍ دون أب، فالذاكرة الثقافية تقول بتأليه الإبن مباشرة عوضاً عن الأب. وهذا فحواة أنَّ هناك تصور (الأب – الإله) الذي يأخذ أشكالاً بديلة طالما أنَّ الإبن ليس مولوداً بسبب بيولوجي واضح. بعبارة جلية أنَّ الأب هو الإله في الثقافات الإنسانية المختلفة. ولذلك حينما غاب الأب في حالة السيدة العذراء، كان الأب الغائب هو الإله على أنقاض تصوراته الشائعة التي تربط كل أب بسياق ما. ولكن في المسيحية زيادةً عن هذا تمَّ قلب الصورة إلى باطنها المعمول به ثقافياً من زاوية تأليه الابن في حالة المسيح.

أمَّا في الاسلام  فقد جاء إقرار الله تجاه بشرية السيد المسيح ليعطي رسم الصورة إلى قوة إلهية عليا. وهذا يرتبط بمفهوم الإسلام اجمالاً من جهة كونه تسليماً لما يصرّفه الله في نواميس الطبيعة وقوانينها، سواء أكان المولود له أب أم بلا أب. فلو جاء السيد المسيح بلا أب، فليكن كذلك في الاسلام مع التسليم بالفكرة والجكمة من ورائها، لأنها تحولت إلى اعتقاد يخص الإيمان والإقرار الديني.

ولكي يقطع القرآن الطريق على خط العودة، يقول:" اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ  سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ" (التوبة/ 31).  والحقيقة هنا أن عدم وجود الأب خلق جوانب تعويضية، أي بحث رجال الدين عن آباء آخرين للشعوب التي تدين بالمسيحية. إنهم رجال الدين أنفسم الذين أخذوا يصنعون آباء دون الاهتمام بأصل المسألة. وكأن (الأم العذراء) لم تجد تفسيراً مناسباً في الآفاق العامة للناس، فما كان منهم إلاَّ أن وضعوا خريطة لاهوتية أخرى. هي شجرة أنساب بين اللاهوت والناسوت قد تكمل الصورة على صعيد السرديات البشرية لتلك المرجعيات والمعتقدات حول الأم العذراء، لكنها في كل الأحول تكشف معاني فلسفية لطيفة تخص علاقة الإله والإنسان على صعيد تراث الأبوة. والفلسفة في هذا الجانب لابد أنْ تستخرج وتضيئ الخلفيات العقلية والفكرية للنصوص اللاهوتية. وكيف تُستقبل من جانب الناس على تلك المساحة الزمنية الشاسعة من عمر البشرية في الأديان الإبراهيمية.

***

سامي عبد العال

قاسم المحبشيبدعوة كريمة من الدكتور أحمد عبدالسلام مدير المعهد الالماني للأبحاث الشرقية في القاهرة OIB وبتحفيز من الصديق العزيز الدكتور حسام الدين درويش أستاذ الدراسات الإنسانية للبحوث المتقدمة في جامعة لايبزيغ، ومحاضر في قسم الدراسات الشرقية، في كلية الفلسفة، في جامعة كولونيا، في ألمانيا. حضرت اليوم ورشة لاهوت التعايش التي نظمها المعهد الالماني للدراسات الشرقية في مبنى الهيئة الالمانية للتبادل العلمي بالزمالك. استمعت إلى عدد من المدخلات المهمة منها؛ لاهوت التعايش للدكتور محمود عبدالله والدكتور ابو الوفاء محمود عن رؤية عصرية لتربية إسلامية من أجل السلام. والدكتور محمد ثروت عن مبادرات التعايش الديني في إندونيسيا. والدكتورة سوسن الشريف عن مقاربة لسان القرآن لفهم صورة الآخر في السياق الإسلامي والدكتور سامح إسماعيل عن فقه التعايش في ضوء التحول الرقمي. والدكتور حسام عوض عن التوريث بين المسلم وغير المسلم والدكتور صبحي مصطفى، عن تجليات الحقيقة كطريق نحو التعايش المشترك والدكتورة سارة الشريف عن الأديان وبناء السلام؛ من التسامح إلى التطرف وبناء السلام في إفريقيا والشرق الأوسط. تلك هي المداخلات التي تمكنت من سماعها وما أثارته من حوارات فكرية مهمة ومفيدة ومثيرة. وقد كنت حريصا على سماع مداخلة الدكتور حسام الدين درويش عن تعددية الأديان ومكانتها في العالم المعاصر بين الرغبة في التعايش أو الإيلاف وصعوبة تقبُّل التباين والاختلاف. ولكن لم يسعفني الوقت بسبب زحمة المواصلات. أتمنى أن أحصل على نسخة منها ومن المداخلات التي لم أتمكن من الاستماع اليها. كانت ورشة رائعة صادفت هوى في نفسي إذ أن سؤال التعايش بات سؤالًا ملحا في عالم أضحى بفضل ثورة المعلومات والاتصال شديد التقارب والتداخل والتفاعل بعد انكماش الزمان والمكان وصيرورة العالم قرية كونية صغيرة يتشارك سكانها كل حوادثها واحداثه واخبارها وخيراتها وشرورها إذ يمكن للناس أن يتبادوا تحية الصباح كل يوم من طرف الأرض إلى طرفها بل يمكنهم أن يتحاوروا ويتخاصموا ويتقاتلوا في أي لحظة كما يحدث في القرية الصغيرة في أقصى الريف فالعولمة إذن  هي العالم وقد أصبح قرية صغيرة يعرف أهلها عنها كلَّ شاردة وواردة ، كل صغيرة وكبيرة. وكلما زاد ارتباط الناس ببعضهم البعض كلما زادت حاجتهم لقيم التسامح والتعايش والحوار إذ إن خطاب التسامح والتقبل والحوار تستدعيه الحاجة والرغبة المشتركة للبحث في أفضل السبل الممكنة والآمنة للعيش والتعايش الاجتماعي السياسي المشترك لجميع الناس في بيئة اجتماعية وسياسية وثقافية واقتصادية وأخلاقية ونفسية عالمية منظمة ومستقرة وأمنة. ولسنا بحاجة إلى التذكير بمدى احتياج مجتمعاتنا العربية الإسلامية إلى قيم التعايش والتسامح والقبول والتقبل المتبادل  لاسيما بعد أن شهدت تاريخ طويل من النزاعات الدموية والحروب الكارثة.وعلى مدى السنوات الماضية استقطبت ظاهرة التقارب والاحتكاك والتصادم بين الشعوب والحضارات والثقافات والافراد، وما صاحبها من شيوع وانتشار لقيم العنف والتعصب والإرهاب على الصعيد العالمي اهتمام عدد واسع من الدارسين والكتاب والهيئات وأخذت الدوائر الأكاديمية والثقافية تعقد المؤتمرات والندوات والنقاشات في كل البلدان، بشأن قضايا العولمة وحوار الحضارات والثقافات والاديان والتحديات التي تواجه الإسلام والشعوب الإسلام في ظل التحولات العالمية الراهنة والمستقبلية وسبل موجهتها. إذ افرزت العولمة وتحولاتها الراهنة أنماطا جديدة من الظواهر والمشكلات الإنسانية والاجتماعية، وسرعة تحولها إلى مشكلات عالمية، كمشكلة سباق التسلح والحروب والأمن والسلام الدوليين، ومشكلات البيئة العالمية والأوزون، ومشكلات التجارة العالمية والأزمات الاقتصادية وصدام الحضارات والاديان والتطرف والإرهاب، ومشاكل المال والأعمال العابرة للقارات. ومشكلات الإعلام الجديد والشبكات الاجتماعية ومشاكل الفقر والصحة والمرض، ومشاكل الهويات والتعددية الثقافية، والأقليات والتمييز والتعصب والاستبعاد الاجتماعي، والهجرة غير الشرعية والاندماج، والمخدرات والبطالة والفقر والحركات الاجتماعية، والمرأة والطفل والشباب، وكل ما يتصل بحقوق الإنسان، ومشاكل السياسة والنظم السياسية والعدالة والحرية والديمقراطية والمجتمع المدني. والمشكلات الأخلاقية للعلم؛ كالاستنساخ، وزراعة الأعضاء، ومنع الحمل، ومشاكل الفضاء السيبرنيتي والأقمار الاصطناعية والوسائط الإعلامية والتواصلية ومشاكل التربية والتعليم والجودة والاعتماد الأكاديمي وأخرها فيروس كورونا كوفيد ١٩ إذ لم يحدث في التاريخ الاجتماعي للإنسان  منذ حواء و آدم وأنت طالع أن توحد العالم كله كما وحده فيروس كورونا. كل تلك المتغيرات والتحولات التي طالت كل مناحي الحياة الإنسانية والاجتماعية للعالم الراهن لا ريب وإنها قد أثرت على الشعوب والدول والثقافة الإسلامية ومن ثم فمن المهم على الفاعلين العالمين والمسلمين التصدي لها بإيجابية ووضعها موضع اهتماماتهم البحثية. والسؤال هو كيف يمكن الشعوب والدول والثقافات والاديان أن تتعايش في عالم شديد التقارب والتفاعل والاحتكاك؟ إن حاجة الشعوب العربية الإسلامية إلى التعايش والسلام اليوم كحاجتنا إلى الهواء والنوم، فليس بمقدور الإنسان أن يعيش زمناً طويلاً في قلق وتوتر مستفز في كنف الخوف والرعب والفزع في ظل غياب شبه تام لشبكات الحماية والأمن والأمان والعدل والحرية. بيد أن السلام كشرط ضروري لاستمرار حياة أي جماعة إنسانية مزقتها الحروب والخصومات لا يتم من تلقاء ذاته، بل يحتاج إلى جهود جبارة من العمل المثابر والإصرار العنيد على ترسيخ قيم التسامح والتصالح والتضامن والثقافة السلمية وادواتها في حل النزعات والمشكلات كما اشار خبير السلام الدولي، جين شارب في كتابه (البدائل الحقيقية). فالتسامح هو الفضيلة التي تيسر قيام التعايش الاجتماعي والسلم والسلام بين الناس ويسهم في إحلال ثقافة النضال السلمي، ثقافة اللاعنف محل ثقافة الحرب والعنف والقتل والتدمير والدمار بل يمكن القول ان فضيلة التسامح هي الحد الأدنى من إمكانية العيش والتعايش المشترك في مجمع سياسي مدني مستقر قابل للنماء والتقدم والازدهار. وتهدف محاولتنا هذه إلى التوقف عند التسامح مصطلحا وفضيلة اخلاقية وقيمة ثقافية، ودلالاته ألمختلفة وسياقاته الممكنة بعده ركيزة اساسية للنضال السلمي والعدالة الانتقالية اذ يصعب الحديث عن اساليب المقاومة اللاعنفية بدون التسامح والتصالح والتضامن والحوار كشرط ضروري لحل المشكلات بالأساليب التفاوضية اللاعنفية.

وهكذا يمكن القول أن ورشة لاهوت التعايش ليست ترفا فكريا بل جاءت استجابة واعية نابعا من خضم تحديات اللحظة الراهنة التي تستدعي التفكير الجاد والمسئول في كيفية تعايش الأفراد والمجتمعات والدول والحضارات بما لديها من ثقافات ومعتقدات متعددة في حضارة إنسانية متصالحة ومتعايشة. جاء في حوار مطول مع المفكر الفرنسي روجيه دوبريه

وإلى غاية القرن الثامن عشرة كانت حضارتنا تعيش على الماضي،والاقتداء بالمسيح، والقديسين والأبطال بينما يعيش حاضرنا على وقع اللا-متوقع، أي بلا شيء سواء في الخلف أم الأمام فقط التجريب. أستشعر، ثنائية قطبية :من جهة هستيريا ورجفات من الغضب، ومن جهة ثانية الكآبة واللامبالاة  يرتفع توتر المكتئب يوميا مع عشرات الومضات،لذلك سيكون أمام المحللين النفسانيين، عملا جبارا للقيام به. وفي جوابه عن سؤال؛ ألا تشكل العولمة، سلطة أمل جديدة؟ أجاب قائلا: لا أتبين الأمر بوضوح. تنتقل البضائع جيدا، يحيا القماش والحاوية، وتتقارب بامتياز في نفس الوقت الثقافات والديانات فيتماس بعضها ببعض، مما يخلق الاهتياج ويحدث الالتهاب في المفاصل . تفاعلات شديدة الحساسية،بالتالي انثناءات ورعب هوياتي هنا وهناك " وإذا كان دوبريه يحكي عن الحضارة الغربية فكيف سيكون الحال بالنسبة لنا في العالم العربي الإسلامي الذي شهد انبعاث هذه الموجة الكاسحة للحروب الطائفية حروب دينية طائفية عشائرية جهوية سياسية مستعرة في كل مكان من بلاد العرب والإسلام (شيعية، سنيه مسيحية، عربية كردية، في العراق وسوريا. ومسيحية، شيعية، سنية، درزية، في لبنان. وزيديه، حوثية، اثنا عشرية، سنية، سلفية، عشائرية، جهوية في اليمن، ولغوية أثنية عربية، أمازيغية، بربرية إسلامية إسلامية في الجزائر، ومسيحية إسلامية، جهوية في السودان، وعشائرية طائفية مناطقية في ليبيا. الخ) يحتدم كل هذا في فضاء ثقافي نفسي مشحون بعنف مادي ورمزي، وهستيريا عصابية جماعية عدائية شديدة التحريض والانفجار (روافض، نواصب خوارج، مجوسية، صفوية، قاعدة، أنصار الشريعة، شيعية، حزب الله، أنصار الله، داعش والنصرة.. إلخ). فضلاً عن العمليات الإرهابية التي يقوم بها بعض من يدعون الإسلام في بلدان العالم المختلفة في الولايات المتحدة الأمريكية وفي الدول الاوربية وفي كل مكان من جهات العالم الأربع والسؤال الملح هنا ولآن هو ما الذي جعل هذا التنوع الديني الهوياتي في المجتمعات العربية الإسلامية يتحول إلى شر مستطير، بينما هو في مجتمعات كثيرة أخرى مصدر قوة ودليل صحة وعافية كما هو الحال في الهند والصين وروسيا وأمريكا وأثيوبيا وغيرها من الدول التي تضم طيفا واسعا من الهويات (ديانات، أقليات، أعراق، أثنيات، لغات، طوائف، ملل، نحل، ومذاهب وما لا يعد ولا يحصى من الجماعات الثقافية المتنوعة) هذا هو السؤال الملح الذي يجب على المشتغلين في العلوم الاجتماعية والإنسانية التصدي له، وفي سياق ذلك تأتي الحاجة إلى البحث في سبُل وممكنات التصالح والتسامح بين المسلمين بعضهم مع بعض وبينهم وبين الآخرين من شعوب العالم. إذ ان التصالح مع الذات هو شرط سابق للتصالح مع العالم، وبدلا من ان يتحول الإسلام إلى فوبيا عالمية كما يريد له اعداءه لابد من العمل على تعزيز قيم التسامح والتقبل والاعتراف والاختلاف بين الأفراد والجماعات والمجتمعات العربية الإسلامية وغير الإسلامية. اذ يستحيل ان يتعايش مجموعة من الناس في مكان وزمان متعين وهم في حالة تنافر وتنازع وصراع مستمر، هذا معناه ان التعايش ليس هبة او مكرمة او أمر عابر قابل للمساومة والتوافقات والرغبات، بل هو أول شروط الحياة الاجتماعية الممكنة في حدها الأدنى.

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

علي رسول الربيعيلماذا يجب أن تكون هناك أخلاق؟

إن السؤال الأخلاقي الابتدائي الذي يُطرح دائما حيث يواجهه كل انسان في بعض الأحيان هو:  "لماذا يجب أن أكون أخلاقيًا؟". يتضمن هذا السؤال الأكبر سؤالين منفصلين: "لماذا يجب أن تكون هناك أخلاق؟ وما هو معنى الأخلاق؟" أو "ما سبب وجود نظام أخلاقي ؟" يفترض السؤال الرئيس الثاني إجابة مرضية عن الأول. فهل "هناك  مبرر عقلاني للأخلاق، ولماذا يجب أن أكون أخلاقيًا؟"

يتطلب التمييز بين هذين السؤالين، تسهل الإجابة عن الأول بينما لا توجد إجابة مؤكدة عن الثاني. يعتقد بعض الأفراد، على سبيل المثال، أن الإجابة المرضية عن السؤال الأول تتضمن إجابة مرضية عن الثاني. بمجرد تقديم تبرير عقلاني عام للأخلاق لا توجد مشكلة في تبرير الطاعة الأخلاقية من جانب الفرد الأخلاقي، من وجهة نظرهم. تتضمن الإجابة السلبية عن السؤال الثاني إجابة سلبية عن الأول بالنسبة لآخرين. إذا كان لا يمكن أن يظهر للفرد سبب وجوب أن يكون أخلاقيًا، فستكون الأخلاق هي نفسها بدون مبرر. والنتيجة هي العدمية أو النسبية المطلقة.

سنتناول في هذا القسم من الدراسة أول سؤال من هذين السؤالين. ما نسعى إليه هو تبرير عقلاني مقبول لنظام الأخلاق وممارستها. فلا نسعى إلى تفسير الأخلاق، أي تفسير سبب ظهورها أو سبب كونها ظاهرة إنسانية شائعة. لكن نريد أن نعرف- لرضا أي شخص عقلاني- ما إذا كان يجب أن توجد، ولماذا، يجب أن توجد الأخلاق. توضيح المصطلحات له الأولوية في الترتيب من أجل الإجابة عن السؤال. نحتاج، بادئ ذي بدء، إلى فهم المصطلحين "العقل" و"العقلاني" في استعمالاتهما المتنوعة، حيث يشكل هذان المصطلحان مقياس النظام أو الممارسات التي سننظر فيها. يمكن تحديد معنيين أو استخدامات مختلفة لهذه المصطلحات. الأول هو الاستخدام المنطقي كمقياس للأحكام والأفعال والأشخاص. وهذا بدوره يتضمن المعيارين الفرعيين وهما متطلبات السبب الكافي وعدم التناقض.[1] لكي يكون الحكم عقلانيًا بهذا المعنى المنطقي من الضروري أن ينطلق من أسباب كافية أو من اسس التبرير التي يحتمل أن تكون  مقبولة  لجميع الأفراد أوعلى الأقل ذو الذكاء أو القدرة العقلية العادية. ويتم تطبيق هذين المعيارين، مع مراعاة ما يقتضيه اختلاف الحال، على الأفعال الفردية أو على سلوك الأفراد.

قد تبدو الإشارة هنا إلى اجتماع جميع الأفراد ذوي القدرات الفكرية أو الذكاء الطبيعي غريبة، لكننا لا نفكر عندما نستعمل مصطلح "العقل" و"العقلانية" في مجتمع محدد أو هيئة إجتماعية معينة عمومًا. إذا اعتبرنا أن الأحكام المتعلقة بالعقلانية تستند بالضرورة إلى موافقة مجتمع من العقول، أعتقد أننا لن نتفاجأ من هذا المرجع في استعمالنا للمصطلحات. ثم لايشير المرجع هنا إلى مجتمع معين أو نزوة حكم الأغلبية، ولكن إلى الموافقة بالإجماع من قبل أولئك الذين لديهم الذكاء أو القدرة الفكرية العادية على الأقل. أعتقد أن المعنى البدهي  الحدسي لهذا المعيار المرجعي واضح بما فيه الكفاية، أو على الأقل واضح كما في استعمالنا الفعلي له في الحكم.[2]

هناك استعمال ثاني لمصطلحي "العقل" و"العقلانية" أصبحا شائعين في العلوم الاجتماعية بالإضافة إلى الأهمية المنطقية. يكون الحكم أو الفعل منطقيًا  أو عقلانيا ( بالمعنى نفسه) إذا كان ينطوي على اختيار وسائل فعالة لغايات معينة أو إذا كان يؤدي إلى تعظيم سلسلة مرغوبة من الاشباع أو الرضا.[3] يكون العقل  شكلي بحت في نشاطه وفقًا لهذا الفهم. فلا يحدد الرغبات التي تتطلب إشباعها أو الأرضاء الذي يسعى إليه، ولكن يختار على أساس نمط معين من الرغبات أو الإشباع أفضل الوسائل لمتابعتها أو السعي لتحقيقها. ليس حياد العقل فيما يتعلق بالرغبات مطلقًا. فعندما تتعارض سلسلة معينة من الرضا مع أخرى، يمكن استخدام العقل كعملية اختيار أمثل أو كتعظيم نمط من الغايات التي من المرجح أن  ترضي الفرد المختار. ولكن يرجح العقل حتى في مثل هذه الحالات الرغبات على أساس الأهمية الفعلية أو المفترضة لها بالنسبة للفرد المختار.[4] يسمح العقل، في النهاية، بالسعي وراء أي إشباع طالما أنه ينطوي على إمكانية تعظيم إجمالي الرضا الذي يتمتع به الفرد. يضع هيوم تصورًا للعقل بوصفه "عبدًا للعواطف"[5] وذلك لأن يأتي عمل قواعد العقل لتحسين الرضا أو الأشباع، وبهذا  يقترب هيوم من التعبير عن الجانب الأساس لهذا المعنى للعقل الذي اشرنا اليه. ونلاحظ، أن هذا المفهوم للعقل يتضمن  إحالة أومرجعًا موضوعيًا أيضًا، أي اللجوء الى حكم إجماع المجتمع بأكمله فثيما يتعلق بأختيارات الأفراد. فلكي يكون الحكم أو الفعل عقلانيًا، يتطلب أن يكون على النحو الذي يمكن أن يُنظر إليه على أنه تحقيق أقصى قدر من الرضا ليس من قبل أي فرد، ولكن من قبل جميع الأفراد من ذوي الذكاء العادي اوالقدرة الفكرية العادية على الأقل. فيبدو أن اجماع الحكم هذا مركزيًا للعقل بكل معانيه.

إن السؤال الصعب هو ما إذا كان أحد هذين المعنيين المهمين للعقل أساسي أكثر من الآخر. يمكن أن يرتبط هذان المعنيان ببعضهما البعض بطرق مختلفة. وبالتالي، فإن إرضاء رغبة الفرد هو بحد ذاته سبب كافٍ للتصرف والسعي وراء اشباع أو رضا يفترض مسبقًا مبدأ عدم التناقض. ويمكن أيضًا تقديم حجة قوية مفادها أن هذين المبدأين المنطقيين يتبعان وظيفة العقل العملي وتعظيم ذات المنحى العملي. (يبدو واضحا أذن أن الفاعل الذي أصدر أحكامًا متناقضة أو الذي تصرف دون سبب كافٍ لا يمكنه السعي لتحقيق الرضا بشكل متماسك). أيً من المعنيين لهما أكثر جوهرية، سأعامل هذين الأمرين من الآن فصاعدًا على أنهما تعابير متساوية وقابلة للتبادل لما نعنيه بالعقل والعقلانية. عندما أقول إن الحكم أو الاختيارعقلاني  فأنا أعني أنه يتوافق مع مبادئ عدم التناقض والسبب الكافي ويؤدي إلى تعظيم رغبات الأفراد. وعلى كل حال، ساضع في أعتباري اجماع الافراد ذو الذكاء العادي كحكام لتطبيق هذه المعايير. وبالتالي، لا ينبغي للقارئ أن يشعر بالحيرة عندما أستعمل عبارات مثل "يتطلب العقل" أو "يستدعي العقل". أشير فقط إلى الأحكام أو الاختيارات التي يتخذها مجتمع من الافراد ذوي الذكاء العادي باستعمال هذه المعايير وعلى أساس أي أحكام أو اختيارات كان من المفترض أن يتخذوها بالفعل.

يتخذ السؤال ما إذا كان من العقلاني أن تكون هناك أخلاق شكلاً جديدًا، على هذه الخلفية. فيمكن أن يعني، هل هناك سبب كاف لوجود الأخلاق؟ أو هل يميل نظام الأخلاق إلى الحد الأقصى لإشباع رغبات هؤلاء الأفراد القادرين على الاستفادة منه؟ على كل حال، اذا أتخذ أيً من هذين الشكلين فإن الإجابة عن السؤال "هل الأخلاق عقلانية؟" يعتمد على ما نعنيه بالأخلاق. ربما توجد طرق عديدة يمكن فهم هذا المصطلح من خلالها. لكن لإبقاء الأمور بسيطة قدر الإمكان هنا، أقترح أن نفكر في الأخلاق على أنها تنطوي على قواعد السلوك العادية المعترف بها عمومًا بوصفها أخلاقية. أعني بذلك القواعد التي تحظر قتل البشر أو إلحاق الأذى الجسدي بهم، والقاعدة التي تتطلب الالتزام بكلمة المرء بمجرد إعطائها، وعدم الخداع والأمانة، والحكم العادل في علاقات المرء مع الآخرين. سأعتبر،الى جانب هذا، كجزء من الأخلاق، الاعتراف بأنه مسموح أو حتى مطلوب معاقبة أولئك الذين ينتهكون هذه القواعد. يمكن أن تتراوح هذه العقوبات من مجرد تعبير عن الازدراء إلى عقوبات قانونية صارمة. مهما كانت العقوبة المناسبة في حالات معينة، فأني أعتبرها جزءًا من إحساسنا بالصواب والخطأ، ويستحق انتهاكات هذه القواعد الأخلاقية نوعًا من الرد الرافض.

يبدو واضحًا الآن، لن يكون الوجود البشري بدون هذه القواعد سائغا. وحتى لو كان وصف هوبز له على أنه "حرب الكل مع الكل" صحيحًا، فإن الحياة في ظل هذه الظروف سوف لاتكون آمنة بالقدر الذي نتوقعه عادةً. وهكذا، النظر الى الأخلاق بهذا المعنى، وفهم العقلانية كأقصى اشباع للرغبة، نصل إلى إجابة لسؤالنا: هل من العقلاني أن تكون هناك أخلاق. سوف يسمح المجتمع الذي لديه نظام أومدونة أخلاقية لأعضائه بإشباع رغباتهم بشكل أفضل وأكثر من مجتمع بدونها. إذا كان بإمكان المرء أن يختار العيش في أحد هذين النوعين من المجتمع، فإن النوع ذي الأخلاق سيمثل خيارًا عقلانيًا عمومًا.

استندت حجتي، حتى هذه النقطة، على الفهم الذي قدمناه للأخلاق. لكن أريد أن أتعمق أكثر وأشير الى  أن فكرتنا عن الأخلاق تعتبرها ظاهرة عقلانية. فتتصور هذه الفكرة الأخلاق كعقل مطبق أومستعمل لاختيار القواعد الاجتماعية. يتضمن سؤالنا الأساس، "هل الأخلاق عقلانية؟" أو "هل يجب أن تكون هناك أخلاق؟" يحمل إجابة ذاتية تمثلها العبارة "من المنطقي أن تكون هناك أخلاق" وترقى إلى أنه "من المنطقي أن تكون هناك طريقة عقلانية لاختيار القواعد الاجتماعية". سيكون الأمر كذلك إذا تم تعريف أي اختيار عقلاني معين للقواعد الاجتماعية على أنه أخلاق. وهكذا إذا كان من الممكن إثبات أن قواعد الأخلاق المعتادة يجب أن تنتج من طريقة عقلانية صارمة لاختيار المبادئ الاجتماعية، فإن سلسلة منطقية متماسكة تكون قد تشكلت من مفهومنا للعقل إلى فهمنا للأخلاق نفسها.

تتمثل إحدى طرق إدراك هذه العلاقة المنطقية بين العقل والقواعد الأخلاقية العادية في تخيل مجتمع بدون أخلاق من أي نوع، أي مجتمع بدون مبادئ عامة معترف بها تحكم السلوك ولا توجد لديه فكرة عن الصواب والخطأ. من المحتمل أن يتسم مثل هذا المجتمع بالصراع المستمر، وأي نظام يسود فيه لن يكون ناتجا الا عن تحالفات السلطة والأكراه. لن يكون مثل هذا المجتمع عقلانيًا بأي معنى لهذا المصطلح. أي أنه لن يكون من المرجح على مدار أي فترة زمنية طويلة أن يحقق المجتمع رضا أعضائه إلى الحد الأقصى الممكن، حيث سيعيق استمرار الصراع سعي كل شخص لتحقيق غاياته تقريبًا. ونظرًا لأن السلطة والأكراه هما اللذان يحددان التنظيم الاجتماعي بدلاً من أي اختيار عقلاني متماسك للأهداف، فسيحرم المجتمع من الفوائد التي تثمرها الأداة أو الوسيلة الإنتاجية للعقل. أخيرًا لن يكون هذا، في أبسط معاني العقلانية، مجتمعًا عقلانيًا لأن لن تحكم أنشطته أسباب عقلانية، ومبادئ مقبولة عموما، ولكن من خلال تلاعب الأكره المطلق.

إذا وضع أفراد هذا المجتمع علاقاتهم على أساس عقلاني فسيكون المسار مفتوحًا لهم من أجل تحقيق أقصى قدر من الرضا. اذ يمكنهم الاتفاق على سلسلة من المبادئ الثابتة لتنظيم سلوكهم ولتوفير أساس متين يؤسسون عليه توقعاتهم بشكل مشترك. قد يسمون هذه المبادئ القواعد "الأخلاقية" ويشرعون في محاولة صوغها. لكن ما هي طبيعة هذه القواعد؟ هل ستكون هناك أي سمة مشتركة بينها من شأنها أن تميزًها عن القواعد الأخرى المحتملة التي قد يتوصل إليها المجتمع؟ الإجابة الأكثر عمومية، كما أعتقد، هي أن هذه القواعد الخاصة ستكون من النوع الذي يمكن أن يوافق عليه أفراد المجتمع بحرية. تنبع  فكرة الاتفاق بالإجماع والموافقة الحرة من فكرة الوسائل المبدئية والعقلانية للتسوية الاجتماعية. لأنه إذا كان الاتفاق أقل من إجماع، بالنسبة لبعض أفراد المجتمع، فسيكون ما يسمى بالقواعد الأخلاقية مجرد تصديق على علاقات القوة والسلطة الموجودة في المجتمع، والأمر نفسه صحيحًا إذا تم اتفاق بعض الأعضاء بالإكراه. فلن يتم تحديد القواعد والاعتراف بمبادئ السلوك في كلتا الحالتين بمجرد التعبير عن إرادة الأقوى. بعبارة أخرى، يتضمن مفهوم الحكم بالمبادئ في حد ذاته فكرة الموافقة الحرة والإجماعية من قبل المحكومين كافة. لذلك، بالنسبة للمجتمع الممكن أن يكون، فإن استبدال العقل والمبادئ العقلانية بالقوة/ السلطة يتطلب أن تحظى تلك المبادئ بالموافقة غير القسرية من الجميع عموما.

لكن هل توجد مثل هذه المبادئ؟ نظرًا للاختلافات في المصالح والدرجات المتفاوتة للسلطة التي تميز معظم المجتمعات، فإن الإجابة على الأرجح هي لا. وبالتالي، إذا تم اقتراح قاعدة تقيًد سلوك أعضاء معينين في المجتمع فعلاً، فمن المرجح أن يقاوم هؤلاء الأعضاء قبولها، مهما كان من مصلحة المجتمع حظر هذا السلوك. القاعدة التي تحظر قتل البشر الآخرين، على سبيل المثال، على الرغم من كونها مرغوبة أو مطلوبة في نظر الغالبية العظمى من أفراد المجتمع، قد لا يقبلها تجار السلاح. وعليه فإن تلك القواعد التي من المحتمل أن يقبلها الجميع ستكون شئ تافه أو عديم الأهمية لتنظيم السلوك.

لاحظ الموقف الغريب الذي وصلنا إليه. فليس الحالة القائمة لهذا المجتمع مُرضيًة بأي معنى، لأنها ليست عقلانية بأي حال من الأحوال. علاوة على ذلك، يمكن لهذا المجتمع من خلال الأخلاق (القواعد التي تسهل تسوية حقيقية للنزاع وللتعاون الحر) التوصل إلى ظروف مستقبلية أكثر إرضاءً للجميع. ومع ذلك، ليس من العقلاني بالضرورة أن يساعد أو يساهم كل فرد في هذا المجتمع على تحقيق هذا النظام الاجتماعي العقلاني. أي، إذا تذكرنا فهمنا للعقلانية بوصفها تنطوي على أقصى قدر من الإشباع للرغبة، إلاً أنها لا تزيد بالضرورة من إشباع رغبات كل عضو في الخروج من الوضع المشوش أوالفوضوي القائم. وهذا هو السبب في الوصول إلى الموافقة بالإجماع على القواعد المهمة غير سهل المنال أو التحقق. نتطرق هنا إلى المشكلة المركزية والتي اشرنا اليها في هذا البحث، وهي المشكلة التي ابتلى بها الفكر الأخلاقي من البداية إلى النهاية، والتي قد نسميها ابتداءً الصراع بين العقلانية الخاصة والعامة. لأنه بينما من العقلاني عمومًا وجود طريقة مبدئية للتسوية الاجتماعية، فليس من العقلاني بالضرورة أن يضحي كل عضو بعينه من أجل تحقيق هذه الطريقة.

هل هناك طريقة للخروج من هذه المعضلة؟ هل يمكن لمثل هذا المجتمع أن يتوصل إلى قواعد محددة تحظى بموافقة الجميع؟  يتطلب هذا الوضع حلًا، لأن لا يمكن أن يتوصل المجتمع هذا الى موافقة عقلانية (لا يمكن الحصول على موافقة المجتمع باكمله عليها). يتناقض هذا المجتمع مع فكرة العقل، ويتطلب العقل بطبيعة الحال طريقة ما للخروج من المشكلة. يقدم جون راولز أحد الحلول الممكنة في كتابه: نظرية العدالة. علينا من أجل فهم ما يقترحه راولز أن نعود إلى حالة المجتمع الفوضويا لمشوش الذي  يمكن أن نتخيل جميع أعضاءه وقد اجتمعوا معًا في مكان يسميه رولز "الموقع الأصلي".[6]  يتم إبلاغ كل عضو منهم بالظروف التي ستحكم اختيار المبادئ بمجرد دخول هذا المكان. سيكون لكل عضو صوت واحد، والاتفاق على أي مبدأ بالإجماع. نحن نعرف-طبعًا- أسباب هذه الظروف، والمشاكل التي تخلقها. وعلى كل حال، يُستخدم هذا كإجراء خاص قبل بدء التصويت مباشرة. يُجبر كل مشارك في هذا الموقع على تجاوز ما يسميه راولز "حجاب الجهل".[7] لهذا الوضع التخيلي تأثير في حرمان كل مشارك من معرفة السمات الخاصة لحالته التي تميزه عن المشاركين الآخرين. يُمنع كل منهم، على سبيل المثال، من معرفة جنسه أو عرقه أو قوته البدنية أو قدرته العقلية. كما يُمنع كلًا منهم من معرفة الظروف الخاصة لميلاده، سواء وُلد في ظروف اجتماعية مواتية  أم لا. وأخيرًا، يُمنع كل فرد من معرفة الغايات أو القيم الخاصة التي يرغب في متابعتها أو السعي لأجلها، وهو ما يسميه راولز، "خطته الخاصة للخير".

يكون، نتيجة لهذا الإجراء، كل مشارك متماثلًا بشكل فعال مع الآخر. على الرغم من أنه قد يُسمح للمشاركين بمعرفة وجود اختلافات معينة في مجتمعهم بين الافراد، إلا أنه لا يُسمح لهم بمعرفة احتمالية كونهم نوعًا من الافراد دون نوع آخر. ونتيجة لذلك، يكون كل مشارك غير متحيز بشكل جذري قبل مجموعة الشروط والأهداف التي كانت تنأى بين شخص وآخر. قد يبدو الآن أنه في ظل هذه الظروف الخاصة أصبح من المستحيل على أي مشارك اختيار مبادئ اجتماعية مرضية. ثم إذا مُنعَ الشخص من معرفة أي غايات أو احتياجات خاصة به، فكيف يتخذ خيارًا عقلانيًا لزيادة  اشباعه أو رضاه على الإطلاق؟

بقدر ما تبدو هذه المشكلة كبيرة،الأ أنها ليس عقبة لايمكن تجاوزها فيما يتصل بالاختيار الاجتماعي في هذه الحالة؛ لأن لا يحتفظ كل مشارك بكل المعرفة عن تلك الغايات غير الخاصة. وهكذا، يعرف كل فرد أنه إنسان له كل الغايات والاحتياجات المرتبطة بهذا الشرط، أيً، الحاجة إلى التخلص من الأذى الجسدي، والحصول  ولوعلى الحد الأدنى من السلع المادية للحفاظ على الحياة، والحاجة لتأمين تعاون أعضاء مجتمعه  في بعض الأحيان. وعلى الرغم من أن المرء لا يعرف ما هي غاياته أيضًا، إلا أنه يعلم أن لديه أهداف من نوع ما وأنه يرغب في أقصى قدر من الحرية للقيام ما يريد. وبالتالي، يصبح من الممكن للمشاركين في ذلك الموقع اختيار المبادئ التي في صالحهم إلى أقصى حد في الحالة التي يجدون أنفسهم فيها على الرغم من القيود المفروضة عليهم، ايً، فيما يخص حدود معرفتهم. تأخذ هذه المبادئ شكل القواعد العامة التي تحكم السلوك. وهي تشمل حظر قتل أو إلحاق الأذى الجسدي بأشخاص آخرين؛ قاعدة تحظر مختلف أشكال الخداع وعدم الأمانة؛ قاعدة الإخلاص التي تتطلب دعم الاتفاقات التي دخل فيها المرء بحرية، وقاعدة الإنصاف التي تتطلب من الفرد الحفاظ على الترتيبات التعاونية المفيدة للطرفين. بعبارة أخرى، تحدث عملية الاختيار بالاتفاق على قواعد الأخلاق التي ذكرتها سابقًا. ليس من الضروري هنا توضيح الرابط الصارم بين هذه القواعد المحددة والاختيار في ظل الظروف التي وصفتها. فقد قام باحثون أخرون بتفاصيل أكبر بكثير مما يمكن ان اقوم به هنا.[8] ومع ذلك، لابد أن يكون واضحًا بشكل معقول سبب ظهور قواعد من هذا النوع، وهذا النوع فقط، من حالة الاختيار الخاصة بالموقع الأصلي.

قد يُعترض في هذه المرحلة على أنه لم يثبت إمكانية تحقيق اتفاق حر بالإجماع على المبادئ الاجتماعية. لأنه في حين أنه من المؤكد أن مثل هذا الاتفاق سيكون ممكنًا وراء حجاب الجهل، فلا يوجد سبب للاعتقاد أن أعضاء المجتمع المتنازعين سيوافقون على هذا القيد الخاص على قدرتهم على الاختيار. ثم، إذا رفضوا التنازل عن غاياتهم ومزاياهم الخاصة، فلماذا يذهبون وراء حجاب الجهل الذي له الأثر نفسه على مصالحهم؟ الجواب على ذلك أنهم ربما لن يفعلوا ذلك. لأن حجاب الجهل هو مجرد أداة للقضاء على المصالح الخاصة التي لم يتمكنوا من التغلب عليها في الأصل، وعليه لا ينبغي لنا أن نتفاجأ من أن المقاومة تتبلور في النهاية ضد هذه الوسيلة نفسها.[9]

ومع ذلك، فإن فكرة حجاب الجهل والحياد الصارم في اختيار المبادئ الاجتماعية التي تنطوي عليها هي فكرة مهمة للغاية. يمكننا أن نرى الآن أن مثل هذه الفكرة مرتبطة منطقيًا وضروريًا بمهمة تأمين القواعد الاجتماعية المقبولة بشكل عام، والشئ نفسه ينطبق على  قواعد الأخلاق. فبدون هذا الحياد، لا يمكن ضمان الاتفاق بالإجماع على القواعد الاجتماعية التي يتطلبها العقل، وبدون هذه القواعد، لن يكون هناك ترتيب عقلاني صارم لحل النزاعات الاجتماعية. وهكذا، توجد علاقة منطقية بين تعاقب الأفكار التي نظرنا إليها: العقل يتطلب القبول الحر للمبادئ من قبل جميع المشاركين في النظام الاجتماعي؛ وتتطلب الموافقة الحرة بالإجماع فرض تجرد أو نزاهة صارمة (من النوع الذي أتاحه حجاب الجهل) على الأفراد المختارين؛ و يؤدي الاختيار في ظل هذه الظروف عقلانيا- منطقيًا إلى اختيار المبادئ التي تتوافق مع القواعد الأساسية للأخلاق المقبولة. وتكون هذه السلسلة كالتالي: مفهوم العقل- ترتيب اجتماعي مبدئي- الموافقة الحرة بالإجماع- اختيار محايد -(الاختيار من خلف حجاب الجهل)- القواعد الأخلاقية المشتركة- القواعد الأخلاقية العامة (لا تجرح، لا تقتل، لا تكذب، لا تغش، لا تخلف بوعدك، تلا كون غير عادل، إلخ.) يمكننا أن نرى الآن لماذا السؤال "هل من العقلاني أو المنطقي أن تكون هناك أخلاق؟" يحمل بذاته جوابه. لكن يمكننا أن نرى أيضًا مدى تعقيد مفهوم الأخلاق حقًا وما هي الخطوات المطلوبة للوصول إلى القواعد الأخلاقية التي نأخذها كأمر مسلم به.

لا شيء من هذا، بالطبع، يساعدنا في حل مشكلتنا المتعلقة بما إذا كان أعضاء المجتمع سيوافقون على المبادئ الأخلاقية أو القيود التي يتطلبها اختيار هذه المبادئ. تنشأ هذه المشكلة من حقيقة أن ما هو عقلاني بشكل عام ليس بالضرورة عقلانيًا لكل فرد في كافة الظروف. على الرغم من أنه يمكننا وصف الوضع العام للمجتمع الفوضوي بأنه غير عقلاني ألأً أنه لا يمكننا أن نقول بشكل قاطع أن كل عضو في ذلك المجتمع غير عقلاني (يقلل من رضاه او اشباعه) في رفض الاتفاق على المبادئ أو القيود اللازمة لتوليدها. هذا التباين بين ما هو عقلاني بشكل عام وما هوعقلاني لأفراد معينين هو السبب الأساس الذي يجعل القليل من المجتمعات، تحقق حالاتها العليًا من الانسجام والتعاون بمجرد الاتفاق الحر من جانب أعضائها. بشكل عام، قد يُفرض  مثل هذا الأنسجام من أعلى بواسطة وصية أو ارادة يكون الانسجام مفيدًا لها، أو من الخارج عن طريق التهديد بالهيمنة. تحدث مثل هذه الانسجامات من حين لآخر عندما تنتج الأحداث حالات عابرة من المساواة في السلطة والقدرة بين أعضاء المجتمع، وعندها نجد نموذج الموافقة الحرة أقرب ما يكون.

تضيء مقاومة الأفراد للتنظيم العقلاني العام أيضًا حقيقة وزيف فكرة العقد الاجتماعي التاريخي كأساس لأي نظام اجتماعي حقيقي. هذه الفكرة خاطئة لأنه، نظرًا للاختلافات الدائمة في القوة والسلطة بين الأفراد، فمن غير المرجح أن يكون هناك أي مجتمع قد تشكلَ بهذه الطريقة. لكنها تتضمن عنصرًا من الحقيقة وهو أن أي مجتمع يعتبر نفسه أخلاقيًا أو عادلًا يتطلب أن يتشكل بهذه الطريقة، أيً،على أساس الموافقة الحرة لجميع أعضائه. يشير راولز إلى هذه النقطة عندما يصر على أن الموقع الأصلي في نظريته العقدية ينبغي ألا يُنظر إليه على أنه حدث تاريخي فعلي، ولكن كاختبار أو معيار يمكن على أساسه قياس جميع الدساتير السياسية الفعلية.[10]  لقد فقدت نظرية العقد اليوم شيئًا من مكانتها التي طالما كانت ذا أهمية سياسية وأخلاقية؛ ولفهم هذا، على المرء أن يتذكر أن نظرية العقد كانت تقليديًا نظريًا ليس فقط حول كيفية ظهور المبادئ الاجتماعية ولكن للالتزام الأخلاقي أيضًا. الفكرة الضمنية هي أنني يجب أن أطيع قواعد مجتمعي لأنني وافقت على القيام بذلك، ألزمت نفسي بالدخول بحرية في اتفاق ما في الماضي. طبعًا، هذه الفكرة مليئة بالمشاكل؛ فكيف، على سبيل المثال، يمكن أن أتحمل مسؤولية التزامات أسلافي؟ وقد طرح هيوم المشكلة برمتها عندما سأل، ما هو مصدر الالتزام المفترض بدعم العقود التي تقوم عليها نظرية الالتزام؟ لقد لاحظ بحق أن هذا الالتزام لا يمكن أن يكون في حد ذاته نتيجة لعقد، حيث سيكون المرء حينئذٍ متورطًا في تراجع لانهائي. وبدلاً من ذلك، يرى هيوم كان على فكرة الالتزام أن تستند إلى فكرة ما عن العقل نفسه، الا وهي مبدأ المنفعة.[11] أخذ راولز هذا النقد بنظر الأعتبارعندما أكد أن التزامنا بالمبادئ الأخلاقية الصحيحة تُستمد من العقل، ولكن ليس من نوع الاعتبارات العقلانية التي تقوم على النفعية. وأن كان هذا  الرأيً صحيحًا، إلا أنه يلقي الضوء على المشكلة ذاتها التي سعت نظرية العقد القديمة إلى طمسها وهيً: أنه ليس من العقلاني دائمًا أن يقوم الفرد بما يتطلبه العقل عمومًا. وهكذا، كان لنظرية العقد المعاصرة، وكذلك كل النظريات الأخلاقية العقلانية المعاصرة،التأثير في كشف كل من المنطق والصعوبات الجسيمة التي تكمن وراء العقل الأخلاقي نفسه.

إذا وضعنا هذه المشكلة جانبًا الآن، فقد رأينا أن العقل والأخلاق مرتبطان منطقيًا ببعضهما البعض. يمكن اعتبار الأخلاق كواحدة من طريقتين أساسيتين لترتيب النزاعات الاجتماعية. طريقة تعتمد على  الأنخراط في الأكراه بينما تعتمد الأخرى على المبادئ التي يمكن أن يتفق عليها الجميع. إنها تولد هذه المبادئ من خلال طريقة واحدة للاختيار العقلاني المحايد، وأن هذه المبادئ نفسها هي المبادئ الأساسية للأخلاق العادية التي نعرفها. ليست هذه الأفكار بجديدة ولكن عملت النظرية الأخلاقية الحديثة على إبرازها بشكل أفضل. اعتمد التقليد النفعي على مفاهيم مماثلة، على الرغم من أن النفعيين كانوا مرتبكين حول كيفية وصول العقل إلى المبادئ. لقد ربط كانط بين العقل والأخلاق منذ ما يقرب من قرنين من الزمان.

نظرًا لأن حجتي تعتمد في الاقسام اللاحقة من هذه الدراسة على فلسفة كانط بشكل كبير، فسأقيم مقارنة بين فهم كانط للأخلاق مع ما أشرت إليه للتو.

ليس شرح أخلاقيات كانط بالمهمة السهلة، وتصبح المهمة أكثر صعوبة بسبب أسلوب كانط الفلسفي الكثيف. أدى ميله إلى تبديل مقاطع واضحة مع أخرى تكاد تكون صعبة الفهم إلى ظهور العديد من سوء الفهم لموقفه. ومع ذلك، أعتقد أن الخطوط الرئيسية لوجهة نظر كانط سليمة لدرجة أنه إذا تم تناول أفكاره من خلال تجاوز العقبات الأولية الأكثر صعوبة، يصبح موقفه واضحًا بالكامل. سيقود المرء عن طريق تصحيح أي من سوء الفهم لموقفه إلى إدراك التماسك الأساسي في تفكيره. وبالتالي، تبرز هنا مسألة انتقاد كانط المفترض للسعادة ومسألة إرساء الأخلاق على اعتبارات السعادة. لا يمكن أن تكون السعادة الهدف الأساس للحياة الأخلاقية كما يصر كانط مرارًا وتكرارًا في الصفحات الافتتاحية لكتاباته الرئيسية عن الأخلاق. إن السعادة لنفسي، أو للآخرين، أو حتى للجميع، ليست هدفًا أخلاقياً مقبولًا للسعي كما يقول، ولا تمثل هذه المسألة أيًا من القيم المشتركة الأخرى التي يسعى إليها البشر. هذا الرفض لمجموعة من القيم باعتبارها غايات مقبولة أخلاقياً تتوج بتعبيره المعروف أن الشيء الخير/الجيد الوحيد غير المشروط هو حسن النية من الناحية الأخلاقية.[12]

لقد أدى رفض كانط للقيم إلى إضفاء صبغة متشددة أو متزمته على أخلاقه دائمًا، وقد تعزز هذا بالتفسير الشائع القائل بأن تفكيره الأخلاقي يعكس في المقام الاول خلفية بروسية أو خلفية مذهبية بروتستانتية ضيقة. ويتعزز هذا الانطباع  أيضًا، من خلال معارضته للسماح للسعادة أو أي قيم أخرى يتم اتباعها بشكل شائع لتكون بمثابة "الأساس المحدد" أو الاعتبار الأساس الدافع للحياة الأخلاقية. يقول كانط إذا سألت لماذا يجب أن أفعل شيئًا ما، فليس من المرضي الرد "لأنه سيجعل بعض الأشخاص- أو حتى العديد منهم- سعداء." الاعتبار الوحيد المسموح به أخلاقيا هو ما إذا كان يتطلب مني الواجب القيام بذلك. إن صوت الواجب صارم، بالنسبة لكانط، له الأسبقية على السعي وراء أيً قيم أخرى.

إنه من المهم أن نسأل في ضوء هذا الهجوم المتواصل على القيم التي يتبعها الناس عادة ويعتبرونها جديرة بالاهتمام: هل كانط هو ذلك الزاهد شديد الصمت كما صوره العديد من الدارسين حقًا ؟ هل يؤمن أن السعادة لا مكان لها في حياة الإنسان أو في عالم الأخلاق حقًا؟ أعتقد أن الإجابة على هذه الأسئلة هي لا. لم يكن كانط غير مدرك لأهمية السعادة. فهو يعرّف الإنسان "كائن ذو احتياجات" يرتبط وجوده بإدخال أهداف رغباته إلى الواقع.[13] ويعرّف السعادة على أنها الحالة التي تُشبع فيها جميع الرغبات، أو كما يصفها، حالة الكائن التي يسير فيها كل شيء وفقًا "لرغبته وإرادته".[14] وهكذا، حسب فهم كانط، فإن طبيعة الإنسان ذاتها تميل عليه السعي من أجل السعادة. ويمكن تقديم حجة قوية، حتى أبعد من هذا التعريف، مفادها أن الغرض الأساس من العقل عند كانط هو تسهيل سعادة الأفراد العقلانيين. يميز كانط بين معنيين أو وظيفتين مختلفين لأستعمالات العقل. الأولى، النظرية، وتهدف إلى معرفة العالم، وتنظيم التجربة في أنظمة قانونية يمكن التنبؤ بها. والأخرى، العملية حيث يسعى إلى الاستفادة من هذه المعرفة من أجل إشباع رغبات الفرد العقلاني. ويساوي كانط بين قوة الإرادة التي تعمل على الرغبات والعقل العملي أحيانًا.[15] وبالتالي، هناك أسباب جوهرية للاعتقاد بأن كانط يرى أن الهدف من العملية المعرفية والعقلانية بأكملها هو تحقيق الأهداف أو الحالات التي يرغب فيها الأفراد العقلانيون، وهي السعادة.[16]

لماذا إذن تكون السعادة، إذا رغب الجميع فيها ليست خيرة/جيدة بشكل غير مشروط، أو غير مؤهلة لأستحقاق التقدير الأخلاقي؟ يبدو أن الجواب هو: بينما يتفق الجميع على أن السعادة أمر جيد وخير، الأ أنهم لايتفقون على مضمونها.[17].لاينبغي أن تحجب عمومية أن الجميع يريدون السعادة  حقيقة أن كل شخص يريد أشياء مختلفة تمامًا.[18] بعبارة أخرى، لاتكون السعادة خيرة بدون شروط حتى  يكون الفرد مؤهلا لها. كل حالة من حالات السعادة ليست خيرة في حد ذاتها، ولكن يجب أن يتبعها شرح لشروط لمن تكون خيرة وجيدة.

يفسر لماذا يؤدي عدم التجانس الأساس للرغبات، في البحث عن أساس للأخلاق، أو لما يسميه كانط "الأرضية الحاسمة" العليا لإرادة كل شخص، الى عدم تحقق أو حصول السعادة. لأنه إذا كان كل فرد يسعى وراء السعادة، فإن مساعي الناس ستكون على خلاف مع بعضها البعض دائمًا. إن جهود جميع الافراد لتأمين القيم التي تهمهم أو لمجموعتهم تنتهي الى حالة من التناقض المستمر. علاوة على ذلك، لن يكون سعي أي فرد لتحقيق غاياته آمنًا وسيتم استبعاد تلبية الرغبات المنسجمة من البداية مع وجود غايات أو أهداف خاصة كأساس محدد لإرادة كل شخص. نرى هنا، بعبارة أخرى، أن عدم ارتياح كانط للسعادة أو أي قيمة معينة أخرى باعتبارها الغاية العليا للأخلاق مرتبط بالفكرة التي قدمتها سابقًا عن الأخلاق كطريقة غير قسرية لتسوية النزاعات الاجتماعية باستخدام مبادئ قادرة على الحصول على الموافقة الحرة للجميع. إن فكرة الموافقة العامة متضمنة في ادعائه بأن أيً غاية جديرة أخلاقيًا أو أي دافع أخلاقي ينبغي أن يكون جيدًا أو خيًرا بدون شروط، وليس خيرًا لهذا أو ذاك الفرد العقلاني ولكنه خيًرا لجميع الأفراد العقلانيين. ويرى ذلك أيضًا من خلال إصراره على أن الأوامر الأخلاقية ليست مشروطة ولكنها مطلقة. أي أنها لا تنبع من الرغبات المفترضة لأي فرد معين ولكن يمكن التنبؤ بها من قبل أيً فرد أخلاقي.[19] إن القبول العام فقط يمكن أن يضمن تسوية مبدئية للصراع، وهذا هو الهدف الذي يفكر فيه كانط بوضوح.

لكن إذا كان كانط لا يقبل السعادة أو أي قيمة معينة أخرى كأساس محدد لإرادة الفرد الأخلاقي، فما الذي سيقبله؟ الجواب، كما رأينا، هو الواجب، حيث يعطيه كانط تعبيرًا أكثر دقة مثل الرغبة في إخضاع إرادة الفرد وأفعاله لقاعدة الأمر المطلق. هناك صيغ مختلفة لهذه القاعدة في كتابات كانط، ولكن الأكثر تمثيلاً والأكثر أهمية لفهمنا موقفه هي تلك الموجودة في نقد العقل العملي: "تصرف بحيث يكون مبدأ إرادتك كمبدأ لإرساء القانون العام دائمًا".[20] إذن، يتطلب فهم موقف كانط معرفة لماذا يجب أن تاخذ هذه القاعدة الخاصة مكان جميع القواعد الموجهة أو المرشدة الآخرى للسلوك، أو لماذا يجب أن تكون لها الأسبقية على السعي وراء  القيم الأخرى على نطاق واسع.

الإجابة على هذا السؤال بسيطة بقدر ما هي مفاجئة: الأمر المطلق هو الغاية الوحيدة التي يمكن لجميع الأشخاص قبولها بحرية، وبالتالي فهي الأساس الأخلاقي الوحيد الملائم للسلوك، لأنها لا تزيد عن شرط أن  يكون  السلوك وجميع الأهداف قادرة على الحصول على القبول أو الموافقة  العامة. بعبارة أخرى، إنها مبدأ شكلي بحت ينص على الشرط الذي يجب أن تفي به أي سياسات أو أفعال إذا كان سيتم تحديدها على أنها أخلاقية. لا يحدد المبدأ، في حد ذاته، أي غاية على أنها أخلاقية. إنه فقط يوضع كشرط أسمى للامتثال للأخلاق نفسها.

تتحدث صياغة كانط للأمر المطلق عن مبادئ (السياسات الفردية للإرادة والسلوك)، الأ انه لا يقول شيئًا على الإطلاق عن هذه المبادئ المطلوبة للحصول على الموافقة الحرة لجميع الافراد. ما يتطلبه الأمر المطلق هو أن أي شيء اقوم به سييصبح قانونًا عاما.[21] لكن أليس هذا مجرد تعبير عن القاعدة المنطقية بأن أكون متسقًا ولن أفعل لنفسي ما أرفضه للآخرين في الوقت نفسه؟ كيف تدخل الموافقة في هذا؟ لا يبدو أنني أطلب موافقة أي فرد آخر إذا كنت مستعدًا لرفع إرادتي إلى مستوى الممارسة العامة. وبالتالي، إذا كنت أرغب في الكذب أو الغش أو السرقة، فإن كل ما يتطلبه الأمر المطلق هو قبولي بقيام الآخرين في الشيء نفسه بالنسبة لي.

هذا بالتأكيد تفسير شائع لكانط حول هذه النقطة، وكان سببًا لرفض موقفه بالنسبة للكثير ممن قرأوه بهذه الطريقة. لا يعني ذلك أن هؤلاء اختلفوا مع أهمية الاتساق في الأخلاق أو أي نشاط آخر. لكنهم أنكروا أن الاتساق هو شرط كافٍ لإنتاج قواعد مقبولة أخلاقياً. فقد أشاروا إلى أنه يمكن أن يكون أي مبدأ أو سياسة عامة منطقية وإرادية. هناك كذابون أو غشاشون أو قتلة قد يكونون أكثر من راغبين في رفع إرادتهم إلى مستوى القانون العام.[22] حاول بعض  الباحثين الدفاع عن هذا النوع من الموقف العام من خلال الادعاء بأن الاتساق يفرض قيودًا حقيقية على السلوك، ويفترض أن يكون السبب هو أن الأشخاص الذين لديهم إرادة خبيثة لن يكونوا مستعدين للتصرف بناءً عليها إذا كان بإمكان الآخرين فعل الشيء نفسه.[23] ولكن لطالما فشلت هذه الحجج في أن تكون مقنعة تمامًا، لأنه من السهل ايراد الكثير من الحالات الاستثنائية.

أعتقد تميل هذه التفسيرات لكانط سواء كانت مواتية أو غير مواتية، إلى إغفال وجهة نظره الأساسية من خلال اختزالها إلى مجرد طلب الاتساق في الإرادة. لأن أفضل ما يمكن أن ينتج عن هذا الطلب في المصطلحات الكانطية هو توحيد السلوك، وليس القانون. بينما تتطلب الأوامر المطلقة القانون لتكون قادرة على أن تصبح كما هي. والقانون بالنسبة لكانط هو قاعدة سلوك تقوم على العقل دائمًا، وبالتالي فهو صالح ومقبول من قبل كل كائن عقلاني.[24] إن هذا صحيح بالنسبة للقوانين الطبيعية التي وفقًا لنظرية المعرفة عند كانط يقوم العقل بمهمة تنظيم المعطيات الخام التي توفرها التجربة، ولكنه صحيح بشكل مضاعف فيما يتعلق بسلوك الكائنات العقلانية. نظرًا لأن سلوكهم حر (حيث يمكن الامتناع عنه)، فإنه يخضع لرقابة العقل حتى قبل أن يصبح  تعبير عن الإرادة فعلًا. بعبارة أخرى، لا يتعين على العقل قبول أي سلوك نمطي للأفراد العقلانيين كما هو معطى أو مفترض، ولكن يمكنه أن يسأل قبل أن يحدث الفعل ما إذا كان يجب أن يكون كذلك. يرقى هذا السؤال، بدوره، إلى التساؤل عما إذا كان مجتمع الأفراد العقلانيين بأكمله قادرًا على تحمل وقبول نمط معين من السلوك في وسطهم. وهكذا، فإن الانتظامات التي أنشأها البشرهي دائمًا قواعد تفترض الموافقة العامة. فلكي تصبح الإرادة قانونًا، لا يكفي أن يكون فرد واحد مستعدًا لتعميم مسار عمله. ولكن أن يكون هذا المسار من النوع الذي يمكن قبوله والموافقة عليه بحرية من قبل أي فاعل عقلاني آخر؛ بحيث يمكن أن يتسامحوا معه كحدث منتظم بينهم، وقانون طبيعي، كما أنشأوه.[25]

إذا كانت هناك حاجة إلى مزيد من الدعم لتفسر كانط هذا، فيمكن العثور عليه بسهولة في الدوافع الثابتة لنظرية العقد الاجتماعي الموجودة في فكره، والتي تعكس دينه العميق لروسو. لا يوجد مكان أكثر وضوحًا من صيغة الأمر المطلق في أسس ميتافزيقا للأخلاق حيث يحدده كقانون لـ "عالم الغايات".[26] يفهم كانط هذا المجال بوصفه مجتمع يتم فيه احترام غايات كل عضو بشكل متبادل فلا يخضع أيً فرد بشكل تعسفي لإرادة فرد آخر. يعتبر كل فرد في مملكة الغايات هذه غاية في ذاته، ليس بمعنى أن جميع رغباته يتم احترامها دائمًا (وهذا مستحيل) ولكن بمعنى أن لكل فرد رأي في العملية التشريعية الأخلاقية. ونظرًا لأن كانط يقدم هذا الصوًغ على أنه معادل للصيغ الأخرى للأمر المطلق، فهناك سبب جوهري لقبول أن الموافقة العامة غير القسرية على السياسات هي السمة الرئيسة لوجهة نظره الأخلاقية الكلية.

قد أشير هنا أيضًا إلى أن هذا التفسير مدعوم بصياغة الأمرالمطلق الذي يعرف الطبيعة العقلانية بأنها "غاية في حد ذاتها".[27] لقد رأينا أن اختيار المبادئ المقبولة بشكل عام يتطلب أن يكون اختيار الأفراد محايد تماما من خلال تجريدهم من معرفتهم الذاتية الخاصة وحصرهم في طبيعتهم العامة أو المشتركة. أرى أن تصور كانط للطبيعة العقلانية على أنها "غاية في حد ذاتها" يعبرعن هذه الفكرة من خلال تحديد طبيعة عامة واحدة يتشاركها جميع الأعضاء المحتملين الآخرين في المجتمع الأخلاقي. فنصل بالضرورة، في سياق تعزيز الغايات ذات الطبيعة العامة، إلى نقطة اتفاق جميع الأفراد الأخلاقيين الآخرين المماثلين. أدرك أنه غالبًا ما يتم تفسير الأمر المطلق بشكل مختلف عن هذا. لكنني أعتقد أن تفسير كانط مع بعض الدعم يساعد في تحقيق بعض التنظيم لتنوع الصياغات التي يقدمها للمبادئ الأخلاقية الأكثر أهمية.

يظل الأمر المطلق مبدأ شكليًا بحتًا وفقًا لهذا التفسير. فهو لا ينص في حد ذاته على ما إذا كان أي نوع معين من السلوك مقبولًا أخلاقيًا، ولا يحدد أي غاية أنها جديرة بالاهتمام من الناحية الأخلاقية (باستثناء الرغبة في الانصياع لإملاءاتها). من المفترض أن أي سلوك أو قيم مستمدة من مجال التجربة الإنسانية مرشحين مناسبين للحصول على الموافقة الأخلاقية إذا تمكنوا من اجتياز اختبار الأمر أو الالزام. لذلك نرى أنه من الخطأ تفسير كانط على أنه معارض للسعي نحو القيم والأهداف الملموسة أو الأشكال المختلفة للسعادة التي يعتز بها البشر. وهذه هي الأشياء الخاصة بالتجربة الأخلاقية.[28] وإذا كان يعارضها، فإن ذلك فقط عندما يتم تقديمها على أنها صحيحة أخلاقيًا أبتداءً بدلاً من أن يُنظر إليها على أنها مادة خام يجب أن تمر امام العقل المحايد أولًا.

وهكذا تعبر رؤية كانط عن كل الإدراك المهم الذي طورناه سابقًا: الحاجة إلى الموافقة العامة أو الشاملة إذا كان للنزاع أن يُزال؛ والى أهمية الاختيار العقلاني المحايد؛ والأولوية التي تمليها إملاءات العقل المحايد.  إنه من صحيح، يتجنب تفسير كانط تفاصيل مهمة في موقفه بعض الأحيان، وهناك لحظات يشعر فيها بالارتباك في محاولته توضيح  موقفه.[29] ومع ذلك، فإن البساطة الأساسية لموقف كانط ملفتة للنظر، وربما تكون أعظم نقاط قوته. لقد اصرً كانط على أن الأخلاق هي تعبير مباشر عن العقل. وكما يوضح الأمر المطلق في صيغته الأساسية، فإن الأخلاق هي قاعدة عدم التناقض المطبقة على ممارسة الإرادات. وعليه، فإن ادعاء كانط بأن الأمر المطلق معروف مسبقًا ذلك لأنه مستمد من العقل ليس ادعاءًا فارغًا.

إن الغرض من هذه الورقة البحثية هي  للتأكيد على عقلانية الأخلاق، فعززنا ذلك بمحاججة كانط. وقبل أن أختتم، لا بد من إعادة طرح نقطة واحدة قد أشرت إليها للتو وهي أن كانط لا يعارض السعادة. وأن الفضيلة العظيمة لموقفه هي تأكيده على أن العقل ينظم في النهاية السعي وراء الإرضاء حتى النقطة التي قد تتطلب، من وجهة نظر محايدة، رغبات معينة لا يتم التصرف بناءً عليها. يقودنا فهم كانط لهذا الأمر إلى حافة المشكلة التي سنتناولها في القسم الآخر وهي: يجب على العقل، من أجل تسهيل السعادة، أن يقمع السعادة أحيانًا. هذا صحيح ليس فقط لاختيار تلك القواعد التي تؤثر على العلاقات الاجتماعية (القواعد الأخلاقية بمعناها الأكثر دقة)، ولكن على قواعد الاختيار الفردي التدبيري الحصيف أيضًا. وبالتالي، فإن سعادتي كشخص عقلاني، غايته  التعقل والحكمة، تتطلب أحيانًا أن أقوم بقمع السعي وراء إشباع معين لأن العقل يفرض أن هذا السعي لا يمكن أن يتماشى مع أهداف أخرى أكثر أهمية قد تكون لدًي.

لذلك يتشابه العقل الأخلاقي والعقل الحصيف المدبر، في معظم النواحي، ويشتركان في قمع الاشباع أوالرضا. ولكن هناك فرق واحد مهم بين هذين النوعين المتختلفين أو المتمايزين من توظيف العقل. يكبت العقل واحدًة أو أكثر من رغباتي، في حالة الاختيار الحصيف، فقط باسم إشباع كامل أكبر لجميع رغباتي، ايً سعادتي. لكن في حالة الاختيار الأخلاقي، ما يتم قمعه أحيانًا هو سعادتي نفسها. حيث يمكن أن يقودني الحياد أمام رغباتي إلى إخضاع بعضها، فالحياد أمام مجموعة الرغبات الاجتماعية يمكن أن يتسبب في قمع كل أو معظم الرغبات. سننظر لاحقًا في جميع الآثار المترتبة على هذا الاختلاف بين العقل الحصيف أو المدبر والعقل الأخلاقي. لكن في الوقت الحالي، يكفي أن نلاحظ أن هذا الاختلاف مهم.

***

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

...........................

[1] يدعم جوناثان بينيت هذا التفسير التقليدي للعقل على الرغم من أن هدفه الأساسي هو الإشارة إلى القدرات المعرفية اللازمة لإصدار أحكام عقلانية في كتابه:

Jonathan Bennett , Rationality (London: Routledge & Kegan Paul, 1964)

[2] يبدو أن جميع المنظرين السياسيين الليبراليين، الراولزيين أو غيرهم، قادرين على تأكيد ما تم اقتراحه في هذه المرحلة. يمكن للمرء أن يدرك سواء كان المرء يؤمن بأساس عقلاني أقوى للمؤسسات الليبرالية أو يشك في فكرة أي قيم سياسية قائمة بذاتها  الأهمية الاجتماعية والسياسية لدعم المبادئ الليبرالية من العقائد الشاملة.

Rawls, Political Liberalism, p. 169.

[3] لا يجب الخلط بين المبرر الفلسفي والقبول الشعبي، أو الإجماع التقريبي، أو حتى القبول المحتمل من قبل جميع الأطراف المعقولة. لكن هذا لا يقلل من هدف التوافق الشعبي. بالمعنى الاجتماعي للكلمة، تعتمد شرعية النظام الليبرالي على القبول الواسع النطاق لتبريره

Gerald F. Gaus, Justificatory Liberalism: An Essay on Epistemology and Political Theory (Oxford: Oxford University Press, 1996), p. 10

[4] -Carl G. Hempel, "The Concept of Rationality and·the Logic of Ex­ planation by Reasoris," in his AJpects of Scientific Explanation (New York: The Free Press, 1965), pp. 463-83;

-Kenneth Arrow, Social Choice and lndivid11al Values, 2d ed. (New York: John  Wiley, 1963), Ch. 2;

- J. D. Mabbot, "Reason and Desire," Philosophy,XXVIII (r953), n3-23;

[5] Hume, Treatise of Human Nature, Bk. II, Pt. 3, Sec. iii.

[6] A Theory of Justice (Cambridge, Mass.: Harvard University Press, Belknap Press, 197r), Ch. 3.

[7] A Theory of Justice, pp. 136-42.

[8] Gert, The Moral Rules (New York:  Harper & Row, 1970), Chs. 4-6.

David Richards, A Theory of Reason for Actions (Oxford: Clarendon Press, 197r), Chs. 7-IO.

[9] Leonard Choptiany, "A Critique of John Rawls’ Principles of Justice," Ethics, LXXXIII (January 1972), 146-50,

[10] Rawls, A Theory of Justice, pp11. For a similar use of th classical idea of the "state of nature,"

وأنظر:

Robert Nozick, Anarchy, State, and Utopia (New York: Basic Books, 1974), pp. 7-9.

[11] Hermes Moral and Political Philosophy, ed.. Henry D. Aiken (New York: Hafner Publishing Co., 1948), pp. 356-72.

[12] Kant, Foundations of the Metaphysics of Morals, tr. Lewis White Beck (Indianapolis: Bobbs-Merrill, 1959).

[13] Kemp Smith Critique of Pure Reason, tr. Norman Kemp Smith (New York: St. Martin's Press, 1965), pp. 22, 124.

[14] Kant, Critique of Practical Reason, tr. Lewis White Beck (Indianapolis: Bobbs-Merrill, 1956)., pp. 9, 25.

[15] Oliver A. "The Kantian Interpretation," Ethics, LXXXV (1974), 65,

[16] Kant, Critique of Practical Reason, p. 25.

[17] Kant, Critique of Practical Reason, p. 28.

[18] Kant, Critique of Practical Reason, p. 28.

[19] Kant, Foundations, pp.  30-36.

[20] Kant, Critique of Practical Reason, p.30.

[21] Robert Paul Wolff, The Autonomy of Reason (New York: Harper & Row, 1973), pp. 51, 161-71.

[22] يبدو أن هذه الاعتبارات تكمن وراء نقد جون ستيوارت ميل لمقترحات كانفس بأن الأفعال غير الأخلاقية هي ببساطة غير منطقية.أنظر:

John Stuart Mill, Utilitari­anism, Everyman's Library, New York: E. P. Dutton, 1910}, Ch. 1, Pt. iv.

للحصول على تفسير حديث لكانط باعتباره يتطلب فقط تعميم المبادئ والنقد المقابل، انظر:

Robert Paul Wolff, The Autonomy of Reason (New York: Harper & Row, 1973), pp. 51, 161-71.

[23] John Kemp, Reason, Action and Morality (London: Routledge & Kegan  Paul,  1964),  p. 79.

[24] Kant, Foundations of the Metaphysics of Morals, p. 38.

[25] Kant, Foundations of the Metaphysics of Morals, p.39.

[26] Kant, Foundations of the Metaphysics of Morals, pp. 433-35.

[27] Kant, Foundations of the Metaphysics of Morals, pp. 428-31.

[28] Lewis White Beck , A Commentary on Kant's Critique of Practical Reason (Chi­cago: University of Chicago·Press, 1960], p. 96.

[29] Kant, Foundations of the Metaphysics of Morals, p.41.

 

اسعد شريف الامارة(حالة الحب تؤدي إلى النشوة النرجسية).. "ديفيد"

يقول "سيجموند فرويد" مؤسس التحليل النفسي أطلقنا أسم النرجسية على انتقال اللبيدو وهو أسم يطلقه "ناكيه" على انحراف جنسي يصيب الراشد الكبير، فإذا به يَحبُ بدنه بألوان من التطلف والمداعبة لا تفرغ في العادة إلا على موضوع جنسي خارجي" فرويد، 1978، ص 460" وفي موسوعة علم النفس والتحليل النفسي ترى أن النرجسية يشير فيها "فرويد" في مطلع مقالته الموسومة "في النرجسية مقدمة إلى أنه استعار المصطلح من "ناكيه أو ناكه" الذي أشار له  في العام 1899 إلى سلوك الفرد عندما يعامل جسمه بطريقة مماثلة للطريقة التي يعامل بها عادة جسم موضوع جنسي آخر، وهو يتأمله إذ ذاك يجني لذة جنسية ويظل يداعبه ويتحسسه إلى أن يحقق إشباعًا كاملًا، ويرى "فرويد" أن النرجسية إذا ما بلغت هذا الحد تصبح ذات دلالة إنحرافية، وكأن النرجسية آنذاك إنما تعني ذلك الحب الموجه إلى صورة الذات. أما "مصطفى صفوان"  يرى أن التركيب النرجسي للعلاقة بالآخر يتضمن تلك المعاني الثلاثة المتضمنه في اسطورة نرسيس "معنى العزلة ومعنى الحب ومعنى الموت" نرجس يعشق صورته ولكنه يمقتها لأنها تشبهه" وهي – إذن – ليست إياه، أو هو ليس إياها، ويضيف "عبد القادر" قوله أشار فرويد إلى النرجسية لأول مرة في العام 1910 عندما أضاف هامشًا للمقالة الأولى من كتابه ثلاث مقالات في نظرية الجنسية بشأن الموضوع الجنسي لدى المنحرفين النرجسيين، إذ أنهم "يوحدون "يتماهون" أنفسهم فيما بعد بإمرأة ويتخذون من أنفسهم موضوعًا جنسيًا فيما يمكن أن نقول إنه ينطلق من أساس نرجسي فهم يبحثون عن رجل يافع ويشبه ذواتهم ويحبونه كما كانت أمهم تحبهم هم، وهو في حالة شريبر في العام 1911، حيث يشير إلى مرحلة وسيطة في التطور اللبيدي بين الشبقية الذاتية وحب الموضوع ألا وهي النرجسية، وهو ما يعاود الإشارة إليه في كتابه الطوطم والتابو"عبد القادر، 1993، ص 792" أما "جاك لاكان" فيلسوف التحليل النفسي ومؤطر قراءات سيجموند فرويد بأطر معاصرة قوله: يكفي إعادة قراءة نص فرويد حول الرئيس شريبر قراءة غير متحيزة بتمعن وتعقل، يتم تنظيفهما من كل الأغلاط التي نسمعها الآن حول المفاهيم التحليلية، أنه نص يتمتع بامتياز مطلق، إلا أنه لا يفعل أكثر من وضعنا في طريق حل اللغز، فكل التفسير الذي يعطينا فرويد إياه حول الهذيان يصب فعلًا في رافد مفهوم النرجسية الذي لم يعمل على إيضاحه بعد، وعلى الاقل خلال الفترة التي كان يكتب فيها عن شريبر. ويضيف"لاكان" إن المحللين اليوم يتصرفون وكأن النرجسية شيء مفهوم بذاته، فتراهم يتسابقون إلى القول بأن الذات قبل أن تتجه نحو مواضيع خارجية فإنها تمر بمرحلة يتخذ فيها الشخص جسده كموضوع، ففي هذه السمة ياخذ لفظ النرجسية معناه فعلًا، لكن هل هذا يعني أن لفظ النرجسية لم يُستعمل قط إلا بهذا المعنى؟ " لاكان، 2017، ص104" وتبين لنا السيرة الذاتية للرئيس شريبر كما بينها فرويد لتأكيد هذا المفهوم.

أما "علي كمال" يرى استنادًا إلى نظرية التحليل النفسي أن النرجسية تعني أن الطاقة الجنسية" اللبيدو" بعد أن تكون قد امتدت إلى مواضيع خارجة عن ذات الفرد فإنها تسحب من هذا الموضوع من جديد إلى الفرد ذاته" كمال، 1994، ص394"

يرى "دانييل لاجاش" أن النرجسية أكتشفها فرويد وأضاف أول تعديل لنظرية الغرائز ولكن الفكرة الجديدة مؤداها أن جزءًا من الأنانية، أي من محبة الذات يماثل من حيث النوع الطاقة اللبيدية المستثمرة في الموضوعات الخارجية، فاللبيدو وهو الطاقة العامة للغرائز الجنسية، وهذه الطاقة تستثمر في الأنا وفي الغير، أو في الاشياء، وقوله"لاجاش" فكلما زاد حب المرء لذاته، قلت محبته للموضوعات والعكس بالعكس" لاجاش، 1979، ص 46"  وعودة مرة أخرى إلى سيجموند فرويد وربطه لموضوعات النرجسية "عشق الذات"، والأنانية، والحب قوله: يمكننا أن نصف بلغة نظرية اللبيدو وعددًا كبيرًا من الحالات النفسية التي تنتمي إلى الحياة العادية السوية، كالموقف النفسي في حالة الحب، وفي أثناء الأمراض العضوية، وفي حالة النوم، أما فيما يتصل بحالة النوم فقد سلمنا بانها تقوم على انسحاب الفرد من العالم الخارجي وامتثاله للرغبة في النوم، أن حالة النوم التي ينشدها الفرد في كل ليلة شبيهة بتلك العزلة الهانئة التي تتسم بها الحياة، داخل الرحم، وها نحن أو لا نرى الآن ما يؤيد هذا التشابه ويكمله من الناحية النفسية، ففي النوم تعاد الحالة الأولى لتوزيع اللبيدو، حالة النرجسية المطلقة، ويضيف"فرويد" أرى الظرف مؤاتيًا لأقدم لكم ملحوظتين: الأولى: كيف يتميز مفهوم "النرجسية" عن مفهوم " الأنانية" عندي أن النرجسية هي التكملة اللبيدية للأنانية، فإذا تكلمنا عن الانانية لم نفكر إلا فيما ينفع الفرد، أما النرجسية فتشير إلى إشباع حاجاته اللبيدية أيضًا، ومن الممكن أن نتماشى مع هذا التمييز، من الناحية العملية إلى حد بعيد، فقد يكون المرء ذا أنانية مطلقة دون أن يمنعه هذا من أن يفرغ مقادير ضخمه من طاقة اللبيدو على موضوعات معينة، وذلك بقدر ما يكون الإشباع اللبيدي من هذه الموضوعات ما يضر الأنا. وقد يكون المرء أنانيًا وعلى درجة بارزة من النرجسية في الآن نفسه، أي لا يشعر إلا بحاجة طفيفة إلى الموضوعات الجنسية ، أما من ناحية الإشباع الجنسي المباشر، أو من ناحية تلك النزعات السامية التي تشتق من الحاجة الجنسية، والتي أصطلح الناس على تسميتها "الحب" للمباينة بينها وبين "الشهوانية" المحضة، في هذه المواقف جميعًا نرى أن الأنانية هي العنصر الثابت الواضح، في حين أن النرجسية هي العنصر المتغير. ويضيف" فرويد" أيضا أما ما يقابل الأنانية وهي الغيرية فلا تعني إفراغ اللبيدو على الموضوعات، بل تتميز بأنها لا تلتمس الإشباع الجنسي في الموضوعات، لكن متى بلغت حالة الحب تمامها من الشدة والعنفوان، اصبحت الغيرية مطابقة لتركيز اللبيدو على الموضوع، ذلك ان الموضوع الجنسي يجتذب إليه في العادة جزءًا من نرجسية الأنا، ومن ثم ينشأ ما يسمى "بالاغراق في تقدير القيمة الجنسية للموضوع" فإذا أضيفت إلى هذا غيرة موجهة إلى الموضوع ومشتقة من أنانية المحب، أصبح الموضوع الجنسي على درجة بالغة من القوة والسمو: ونستطيع أن نقول عندئذ إنه امتص الأنا بكليته"فرويد، 1978، ص 462"

في جدلية الحب والكراهية" ثنائية الوجدان":

أن الحب قد يكون غطاء للكراهية، أو قد يكون ممتزجًا بقدر عظيم منها"زيور، 1986، ص344" وشاع قديمًا وجود مختلف أنواع الحب، نذكر منها حب الصداقه، الحب المركز على الغير ، حب الاعتماد الشديد "المانيا"، الحب المعقول، الحب المتمركز على الذات، الحب الرومانسي، وهذا تصنيف" جون لي" في العام 1973، وكذلك وضع لها" مازلو " ضمن هرمه الشهير وربطها بالحاجات الأساسية، أو الدنيا، ولا ندري أن كانت لها علاقة بما ذكره "جاك لاكان" بثلاثيته الشهيرة : الحاجة والرغبة والطلب، رغم أن الفلاسفة القدماء ومنهم " لوكريتوس  الروماني 98- 54 ق. م" رأى إن الرغبة الجنسية مرض، وان ما من شفاء لها سواء كان ذلك العلاقة الجنسية المخالفة "بين ذكر وانثى" أو المثلية "بين طرفين من جنس واحد " واستنتج ان الرجل الحكيم يستطيع تفادي الوقوع في الجنون كليًا" كمال، 1994، ص 391" ولا يفوتنا أن نضيف رأي" مصطفى زيور" قوله: أن الحب قد لا يعدو أن يكون حبًا للذات، نتفق مع العلامة زيور حينما عرض لدراسة الاستاذ العقاد في دراسته التحليلية للحسن بن هانئ " ابي نؤاس" والتي بين فيها أن هذا الشاعر كان نرجسيًا في عشقه، فقد تولع بحب جارية تدعى حسن، وهو اسمه فأنشد الغزل في هذا التشابه، ورأي التحليل النفسي أن العشق النرجسي حال من أحوال الطفولة، لأن الطفل لا يعشق في بادئ الأمر إلا نفسه، فإذا اتصف الرجل بهذا اللون من العشق، كان حكمه من الناحية النفسية حكم الطفل مهما تقدمت به السن" زيور، 1986، ص 345"

عُد الحب أسمى علاقة عرفها الإنسان منذ فجر التاريخ، وبنفس الوقت عرف العدوان والكراهية  وأقصد هنا حب الرجل لإمرأة في الوضع السوي- العادي، ويدون لنا التاريخ الديني في كتبه السماوية وكذلك مدونات الكهوف والمغارات ورسوم الإنسان ومنحوتاته، فبقدر ما وجدت هذه النزعه كغريزة عند الإنسان وجد نقيضها، وهي بحق ثنائية متناقضة، لا محبة إلا بعد عداوة، لا تنتهي هذه العدواة بعد الحب، بل تترسخ في عمق النفس، في اللاشعور طالما بزغت وخزنت في اللاشعور، ستعود يومًا ما ولو بشكل محور، وتشكل أزمة حتى وإن أستتب الرضا وحصل الإشباع النفسي من الرغبات التي تحكم محور العلاقة، وهي العلاقة الجنسية سواءً بعقد النكاح، أو التواجد معًا بالمساكنة" العيش معا بدون عقد زواج"، أو العلاقة خارج الاتفاقات الشرعية أو الإجتماعية، سينتهي الأمر بالكره في كل الأحوال مما ذكرناه ، ومن الحب ما كره، وفي الحقيقة هو أساس الحب الكره، وأساس الكره هو الحب، الذي لم يستطع المرء الخلاص من نسيان الشخص الذي سبب له هذا التعب في الذاكرة وملئها، لا بل رسخها ، قض مضجع راحته، لازمه في يومه، وفي ليله، وفي نومه، وفي احلامه المزعجة منها والمريحة، حتى جعله غير مرتاح لا في يومه ولا في ليله !!؟؟ وأزاء ذلك يقول العلامة" فرج احمد فرج" جدل الرجل والمرأة، جدل الزوج والزوجة، جدل الإنسان وقد تجاوز أسر النرجسية وما تؤدي إليه من علاقات اضطهادية متبادلة" فرج، 1994، ص 124. ولا نغالي في ذلك بمقاربة صورية  في "الاكتئاب النفسي" ننقلها من العلامة "زيور" حينما يرى استدماج الموضوع المحبوب المكروه معًا، بحيث يتخذ الموضوع مكانًا له بين جدران الآنا، فإن العدوان الذي يستهدف الموضوع يتجه نحو الآنا الذي أصبح هو والموضوع شيئًا واحدًا" زيور، 1986، 174".

إن الحياة مع المرأة عبارة عن هدنه، وإن الحياة مع الرجل هي أيضًا هدنة، لأن الحب هو إخفاء الكراهية وإعلان نقيضه، ويقول د. سعد صلال" الرجل والمرأة عدوان طالما هما حيان" وقوله لقد خُلق الرجل والمرأة على أساس الاختلاف أولا وليس الاتفاق ولهذا فمن المستحيل القول من الناحية الأخلاقية الساذجة أنهما يتفقان إلا في حالة واحدة هي الهدنة، والهدنة هي مرحلة قبول الآخر، وإقامة علاقة حب" صلال، 2012، ص 5".

الإنسان في تكوينه نرجسي، الرجل والمرأة، والنرجسي يحب أيضًا، يحب الحياة، فهو يحب نفسه، يعشق ذاته، ولما يعشق ذاته، لا يرى من يشبهه في الجمال، وفي الحب، وفي عشق الوجود، لذا من يَحب، يُحب نفسه أولًا، وهو يستخدم ميكانيزم الإسقاط  لاشعوريًا "لاواعيًا" على الآخر، أيًا كان الآخر، الحبيب- الحبيبة، العشيقه- ممن يشاركه في ممارسة الرغبة الجنسية، ممن يشبع رغباته في مؤانسته وتواجده معه معًا، فهو لابد أن يختلف معه ولو على المستوى الرمزي المتخيل، وليس على المستوى الواقعي، فإذا كان الرجل هو من يحب هذه المرأة، فهو يحاول أن يرضيها بأية طريقة، إن لم يكن لشيء فمن أجل أن يمارس معها الجنس، حيث لا الإحساس العميق منه باغتصابها دون رحمه، كما أن المراة لديها الإحساس ذاته من حيث الرغبة العميقة بان تتعرض هي الأخرى للاغتصاب، ومن الغباء القول أن النساء يردن الجنس بطريقة متحضرة، الجنس بالنسبة للمراة عبارة عن ممارسة اغتصاب رسمي.  لأنه" الآخر"  ليس هو نفسه، فهو منفصل عنه فكيف يمكن أن يحبه؟

يقول "هيجل" أن الرغبة ليس لها أي نتاج سوى تدمير الآخر، سوى المنافسة مع الآخر، أو في الأحرى: الرغبة في اختفاء الآخر، وعند "جاك لاكان" الرغبة تتحقق في الآخر وبوساطة الآخر، وتكون في مرحلة المرآوية، اللحظة التي يتمثل فيها الفرد صورة لذاته، أو التي يتكامل فيها أناه" نيفين زيور، 2000، ص  18" ويرى "مصطفى زيور" ان الإنسان مدفوعًا بحاجة ملحة إلى الحب والخلق والتشييد، ونجده في نفس الوقت، أحيانًا بنفس الإلحاح مشدودًا إلى الكراهية والتدمير، إنه موجب وسالب معًا، ويضيف "زيور" إن قلب الإنسان تسكنه قوتان، لكل منهما طاقة تكاد تساوي الأخرى، تتنافسان في اتجاهين متعارضين، ومع ذلك فإن هاتين القوتين قد تتداخلان الواحدة في الأخرى، أو قد تحل الواحدة محل الأخرى، بل يبدو أن التداخل سمة أساسية في حياة الإنسان تبهض كاهله، وهي التي يطلق عليها في التحليل النفسي ثنائية الوجدان "زيور، 1986، ص 175".

***

د. أسعد شريف الامارة

 

......................

المصادر

- صلال، سعد (2012) الأنانية أخلاق النبلاء، أزمنة للنشر والتوزيع، عمان.

- زيور، نيفين (2000) من النرجسية إلى مرحلة المرآة، مكتبة الانجلو المصرية، القاهرة.

- فرج أحمد فرج (1993) التحليل النفسي وألف ليلة وليلة، مجلة فصول عدد/ 4 ، أوكتوبر

https://archive.alsharekh.org/

- فرويد، سيجموند (1978) محاضرات تمهيدية في التحليل النفسي، ط4، ترجمة احمد عزت راجح، مكتبة الانجلو المصرية، القاهرة.

- عبد القادر وآخرون، حسين (1993) موسوعة علم النفس والتحليل النفسي، دار سعاد الصباح، الكويت.

- لاجاش، دانييل (1979) المجمل في التحليل النفسي، ترجمة مصطفى زيور و عبد السلام القفاش، مطبعة عين شمس، القاهرة.

- لاكان، جاك (2017) الذهانات، ترجمة عبد الهادي الفقير، دار التنوير للطباعة والنشر، تونس، بيروت، القاهرة.

- كمال، على (1994) الجنس والنفس في الحياة ال‘نسانية ج1، المؤسسة العربية للدراسات والنشر،بيروت.

- زيور، مصطفى (1986) في النفس، مكتبة النهضة العربية، بيروت؟

 

 

حاتم حميد محسنتطرح الفلسفة أسئلة اساسية عن نفسها. ما هي؟ لماذا ندرسها؟ ماذا يمكن ان تنجز؟. وكنقطة انطلاق، تعني كلمة "فلسفة" حب الحكمة، وكل من يعمل بها انما يحاول فهم العالم الذي حوله. في هذه الطريقة، الفلاسفة نوعا ما يشبهون العلماء. لكن العلم هو موضوع كبير جدا في ذاته، لذا يتطلب فرعا فلسفيا خاصا به. واذا استطعنا تجزئة التحقيق العلمي الى مختلف الموضوعات، فلماذا لا نقوم بنفس الشيء مع فلسفة تلك الموضوعات؟ هذا ما حدث مع تطور فلسفة الكيمياء، حقل التحقيق الفلسفي الشاب نسبيا. انه يطرح اسئلة فريدة ومثيرة تتعلق بكل من نوع المعرفة المكتسبة في العلوم، وفهم الطبيعة ذاتها.

بعض النقاشات ضمن فلسفة الكيمياء تهتم بقضايا ترتبط بإحكام بفلسفة العلوم. ان افكار التوضيح، قوانين الطبيعة، الواقعية يتم التحقيق فيها باستعمال نظريات محددة ومفاهيم وطرق وأدوات تجريبية للكيمياء. انها تبدو معقدة واحيانا هي كذلك. لكن اختبار النظريات العلمية مثل ميكانيكا الكوانتم من وجهة نظر كيميائية تحديدا يمكن ان يساعد في توضيح فهمنا الواسع للأفكار العلمية. ما هي بالضبط الجزيئات؟ ماذا نعني عندما نقول "الرابطة الكيميائية chemical bond"؟ هل نستطيع توضيح سلوك المادة الكيميائية والتنبؤ به ضمن ميكانيكا الكوانتم؟ انها أسئلة كبرى تستفيد من اتجاه الفيلسوف، مجزءاً الافتراضات والأحكام الى عناصرها الأساسية. هذه الأسئلة الفلسفية هي مثيرة للاهتمام ليس فقط لفلاسفة العلوم وانما ايضا للعلماء أنفسهم. الأجوبة لها مضامين مباشرة على استقلالية العلوم، ووحدة الطبيعة. فمثلا، يمكن الجدال ان موضوع الكيمياء هو متميز ومستقل عن موضوع الفيزياء، وانه يستلزم مفاهيما لها تأثيرعلى الواقع. تماما مثل الافراد الذين يتألفون من ملايين الجزيئات تعرض خصائص متفردة وسمات كلية فان الجزيئات، الروابط الكيميائية هي كينونات واقعية تستحق تحقيقا منفصلا عن الالكترونات والنواة التي تتركب منها. هذه قضايا تخلق نقاشات ساخنة بين فلاسفة الكيمياء والتي لها تأثيرات هامة على رؤيتنا لأهمية العلوم، وعلى رؤيتنا للطبيعة.

الكيمياء هي ايضا فريدة في الطرق والنماذج التي تستخدمها. كموضوع تُعتبر الكيمياء كحقل علمي مختلف جدا عن الفيزياء، كونها ترتكز بقوة على استعمال الطرق التجريبية لكي تصل للتوضيحات والتنبؤات.

على عكس الفيزياء، التي تُناقش كثيرا من خلال لغة الرياضيات، نجد الكيمياء طورت لغة متميزة تُنظم وتُصنف وفقا للجدول الدوري للعناصر الكيميائية periodic table. الكيمياء تستعمل ايضا تمثيلات بصرية متميزة لهيكل من الجزيئات لكي تفهم وتوضح الاختلافات الهيكلية المعقدة والخصائص الكيميائية للمواد. هذا التفرد للممارسة الكيميائية والتنظير يعني انها تستحق تحقيقا فلسفيا متميزا خاصا بها.

ان فلاسفة الكيمياء يختبرون ايضا الخصائص المحددة التي يستعملها الكيميائيون لكي يميزوا ويصنفوا المادة الى مواد كيميائية وعناصر ومركبات ومزيج من بينها. المظهر المهم لهذا هو التحقيق في دور الجدول الدوري للعناصر الذي يصنّف ويجمّع العناصر طبقا لما تتشابه به من خصائص كيميائية معينة. الدور المهم في هذه النقاشات هو للتحقيق التاريخي في كيفية تغيير هذه التصنيفات بمرور الزمن وأي نوع من الاكتشافات ساهمت في تلك التغيرات.

في الحقيقة، سيكون من الخطأ تجاهل أهمية تاريخ الكيمياء في التحقيقات الفلسفية الحالية الجارية ضمن الحقل. معرفة المفاهيم الكيميائية مثل الذرة تغيرت بشكل هام منذ العصور القديمة مع التقدم في كل من التجارب الكيميائية وفي الفيزياء. ان فلسفة الكيمياء هي تلك المساحة من التحقيق الفلسفي الذي ازدهر في العشرين سنة الأخيرة الى حقل متميز ومنفصل. طالما توجد الكيمياء كحقل علمي منفصل يحقق في الأسئلة ويستعمل أدوات متفردة ، فان فلسفة الكيمياء سوف تستمر في التحقيق في المضامين الفلسفية لمثل هذه الفعالية. طرح أسئلة حول العلوم والكيمياء مرتبط جدا بطرح أسئلة عن الكون وفهم مكاننا فيه وهو بالتأكيد الوصفة لكل التحقيقات الفلسفية.

***

حاتم حميد محسن

 

ابراهيم ابو عوادكيفيةُ تشكيل البُنى الوظيفية في المجتمع لا يُمكن تفسيرُها بِمَعْزِل عن الأنظمةِ الثقافية، والأنماطِ المعيشية، والتياراتِ الفكرية، وشبكةِ العلاقات الإنسانية. وعمليةُ التفسير مُرتبطة بالبناء اللغوي كإطارٍ رمزي وهَيكلٍ اجتماعي، وهذا يعني أنَّها عملية إبداعية، تبتكر مَسَارَها، وتُؤَسِّس مصيرَها، وتُولَد مِن ذاتها، ولَيْسَتْ انعكاسًا آلِيًّا عن الظروف المادية التي تُحَاصِر الهُويةَ الإنسانيةَ للفرد ضِمن صَيرورة التاريخ، الذي ينتقل - باستمرار وبشكل دائم - مِن النَّسَق الاجتماعي إلى الدَّوْر الوظيفي. وإذا كان النسقُ الاجتماعي يَنبع مِن الظَّرْفِ المادي، والشَّرْطِ التاريخي، فإنَّ الدَّوْر الوظيفي يَنبع مِن الضَّغْطِ المصلحي، والفاعليَّةِ الأخلاقية. وهذا النشاط في مصادر المعرفة وقواعد المنهج الاجتماعي، يُحَوِّل الرابطةَ التفاعلية بين المُجتمع كَدَليل والإنسانية كَدَلالة، إلى علاقة أخلاقية تُسَاهِم في إعادة تشكيل الظروف الحياتية كَأنوية معرفية إبداعية في مجالاتِ الوَعْي باللغة، وحُقولِ إدراك الرموز الثقافية. وكما أنَّ مَسَار التاريخ يتحكَّم بالمَعايير الوجودية التي تُنتج الفِعْلَ الاجتماعي، فإنَّ طبيعة البيئة تتحكَّم بالمَوضوعات الفكرية التي تُكَوِّن الشخصيةَ الفرديةَ والسُّلطةَ الاعتباريةَ.

2

مَجالاتُ الوَعْي باللغة تتكوَّن مِن ثلاث طَبَقَات : الرمزية والمعرفية والمادية. الطبقةُ الرمزية تُحَدِّد العلاقةَ بين الفردِ كفاعل إنساني واللغةِ كنظام مِن الوقائعِ التاريخية والأحداثِ اليومية والخَيَالاتِ الذهنية التي تَصنع سياساتِ تأويل التاريخ وتوظيفه في الأنماط القِيَمِيَّة والأشكالِ التعبيرية. والطبقةُ المعرفية تُحدِّد العلاقةَ بين تطوُّرِ الثقافة تاريخيًّا وجُغرافيًّا، وتَطَوُّرِ مناهج التحليل اللغوي كَجُزء مِن البناء العقلاني المُجتمعي. والطبقةُ المادية تُحدِّد العلاقةَ بين إفرازاتِ الحياة المُعَاشَة والرؤيةِ الفلسفية النقدية لهذه الإفرازات، سواءٌ كانت مَوروثات ثقافية تَنطلق مِن الماضي إلى الحاضر عَبْر اللغة كوسيط، أَمْ مُمَارَسَات قَصْدِيَّة آنِيَّة مُتفاعلة معَ القضايا الساخنة.

3

حُقولُ إدراك الرموز الثقافية تتكوَّن مِن ثلاث طَبَقَات : النفسية والسُّلوكية والوظيفية. الطبقةُ النفسية تُحدِّد العلاقةَ بين الشُّعور كصناعة نقدية ثقافية، والتراثِ الحامل للفِعل الاجتماعي الذي يتفاعل الفرد معه، وينفعل به. والطبقةُ السُّلوكية تُحدِّد العلاقةَ بين تاريخِ اللغة كإطار جامع لشخصية الفرد وإنسانيته، والمعاييرِ الأخلاقية التي تتحرَّك في بُنية التعبير الفكري كطريقة فلسفية لفهم الأحداث اليومية، وتحليلِ الخصائص الإنسانية المُعقَّدة في الحياة. والطبقةُ الوظيفية تُحدِّد العلاقةَ بين المجتمعِ ككائن حَي، والثقاقةِ كَجُغرافيا حُرَّة ومُتَحَرِّرَة مِن الوَهْم، تنبعث باستمرار في الحراك المُجتمعي.

4

المُجتمعُ هو الجسد المعرفي الذي يُوازن بين العناصر الوجودية التي تَعمل على تحليل الوَعْي الإنساني، اعتمادًا على بُنيةِ الفِعل الاجتماعي، ومُمَارَسَةِ فِعل النقد الثقافي. وتتركَّز قُوَّةُ المُجتمع الرمزية في كَوْنها نظامًا مِن الإشارات اللغوية الحاملة للتاريخ معنًى ومَبْنًى، وهذا الأمرُ يُؤَدِّي إلى تأسيس مناهج تفكير خاصة بمسار المجتمع ومصيره، تُحقِّق مصلحةَ الجماعة، وتُحافظ على أحلام الفرد، كي يتم تبادلُ العلاقات الاجتماعية بين الوَعْي والسُّلوك مِن جِهة، واللغة والثقافة مِن جِهة أُخْرَى. وتبادلُ العلاقات الاجتماعية يستلزم تطويرَها، وهذا التطويرُ لا يتأتَّى إلا عِندما يُصبح الوَعْيُ باللغةِ والثقافةِ حاضنًا للماضي، ودافعًا للحاضر، وكاشفًا للمُستقبل. وإذا كانت اللغةُ تقوم على مبدأ التوازن بين نقد الأفكار وتفكيكِ النظام البنائي للثقافة، فإنَّ الوَعْي يقوم على مبدأ التوفيق بين الأنظمة المعرفية الحاكمةِ للمُجتمع، والمُسيطرةِ على الخِطَاب الفكري الكاسر للأنماط والقوالب، بِوَصْفِه وسيلةً للخَلاص والبناء، ولَيس طريقًا للفَوضى والهدم.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

محمد كريم الساعديتتمركز فلسفة التفكيك في بحثها عن المختلف بين الظاهر والمخفي (الدال والمدلول) كعلامة اسس لها (اللوغوس) في الفكر الغربي، إذ إنَّ المشتغلين سعوا في آليات التفكيك الى إظهار المخفي والكشف عن النوايا القابعة خلف المتمظهر الذي سوق الى الذهنيات البشرية بوصفه من المسلمات التي تحمل الحلول والعوامل السليمة والبدائل المناسبة لإنقاذ إنسان الحضارات الأخرى، لذلك عمل فيلسوف التفكيك الفرنسي (جاك دريدا) في الخفر داخل الخطاب الغربي لكون هذا الخطاب الذي دعا الى فكرة التفوق وأسس لها في فكره المتعالي، إذ عمل (دريدا) على اظهار المتناقض المتغلغل داخل هذا الفكر الذي يحمل دلالات متناقضة مع ظاهره المادي، وهذا الفعل المختلف يؤيد ما قام به الفيلسوف الالماني (مارتن هيدغر) في تقويضه لمفاهيم العقل والفكر المثالي الغربي، والتي دعا فيها (هيدغر) الى رفع تلال اللغو التاريخية الكثيفة والتنقيب عن محجر الوجود المصيري أو أصل الأصول، فهو يعمل على أزاحة تاريخ الميتافيزيقا لوصل المصير بفجر الضمير .أما تفكيك (دريدا) فهو يبغي تحطيم الفكر الغربي والإبقاء على انقاضه، لأنَّه يكمل النقيض الذي يعرف البديل، كما فعل الفيلسوف الفرنسي (ميشيل فوكو) في بحثه في الخطاب الغربي أيضاً من خلال ما اسماه (حفريات المعرفة) وكل هؤلاء الفلاسفة ومن حذا حذوهم بحثوا في الارث الميتافيزيقي والمثالي (للوغوس) الغربي، على الرغم من اختلاف المفاهيم لكن الهدف واحد، فـ(هيدغر) في تقويضه، و(دريدا) في تفكيكه، و(فوكو) في حفرياته، كانت تصب في نقد هذا الفكر والكشف عن الاختلاف بين الدوال والمدلولات، من أجل بناء أسس جديدة للعلامة تختلف في الفهم والتعامل مع دلالاته.

في هذا المجال نركز على مفهوم واحد من هذه المفاهيم الثلاثة وهو (التفكيك)، الذي يسعى من خلاله (دريدا) لتفكيك الدلالات التاريخية والفلسفية والأخلاقية التي جعلت من البناء الفكري والمعرفي الغربي يصل الى ما وصل اليه من هيمنة معلنة في الساحة الثقافية العالمية، فالبحث في التاريخ والفلسفة والفكر جاء من أجل جمع أكبر تراث معرفي، ومحاولة تفكيكه للخروج بآليات تظهر آلية الكشف السليمة وتدعمها بحجج، واستدلالات منطقية في هذا الجانب، وكيفية البناء والتأسيس المعرفي لهذه الحضارة المترامية الاطراف، وما انتجته من دلالات أخلاقية مختلفة كلياً عن الآخر، وكذلك عن الأهداف المعلنة لهذه الحضارة، لذلك عمل (دريدا) على إيجاد فكر جديد في التعامل يقوم على تفكيك أهم مسلَمات الحضارة الغربية، من خلال القراءات التفكيكية للنصوص (أفلاطون) و(روسو) و(هيغل) و(هوسرل) و(سوسور) و(فرويد) و(مارسيل موس) وغيرهم . كما أنه لا يترك مجالاً معرفياً أو فنياً إلا ويحاول أن يبث فيه روح التناقض بين المقدمات والنتائج أو بين المصدر المفترض والفروع المنبثقة منه.

إنَّ مشروع (دريدا) التفكيكي قام على مفهوم الكتابة التي أعدها هي المركز وليس الكلام أو القول الذي ينسبه الى الميتافيزيقيا، وهنا أراد الانتقال من التمركز حول (اللوغوس) الغربي، ونواياه غير المعلنة الى الكتابة التي عدها ثابتة، وهو يعتقد بأن الكتابة هي ليست فقط ما يدون على الورق أو ما ينتج من فكر في داخل المؤلفات، بل يعتقد أن كل عمل إبداعي، هو كتابة مثل الأدب والفن الذي يضم أصنافاً مختلفةً من الأجناس الأدبية وغيرها مثل فنون الأداء، أي أن (دريدا) حاول أن يعطي تعريفاً جديداً للكتابة قائلا: إنها النقش(Inscription ) عموماً، سواء كان ذلك حرفيا ام غير حرفي حتى وأن كان ما تم توزيعه في الفراغ غريبا عن نظام الصوت، بهذا المعنى يمكن ان نعد التصوير السينمائي والرقص والبالية والموسيقى والنحت وجميعها كتابة.

إنَّ مرتكزات التفكيك عند (دريدا) تقوم على ثلاثة مفاهيم، هي الأساس في تقويض المعنى الكامن خلف (اللوغوس) وميتافيزيقيته، وهذه المفاهيم هي:

1. الاختلاف: وهو ما يشير الى فعلين هما: (ان يختلف)، أي غير متشابهة، و(أن يرجئ) ويؤجل . وفي سياق هذين الفعلين تكون للعلامة سياق جديد تعمل عليه، أي تكون وظيفتها مزدوجة بين الفعلين، وليس بين الدال والمدلول، بل من خلال الأختلاف والتأجيل .

2. الأثر: أي أن العلامة هي أثر ثقافي ونفسي وروحي، وليس مادي أو محسوس أو مرئي أو بايلوجي .

3. الكتابة: التي تعني النقش وتعني البنية التي يسكنها الأثر وهي تعمل مع التعبيرات الكتابية وغير الكتابية.

إنَّ هذه المفاهيم الثلاثة التي أراد من خلالها (دريدا) معرفة آليات تفكيك مفاهيم كامنة خلف الإطار المادي، سعى الى تأكيد مصطلح الاختلاف بين المقدمات والنتائج، وكذلك بحث الاختلاف بين الدوال والمدلولات من خلال البحث في ماديتها وتعاليمها الكامنة في الفكر الفلسفي والثقافي الذي يشكل النواة الأساسية والمهمة للبناء المعرفي في الفكر الغربي القائم أصلاً على ثنائيات نقضها (دريدا) وأعدها ازدواجيات، وبما إنَّه ركز على الكتابة في مفهومها الجديد جعل يبحث في داخلها بوصفها نسيج مركب من إشارات وتعبيرات ودلالات متداخلة تستدعي التفكيك والعزل لفحص بنيتها وجذورها المتضاربة فالإزدواجيات: مركز /هامش، مسيطِر/مسيطَر، مادة/فكر .. هي ثنائيات أسطورية تتجاوز حلقات الاختلاف التي تنقض حلقة التطابق أو التماهي . فبينما كانت حلقة المطابقة تزعم وجود (مركز) (لوغوس، حضور، نظام، كوجيتو...) يقصي (الهامش) (الخرافة، الجنون، اللاشعور، الغياب، التبعثر...)، فأنه بجعل الهامش (مركزاً) سيرتد المركز الى (هامش) فهو مركز ولا مركز، لأنه هامش وهو هامش ولا هامش لأنه مركز. وبذلك عمل (دريدا) في تأسيس مفهوم جديد للدلالات لأنها اثرٌ داخل الكتابة ذاتها.

***

الأستاذ الدكتور محمد كريم الساعدي

قاسم المحبشيفي البدء كان الفعل وليس الكلمة

السلوك قبل الوعي، فإذا تغيرت الشروط المادية لحياة الناس وتحسنت فرص عيشهم بما يشبع حاجاتهم الاساسية فربما تتغير افكارهم وأفعالهم وتفاعلاتهم وأنماط علاقاتهم الاجتماعية وقيمهم وسلوكهم إذ أن أفكار الناس تنبع من واقع علاقاتهم الاجماعية في عالم الممارسة اليومية والسؤال هو: لا ماذا يفعل الناس؟ ويعتقدون ويقولون؟ بل لماذا يفعلون ما يفعلونه ويقولون ما يقولونه؟! والأيديولوجيا تعني أن الناس يفكرون من اقدامهم! والثقافة بالمعنى الانثروبولوجي؛ هي ما يبقى بعد نسيان كل شيء! بمعنى أن الوعي إذا لم يترسخ في السلوك ويكتسب صفة العادة لا يصمد كثيرا في مواجهة تحديات الحياة الواقعية، وحينما يتكرر الفعل والسلوك مرات كثيرة يصير عادة وحينما تترسخ العادة تصير ثقافة. والوعي لوحده لا يغير حياة البشر وحاجة الناس الى مثُل عليا للسلوك اكثر من حاجتهم الى المواعظ والتعاليم والنصائح. والجماعة السياسية إلى ترغب في قيادة الناس لا تكلمهم عن ذاتها ونواياه فيما سوف تفعله من أجلهم بل عليها فعل ذلك بصمت وبلا ضجيج عبر المؤسسات وليس عبر الأشخاص. والناس هم الذين يقومون بتشكيل مؤسساتهم العامة ثم تقوم هي بتشكيلهم فكيفما كانت مؤسساتهم يكونون ولا سحر في التاريخ ولا مصادفة في الطبيعة. لا الأخلاق ولا المواعظ ولا التقوى ولا الدين ولا الثقافة ولا الحب ولا الانتماء ولا النوايا الطيبة يمكنها أن تصنع النظام في أي مكان أو زمان في هذا العالم. النظام والانضباط هو ابن الدولة والقانون الذي ليس له لا قلب ولا عيون! هو سيد الجمع بلا استثناء. ولا وحدة ولا اتحاد ولا اجتماع ولا اندماج بدون مؤسسة دستورية قانونية جامعة وعادلة ومستقرة إلا في قلوب القوى الناعمة فقط. والناس بدون قانون ومؤسسات وعيونهم الى الأرض أشد فوضى وانحطاط من الحيونات. والأشخاص يأتون ويذهبون بينما المؤسسات هي وحدها التي يمكنها أن تدوم إذا وجدت من يتعهدها بالحفظ والحماية والصون والتنمية. والتنوير بدون تنمية محسوسة وملموسة وفاعلة يظل جهدا مرهقا في بيئة تشكلت مؤسساتها منذ أقدم العصور وثمة فرق شاسع بين فقيه عربي نقلي يستند على مؤسسة سياسية ودينية عمرها ١٤٠٠ عاما وفيلسوف عقلي ليس لديه من سند غير عقله وثقافته الخاصة في سياق تاريخي ثقافي محاط بالجهل والتجهيل من كل الجهات. الاستئناس بقوى العقل والتفكير في بيئة النقل والتكفير يعد مغامرة غير مأمونة العواقب. ومع ذلك ثمة من لديهم الشجاعة لخوض التجربة. وتلك هي وظيفة المثقف العضوي وبين السلاطين ووعظهم علاقة هيمنة ظاهرة وخفية يتم تكريسها منذ أقدم العصور؛ علاقة تتعين شفرتها بلسان حال السلطان على النحو التالي (نحن نحكم الناس بالقهر والطغيان والاستبداد إلى حد جعلهم يكرهون حياتهم) وأنتم -وعاظ السلاطين- عليكم تقديم لهم العزاء والسلوى وايعاظهم بان الحياة الآخرة هي خير وإبقى! وهذا هو سر اندلاع الموجات المتكررة من الحروب الدينية الطائفية التي يندفع اليها الشباب المسلمين برغبة وحماسة منقطعة النظير تحت رايات الجهاد في سبيل الله ومن أجل الفوز بجنات النعيم وبالحور العين.وفي المجتمعات التي تضيق فيها حدود الحرية؛ حرية العقل والضمير تضيق فيها آفاق الخيال والإبداع والتفكير والتعبير فبدلا من اطلاق العنان للعقل والخيال فيما ينبغي أن يكون يرتد اهتمام الناس للتفكير باعضائهم التناسلية وحاجاتهم البيولوجية والبحث عن سبل اشباعها إذ يندر أن تجد فيها أشخاص طبيعيين يتصرفون ببراءة وعفوية بالاتساق مع سجاياهم الحقيقية بل تسود ثقافة وقيم الظاهر والباطن، وتزدهر قيم التكلّف والتزلف والنفاق والمرآءة والمجاملات والكذب والحقد والخيانة والغدر والخديعة والشتم والغيبة والنميمة والحذر وانعدام الثقة والشك والارتياب وسوء الفهم وسوء الظن والفصام وازدواج الشخصية وسرعة التقلب من حال الى حال، والجمع بين المتناقضان دون الشعور بالتناقض، وصعوبة التنبؤ بسلوك الأفراد وردود أفعالهم. ويمكنك تعداد المزيد من القيم السلبية من واقع حياتك اليومية ومعاشرتك للناس في محيطك الاجتماعي وحينما تسود تلك القيم السلبية حياة مجتمع من المجتمعات يصعب أن تجد أحدا من الأفراد غير متأثر بها بهذا القدر أو ذاك .

***

ا. د. قاسم المحبشي

العدد: 5817 المصادف: الثلاثاء 09 - 08 - 2022م