حاتم حميد محسنتؤكد الوضعية المنطقية ان المقولات الميتافيزيقية هي بلا معنى. سننظر هنا في بعض المقولات العادية التي نجدها دائما ذات معنى مثل:

1- برج ايفل في فرنسا

2- جورج واشنطن كان اول رئيس للولايات المتحدة

3- 1+1 = 2

4- كل العزاب غير متزوجين

بالمقابل، هنا بعض المقولات التي نستطيع القول انها بلا معنى، مثل:

1- برج ايفل فيه نكهة من لحم الخنزير المشوي لايمكن اكتشافها.

2- جورج واشنطن هو لغز الكون

3- كل العزاب متزوجين لعزاب بواسطة ملائكة دون معرفة اي شخص بذلك.

انظر الان لبعض المقولات الميتافيزيقية التي يطرحها الفلاسفة:

1- الله مشابه للطبيعة ككل

2- الناس لديهم القدرة ليقوموا بطريقة اخرى

3- الذهن المجرد هو محتوى وشكل حقيقته.

4- الاشياء الكونية المجردة توجد في واقع مستقل ذهنيا.

هل هذه الاسئلة الميتافيزيقية اكثر شبها بالمجموعة الاولى من المقولات ذات المعنى، او مثل المجموعة الثانية من المقولات التي بلا معنى؟ طبقا للمدرسة الفلسفية التي تسمى "الوضعية المنطقية"، المقولات الميتافيزيقية هي تشبه تلك التي بلا معنى. انها ليست زائفة، وانما هي بلا معنى لأنها ليس لها محتوى واقعي نستطيع الحكم بصحته او زيفه. لنأخذ، مثلا، المقولتان اعلاه حول برج ايفل. عندما اقول ان "برج ايفل في باريس"، هذا ادّعاء استطيع التثبت منه، مثل عبر السفر الى باريس والوقوف في مدخل البرج. لكن لا توجد هناك آلية استطيع بها التثبت من صحة او زيف المقولة "برج ايفل فيه نكهة لحم خنزير مشوي لايمكن اكتشافه". يمكن اختبار المذاق بوضع اللسان لكن كل هذا الاختبار لايثبت اي شيء طالما نكهة اللحم المزعوم لايمكن كشفها. وكذلك ايضا المقولات الميتافيزيقية مثل "الاشياء الكونية المجردة توجد في واقع مستقل ذهنيا". لا اختبار متخيل يمكنه اظهار صحة او زيف هذه المقولة.

ان مدرسة الوضعية المنطقية نشأت في بداية القرن العشرين كرد فعل للنظريات الميتافيزيقية غير المفهومة مثل نظريات هيجل، وهدفها المحدد هو ازالة كل الميتافيزيقا. فلاسفة مثل هيجل حسبما رأوا، وقعوا في فخ التفكير بان ادعاءاتهم الميتافيزيقية هي في الحقيقة حول شيء ما، بينما في الحقيقة هي فقط لغوية بلا معنى. احد اهم انصار هذا الموقف كان الفيلسوف البريطاني الفريد جولس اير (1910-1989). نقد الوضعية المنطقية للميتافيزيقا، كما يذكر، ليس كما في نقد كانط. لأنه، طبقا لكانط محدوديات تركيبتنا السايكولوجية هي التي تمنعنا من فهم الادعاءات الميتافيزيقية، والتي كما نعرف، ربما توجد حقا. طبقا لاير، نقد الوضعية المنطقية هو لغوي: المقولات الميتافيزيقية ذاتها هي بلا معنى طالما هي تفتقر للمحتوى الواقعي الذي نستطيع التثبت منه. الشيء المركزي في الموقف الوضعي المنطقي هو مبدأ التصديق والذي هو طريقة فعالة بحيث كل مقترح يجب ان يمر بها لكي تعتبر ذات معنى. اير يجسد هذا المبدأ هنا:

مبدأ التصديق يُفترض ان يقدم معيارا بواسطته يمكن تقرير ما اذا كانت الجملة صحيحة حرفيا. طريقة بسيطة لصياغته ستكون القول ان الجملة لها معنى حرفي فقط عندما يكون المقترح الذي تعبر عنه اما تحليلي او يمكن تصديقه تجريبيا. (اللغة، الحقيقة والمنطق، مقدمة).

الاختبار الذي يقدمه آير هو من شقين: المقولات ذات المعنى هي اما 1- صحيحة تحليليا، اي، صحيحة حسب التعريف، او 2- يمكن تصديقها تجريبيا، اي ان بعض التجربة الممكنة سوف اما تؤكدها او لاتؤكدها. مع هذا الشق الاخير، يقول اير، لكي تكون المقولة صادقة تجريبيا، انا غير مطلوب مني ان اقوم حقا بمهمة تصديقها. وانما، انا فقط احتاج ان يكون لدي اجراء تصديقي مقبول على الاقل . فمثلا، المقولة "الأزهار تنمو على المريخ" هي ذات معنى طالما نحن نستطيع نظريا بناء تلسكوب يمكنه مسح كامل الكوكب لكي يؤكد او لايؤكد هذه المقولة. ولكن انا لا احتاج في الحقيقة بناء تلسكوب لأجل تصديق المقولة. انظر مرة اخرى في القائمة اعلاه للمقولات ذات المعنى. كما نرى، "برج ايفل هو في باريس" هي ذو معنى طالما نحن نستطيع السفر الى هناك ونثبته تجريبيا. نحن نستطيع ايضا تجريبيا اثبات مقولات تاريخية مثل "جورج واشنطن كان اول رئيس للولايات المتحدة" عبر النظر الى الدليل التاريخي الذي يؤكد هذا الادعاء دون ادنى شك. المقولات "1+1=2" و "كل العزاب غير متزوجين" هي ذات معنى، ليس بسبب انها يتم اثباتها تجريبيا وانما لانها صحيحة بالتعريف. فمثلا، عندما اقول "الله مشابه للطبيعة ككل"، انا لا ادّعي ان كلمة "الله" بالتعريف تتضمن فكرة كونه مشابه للطبيعة ككل. ايضا، قولي ان "الله مشابه للطبيعة ككل" لايمكن اثباتها تجريبيا طالما انا لا استطيع اجراء مقابلة مع الله وأسأله حول هذا. حتى عندما استطيع الطيران الى حافة الكون وانظر اليه في مجمله، هذا لا يكشف ما اذا كان الذي انظر اليه هو الله. نحن نواجه مشاكل مشابهة في كل من الاقوال الميتافيزيقية الاخرى، لا وجود لتجربة ممكنة اما تؤكد تلك الاقوال او لاتؤكدها. الاقوال الميتافيزيقية كهذه، طبقا لـ آير لا تُحسب حتى كمقترحات، وانما هي فقط مقترحات زائفة pseudo-propositions، هي اولا تبدو يمكن تصديقها، ولكن يتبين فيما بعد ليست كذلك. هو يكتب " الجملة التي تعبر عنها ربما هامة عاطفيا (لمن يلفظها)، لكن ليست هامة حرفيا".

لعدة عقود، أثارت الوضعية المنطقية الخوف في قلوب الفلاسفة الذين خاطروا بكونهم اتُهموا في نطق ما لا معنى له عندما يضعون ادّعاءات ميتافيزيقية. لكن الوضعية المنطقية اصبحت تحت الهجوم بسبب وجود مشكلة متضمنة فيها، وهي ان مبدأ التصديق الوضعي المنطقي هو حالة من النفي الذاتي. لنر هنا المبدأ لديهم:

المقولة ذات معنى فقط عندما تكون اما صحيحة بالتعريف او تتأكد تجريبيا.

الآن يجب ان نسأل، هل هذا المبدأ نفسه صحيح حسب التعريف؟ كلا، ليس كذلك. هل هذا المبدأ نفسه يمكن إثباته تجريبيا؟ كلا. وهكذا، طبقا للنقاد، فان مبدأ التصديق يفشل في اختباره ولذلك هو بلا معنى، هو مجرد فرضية زائفة. الوضعيون المنطقيون يردّون ان مبدأ التصديق هو فقط توصية وليس ادّعاء واقعي حول العالم. لكن هذا الجواب لايساعد في الدفاع عن موقفهم طالما ان الميتافيزيقي لا يقبل مثل هذه التوصية التي سيكون لها من التأثير بحيث تجرد الميتافيزيقي نفسه من عمله؟ بينما مبدأ التصديق يفشل كنفي حاسم لكل الميتافيزيقا، التي لاتزال تتردد في اوساط الفلسفة. مع ان الميتافيزيقيين ليس بالضرورة مطلوب منهم الالتزام بمبدأ التصديق. لايزال هناك شك مستمر انهم ينطقون كلاما لامعنى له عند عمل ادعاءات ميتافيزيقية. مرة اخرى، هذه أخبار سيئة للميتافيزيقيين التقليديين.

 

حاتم حميد محسن

 

مجدي ابراهيمــ القراءة والمعرفة:

وتجدر الإشارة إلى أهمية فعل القراءة وهى تجري تحت مظلة القيم العليا؛ فالقراءة في حدّ ذاتها قيمة معرفيّة، وستظل قيمة معرفيّة كائنةً ما كانت تلك المعرفة، سواء تمثلت في ثقافة العقيدة والدين أو ثقافة العقل والفلسفة. ولم يكن الأمر الإلهي بكلمة (اقرأ) بالأمر الهين البسيط الذي يُستغنى عنه مع الغفلة والتردي وسقوط القيم، ولكنه كان أمراً، ولا يزال، ذا دلالة تندرج في ذاتها في وعي معرفي تام؛ لتشكل نظام القيم، ثم لتصبح هذه القيم فاعلة فينا أولاً، ثم تكون أفعل في حياتنا تباعاً، ذات أثر بيّن ظاهر في السلوك وفي الحركة وفي الحياة، لا لتنعزل بالتجاهل أو بالإهمال عن حاضراتنا الواقعيّة.

لم يكن الأمر الإلهي "اقرأ" مُجرد كلمة عابرة وكفى، ولكنه نظام معرفي موثوق بمعطيات القيم العليا، متصل شديد الاتصال بنظمها العلوية الباقية.

قد لا نتجاوز الصواب إذا نحن قلنا إنّ مردُّ جرثومة التخلف في بلادنا إلى إهمال الأمر الإلهي "اقرأ"، فكأنما الأمر يقول : اقرأ كيما تعرف؛ لأنه لو أطيع الأمر الإلهي بالقراءة، لكانت المعرفة على اختلاف مطالبها وفروعها مُحققة لدى القارئ، وتحقيقها هو العرفان (أن تعرف)، ولا مناصّ منه مع فعل القراءة على اختلاف توجهاتها وميادين النظر فيها، وتسخيرها للعقل، وتسخير العقل لها، ولكل ما يعلوها، ويعلو بالإنسان مع المعرفة، ومع القراءة، ومع العلم في كل حال.

إمّا أن نقرأ فنعرف، وإمّا أن لا نقرأ، فتنطمس أبصارنا وبصائرنا؛ فنتخلف ويقودنا التخلف إلى أدنى درجات التّسفل والانحطاط، وليس من وسط بين طرفين.

هذه واحدة. أمّا الثانية؛ فإنّ القراءة تأتي بمعنى التحليل النقدي أو النقد التحليلي، وكلاهما قراءة على قراءة، لكن الفارق فيما يبدو أن الأول يشمل تحليل النّص المكتوب ونقد متونه وفحص إشاراته ورموزه.

والثاني : تصحيحُ لمسارات العقل في أعماله من جهة كاتب النّص نفسه، ولذلك يتقدّم النقد في هذه الحالة على التحليل، والمُرادُ به نقد الأدوات المعرفيّة، وأهمها وأولاها : تلافي القصور في عملية القراءة نفسها وتصحيح مسار الذهن عن انحرافه بإزائها، ووضع الأطر التي تقوّمه في طريقه بغير اعوجاج أو انحراف، الأمر الذي يترتب على هذا كله، أهمية التفسير من جهة وقدرة العقل على التأويل ثم التنوع فيهما بمقدار الكفاءة العقلية وتذوق المقروء والمكتوب.

وعليه؛ تصبح القراءة هى القاعدة التي يقوم عليها أساس البناء المعرفي بكل ما يصدر عنه من تفسيرات وتأويلات وتخريجات، تنصب في النهاية في خدمة ضروب المعرفة، وخدمة النصوص المُراد تصريفها وفق قدرات العقل في التفسير والتأويل والتخريج. وليس بالإمكان أن يقوم النقد في مجال من المجالات بغير قراءة واعية. فكما لا تقوم المعرفة العقلية الحصيفة بغير قراءة دائمة ينشط فيها العقل؛ فكذلك النقد الفاعل المؤثر لا يقوم إلا على شعلة القراءة ووهج العناء فيها. والناقد الجيد قارئ جيد بامتياز. والقراءة الناقدة بديهة حاضرة لا تخفى على أحد : هى ألزم سمات المنهج بإطلاق.  

ــ من المنهج إلى النقد:

ومن الأهمية بمكان أن نشير في هذا الصدد إلى نقطة جوهرية تدور عليها مناهج الدرس الفلسفي في الإسلام : دراسة وتدريساً، وتدخل ـ من ثم ـ في صميم "تكوين الرؤية" التي سبقت الإشارة إليها، وتضفي على هذه الرؤية بُعداً تنويراً يتصل بإعمال العقل وعمل القلب سواء بسواء، نستطيع استخلاصه من دوائر الفكر الإسلامي الثلاث (فلسفة فلاسفة الإسلام، وعلم الكلام والأصول، والتصوف بأقسامه وأنواعه المختلفة) أو إنْ شئت : منهج العلم والبرهان، ومنهج الشرع والاستدلال، ومنهج الذوق والاستبصار.

هذه النقطة الجوهرية تتمثل في الاكتراث الشديد بتنمية الحسّ النقدي لدى دراس الفلسفة على وجه العموم؛ فلا معنى للفلسفة على الإطلاق ما لم يكن المنهج النقدي فاعلاً فيها، إذ إن الفلسفة لا تستقيم بغير الجانب النقدي، ولا يعتد بدَرْسها على الإطلاق والنقد في معزل عن الفاعلية والتأثير. ونظراً لأن منهجية الفلسفة منهجية نقدية بالأساس؛ فلا عبرة للباحث فيها إذا هو وقف أمام الآراء والمذاهب الفلسفية وقفة الناقل لها تارة، والعارض إليها تارة أخرى، دون أن يسلط عليها معاول النقد والتمحيص أو يضفي ـ من ثم ـ بعداً ذاتياً هو من صميم الرؤية الخاصة به، فوق ما يعرضه من موضوعية في التناول المنهجي. فالنقد على هذا فوق كونه منهجاً يشكل أيضاً نواة كبرى في تكوين الرؤية.

وليس النقد بداهةً هو الهجوم والسباب واستخدام الألفاظ الوبيئة النابية، ولكنه معيار للتقييم يتوافر فيه إطلاع وفير، ويتأتى من ملكة عليا تعتمد الاجتهاد بشروطه المقنّنة بمقدار ما تعتمد على هضم أكبر قدر من الحقائق الكبرى، ولا تعتمد بحال على الغفلة والجهالة، والمعارضة لمجرد المعارضة، والسطحية والقشور وقلة الإحاطة بموضوع البحث وخطوات السير فيه على وعي وبصيرة.

وقد يقابل الدراس فيما تقابله من آراء واتجاهات كثيراً مما يحتاج إلى النظر الدقيق مقروناً بالنقد الصائب. فإذا لم تكن هناك قدرة لديه على النقد التحليلي؛ فإنه سيقع لا محالة فريسة للتقليد، ولأسر هذه الآراء يكررها ويعيدها ويجتر ما فيها اجتراراً مذموماً، ولا يمل من تكرارها واجتررها وإعادتها في غير نقد منه أو تمحيص.

وربما كانت جملة هذه الآراء هدامة؛ فيها من الخطأ والتضليل أكثر مما فيها من الوجاهة والتحديث مما شأنه أن يساير حركة الزمن مع تطور التفكير. أو ربما كانت جملة تلك الآراء تساغ لأهل التخلف والتبعية، ولا تساغ لأرباب الفكرة الواعية والتحضر المقبول ومسايرة الواقع المتطور كما ينبغي أن يساير الواقع ويعاش على التفاوت بينه وبين عصور سلفت ووقائع مضت، وأحقاب من الزمن تطورت، وأحكام بناءً على ما يتطور ويتبدل تغيرت؛ فلا يسع الباحث إن لم يكن قادراً على النقد إذ ذاك إلا أن ينساق وراء هاته الآراء انسياق التبعية والتقليد.

وفي تراثنا العربي توجهات تملكت اتجاهات ليست بالقليلة، وصفحات ملوثة بنزعات أدعت امتلاك الحقائق على طلاقتها، وحرمت غيرها فريضة التفكير، مع أنها تحمل الكثير والكثير من المغالطات والأضاليل، وتعادي فكرة التقدّم الحضاري في عمومها، وتحتاج ـ لحذفها وتنحيتها ـ إلى ملكة في النقد عالية، بالمقدار الذي نحتاج فيه إلى تنمية هذه الملكة عن طريق الاهتداء بوسائل المنهج النقدي التحليلي لدى الفلاسفة أنفسهم؛ لأن التحليل النقدي يُعري الدعاوي ويفضحها ويبطل المزاعم التي تقف عائقاً أمام حرية العقل والتفكير. ولم يكن سقراط الفيلسوف اليوناني (469 ـ 399 ق. م) بالمخطئ وهو يحارب ـ مع منهجية السخرية والتهكم ـ  أغاليط السوفسطائيين ويبصر شباب أثينا بتوليد الأفكار من طريق جدل المحاورة متجهاً إلى سبر غور الروح الإنساني ممثلاً في العقل : يستطلع الافتراضات ويستوجب اليقينيات، ويتسأل؛ ليكون هو أول من ابتدع  فلسفة السؤال على الحقيقة، فظهر من منهجه أن السؤال الفلسفي أبلغ من محاولة الإجابة عنه.

وكانت طريقته تحتاج إلى تعريف دقيق وتحديد محكم للألفاظ بمقدار ما كانت تتوخى التفكير الصحيح؛ الأمر الذي جعل الثورة قائمة من السفسطائيين عليها، وعلى منهج سقراط ليقولوا : إنه يسأل أكثر مما يجيب، ويترك عقول الرجال أكثر اضطراباً مما كانت عليه قبل المحاورة والنقاش. ولكن الفلسفة كانت عند سقراط من حيث هى منهج تعني الوضوح بكل ما تحمله الكلمة من معان.

ولم يكن أفلاطون (427 ـ 347 ق. م) بأقل من أستاذه في ابتداع فن المحاورة الفلسفية كنوع من الكتابة، فياض بفنون الدراما والمناقشة والشرح المرسل، وفي كل هذه الركائز الرئيسة، لم يكن النقد يخلو مما كان يضمها ويشملها فيعكس عصره من جميع جهاته الثقافية : سياسة، وشعر، وفلسفة، وأدب، وخطابة، ثم قصة مصطنعة يصوّر فيها أفلاطون بالرمز ما لا ينال بالبرهان.

أمّا أرسطو (384 ـ 322 ق. م)؛ فهو الواضع الحقيقي للغة العلمية العامة، وهو الذي كشفت مصنفاته عن منهجية علمية فلسفية لذلك نجده أولاً يُعيّن موضوع البحث، ثم يسرد الآراء في هذا الموضوع ويمحّصها. وهو بالفعل قد جهد نفسه للوقوف على الآراء في جميع فروع العلم. ثم يسجل "الصعوبات" أي المسائل المُشْكِلة في الموضوع.

ويعرّف "الصعوبة" :" أنها وضع رأيين متعارضين لكل منهما حجته في الجواب عن مسألة بعينها ". وأخيراً : ينتقد في المسائل أنفسها، ويفحص عن حلولها، مستعيناً بالنتائج المستخلصة في المراحل السابقة. فلم يكن النقد ببعيد عن منهجية أرسطو؛ لأنه بغير النقد لا تقوم للفلسفة قائمة، ولا يعول على رأي فيها ما لم يكن قائماً على النقد التحليلي حقيقةً.

ويعتبر أرسطو بحق أول من وضع مناهج البحث العلمي والفحص الدقيق في العلوم. وكان يقول :"من الضروري أن يبدأ العلم بالفحص عن مسائله؛ لأن العقل إنما يبلغ إلى الاطمئنان بعد حل الصعوبات التي اعترضته، ثم لأن الباحث لا يدري إلى أي جهة هو متوجه؛ بل هو مستهدف لعدم معرفته إنْ كان قد وجد ما يبحث عنه أم لم يجد، من حيث إنه لا يتوخى غاية. أمّا الذي يبدأ بمناقشة الصعوبات؛ فهو الذي يستطيع أن يعيّن لنفسه غاية. وأخيراً : إنّ الذي يسمع الحجج المتعارضة جميعاً يكون موقفه أفضل للحكم.

ولتعيين الموضوع مزية أخرى، هى تعيين نوع الدليل الذي يلائمه؛ فإنّ البعض لا يقبل إلا لغة رياضية، والبعض لا يريد إلا الأمثلة، والبعض يريد الاستشهاد بالشعر، والبعض يحتم في كل بحث برهاناً محكماً، بينما غيره يعتبر هذه الأحكام إسرافاً ... ولكن يجب أن يبدأ بتعريف مقتضيات كل نوع من العلم؛ فلا تقتضي الدقة الرياضية في كل موضوع، وإنما فقط في الكلام على المجرّدات. ولذلك؛ فالمنهج الرياضي لا يصلح للعلم الطبيعي، لأن الطبيعة تحتوى المادة"؛ ولتأصيل الحركة النقدية الفلسفية تأصيلاً لا شك فيه لقدرة العقل على اكتشاف المجهول.

وكما كان النقد من الأهمية بمكان لدى فلاسفة اليونان، كان كذلك عند فلاسفة الإسلام، فلم يترك مستأخرهم لأسبقهم حركة ذهنية إلا وفحصها، وأتى على كنه الرأي فيها، فكل فيلسوف من فلاسفة الإسلام سواء كان من فلاسفة المشرق العربي أو من فلاسفة المغرب العربي، تمثلت عنده ملكة النقد في قبول ما يراه صالحاً للقبول ورفض ما يجده مخالفاً لما يراه من اتجاهات حول مشكلة من المشكلات.

والقبول والرفض بناءً على حجج عقلية وأدلة برهانية، ولم يكن يجري جزافاً بغير دليل معقول. ولقد كانت للواحد منهم معرفة شاملة بآراء عديدة للمفكرين والفلاسفة الذين سبقوه، عاشوا قبله أو عاصروه. لكنه مع ذلك كان يلتزم أدق التزام بخصائص وأشراط الفكر الفلسفي. ولم تكن ملكة النقد التحليلي في غيبة عن تلك الخصائص والأشراط؛ بل ولعلها أبرز هذه الخصائص الفلسفية بإطلاق. وإذا كان النقد من السمات البارزة في الفكر الفلسفي عامة، فهو كذلك من السمات البارزة في خصائص الفكر الفلسفي في الإسلام على وجه الخصوص؛ يجيء تعبيراً عن البعد الذاتي وعلامة على الرؤية التنويرية والحضارية الخاصّة بفلسفة الفيلسوف؛ فإذا اتسعت الرؤية الخاصّة بالفيلسوف كان ذلك دليلاً على اتساع أفق النظر عنده إلى أعمال الآخرين وأفكارهم ومذاهبهم؛ فلا يكون حكمه على هذه الأعمال والأفكار والمذاهب إلا ميزان اعتدال ينصف حين يكون الإنصاف ويبخس رافضاً حين يرى البخس والرفض حقاً لازماً من حقوق البحث والنقد والمراجعة والتحقيق.

ولا يخفى على دارس الفلسفة أشهر معركة فكرية في الفكر الإسلامي قامت على النقد، والنقد المحرّر الدقيق، بين الفلاسفة والغزالي من جهة، وبين ابن رشد والغزالي من جهة ثانية؛ ذلك لأن الفلسفة في جملتها منهجٌ له قواعده وخصائصه وأصوله تحتم على الباحث أن يلتزم بخصائص التفكير الفلسفي. والشك والنقد والاعتراض على ما يوافق المعقول أشراط دالة على الالتزام بخصائص الموقف الفلسفي عند هذا الفيلسوف أو ذاك.

ومن شأن الشك أن يرفع صاحبه فوق مرتبة الاعتقاد التقليدي؛ بمثل ما رفع المعتزلة الشك فوق الإيمان عن طريق التقليد. وبمثل ما فعل الغزالي؛ إذْ حدّد ـ بوجوب النقد ـ مراتب المعرفة والإيمان في  ثلاث مراتب. الأولى : إيمان العوام. وهو إيمان تقليديُّ محض تقليد. والثانية : إيمان المتكلمين, وهو ممزوج بنوع الاستدلال؛ ودرجته قريبة من درجة إيمان العوام. والثالثة : إيمان العارفين، وهو الإيمان المُشَاهَدُ بنور اليقين.

وبمثل ما وضع ابن رشد هذه الخاصة الفلسفية موضعها الصحيح؛ فرفع الإيمان مراتب إلى الأدلة البرهانية ـ والبرهان من علامات اليقين عنده ـ على الإيمان عن طريق الخطابة والجدل والتقليد أو عن طريق الجدل الكلامي بعد أن نقد الفرق الكلامية، أشاعرة ومعتزلة، نقداً عنيفاً، فكان نقده معبراً عن منهجية نقدية متميزة.

وكذلك فعل ابن طفيل فنقد الفارابي، وابن سينا، والغزالي، وابن باجه، وغيرهم من فلاسفة كبار. ولا تخلو الحركة الفلسفية في الإسلام في القديم والحديث، ولن تخلو على الإطلاق، من تبعة النقد الفاعل في التفكير الفلسفي على وجه العموم.   

ثم بعد هذا النقد المشروع الذي يدل على استفادة كبيرة من آراء هؤلاء الفلاسفة، يأتي الفيلسوف بمذهبه الخاص وبرؤيته الفلسفية التي إنْ دلت على شئ، فإنما تدل أكبر دلالة على التزامه بالخصائص الفلسفية مميزة للتفكير الواعي والرشيد، وهو في تفكيره الهادئ المتزن لم يكن عازفاً عن التخلي عن آراء يعتقد بها فيما لو وجد آراءً أخرى جديرة بأن يسلم بها وتتوافر لديه ماصدقاتها، إذا رأى فيها الأفضلية والقناعة والاستمرار.

هذه بغير ريب سمة التفكير المنطقي على كل حال يقود إلى منهج النقد ورعاية التقييم والاعتراض بالحجج والأدلة المنطقية كما يقودُ إلى ثقافة التنوير أكثر مما يقود إلى الخطأ والتضليل. وتلك السِّمة البارزة ينبغي أن نقتدي بها ونهتدي؛ فلا ننظر إلى أفكار الفلاسفة في بحوثنا الجديدة إلا بتطبيق معيار التحليل النقدي فلا نقبل منهم سوى ما يتفق ونهضة حاضرنا المعاصر، حتى نكون جديرين بشرف النسبة إليهم وممارسة حاضرتنا الواقعية كما تنبغي أن تكون الممارسة وتصلح لزمن غير الزمن الذي عاشوا فيه.

أمّا أن نوافق الفلاسفة وتخضع لهم خضوع المنقاد، وكأنهم هبطوا علينا من عنان السماء، فهذا ضرب من العته العقلي غير مقبول ولا معقول. ناهيك عن أنهم أنفسهم لم تتقرّر لديهم مثل هذه التبعية المنقادة في عالم الرأي والتفكير. ولم يفرضوا على أحد رأي ولا فكرة، ولم يحجبوا عن أحد حرية الرأي والتفكير، ولكنهم جميعاً أجمعوا على أنّ الفكر الفلسفي لا ينبت إلا في جوِّ من الحرية، يتنفس هواء نقياً صالحاً للإبداع وللاستمرار.

الفيلسوف حرُّ. وحريته سرّ إبداعه الفكري. والنقد بالنسبة له شريعة فلسفية لأنه شريعة التفكير وركيزة التطور فيه، ما دامت هى ركيزة الفهم المستنير المؤسس على ربط الفكر بالواقع في أغلب الأحيان. وهذا دوره الفاعل في كل الأجيال.

فهل نستطيع موافقة ابن سينا مثلاً في بحوثه الطبيعية والطبية ونهمل أسباب التقدم في الأزمان المعاصرة؟ صحيح أنه يبدو من جملة ما ذكره في هذه البحوث صادق المجهود الذي بذله في طبيعياته؛ إذْ كان يدفعه لاكتشاف الحقيقة ما توخّاه من مثل أعلى يسعى إليه بكل قوته العاملة وطاقاته العلمية. لقد ضرب ابن سينا مثلاً علمياً نادراً في زمنه، وهو وإنْ كان وضع لبنة من اللبنات العلمية يجب أن نكملها ونتممها ولا نهملها كل الإهمال، إلا أنها قياساً إلى فعل التطور في العصور والأحقاب جاءت ساذجة بالقياس إلى تقدم العصور الحديثة والمعاصرة، إنما ننظر إليها في عصره لا في عصرنا الحاضر.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم 

 

 

وعلي حبطيشبقلم: ميشيل توزي: مختص في تعليمية الفلسفة و أستاذ فخري بجامعة مونبلييه 3

ترجمة: حبطيش وعلي


 هناك عدة طرق للتعامل مع كتاب الفلسفة في السنة النهائية 1. مثلا:

- مقاربة تاريخية من نوع Bruno Poucet2: تحليل تطور الكتب المدرسية فيما يتعلق بتغيير البرامج، التحولات الهيكلية لنظام التعليم (جداول زمنية، أقسام، اختبارات، إلخ)، ظهور فلاسفة جدد في تاريخ الفلسفة، مفاهيم التعليم وتدريس الفلسفة، نوع الحكومة، الفترة (اعتدنا التعامل مع الاستعمار ...) إلخ.

- نهج تعليمي مقارن 3: مقارنة الكتب المدرسية من بلدان مختلفة في نفس الوقت (الأهداف المنشودة، المحتوى المغطى، الأساليب المستخدمة، إلخ) ؛

- نهج اجتماعي سياسي، يتماشى مع GREPH4 للأعوام 1975-1980، علماء الاجتماع البورديين مثل لويس بينتو 5: الوظيفة الأيديولوجية (بالمعنى الماركسي لألتوسير: مجموعة من الأفكار التي تعكس البنية الاجتماعية للواقع، والتي تكمن فائدتها لتبريرها) الفلسفة والمهمات المعطاة لمعلميها في نظام ليبرالي، واختيار المؤلفين المثاليين المتميزين، كتابًا واحدًا أم لا، إلخ.

ومقاربات أخرى، غالبا ما تكون مكملة لبعضها البعض ...

النهج التعليمي

ما هو كتاب الفلسفة؟

من جانبنا، نحن نفضل النهج التعليمي (الذي قد يشمل المناهج السابقة كـ "تخصصات مساهمة"): تحليل كتاب (كتب) الفلسفة من وجهة نظر عملية التدريس والتعلم لهذا التخصص. الكتاب المدرسي هو كائن تعليمي بامتياز، لأنه تم إنشاؤه خصيصًا للتعليم والتعلم. يمكن أن يدور هذا النهج حول أربعة محاور أساسية:

ما هو دليل الفلسفة: معرفة ما تتحدث عنه.

كتاب الفلسفة كطريقة تعليمية محددة للتعامل مع برنامج (برامج) الفلسفة المعمول به.

كتاب الفلسفة كدعم للمعلمين في تدريس الفلسفة.

كتاب الفلسفة كدعم للطلاب في تعلمهم للتفلسف.

بسبب نقص المساحة، سنتعامل فقط مع الأولين هنا، مع الاحتفاظ بالمقالين الآخرين لمقال مستقبلي. سوف نعتمد على مجموعة من حوالي ثلاثين عملاً من السنوات الخمس والعشرين الماضية، مع إعطاء أهمية للطريقة التي يقدم بها المؤلفون أعمالهم بأنفسهم، موضحين، بل ويبررون نواياهم التعليمية في كثير من الأحيان. لن يكون السؤال هنا يتعلق بتحليل تعليمي متعمق للكتب المدرسية، بل سيكون سؤالًا يطرحه المرء على نفسه عندما يريد إجراء مثل هذه التحليلات، مع بعض الأمثلة التي توضح السبل المثارة.

وقبل كل شيء: ماذا نعني بكتاب الفلسفة؟ إنها مسألة إعطاء تعريف تعليمي، وتصور الفكرة وإشكالياتها.

هل يجب أن نقول، على سبيل المثال، أنه "أي عمل يوزعه ناشر مدرسة يتناول الفلسفة كموضوع يتم تدريسه في العام الأخير"؟ في المدرسة الثانوية، لا يوجد كتاب مدرسي ليس له نظام تعليمي، وبالتالي في البرنامج: تم إجراء تجارب رسمية لعدة سنوات في البكالوريا المهنية، وهو الاختبار النهائي الوحيد الذي لا يحتوي على فلسفة، ولكن لم يتم تطوير كتاب مدرسي. في التعليم الزراعي، يتم استخدام الكتب المدرسية المصممة للتعليم الوطني. في هذا التعريف، يتم التركيز على مصدر المنتج، والانضباط الذي يتم التعامل معه ومستواه.

من "نوع العمل المدرسي الذي يهدف إلى مساعدة مدرس الفلسفة في تدريسه في فصل العام الأخير"؟ ثم نهتم بوظيفة الكتاب المدرسي وجمهوره. ولكن يمكن أن يكون ذلك "لمساعدة طالب الفصل الدراسي على تعلم الفلسفة". الجمهور يتغير هنا. وليس الأمر نفسه أن نقول "لتتعلم التفلسف"، حيث يصر المرء بدرجة أقل على المحتوى المطلوب تعلمه (التعريفات، والمعرفة في تاريخ الفلسفة ...) أكثر من الإصرار على النهج، وتعلم التفكير بنفسك . وإذا قلنا: "مساعدة طالب في السنة النهائية على الاستعداد للامتحانات"، فإننا نغير هدفنا.

ثم هل هناك حاجة لتعريف النوع: "أي عمل يقوم به ناشر مدرسة يكون موضوعه الفلسفة في فصل العام الأخير، بهدف مساعدة مدرس الفلسفة على التعامل مع برامج تخصصه و / أو الإعداد في اختبارات الامتحان، ولمساعدة الطالب على فلسفة واستيعاب الثقافة الفلسفية و / أو النجاح في البكالوريا "؟ وبالتالي، فإن محددات الكتاب الفلسفي تكون أساسًا مصدره (الناشر، المحرر (المحررون))، المرسل إليه (المرسلون) (المعلمون، الطلاب)، وظيفته (وظائفه) التعليمية (النقل التعليمي للبرنامج، متطلبات الاختبار مع الأخذ في الاعتبار الاختبارات)، والمحتوى الفلسفي (مثل المفاهيم والمؤلفين في صالبرنامج والنصوص والمعايير المفاهيمية وما إلى ذلك) والمناهج المنهجية (التدريبات والإجابات وما إلى ذلك) للتفكير والكتابة.

ولكن سيكون من الصعب تسمية "الدليل" بأنه عمل مخصص للمعلمين فقط (وليس للطلاب أيضًا، أو حتى حصريًا): إذًا سيكون أكثر من عمل تدريب للمعلمين 6 ؛ أو كتاب لا يتعامل صراحة مع البرنامج 7، مع ملاحق مهمة: مسرد المفاهيم، فهرس المفاهيم والمؤلفين، البيبليوغرافيا، الجدول الزمني الزمني، إلخ. هذا هو السبب في أننا نميل إلى الاحتفاظ كتعريف بالمعنى الضيق: "أي عمل يختاره مدرس الفلسفة للعمل على الانضباط مع طلابه خلال العام". ماذا يعني هذا بشكل ملموس، من بين المجموعات الواسعة التي توفرها الطبعة؟

أنواع الكتب المدرسية

إن جهد التصنيف ضروري لرؤية أكثر وضوحًا في الإنتاج التحريري (تعريف مفهوم الكتاب المدرسي بالامتداد).

أ) نقترح أولًا، يشير إلى تسلسل هرمي لنهائي الفلسفة في النهاية. وهي تميز:

1) الأعمال التي تعلن أن لديهم "هدفًا يتمثل في تعزيز وصول كل طالب إلى الممارسة العاكسة للحكم وتقديم ثقافة فلسفية أولية له" (الجملة الأولى من برامج 2003 و 2006). إن الغرض التربوي والثقافي، فيما يتعلق بتكوين الإنسان، مع الطبيعة المجانية للتمرين الفلسفي، هو الذي "يخدم" (إنه بالأحرى مسألة "هدف") فقط للتفكير الجيد، لتحقيق "حياة جيدة في مدينة عادلة "(ريكور) و" تعلم الموت "(سقراط، مونتين). إنه الكتاب المدرسي، حتى لو تم انتقاده من قبل أولئك الذين يصرحون بأنهم لا يحتاجون إلى كتاب مدرسي للآخرين لتدريس مساقهم الخاص، والذي يبدو لأرقى مهنة، لأنه موجه إليها. الطلاب).

2) الأعمال التي تهدف إلى "إعدادك جيدًا لاختبار البكالوريا في الفلسفة" (Prépabac Hatier 2005). إنه الهدف العملي النفعي، الذي يبحث عن الكفاءة، ويثير القلق لدى الطالب، في سوق العمل الضيق مع وجود أسرة في حالة ترقب، بسبب الالتزام بالنتيجة في الامتحان. هم، في سوق النشر التنافسي والمربح، هبة من السماء ... يتم توجيههم صراحة إلى الطلاب، الذين يندفعون إليهم، وليس إلى المعلمين (الذين قد يشعرون بأنهم محرومون من فعالية تعليمهم)، غالبًا ما يتم انتقادهم من قبل المهنة لمحتواها التخطيطي، وجانبها "الوصفة"، ونصائحهم المنهجية الرسمية ...

يعطي "الكل في واحد" لـ Prépabac TL-ES-S (2005)، على سبيل المثال، فكرة عما يبدو ضروريًا كعناصر أساسية في هذا النوع التحريري: "توليفة من الدورات التدريبية التي تقدم المفاهيم في البرنامج والمعالم. طريقة مفصلة لتمرير المقال وشرح النص ؛ تاريخ موجز للفلسفة. العديد من مواد البكالوريا ؛ تصحيحات مفصلة للتقييم الذاتي ". كل ما هو مفقود من التعداد هو نصوص المؤلفين، لأن هناك اختبار شفهي لإعادة النص على التعليق النصي (لكن الكتاب سيأخذ ثخانة أخرى بعد ذلك). سيكون لدينا فكرة أكثر تفصيلاً عن هذه العناصر المكونة في الفلسفة Organibac، والتنظيم، والطريقة والمعرفة في الدراسات (Magnard، 1983). سيكون هذا المزيج من المكونات عنصرًا حاسمًا في التكوين التعليمي في كتابة دليل ككائن تعليمي.

في النوع الأدبي SOS Bac، ستجد كتيبات تحتوي على ملخصات موجزة للدورة التدريبية، وأوراق ببليوغرافية للمؤلفين، وموضوعات الامتحان. هناك أيضًا Annales du Bac، وهي مجموعة من الموضوعات يتم تقديمها للامتحان، مع بعض الإجابات في كثير من الأحيان. ناهيك عن "نسخ جيدة من باك" (هاتير، 2 ت).

هناك توتر، يمكن تحليله على أنه تناقض يجب إدارته، في الفصل كما في الكتاب المدرسي، بين هذين الهدفين، والذي يأتي من مكان الفلسفة في المناهج الدراسية: التدريس لمدة عام واحد، عام امتحان، أن الامتحان الفرنسي رمزي، جواز السفر للتعليم العالي، البكالوريا! إنه الفحص، المصب، تمامًا مثل البرنامج المنبع، الذي يقود المنتجات التعليمية. وعلى نفس المنوال، نوع الاختبار المقترح هناك، والأطروحة، والشكل الذي يتخذه مع الموضوع الثالث في النص.

ومن هنا جاءت الأعمال المنهجية: "يهدف هذا العمل إلى توفير المعلومات الأساسية لطلاب السنة النهائية ومساعدتهم على تقييم طريقة الرسالة والتعليق النصي" (Russ J. .

لكن لا يمكن لأي مؤلف، على الرغم من هذا المهيمن أو ذاك، أن يتجاهل تمامًا الهدف الآخر (الهدف الثقافي أو الاهتمام النفعي). إذا كان الهدف الثاني هو المسيطر: "ما وراء هدف البكالوريا، إذا نجح هذا الكتاب أيضًا في إثارة فضولك الفكري ... فسيكون قد حقق طموحه بالكامل" (Prépabac، id

م). إذا كان هو الأول: "اقتراح موضوع يمكن ممارسة التفكير والتفكير النقدي فيه"، فسيكون "كجزء من التحضير للبكالوريا" (Delagrave، 2003).

وبنفس الطريقة، سيكون من الضروري دائمًا مراعاة عدة مكونات للبرنامج بطريقة أو بأخرى (المفاهيم، المشكلات، المؤلفون، الأعمال، إلخ)، حتى لو كان التركيز على أحدها. ومن هنا كان الإبداع التربوي في التوافقية. يوضح النوع الأول من الكتيب الحالي بقوة القضايا المتعلقة بمفاهيم النصوص. القاموس الفلسفي لـ J. Russ8 (بورداس، 1991)، هو قاموس مزدوج للمفاهيم (يُدعى "المصطلحات والمفاهيم")، ومعجم الفلاسفة. Pratique de la Philosophie de A à Z (Hatier، 1994) هو قاموس يعتمد على "الإدخالات المفاهيمية وإدخالات المؤلف"، ولكن تحت عنوان نصوص معينة من الفلاسفة "يتم الاحتفاظ بها باعتبارها الأكثر اقتباسًا واستخدامها من قبل المعلمين وطلابهم . غيدوباك فيلو (Belin 1992)، يهدف إلى أن يكون "دورة منهجية للأطروحة"، مع "90 خطة تفصيلية"، لكن الملخص يوضح مفاهيم البرنامج الذي ستتعلق به الرسائل، وتحدد صفحة الغلاف "الكل مفاهيم البرنامج ".

ب) يمكننا التعبير عن هذا التصنيف الأول من خلال الأغراض مع ثانية من قبل الجماهير، من خلال التساؤل: لمن هو الدليل؟

لقد رأينا أن النوع الثاني أعلاه تم توجيهه صراحة للطلاب. إنهم لا يحتاجون إلى معلمهم لشرائها من المكتبات. غالبًا ما يكون السبب هو أنهم وجدوا الدورة التدريبية صعبة، أو لم يغطوا جميع المفاهيم، أو يعتبرون أنفسهم غير مستعدين بشكل كافٍ للامتحان، أنهم يلجأون إلى هذه الكتب، غالبًا في نهاية العام، عن طريق تعويض الاستبدال.

ليس هذا هو الحال مع النوع الأول، الذي يخاطب كلا الجمهورين في وقت واحد. يجب أن يكون التحليل دقيقًا. هناك كتب للاستخدام من قبل كبار السن فقط: "أنت تحمل بين يديك قاموسًا للفلسفة مخصصًا، على سبيل الأولوية، للطلاب في الصفوف العليا" (روس، بورداس، 1991). وسيقوم نفس المؤلف بعمل قاموس آخر للفلسفة (Colin، 1995) والذي "يستهدف، في الأولوية، طلاب الكليات - من Deug إلى التجمعات - إلى المرشحين للمدارس الكبرى ...". على مستويات مختلفة، أعمال من مستويات مختلفة!

لكن العديد من الكتب تستهدف جمهورًا أكثر تنوعًا. على سبيل المثال، تقول إصدارات جاما (1988)، التي افتتحت بملخص لمفاهيم برنامج السنة النهائية، في التحذير: "الكتاب مخصص قبل كل شيء للطلاب في الفصول النهائية والطلاب في الفصول الإعدادية". يمكن تفسير هذا الموقف من خلال أهمية الفلسفة في الفصول التحضيرية الأدبية أو التجارية. عمل واحد لجمهورين من مستويات مختلفة، قد يكون صعبًا جدًا على المستوى الأدنى! يلقي كتاب الفلسفة والفلسفة (Morichère، Nathan، 2 T.، 1992) بشبكة واسعة: "تستهدف هذه المختارات كل أولئك الذين تقودهم دراساتهم إلى الاهتمام بالنصوص الفلسفية: الطلاب في الصفوف النهائية والصفوف الإعدادية على وجه الخصوص، وكذلك طلاب المرحلة الجامعية. كما أنه مخصص للبالغين الذين ... ".

هذا هو الحال أيضًا بالنسبة للمجموعات المتخصصة في المفاهيم أو المؤلفين أو الأعمال، والتي يكون جمهورها بالضرورة أوسع من جمهور فصول السنة النهائية، ولكنها تدعي ذلك: نجد، على سبيل المثال، "الاختيار الفلسفي" في بورداس (أرسطو، النصوص تم اختياره وتقديمه بواسطة L. Millet، 1967) ؛ مجموعة "التوليف، سلسلة الفلسفة"، في كولن (ديكارت والعقلانية، ف. رافين، 2001) ؛ "الأعمال والكتيبات الفلسفية"، في Hachette (ديكارت، تأملات ميتافيزيقية، 1981): "الموضوعات والأنظمة. تكاملات الفلسفة "(فرويد والتحليل النفسي، 1987)، في ناثان إلخ. Hatier، على سبيل المثال، لديها مجموعة "Profil". تتعامل سلسلة "الفلسفة" (البكالوريا الخاصة، الملف التعريفي التدريبي) مع جميع مفاهيم برنامج السنة النهائية، ولكن بدلاً من أخذها واحدة تلو الأخرى، يجمع كل كتيب معًا تلك المفاهيم المرتبطة تاريخياً ونظريًا (مثل العنف و السلطة، 1978). مزيج آخر، ولكن بين المفاهيم نفسها 9. سلسلة مفاهيم فلسفية. وأوضح النصوص. الموضوعات التي تم تحليلها "، يتعامل كل عمل مع فكرة واحدة عن البرنامج (على سبيل المثال: Freedom، 1995)، ويتعامل مع خمس قضايا حول هذا المفهوم (على سبيل المثال: الحرية والمسؤولية)، مع تعليق موجز لكل من 4 إلى 6 نصوص. تم تصميم "سلسلة نصوص فلسفية" خصيصًا لدراسة الأعمال الفلسفية في Terminale (مثال: Ménon de Platon، 1987)، عمل قصير أو جزء كامل من العمل، و "يعرض تحليلها في مقدمة. تشرح التعليقات فكرة المؤلف ببساطة قدر الإمكان دون خيانة لها. تذكر أن هذه الدراسة عبارة عن برنامج إلزامي فقط (حاليًا بمعدل عملين في TL وواحد في السلسلة العامة الأخرى).

علاوة على ذلك، نظرًا لأنه يتعين على مؤلفي هذه الكتب المدرسية مخاطبة كل من المعلمين والطلاب، فكيف يمكن إدارة عدم تجانس مستوى واحتياجات جمهور أولئك الذين يعلمون والذين يتعلمون؟ "المتطلبات المحددة جدًا لمعلمي الفلسفة ومتطلبات الطلاب غالبًا ما تكون متناقضة. إن كتاب الفلسفة الجديد هذا ... يهدف إلى الاستجابة لهذا الطلب المزدوج "(Hatier، 1995). ولكن كيف يمكنك الوصول إلى الطلاب دون وضع نفسك في مستواهم؟ "لإعطاء، للمعلم وكذلك للطالب، العناصر الضرورية للحوار الذي يبدو لنا أنه يميز تدريس الفلسفة" (Hachette، T / FGH، 1992). "الهدف من Parcours Philosophique هو تعزيز لقاء المعلم والطالب" (Nathan، T-CDE، 1985).

نحن نعلم أن الجمهور المستهدف هو الذي يحدد نوع الكتابة إلى حد كبير: ما هو "التسجيل أو مستوى الصياغة اللغوية والمفاهيمية" 10 الذي يمكن ويجب عليه استخدام كاتب كتاب مدرسي فلسفي ليتم فهمه من قبل طلاب المدارس الثانوية، دون تبسيط أو ديماغوجي للزملاء؟ . دعونا نحدد المفهوم التعليمي المستخدم: مستوى الصياغة لغوي جزئيًا، عندما يتعلق الأمر باستخدام كلمات مفهومة في عمر معين (اللغة الفرنسية الشائعة إحصائيًا لطالب في المدرسة الثانوية يبلغ من العمر 18 عامًا، تم المبالغة في تقديرها في العديد من الكتب المدرسية المؤلفين، وخاصة في السلسلة التكنولوجية). وهي أيضًا مفاهيمية عندما تفترض معرفة عقيدة معينة (على سبيل المثال، متعالي في كانط).

نظرًا لأن لدينا لغة فقط لبناء فكرنا، وبما أن الفلاسفة يقدمون كلمات معينة شائعة الاستخدام (ناهيك عن الكلمات التقنية) معنى دقيقًا لا يغطي بالضرورة هذا الاستخدام، فإن المشكلة التعليمية معقدة (د حيث الحاجة إلى القواميس، تعريفات…). ما هي طبيعة وشروط التسوية؟ هل بالأحرى مخاطبة هذا الجمهور أو ذاك دون إغفال الآخر؟

اعتمادًا على ما إذا كان المرء يفضل وجهة نظر أو أخرى، فمن المرجح أن يكون المحتوى مختلفًا. يلقي سجل النطق الضوء على نوايا المؤلفين. فلنقارن:

- "لتوفير أداة للتأمل تتكيف ... مع روح ومستوى تلاميذنا الذين يحضرون هذه الفصول" (ناثان، السل، 1980)، حيث نخاطب المعلمين ؛

- إلى: "طلاب المدارس الثانوية يتعاملون مع الفلسفة في نهاية دراستهم الثانوية فقط" (idem)، حيث يكون طلاب المدارس الثانوية هم من نتحدث عنهم (المعلمين؟) ؛

- au manuel de Grataloup/Vignard (Bréal, T techno, 2006): « La philosophie est une discipline que vous découvrez…Où que vous ouvriez ce manuel, vous trouverez… Nous avons voulu vous permettre… », où les lycéens sont ceux auxquels

نتكلم في كتاب M. Onfray (Bréal، 2001)، المخصص على النحو التالي: "إلى طلاب المدارس الثانوية الفنية في الماضي والحاضر والمستقبل"، يتم توجيه الفصول إليهم مباشرةً ("لماذا لا تمارس العادة السرية في فناء المدرسة؟، ص 50). "هل سبق لك أن أكلت لحمًا بشريًا؟" (ص 43)، أو "هل يمكنك الاستغناء عن هاتفك الخلوي؟" »(ص ٩٤) له تأثير مختلف على المراهقين عن تأثير" الطبيعة والثقافة "أو" التقنية "في الكتب المدرسية الأخرى، حيث يتناول بيان البرنامج ...

دعونا لا ننسى أن اختيار الكتاب المدرسي من النوع الأول يعود للمعلم لفصله، أو لمجموعة الزملاء في المؤسسة. لذلك من الضروري أولاً إقناع المعلمين بأهمية الأداة: تعليميًا، عندما يكون المرء محررًا، وبسبب المخاطر التجارية التي يتعرض لها المحرر، تحت ضغط سوق شديد التنافسية، حيث المخاطر والمال تعتبر المخاطر كبيرة بسبب جماهير الأموال المتضمنة، لأنها تستهدف مئات الآلاف من المشترين الأسرى من القراء.

لذلك فإن الكتاب المدرسي المبتكر من الناحية التعليمية لديه فرصة ضئيلة لاعتماده من قبل ناشري المدارس الرئيسيين، إذا كان لا يتوافق مع الممارسات المعتادة لمعلمي الفلسفة، بما في ذلك غالبية الهيئة ومؤسساتها - المفتشية العامة والجمعية المتخصصة الرئيسية (APPEP) - مناهض جدا للتربوية ...

على سبيل التوضيح، مثال شخصي على اقتراح مبتكر في ذلك الوقت (199311)، والذي يهدف إلى إدخال مفهوم الكفاءة في تعلم الفلسفة في كتاب مدرسي جديد. مقتطف من رسالة من مدير التحرير لناشر كبير جدًا اتصل بي وأعطيت له جزءًا من المخطوطة: "اتخاذ القرارات صعب دائمًا لأن المخاطر الفكرية والمالية في مدرسة النشر يجب أن نحيط أنفسنا بها بأكبر الاحتياطات. كما أخبرتك دائمًا، أنا أؤمن بأصالة نهجك وأهميته في الفصل الدراسي. هذا هو سبب دعمي لفكرة تحويلها إلى كتاب مدرسي. لكن علي أن أذهب إلىالأمر الواضح: إن مقاربتك تثير مثل هذه التحفظات والعديد من الأسئلة لدرجة أن إصدار المدرسة يبدو سابقًا لأوانه بالنسبة لي اليوم. أنا آسف جدا لذلك، وأنا أشعر بالأسف على مستوى الآمال التي كنت قد وضعتها في هذا المشروع ... ".

الاحتياطات هي ضمانات قوية للناشر، بما في ذلك التكيف مع ممارسات الصناعة والثقة الممنوحة للمحررين. من خلال البحث في مجموعة الوثائق، يمكننا أن نشير تجريبيًا إلى بعض المعايير لهذه: وجود ممارسة تحريرية معترف بها (كانت هذه حالة ج. روس على سبيل المثال) ؛ أن يكون زميلًا (يعرف نفس نوع الطالب مثلي، وليس أكاديميًا أو مفتشًا) ؛ agrégé في الفلسفة (أكثر من التربوي)، بالنظر إلى المستوى النظري الذي تم الوصول إليه، وهو ضمان في فرنسا للكفاءة الفلسفية (وبالتالي التربوية، "الفلسفة هي أصولها التربوية") ؛ عدم التهاون مع التفتيش، الأمر الذي من شأنه أن يثني عن اعتماد الدليل في الميدان ...

الحرية التي يأخذها بريال لنشر كتاب مضاد للفلسفة (M.، Onfray، 2001) تجد معناها في موقف الأقلية للناشر في سوق المدرسة، وكوسيلة للبدء، الشهرة الإعلامية لمؤلفها، وفي جزء أقلية من هيئة التدريس أكثر ميلًا، بحكم الضرورة والتفكير، إلى مواجهة التدريس الصعب للفلسفة الجماعية لـ "طلاب المدارس الثانوية الجدد" في المدارس الثانوية الفنية، لتجربة ممارسات جديدة من أجل البقاء.

يمكننا أن نلاحظ الطابع التعليمي الجديد للعمل: لغة يمكن الوصول إليها ؛ أسلوب استفزازي على غرار ديوجين، يتعارض مع اللغة الخشبية "الصحيحة فلسفيًا" ("هل يجب أن تبدأ العام بحرق أستاذ الفلسفة الخاص بك؟") ؛ إعادة النظر في الاهتمامات الفلسفية من خلال اهتمامات الشباب والقضايا الحالية (الحد الأدنى للأجور، الشبكة، ميول الأطفال، المواد الإباحية، "لا مستقبل"، مشاحنات الشرطة، إلخ) ؛ تجديد مجموعة النصوص (النص الأول بقلم R.Vaneigem، ويتم استدعاء التقليد المادي والمتعة إلى حد كبير) ... تظل الحقيقة أنه إذا أعلن عن تحويل قيود البرنامج "إلى سلسلة من السقراط والبديلة". دروس "، لبيع نفسها ككتاب مدرسي، كان علينا إعطاء الدروس، وإثارة المشاكل، والتعامل مع المفاهيم في العديد من الفصول، ووضع النصوص، وتقديم المشورة للأطروحة ...

كتيب الفلسفة:

طريقة تعليمية لمعالجة البرنامج

في فرنسا، يعتبر كتاب الفلسفة جزءًا من سلسلة التحويل التعليمي 12. أقول في فرنسا لأنها دولة مركزية، حيث يتم تطبيق نفس البرنامج في كل مكان (وهذا ليس هو الحال في ألمانيا أو سويسرا على سبيل المثال). وهي تقع في اتجاه مجرى "المعرفة التي سيتم تدريسها" (البرنامج، في حد ذاته إعادة بناء للاستخدام المدرسي لـ "المعرفة العلمية" لتاريخ الفلسفة)، ولكن منبع "المعرفة التي يتم تدريسها" من قبل المعلمين و "المعرفة المكتسبة "من قبل الطلاب.

يتم دفعه جزئيًا إلى المنبع (البرنامج)، وجزئيًا في المراحل النهائية (الاختبار)، وأيضًا حسب احتياجات المستخدمين (المعلمين والطلاب). البرنامج حاسم في المنبع. تتغير الكتب المدرسية عندما تتغير البرامج (على سبيل المثال: 2001 بعد برنامج Renaut ؛ 2003 - السلسلة العامة - و 2006 - السلسلة التكنولوجية - بعد برامج Fischant)، لأن البرامج يمكن أن تعدل الأهداف، تحذف أو تضيف محتوى، تعكس الطرق المقترحة، التي يلتزم بها المعلمون قانونًا، وهناك تفتيش للتحقق منها، للتعامل معها.

على سبيل المثال، مقارنة ببرنامج عام 2001، يزيل برنامج 2003 "أسئلة التحقيق" (122 صفحة في Nathan، 2001، لـ TL)، لكنه يضيف "معايير" (صفحة واحدة لكل فكرة من 22 فكرة، و 12 صفحة ملخصة في نهاية الكتاب، أي 34 صفحة في Delagrave، 2003 لـ TL)، يعيد هيكلة عرض المفاهيم، ويزيل بعضها ويضيف البعض الآخر، ويحتوي على 7 مؤلفين إضافيين، وما إلى ذلك. إنه الكتاب المدرسي بأكمله الذي يجب إعادة تصميمه فيما يتعلق بهذه التعديلات (يجب على سبيل المثال التعامل مع جميع المفاهيم وفقًا للبرنامج، ومن الصعب تصور كتاب مدرسي بدون أي نص من المؤلفين السبعة الجدد)، حتى لو كان واحدًا سيتم قصها ولصقها لإعادة تدويرها من أجل ما تبقى أو تداخل.

سيكون من المثير للاهتمام أيضًا معرفة التغييرات في كتب الفلسفة في العمق وعلى السطح:

- لأن هناك ثوابت في الانضباط في البرامج (على سبيل المثال 1973، 1983، 2001، 2003، 2006)، يظل تعميم Anatole De Monzie لعام 1925 هو المرجع لأي برنامج جديد! الأغراض النقدية والمدنية والمفاهيم والمؤلفون حول المشكلات والأطروحة ("التراث الأساسي للتعليم الفلسفي" P-2001) والتعليق النصي، إلخ. يمكن التركيز على الاستمرارية: تكرار المفاهيم الأساسية مثل الحقيقة والحرية، ونصوص معينة تعتبر ضرورية، والنصيحة فيما يتعلق بالأطروحة، موضوع البكالوريا، يبقى فيلسوف البرنامج فيلسوف غربي وميت ...). لماذا، على سبيل المثال، المفاهيم وليس المشاكل، على النحو الذي اقترحه ACIREPH13، عندما يجب أن تكون الأولى فرصة لمعالجة الثانية؟ هذا ما أظهره L.L. Grateloup (Hatier، 1985) في عمله Problématiques de la Philosophie، حيث يتعامل مع القضايا الرئيسية التي أثارتها مفاهيم برنامج السلسلة التكنولوجية.

- على العكس من ذلك، يمكننا التأكيد على التغيير (ليس ثوريًا أبدًا، لأن الفلسفة دائمة!). على سبيل المثال، قدمنا ​​لأول مرة، في برنامج عام 2001، مفهوم الكفاءة (الذي تحدثت عنه في عام 1992)، وفي عامي 2003 و 2006 نتحدث عن القدرات ؛ وأول امرأة بين المؤلفين (حنا أرندت)! في إصدار 2003 من المراجع المعجمية والمفاهيمية. هناك أيضًا اعتبار أوضح لخصوصية السلاسل المختلفة للبكالوريا العامة، مع بعض المفاهيم المختلفة اعتمادًا على الدورة وخصوصية السلسلة التكنولوجية. هناك أيضًا تطور ملحوظ في الأيقونات، في حين أن مكانة الصورة في تعلم الفلسفة تم دائمًا التقليل من قيمتها مقارنة بتجريد المفهوم في التقليد العقلاني: أطلس الفلسفة (بوكيت بوك، 1993)، حيث الصفحة اليسرى يتكون من صور ورسوم بيانية، وحق النصوص، تذكر ترجمة كتاب ألماني!

حدثت نقطة تحول في الثمانينيات والتسعينيات. حتى ذلك الحين، غالبًا ما كان هناك تمييز بين "دورة الفلسفة"، "المكونة من الدروس المكرسة لمفاهيم البرنامج" (Grateloup، مفتش الفلسفة، Hachette، TL، 1990) و "المختارات الفلسفية" (idem Grateloup، 1992)، تعتبر مكملة. مثال: "يتضمن مقرر الفلسفة مجلدين متكاملين: الأول - رسالة في الفلسفة، حيث تدرس المشاكل ... ثانيًا - مجلد بعنوان: تاريخ الفلسفة من خلال النصوص ..." (مورال، تحرير. جاما، 1988).

ثم تظهر الأعمال المختلطة، والتي تعطي مظهر الكتاب المدرسي الحالي، حيث تظهر النصوص كرسوم إيضاحية للمشاكل حول المفاهيم: "كل فصل (حول مفهوم البرنامج) - يفتح بمقدمة موجزة (والتي تعمل كدورة)" (المفاهيم والنصوص، ناثان، السل، 1980)، وتليها مقتطفات من النصوص. فيما يلي ملخص للابتكار، والذي يلخص في مجلد واحد الاضطرار إلى التعامل في البرنامج مع المفاهيم والمؤلفين، مع تعليق على النص قيد الفحص: "فلسفات Parcours (Nathan، T - CDE، 1985، P- 1983) ولدت من التقاء فكرتين، مفهومين لكتاب الفلسفة المدرسي: المختارات، مع ثرائها من النصوص، والمقرر، مع اهتمامه بالطالب. أردنا الجمع بين مزايا هاتين الصيغتين ". أو: "تشكل النصوص بين كل مقتطف مقتبس مسارًا حقيقيًا من خلال النصوص" (Nathan، for T - FGH، 1992). طريقة للتوقف عن التنافس مع المعلم.

في الواقع، الغلبة في تقاليد وممارسات "درس" المعلم (مع ربما في مكان ما حنين التلاميذ "التلاميذ")، الذي يجب أن يكون مساره "عملاً" ؛ ومن ناحية أخرى، فإن "الحرية التربوية" للمعلم التي أعيد التأكيد عليها في البرامج (كشرط من شروط الحرية الفلسفية والديمقراطية)، تعطي الكتاب المدرسي مكانة غامضة. دعونا لا ننسى أنه تم إنشاء برنامج في نهاية القرن التاسع عشر للإشراف على معلمي الفلسفة في المقاطعات، فإن الباريسيين، نظرًا لذكائهم، لم يكونوا بحاجة إليه! لا يوجد "كتاب ماجستير" في الفلسفة على عكس التخصصات الأخرى ...

شاهد هذه الاحتياطات الخطابية: "لا يمكن لهذا الدليل، بالطبع، أن يحل محل دورة المعلم" (Hatier TS 1995)، أو "لا يتضمن دورة منهجية تكون مهنتها غير المعترف بها هي استبدال كلمة المعلم (Hatier، TL، 1995). أو: “هذا العمل لا يشكل معادلاً لمقرر فلسفة، ولا ملخصه أو خطته. الدورة هي عمل مدرس الفلسفة، الذي يوجهها ويؤلفها بحرية، ويديرها بمسؤولية كاملة "(ناثان، TL، 2001) ؛ أو: "ليس المقصود أن تحل محل الدورة التي طورها المعلم (Raffin، Delagrave، 2006) إلخ. الشيء نفسه عندما يتعلق الأمر بالكتب المخصصة للطلاب مباشرةً: "هذا الكتاب ليس لديه الطموح ولا الوسائل لاستبدال مقرر معلمك، الذي يظل ضروريًا ولا يمكن الاستغناء عنه لإعدادك جيدًا لـ" اختبار فلسفة البكالوريا "(Prepabac، TL / ES / S، 2005). تسمع القضية! ومع ذلك، لا يزال هناك تناقض بين الرغبة في معالجة فكرة حتى ولو قليلاً دون إعطاء درس: "تبني خطة، بدون استبدال درس، تأخذ مظهر واحد"! (ديلاجريف، 2003).

لأن التعليم الفلسفي الفرنسي، إذا كان جزءًا من إطار ديمقراطي وعلماني، لا يفعل ذلك لا ينبغي تلقين الطلاب أو نشر فلسفة رسمية. إن تعدد الكتب المدرسية من الناشرين الخاصين (على عكس الكتاب المدرسي الفردي في بعض البلدان)، الملتزم ببرنامج حكومي، ولكنه حر في نقله، يترك هامشًا فلسفيًا ملموسًا (على سبيل المثال، المادي أو الروحاني) وهامشًا تعليميًا للكتاب.

نتيجة لذلك، قد يبدو أنه "موجه"، من حيث أنه ليس محايدًا: "إذا كان البرنامج يمكنه سرد المفاهيم، فإن الكتاب المدرسي يشارك بالفعل في مناقشة حول تفسير البرنامج ومعالجته" (Raffin، Delagrave، 2003). على سبيل المثال، نختار ("من أجل سهولة القراءة والملاءمة"، Delagrave 2006)) أو لا نختار ترتيب مفاهيم البرنامج. يمارس The Cours de Philosophie بواسطة L.L. Grateloup (Hachette 1990) "وفقًا للترتيب الأبجدي للمفاهيم"، لأنه "لا يوجد مفهوم يتمتع مسبقًا بوضع فلسفي متميز". لكن كل دورة تدريبية "تتكون من الدروس المخصصة للمفاهيم" هي "حصرية، لأن كل درس هنا هو شيء آخر غير مراجعة بسيطة موزعة على آراء مختلفة أو تجاور مسطح للعقائد"، "محور جديد لدورة مسؤولة يعطيها معناها ". هذا هو السبب في أن الكتاب المدرسي يمكن أن يظهر دائمًا في جانبه الذي يشبه الدورة التدريبية كمنافس لدورة المعلم.

علاوة على ذلك، نظرًا لوجود برنامجين، 2003 للسلسلة العامة و 2006 للسلسلة التكنولوجية، سيكون هناك نوعان من الكتيبات. نظرًا لأن السلسلة العامة تحدد بعض الاختلافات بين سلاسل L و ES و S14، فهناك اختيار بعض المحررين بين إنتاج دليل لكل سلسلة عامة (TL، ES، S ؛ على سبيل المثال Bordas، 2001)، أو واحد فقط من أجل سلسلة ثلاثية (مثل Delagrave. إنها أيضًا أكثر اقتصادية! ولكن سيكون من الضروري بعد ذلك تبرير السبب: "إنها لا تتوافق مع نص البرنامج، ولهذا السبب تحترم روحه). نظرًا لأنه نفس البرنامج للسلسلة التكنولوجية المختلفة (STG و STL و STI و SMS و Hospitality)، سيكون هناك دليل واحد فقط لكل هذه السلسلة.

ثم يثور السؤال حول ما إذا كان، بخلاف التشابه القوي بين برنامجي السلسلة العامة والتكنولوجية، والذي يضمن "وحدة تدريس الفلسفة في الدرجة الثانية"، وبصرف النظر عن العدد المحدود من المفاهيم بسبب الجدول الزمني الأقصر في الثواني، من الضروري أو عدم مراعاة خصوصية تلاميذ التيارات التكنولوجية، أي ما إذا كان الاختلاف في الأماكن العامة متغيرًا تعليميًا أساسيًا لكتابة الكتب المدرسية.

هذه مشكلة فلسفية تعليمية مهمة، اعتمادًا على ما إذا كنا نعتبر أننا نخاطب أنفسنا في الفلسفة لطلاب ملموسين، أو نأخذها كما يجب أن نأخذهم إلى أبعد من ذلك، أو لجمهور عالمي من الكائنات الموهوبة بالتساوي مع العقل، والتي تتخلى عن قراراتهم الخاصة عند عتبة الفصل. نتعرف هنا على أحد عناصر النقاش الذي يعارض في فرنسا الجمهوريين من مجتمع العقول العقلانية للطالب المجرد وعناصر التربويين، الذين يريدون أن يعرفوا جون (كما يقول ديوي)، وليس فقط الفلسفة، للتدريس. فلسفة جون ...

سنقوم هنا بقياس الفرق بين: Nathan Technique FGH 1989، الذي يتحدث بشكل عام عن "الطالب" ؛ Nathan STT / STI / STL / SMS 1992، الذي يقدم دليله "للطلاب في الأقسام التكنولوجية (لإظهار) أن ممارسة الفلسفة لا ينبغي أن تكون من اختصاص البعض ..."، "للطلاب الذين غالبًا ما يثير قلقهم متطلبات الصرامة والعقلانية التي يجب أن تقدم أي تساؤل فلسفي "، حيث تظهر خصوصية هؤلاء الطلاب؛ و Delagrave 2006: "أردنا أن نأخذ بعين الاعتبار خصوصية الطلاب في السلاسل التكنولوجية. لقد علمتنا تجربتنا ... الحاجة إلى ترسيخ الفلسفة في الواقع: الاستخدام المتكرر للأمثلة، والحاجة إلى مضاعفة الوساطات والتعديلات، والاهتمام باستخدام "الروافع التربوية" (ملاحظة المحرر: تم إسقاط الكلمة، حتى بين علامات الاقتباس) ( الوثائق الإثنولوجية والصور وموضوعات النقاش المعاصر وما إلى ذلك). ولذلك فقد قادنا إلى تعديل هيكل دليلنا للسلسلة العامة وإدخال ابتكارات تتكيف مع الظروف الخاصة للتدريس في السلسلة التكنولوجية ... "15. نرى هنا مراعاة مبدأ الواقع: صعوبة، حتى في حالات معينة، استحالة التدريس في فصول معينة، وخاصة الفصول التكنولوجية، والنتيجة التالية: من الضروري بالتالي تعديل تعليم الفلسفة ومن هنا كتبه المدرسية.

السؤال إذن هو أن تعرف بأي طريقة. وهذا هو المكان الذي يجب أن يُبذل فيه الجهد، والذي لا يوجد أثر يذكر منه في الكتب المدرسية، عندما نقارنها بعشرين عامًا متباعدة، يكون ثقل التعليم التقليدي ثقيلًا للغاية. ما نجده، على سبيل المثال، هو أن تنظيم المناقشات الصفية لا يزال غائبًا عن الكتب المدرسية، في حين أنه هي طريقة واعدة لتعلم الفلسفة، نراها في التجارب في المدرسة الثانوية المهنية وفي الممارسات في المدارس الابتدائية والثانوية. لاحظ، مع ذلك، عمل Grataloup / Vignard (Séries techno، Bréal، 2006)، الذي يروج لبعض الأبحاث من قطاع الفلسفة في GFEN، حول الكتابة أو ندوة الفلاسفة. هذا هو التحليل الأكثر دقة الذي سنتابعه في مقالتنا التالية.

 

..........................

* رابط المقال:

https://www.philotozzi.com/2009/12/didactic-of-l

1 انظر الجزء العلوي من المصطلح Tozzi M.، "Des" manuals "للفلسفة في المدارس الابتدائية والمتوسطة"، Diotime l’Agora n ° 29، Sceren-Crdp de Montpellier، أبريل 2006.

2 انظر تاريخ تدريس الفلسفة في فرنسا في المدارس الثانوية، سبتنتريون، ليل، 1999، أو في تدريس الفلسفة، تشارلز بينارد، الفيلسوف والمعلم، 1999.

3 انظر شرحًا في Tozzi M.، "تحليل مقارن للنماذج التنظيمية المختلفة لتدريس الفلسفة وفقًا للبلدان المختلفة"، الندوة الفرنسية الألمانية حول المدرسة المقارنة، بوتسدام، سبتمبر 2005.

4 GREPH: مجموعة بحثية حول تدريس الفلسفة، أسسها J. Derrida وطلاب ENS، الذين انتقدوا الموقف المحافظ للفلسفة الرسمية، وموقفها "الرجولي" المتدلي (انظر Les Etats Généraux of Philosophy، Flammarion،). يحارب السيد أونفراي اليوم، من خلال كتابه Contre history de la Philosophie (Bréal)، المهيمن الروحاني والمناهض للمادية والمناهض للمتعة.

5 انظر الفلاسفة بين المدرسة الثانوية والطليعة، L’Harmattan، 1987.

6 مثال على الأعمال الثلاثة التي نسقها ف. رافين عن الأطروحة الفلسفية (1994)، القراءة الفلسفية (1995)، استخدامات النصوص في التربية الفلسفية (2002)، INRP-CNDP-Hachette.

7 هذه هي حالة كتابي Penser par soi- soi - Initiation à la Philosophie (Chronique Sociale، 1994)، والذي على الرغم من أنه يوضح للطلاب المهارات المتوقعة في الفلسفة، إلا أنه لا يتعامل مع المناهج الدراسية.

 

مجدي ابراهيمـــ حقيقة المثل الأعلى في الإسلام:

حقيقةً؛ ليس من مثل أعلى للتطبيق الفعلي لمكارم الأخلاق أصدق ولا أمثل ممّا تمثل في شخص سيدنا رسول الله، صلوات الله وسلامه عليه، فهو قدوة المقتدين بفعله وقوله وتقريره وجماع شمائله على التحقيق، فقد كان خُلقه القرآن، وقد وصفه الحق في موضع المدح والثناء والدفاع عنه بقوله تعالى:"وإنّك لعَلَى خُلُقٍ عَظِيم" (سورة القلم: آية 4) .

كان اسم "الأمين" يمثل التكافؤ الخُلقي في شخصه صلوات الله وسلامه عليه أصدق تمثيل. فلم تكن صفة أرجح في ميزان العدالة على صفة فيه، وهو الذي بلغ تمام الصفات الفُضلى جميعاً فأتمّها واستوفاها على الكمال الذي لا مزيد عليه، فشجاعته كحكمته، وحكمته كعدالته، وعدالته كرباطة جأشه، ورباطة جأشه كقوته في الحق، وقوته في الحق كعطفه، وعطفه كسماحته، وسماحته كصدقه، وهكذا لا تجد صفة فيه ناقصة عن أخرى، ولا صفة عالية عن الأخرى، ولا صفة فيه أقلّ من الأخرى، بل تتكافأ جميع الصفات في شخصه الشريف تكافؤ العدالة لكأنما توزن بميزان مُحرّر دقيق بغير زيادة ولا نقصان.

ولم يكن وصف القرآن له "وإنّك لعلى خُلق عظيم" ببعيدٍ عن هذا التكافؤ الخُلقي؛ فالخلق العظيم يسمو فيه فيُظهر التكافؤ ويبطل ما عاداه من اقتصار صفة دون صفة أو خُلق دون خلق. قد تكون في الشخص العظيم فضيلة بارزة كفضيلة الكرم أو فضيلة الشجاعة أو فضيلة الصبر والاحتمال، فيكون مشتهراً بين الناس بواحدة منها، ضعيف العمل بغيرها، أو يكون جسوراً مقداماً غير أنه شحيح في مواضع الإقدام، لا يستوفيها من جميع أطرافها، فتظل الصفة ناقصة غير كاملة رغم اشتهاره بين الناس بها واعترافهم بفضله فيها، ناهيك عن اتصافه بتلك الصفة نفسها دون سواها من فضائل الصفات، فيظل العظيم عظيماً متى استوفى صفة واحدة دون غيرها واقتصر عليها، لكنه مع ذلك لا يبلغ الكمال في العظمة، ولا يُقال في حقه إنه على خُلق عظيم.

أمّا أن تكون كل الفضائل الخُلقيّة مجتمعة فيه، بنسبٍ متكافئة، لا تندّ فضيلة فيه عن فضيلة؛ فهذه عناية الله وعدالة الله، ورعاية الله، واختصاص الله، وقد أدّبه ربه ـ كما قال عليه السلام ـ فأحسن تأديبه.

إنّما الخلق العظيم له من كل صفة فاضلة ميزانٌ ومقياس. فلا يقالُ لمن يتحصّل على فضيلة الشجاعة وكفى ذا خلق عظيم؛ لأنه قد يكون شجاعاً ولا يكون سمحاً وقد يكون سمحاً ولا يكون كريماً، وقد يكون كريماً ولا يكون صادقاً. وإنما صاحب الخُلق العظيم هو من توافرت ـ على العدالة ـ جميع الفضائل فيه، فكان كريماً وشجاعاً وصادقاً ووفيّاً ورؤوفاً وعطوفاً ومُخلصاً وأميناً بنسب متكافئة لا تنبو فيه صفة عن صفة، ولا فضيلة عن فضيلة؛ فجميع فضائله مجبولة على الكمال.

وهكذا كان، عليه السلام، على خُلق عظيم .كانت أخلاقه عليه السلام تنبع كلها من فطرته بنسب متفقة متساوية؛ فصبره مثل شجاعته، وشجاعته مثل كرمه، وكرمه مثل حلمه، وحلمه مثل رحمته، ورحمته مثل مرؤته، وهكذا لا تجد له خُلقاً في موضعه من الحياة يزيد أو ينقص على خُلق آخر في موضعه منها؛ بل تساوت لديه حظوظ الملكات الباطنة وتوافقت جميعها بأنصبة عادلة على الفطرة النقية الصافية، لا يزيد فيها خُلق على خلق، ولا ينقص منها خُلق عن خلق؛ ومن هنا كان جماع أمره عن قومه "الأمين".

وإذا كان اسم "الأمين" ـ كما تقدّم ـ يمثل التكافؤ الخلقي أصدق تمثيل؛ فهذا التكافؤ الخلقي أيضاً في وجوده الواقعي في شخصية محمد، صلوات الله وسلامه عليه، إنما هو بالتحقيق معجزة الحياة في الإنسان؛ لأن التاريخ لم يذكر من النماذج العليا للبشرية من كان هذا التكافؤ الخُلقي خليقته العامة سوى محمد عليه السلام؛ وإذا ذكر التاريخ غيره من النماذج العليا ذكره عنواناً لتبريز جزئي في بعض الأخلاق والفضائل؛ فهذا مثل مضروب في الصبر، وذاك مثل في الحلم، وثالث مثل في الكرم، ورابع مثل في الشجاعة ... وهكذا تتفرّق النهايات في الأخلاق والفضائل في نماذج متعددة، ولكنها تجتمع متكافئة في شخصه الشريف؛ وباجتماع الفضائل والأخلاق متساوية متكافئة في شخصه عليه السلام يظهر الإعجاز الإنساني في حياته، وهو القائل: "أدبني ربي فأحسن تأديبي".

ولعَلّ هذا الأدب الرباني هو مصدر الإعجاز في حياته عليه السلام من حيث كان ضابطاً نفسياً يفوق صنع الإنسان بمقدار ما يفوق طاقته على الحسم والعزم؛ فمثل هذا التكافؤ الخلقي في وجوده الواقعي في شرخ شبابه مع ملازمة الظاهرة الاجتماعية الأولى لحياته إنما هو ضربٌ آخر من الإعجاز الإنساني في الحياة؛ لأن تلك الظاهرة الاجتماعية كانت قمينة أن تدفع الشباب إلى طيش الغرائز، فتنقلب به الفضائل إلى رذائل جامحة؛ فوجود ضابط نفسي يعصم الإنسان من الانزلاق وراء تيارات الغرائز في إبّان قوتها العارمة هو الآية الكبرى على أن التكافؤ الخلقي الذي ينبع منه ذلك الضابط النفسي، ليس من صنع الإنسان، ولا في طاقته، وإنما هو من صنع التأديب الرّباني والعناية الإلهية. وقد أبرز هذه الناحية من سيرته عليه السلام بعص الكتاب المعاصرين وأفاضوا فيها مثل ما أفاض فضيلة الإمام الدكتور محمد الصادق عرجون ف كتابه النادر "محمد من نبعته إلى بعثته".

لا شك كانت هذه الأريحية الخُلقية الفياضة هى الحلية الباطنة التي تمت بها حلية محمد، صلوات الله وسلامه عليه، في عيون الناس، وهى جواب محمد عليه السلام لما كان في قلوبهم من حب وإعظام، أو هى الآصرة التي تجمع بين قلبه وتلك القلوب في نطاق الأسرة الإنسانية؛ يحبونه ويحبهم، ويشعرون به ويشعر بهم، وكان نعم المسمى بالمختار؛ فقد أجمعت روايات التاريخ على أن النبي عليه السلام كان مثالاً نادراً للرجولة العربية؛ كان كشأنه في جميع شمائله مستوفياً لكمال الصفة من جميع نواحيها كما أشار الأستاذ الكبير عباس محمود العقاد في عبقرية محمد. فليس من مستغرب أن يكون جماع شمائله الشريفة هو "التكافؤ الخلقي" بهذا المقياس، وهو الذي لم تعرفه الحياة الواقعية لإنسان غير محمد عليه السلام، وهو في شبابه مفطور مجبول، لم يصنعه علم ولا تثقيف؛ لأن بيئة محمد في شبابه لم تكن بيئة علم وثقافة، ومن الطبيعي أن تكون ثمرات هذا التكافؤ الخُلقي محدودة بحدود البيئة التي عاش فيها، حتى إذا أتيح له أن يمتد ويتسع مع الرسالة العامة الخالدة أمتد وأتسع، فكان هو العنوان الذي رسم به القرآن الكريم الفضيلة العليا في حياته، فوصفه مادحاً: "وإنِّك لعَلَى خُلِقٍ عَظيم". 

وخلاصة سمته وآدابه (صلوات الله وسلامه عليه) أنها سماحة في الأنظار وسماحة في القلوب؛ فالسماحة هى الكلمة الواحدة التي تجمع خصاله الشريفة من أطرافها، والسماحة هى الصفة التي ترقت بمحمد إلى ذروة الكمال. ومَنْ يكون الرسول إنْ كان ولابدّ من تعريف وجيز لعلامات الرسالة؟ الرسول هو الذي له وازع من نفسه في الكبير والصغير ممّا يتعاطاه من معاملات الناس؛ لأن عمل الرسول الأول أن يقيم للناس وازعاً يأمرهم بالحسن وينهاهم عن القبيح ويقرّر لهم حدودهم التي لا يتخطونها فيما بينهم، ومن كان هذا عمله الأول، فينبغي أن تكون صفته الأولى، بل صفته الكبرى: أن يستغني عن الوازع، وأن يغني الناس عن محاسبته وطلب الحق منه كما قال الأستاذ العقاد.

وهذه هى السليقة السابقة الشاملة التي سرت في خلائق محمد، عليه السلام، وامتزجت بجميع أعماله وأقواله، فلم يحاسبه أحد قط كما حاسب نفسه في رعاية حق الصغير والكبير وصيانة الحرمات للعاجز والقدير.

هذه علامة "رسالة" لا علامة أصدق منها، ولا أجدى منها بالقبول؛ لأنها علامة من داخل السريرة، وليست علامة من خارجها، قد تلازم أو تفارق من تعروه. وليس للنوع البشري مقياس صحيح يقاس به محمد صلوات الله وسلامه عليه، فيعطيه مرتبة دون مرتبة الحب والتبجيل؛ يعطيه هذه المرتبة من يدين بالإسلام ومن يدين بغير الإسلام ومن ليس له دين من أديان التنزيل.

فليس للنوع البشري أصلٌ من أصول الفضائل يرمي إلى مقصد أسمى وأنبل من تقديس تلك المناقب الشريفة التي كان محمد قدوة فيها للمقتدين؛ فلا أقلّ من أن يكون وسمته وسماحته على هذا النحو؛ قدوة منيرة لكل ذي خلق كريم.     

***

  ليس مطلوباً في الدين ـ على مستوى العمل والسلوك ـ أن تقول ما لا ينبغي عليك أن تفعل, وأن تفعل ما لا ينبغي عليك أن تقول, ليس هذا مطلوباً في الدين. إنما الذي يكون مطلوباً في الدين هو صلاح الظاهر يأتي من صلاح الباطن. ومن هذا المطلوب تحقيقاً بشعبة الأخلاق، يكون الرّبَّانيون والشهداء والصالحون، وفي ظلال الأخلاق الحميدة يكون الأئمة والهداة والمرشدون سائرون على مشكاة الهدْي النبوي، مقتبسون منها قبسات من نور تنير لهم معالم الطريق. في ظل الأخلاق الحميدة تطهر النفس الإنسانية من الحقد والحسد والنفاق والجبن والكذب والخيانة والغش وما إلى ذلك من الأخلاق السيئة التي كثيراً ما أفسدت على الناس حياتهم وتوارت في ظلمتها القائمة وسائل الخير والصلاح. إنّ صلاح الباطن أساس لكل صلاح ظاهري، ولا بقاء لإصلاح خارجي إلا إذا تركز وكان أثراً للإصلاح الباطني. 

*  *  *

يوم أن نغرس فينا التخلق بخلائق البحث العلمي التي هي في أول مقام منظومة متكاملة من المثل العليا، نتمسك بها، ونهتدي بهديها، ونربطها أشد الربط بمناهج الدراسة، ولا نفصلها فصلاً تعسفياً جائراً عن منهجية الدرس الفلسفي. يوم أن نفعل ذلك، ونفعّله فينا: في الداخل قبل الظاهر، فإننا لا شك يمكننا أن نمثّل قدوة حسنة لدى الشباب في عالم الفكر وفي عالم التطبيق. فإنّ ما ينقص شبابنا ليس هو المادة العلمية ولا كيفية توصيلها إلى أذهان النشء، ولكن الذي ينقصهم هو "القدوة" في وقائع الحياة الفعلية، وفي قرارة الواقع الفكري والثقافي .. ماذا عساه أن يقدم صاحبها من مضمون جواني يستند عليه المتلقي؛ ليصعد معه إلى عوالم أسمى وأرفع ممّا كان يعتقد أو يظن؟

ولو أننا ركزنا على هذا الجانب التربوي من طريق تربية الخُلق وارتفعنا إلى غاية ما يبلغه مستطاع الكمال الإنساني؛ لألفينا أن سياسة التعليم في أعلى مستوياتها إنما هى اتصال روح بروح، وعقل بعقل، وفؤاد بفؤاد، وضمير بضمير. فلا مندوحة ـ من بعدُ ـ لنا عن القول بعدم الفصل بين أصول الثقافة "الجوانيّة" الباطنة بما عساها تضيفه من بعد روحي وبين الجانب العلمي والحضاري، ولا تعارض مطلقاً بين القيم الروحية وأسباب التقدم التقني والتكنولوجي فيما لو تم تأسيس هذا التقدم على القيم والأخلاق. وإنه كلما أوغلنا في تطبيق المنهج العلمي بحيث يأتي ليواكب منهاج الدرس الفلسفي في الإسلام استطعنا القضاء على ما يسمى بوهم الفصل بين شئون الدنيا وشئون المصير.

فمن شأن هذا الفصل المتعسف أن يعزل الفكر عن حركة الواقع، فيعزل النظرية كونها علماً مجرداً عن التطبيق الفعلي، فيجعل مناهج الدراسات الفلسفية في الإسلام في وادٍ، وواقعنا الإسلامي الفعلي في وادٍ آخر. وهذا ما حدث ـ ولا يزال يحدث مع شديد الأسف ـ على طول التاريخ الفكري الفلسفي الإسلامي: عزل القيم العلمية المنهجية عن واقعاتنا الحياتية؛ الأمر الذي سادت فيه ازدواجية المعايير الخلقية؛ فأدى هذا العزل مؤداه الكارثي نعيشه في غير إصلاح. ولعلّ هذا كله مما يجب القضاء عليه تماماً، إذا أردنا لأنفسنا أن نقف من ثقافة العصر وتياراته المختلفة موقف الناظر الحصيف والناقد البصير، يطور ويغير ويعدل من منهجه إذا وجد أنه غير صالح لمواكبه تيارات العصر وتحدياته.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

علي رسول الربيعيلماذا يرفض بعض المشرعين الحديثين القانون الطبيعي؟

إنه من الصعب استيعاب رفض العديد من المشرعين أوفقهاء القانون المعاصرين قبول فكرة القانون الطبيعي في ضوء الحجج السليمة التي تدعم وجود قانون فوق وضعي. ربما يكون ذلك بسبب انغماسهم في مجال القانون الوضعي لدرجة أن لديهم القليل من الوقت أو الميل لدراسة مصادره. فكما قال لوسون:

"هناك نزعة مشتركة من جانب فقهاء القانون بأن نظامًا قانونيًا يمكن أن يكون مرضيًا بشكل عقلاني من خلال مجرد تميزه وكياسته والمنطق الداخلي الذي يحكم العلاقات بين أجزائه. فالنظام القانوني، وجهة النظر هذه، هو نوع من الآلة المنطقية التي يحكم عليها من خلال السهولة والليونة في تشغيلها. أعتقد أن الجميع سيتعاطفون مع وجهة النظر هذه؛ ولكن هناك خطر أن يصبح الأهتمام بذات الآلة  رغبة في كماليتها للغرض المخصص لها  فتكتسب أهمية أكبر من الغرض الذي كان من المفترض أن تحققه؛ وغالبًا ما يختفي الغرض نفسه".[1]

باختصار، أن على جميع فقهاء القانون أن يقوموا بخدمة قضية العدالة  ذاتها بدلاً من تكريس اهتمامهم الحصري بالوسائل المصممة أصلاً لتحقيق هذا الغرض.[2]

ربما يرفض العديد من فقهاء القانون المعاصرين القانون الطبيعي لأنهم يشعرون بالحاجة إلى الرد بشدة  عليه كما  تبناها فلاسفة القرنين السابع عشر والثامن عشر. ليس من المستغرب أن يرفض فقهاء القانون الالتزام بقانون طبيعي يشتمل على وصفات مستخلصة عقلانيًا وتنظم "جميع المجالات القانونية حتى أدق التفاصيل".[3] ولا أن يتجاهل هذا العقل القانوني الوضعي، ايضًا، النظرية العاطفية التي تُـنقش بموجبها جميع مبادئ القانون الطبيعي في قلوب الناس وهي بديهية للجميع تمامًا. إن مذهب القانون الطبيعي الذي هاجمه هؤلاء الفقهاء بشدة بأعتباره ليس العقيدة التقليدية القائمة على الوقائع حول الطبيعة الحقيقية للإنسان وأنها  مجرد حالة خيالية عن  طبيعية الانسان موجودة قبل مشاركتة في المجتمع. أن إدانة جميع نظريات القانون الطبيعي بحجة أن بعض الفلاسفة  الذين وقعوا تحت التضليل وقد استخدموا اسمها عبثًا بهدف إخفاء الفرضيات الخيالية هو منطق ضعيف بالفعل على الرغم من أنه قد يُعتقد  أن هذه الممارسة عصرية في دوائر معينة. إن ما يدعم صحة فكرة القانون الطبيعي هو تاثيرها الذي لا يرقى إليه الشك في تشكيل مؤسسات القانون الوضعي. يقول أحد الباحثين بإعجاب:

"لم يكن ليخطر ببال أي منظّر سياسي في العصور الوسطى أن يشك في أن الهدف الكامل للقانون هو الاقتراب من العدالة المثالية، أو اعتبار قوانين معينة  هي قواعد أساسية للتنظيم الميكانيكي للمجتمع. كان رجال العصور الوسطى مهتمين بشدة بقانون الطبيعة لأنهم وجدوا في القانون البشري تطلعًا إلى العدالة المثالية. لكن أصبح التعامل مع آرائهم على أنها خيال أو وهم من قبل فقهاء القانون المعاصرين؛ بينما هناك الكثير ما يمكن ابرازه بشكل كافِ عن تأثير القانون الطبيعي على النظرية والممارسة اللاحقة. وإذا كان هناك من يعتبر عقائد القرون الوسطى بهذا الخصوص غامضة وصوفية، إلاً انها عبرت عن نموذج لم يستطيع العالم الاستغناء عنه بعد. إن أساليبنا اليوم أكثر تجريبية وأقل تجريدية؛ ولكن إذا لا يثق القانونيون المعاصرون في التعميمات المتعلقة بالعدالة الطبيعية و"العدالة بين الإنسان والإنسان"، فذلك يعود الى أنه تشكلت معظم قواعد القانون بمرور الوقت  فقط على أنها ما تتطلبه العدالة والمنفعة، وليس من الضروري عادة تجاوز العقيدة المستقرة إلى فرضية غير مستقرة ".[4]

نجد إن البحث عن السبب الأساس وراء إنكار القانون الطبيعي آتية من نزعة رفض الميتافيزيقيا. الميتافزيقا التي تعني علم الوجود والواقع؛ ليس للكائنات في فرديتها الملموسة وأشكالها أو ظروف وجودها العرضية، ولكن في واقعها الثابت والكلي الذي يمكن للعقل تجريده ودراسته. لكن اذا كان رفض الميتافزيقا ياتي  بسبب هذا فأنه من المدهش أن لا أحد يرفض الرياضيات ومع ذلك فهي تعتمد أيضًا على طريقة التجريد.[5]

لا تعترف الوضعية، من الناحية النظرية، بأي معرفة علمية تتجاوز تلك التي يمكن اكتسابها من خلال الحواس. لذلك لا يمكنها أبدًا تأكيد ما يجب على الناس فعله من الناحية المعيارية؛ ولكن فقط ما يفعلونه بالفعل. لدى علماء الاجتماع في تلك المدرسة الكثير ليقولوه عن سلوك الأفراد في المجتمع، لكن لا يمكنهم أبدًا تحديد ما هو الأفضل لهم أو للمجتمع. يكتفي الفلاسفة الذين يتبعون هذا الاتجاه في الفكر بدراسة القانون المقارن، وهو أمر ذو قيمة كبيرة بالفعل، ولكنه ليس أساس للقانون والأخلاق.

لايسمح المجال هنا إعطاء تبرير كامل للمنهج العلمي للميتافيزيقا. ومع ذلك ، يمكن للمرء أن يشير إلى أن عملية التجريد وممارسة التعميم (التي تشكل، في جوهرها، الطريقة الميتافيزيقية) قيد الاستخدام اليومي بين الناس من جميع مناحي الحياة. ويتبع إمكانية دراسة الإنسان كإنسان والمجتمع كمجتمع فهم أفضل للميول الثابتة والطبيعية للإنسان، ومقتضيات طبيعته ومتطلبات المجتمع. من هذه المعرفة يُشتق القانون الطبيعي، أي مجموعة المبادئ الأساسية التي تحكم السلوك الإلزامي للرجال تجاه بعضهم البعض.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

...............................

[1] Lawson, The Rahonal Strength  of English Law (London:Ltd., 1951), p. 13.

[2] Pacifico Ortiz & Arthur A. North, "A Return to the Natural Law," Thought, XXX (Winter, 1955-1956), n. 119, pp. 525-536.

[3]  Rommen, The Natural Law, A Study in Legal and Social History and Philosophy (trans. by Thomas R. Hanley, St. Louis & London: B. Herder Book Co., 1947), p. 217.

[4] Allen, Law in the Making (Oxford: Oarendon Press, 1927), p. 195.

O'Sulhvan, "The Natural Law and_ the Common Law," The Uni-versity of Notre Dame Natural Law Institute Proceedings (Indiana: College of Law, Notre Dame University), III (1949), 9-44.

[5] Maritain, A Preface to Metaphysics, Seven Lectures on Being (New York: Sheed & Ward, 1948), pp. 82-83.

 

سامي عبد العالظلت مقولتا (الشرق والغرب) بمثابة طرفي أرجوحة ثقافية، تتأرجح عليها الآراء والأقلام والأفكار ردماً للهوة أو زيادة المسافة بين طرفيها. فهناك من يرى أنَّ "الشرق شرق والغرب غرب.. ولن يلتقيان "، بينما هناك من يعتقد في شيءٍ آخر آملاً بوجود وشائج إنسانية ومعرفية بين الطرفين. إذ يتم ذلك التقاربُ، مرةً على إثر التأثيرات الحضارية والتبادل العالمي للثقافات السائدة، ومرةً أخرى بناءً على عبور الترجمات من الغرب(اليونان) إلى الشرق (العرب)، ثم عبورها ثانيةً من طرف العرب إلى الغرب اللاتيني في نهاية العصور الوسطى وبداية عصر النهضة الأوروبية. ومرةً ليست بالأخيرة عندما عَمدَ الغربُ إلى الدراسات المتخصصة في الشرق (الاستشراق) ليُواجه بعضُنا ذلك بإطلاق ما يُسمى بعلوم الاستغراب كنوع من الموضَّعة للآخر ليس أكثر.

لعلَّ محاولات إيجاد صيغ للتفاهم (الحوار، التقارب، التواصل، الاتفاق، التشابه...) بين الشرق والغرب جديرة بالعناية والمتابعة، لاسيما إذا كانت المحاولة بعيدةً عن الإطار الخطابي التقليدي، كما أنها مهمة بمقدار ما تجد أفقاً جديداً لهذا التفاهم، ذلك أنَّ أمر تلك الصيغ لا يخلو من جملة أشياء:

أولاً: لا تنفصل محاولات تفهم وضعية الشرق والغرب عن متن الثقافة التي تنطلق منها، وتمثل بُعداً لرسم حدودها، وتعين تمثلاتَّها تجاه الآخر والغائب والمختلف على كلا الطرفين.

ثانياً: هناك مفاهيم وأفكار ضمنية، يجري طرحها حول الشرق والغرب معاً، تبلور كيفية التفكير في القضايا المتعلقة بالحضارة والواقع والإنسان. بحكم أنها قضايا تقف في المناطق المتنازع عليها حضارياً أو المناطق المشتركة. ولا تخلو حضارة من مناطق رمادية غير قابلة للحسم.

ثالثاً: عادةً ما تحضر (جوانب التاريخ) في تفاصيل تلك الصيغ، ليشكل حضورها الثقافي خلفية حاسمة في تفسير المعطيات التي تستند إليها، ويزداد هذا الحضور قوة، إذا علمنا أنَّ الصيغ تتبنى بوضوح إعادة تأويل التاريخ، وإبراز الأفكار التي تدعم الصيغة المطروحة.

رابعاً: لابد من تثبيت أرضية مشتركة يقام عليها التفاهم بين الشرق والغرب، لأنه دوماً يحتاج إلى استحضار لأسباب وجوده، والإلحاح عليها، والتذكير بها من حين لآخر. وقد تكون تلك الأرضية أنطولوجية، أخلاقية، إنسانية، معرفية، أو غيرها.

خامساً: لا تضمن تلك الأرضية المشتركة مواصلة التماسك بالنسبة لهذه الصيغة أو لتلك المحاولة، لأنها كما وجدت بفضل تأويل معين للتاريخ، الذي يحمل دلالات العلاقة بين الشرق والغرب، فإنها يمكن أن تنهار بذات الطريقة، أي يعاد إبراز جوانب تاريخية محل تأويل آخر.

سادساً: يتضح من خلال الأرضية المشتركة أنَّها تؤسس فعلها على مستويات أخرى الوجود. والمفارقة البادية أن هذه المستويات لا تخضع بدورها لمفاهيم تلك الأرضية المتخذة كذلك، مما يجعلها مختلفة في ذاتها. بطريقة أخرى سيكتشف القارئ أنها أرضيات متباينة، وليست مشتركة لحمل العلاقة بين طرفين كبيرين، بكل زخمهما التاريخي المعقد.

سابعاً: قد تنتهي العلاقة بين الشرق والغرب إلى مصير الإختلاف، لأنَّ الاختلاف بمثابة قانون وجود طالما أن الكيانين المتحدث عنهما لهما هذا الزخم الثقافي والإنطولوجي. فيكون الإختلاف بمثابة  الخلفية الكبيرة التي تفرز وجود الإنماط والرؤى والحيوات بالتبعية.

إذا كانت تلك مبادئ إجمالية، أو لنقل إجراءات نسبية قابلة للتأويل، فإنني سأحاول تقديمها في قراءة الآراء المطروحة حول تلك المسألة الثقافية، ولاسيما الرأي الذي يقول بوجود علاقة وثيقة بين الشرق والغرب إستناداً إلى مفاهيم الأنطولوجيا(1). وهي قراءة تمارس الإجراءات السابقة بشكل أو آخر. لا تصنف المعطيات التي تتوفر لعلاقة الفكر الشرقي بالفكر الغربي، أو تدرج هذين الطرفين في فئتين منفصلتين، يترتب عليهما نتائج فئوية متتابعة، كبعض المحمولات الثقافية التي تُصاغ في ضوء دلالات بعينها، كما سنعرف لاحقا، حين تفرد معالم بعينها للغرب أو للشرق دون أية معالم أخرى. فليست الفئات (إنْ صح طرحُها) رياضيةً هنا، تحسب نسب الانحراف والتباين أو حتى التماثل، لكنها فئات أيديولوجية لا محالة، بالدلالات نفسها التي يرجعها البعض إلى الحضارة الغربية (مثل دلالة التفكير والمنطق والإبداع ...) والدلالات الأخرى الراجعة إلى الحضارة الشرقية (كدلالة التأمل والشعر والفن والسحر والدين ...).

إنها فئات أيديولوجية على نحوٍ غير مباشر حين تصبح قاطعة ووظيفية، بحكم التعميم الشديد بالنسبة لمقولتي الشرق والغرب، وإثبات التناقض الخلفي بينهما، رغم أن الهدف المعلن للبحث والتقصي من أصحاب هذا الرأي هو صياغة الاتفاق. ولذلك بحكم سلب الاختلافات الثرية بين طرفي العلاقة، التي لا تتقرر في المباعدة الساذجة بين الشرق والغرب كما قد يُفهم من كلامي، فالمسألة بالتحديد كالتالي: ما الذي يجعل الشرق شرقاً أياً كانت محمولاته الثقافية والغرب غرباً كذلك بالمنطق نفسه، وذلك يصح بالنسبة إلى أي متغيرين (طرفين) مكانهما؟

وهي المسألة التي طرحها الرأي القائل بالإتفاق مبدئياً بهذا الوضع: ما الذي جعل الشرق غرباً والغرب شرقاً؟  لذلك انخرط الرأي السابق بالتوجه ذاته في تدشين الأرضية المشتركة التي تضمن الانتقال بين حدود كافة القضايا المترتبة عليها، أي تحديد الأنطولوجيا ومعرفة جذورها التقليدية المشتركة. ذلك على افتراض أن هناك أفكاراً في هذا السياق أخذها أصحاب الرأي مأخذ المسلمات وتتلخص في:

- وجود وحدة أصيلة ذات طابع فلسفي، انبثقت عنها ثنائية: الشرق- الغرب ومتعلقاتها اللاحقة التي تداعت تاريخياً.

- أن تلك الوحدة تعينت في شكل الأفكار الأنطولوجية، كأحد وجوه الفلسفة بجانب (الإبستمولوجيا – والأكسيولوجيا).

- أن التركيز على هذا الشكل وفهمه وتبيان حقائقه أمور كفيلة بردم الهوة بين أطراف الثنائية المعروضة للنقاش (الشرق – الغرب).

- أن التراكم التاريخي  لمعاني الشرق والغرب عبارة عن إزاحات متتابعة على ذاك الأصل البعيد.

- إذا توصلنا إلى أية صيغة للتفاهم بين الشرق والغرب، فأساسها هو المشترك (المتصل) الأنطولوجي، الذي يحمل المتصل الثقافي بعد ذلك.

- أنَّ العودة إلى الأرضية المشتركة، وهي الأنطولوجيا هذه المرة، تشكل المهمة الأولى لتمتين العلاقة بين الشرق والغرب.

ويُرجَّح بعد خلفية كهذه أن الأنطولوجيا لا تعد " أرضية مشتركة " بتلك الوصفة السحرية، بالتالي ليست  الأنطولوجيا متصلاً قوياً لحمل العلاقة المفترضة بين الشرق والغرب، لأن الأنطولوجيا على ما سنحاول إثباته وسيط اختلافيmedium differential  بالدرجة الأولى.  بمعنى أنَّ فكرة الأنطولوجيا فلسفياً مؤسسة على مستويات أخرى: معرفية، أو دينية، أو ثقافية...، والسؤال المنطقي من ثم: هل يمكن مناقشة الاتفاق بين طرفين (كغاية، كمستقبل، كمتصل أنطولوجي) جرياً مع وسائط الاختلاف؟ وهل يمكن للمناقشة أن تتم على افتراض أن هناك اتفاقاً ممتداً فيما هو مختلف، بل قد تأرّخ بهذا الاختلاف؟

إذن أمام القول بالاتفاق بين الشرق والغرب من تلك الزاوية، لابد من التأكيد على مفاهيم الاختلاف الأنطولوجي شرقاً وغرباً. وأنَّ ما بُني على الاختلاف، فهو مختلف بالضرورة وسيدفعنا إلى تناقضات لو حاولنا إيجاد قواسم مشتركةٍ على نحو تام. وعليه فإنه سيتباين بالتبعية ما قد شُيد فوقه(أي الاختلاف) من ثقافات ومعارف وأنماط العيش والحياة. فالشرق شرق والغرب غرب، وما محاولة الجمع بينهما على هذا المنوال إلاَّ  نوع من " القهر الأنطولوجي" الذي يخفي تأسيسات فلسفية غير معلنة.

تأسيس لاهوتي theological:

مع أن الرأي المذكور بعيد تماماً عن تبنى مرجعيةٍ لاهوتيةٍ، إلاَّ أن ما يتضمنه يتأسس لاهوتياً داخل المعالجة الكونية التي طرحها. لايتم ذلك في الإطار العام، ولا في المسار الأنطولوجي فقط، بل يتحدد بذات الدرجة في المفاهيم والتصورات. لربما لم يقصد الرأي هنا هذا الأمر بعينه، من خلال اللغة الفلسفية "الفنية" التي صيغت  بها أفكاره المعبرة عن الأنطولوجيا. لكننا نعرف،  كما يرى "كارل يونج" في كتابة "سيكولوجيا الدين" (psychology of religion )، وهو ما أكّدَ عليه "ميشيل فوكو" و"أمبرتو إيكو"، بأن التأسيس اللاهوتي من التأسيسات القابلة للتكرار في تجارب عديدةٍ، لأنه تأسيس مُؤصِّل في (تاريخية) اللغة المعبرة بها، وإن كانت فلسفيةً خالصةً. فإذا وردت هناك تجارب (خطابات) جديدة، سرعان ما يخضعها التأسيس اللاهوتي للتكرار، بل ويعيد تأسيسها على شاكلته ضمنياً(2).

أما إحداثيات ذلك الاتجاه، فهي كالتالي:

1- اختارَ القول بأن فلسفة الأنطولوجيا ومفاهيمها تمثل خلفية مشتركة أساسية للشرق والغرب، لا ليوضح على أثرها ما هو مشترك بين الطرفين فحسب، إنما ماهو متفق بينهما على نحو كامل تقريباً. والأنطولوجيا(بحكم كونها خاضعة لثنائيات الأفكار الميتافيزيقية حول المعرفة والوجود كالذات / الموضوع، الفكر/ المادة، الجوهر/ العرض، والعقل/ الجسم) لاتخلو من دلالات لاهوتيةٍ، كما أشار "هيدجر" إلى ذلك في مصطلحه المعروف: "الأنطوـ ثيولوجيا" (onto-theology)، فقد تحددت الأنطولوجيا تاريخياً، وأخذت معالمها ارتباطاً بالبعد اللاهوتي، ولاسيما المسيحي في القرون الوسطى، وظلّت منقسمةً على نفسها ما بين التحديدات الميتافيزيقية والتحديدات اللاهوتية(3). لذلك لم يستطع البحث التخلص من ذلك الطابع اللاهوتي، لدرجة أنه ينضح به من خلال شروحاته.

ينطبق ذلك التوجه أيضاً على الأنطولوجيا في الشرق منذ البوذية والكونفوشيوسية، مروراً باللاهوت الفارسي (كما يؤكد "إقبال" في كتابيه: "الميتافيزيقا في إيران" و"تجديد الفكر الديني في الإسلام") ومروراً كذلك  بالعصر الإسلامي الوسيط (الطبيعيات والكونيات والأشياء المادية في علم الكلام) وانتهاءً بـ"عبد الرحمن بدوي" (وإن اعتبره البعض مفكراً أصيلاً في هذا المجال، وهو كذلك بخاصة في كتابه "الزمان الوجودي")، و" أدونيس " على الرغم من تخلصه من الذهنية اللاهوتية شعرياً كما هو واضح منذ رسالته العلمية الشهيرة " الثابت والمتحول " بأجزائها المتعددة، وإنْ استعاد ذهنيته اللاهوتية ثانية في "الصوفية والسوريالية"(4).

المهم أنَّ طرح قضايا الشرق - الغرب الحضارية، حتى وإن كان هنالك اتفاق خلفها، سيُلحق بالتحليلات هذا الارتباط بالدلالات الخاصة للأنطولوجيا بمقدار ما ترتبط باللاهوت، وسيدفع اللغة والنصوص المنتقاة في البحث لأن تتقارب على المستوى الأعلى (اللاهوتي/ التمركزي)، فتبدو كما لو كانت متجانسةً، بينما هي شديدة الاختلاف.

إنه وضعٌ يفترض أن يلتزم الاتجاه المشار إليه أسلوباً انتقائياً مثلما حدث في أغلب الحالات، وقد سرى هذا بصدد تعامله مع المذهب الفلسفي الواحد (كفلسفة "هيدجر" على سبيل المثال)، إذ انتزع بعض العبارات الهيدجرية  لتأييد وجهة نظره القابعة في الأعلى.  في الأعلى غير المرئي للتفكير إلاَّ بسلطة دلالة العنوان (الأنطولوجيا) (5)، فتتقرر في الأفق صحتُها، وأنها طوع التحليل وهي (أي وجهة النظر) ليست كذلك في القضايا المستشهد بها. يصح هذا الحكم على مجمل الرأي المطروج، حين يقرر بشأن التقاء خطي الفكر (الغرب) والتأمل (الشرق) أنه "ربما كان الفكر والتأمل كالخطين المتوازيين لايلتقيان رياضياً أو علمياً ولكنهما يلتقيان في العمق أو في السمو الفلسفي".

لكن كيف يلتقي الخطان المتوازيان عند نقطة معينة أو غيرها؟ وبأي معنى سيلتقيان مستقبلاً؟ وأين هذا السمو الفلسفي؟ وما صيغته؟ ولماذا يعتبر هذا السمو الفلسفي مناطاً للاتفاق والالتقاء  ولا يعدّ باعثاً على التناقض والاختلاف؟ إن مجال اللاهوت هو الذي يجمع داخله المتناقضات، لأنَّ قاعدة الإيمان تعطيه غطاءً واقياً ضد أي تباين، بالتالي يتحول التناقض إلى تسوية قابلة للتحقق عبر أسماء أخرى (العمق أو السمو الفلسفي أو العلو الميتافيزيقي). على سبيل المثال هناك فكرة تجسد الإله في شخص إنسان: أي حلول اللاهوت في الناسوت باصطلاحات المسيحية، وغيرها من الاتجاهات الصوفية، وفي حالة بعض العقائد الوضعية. فالجانب الإلهي والجانب الإنساني معروفان، غير أنَّ فكرة الإيمان بإمكانها إدماج الجانبين دون تناقض منطقي أو اختلاف بنيوي. وقد كانت العلاقة بين اللاهوت والناسوت من الأسرار الخاصة بالايمان المسيحي.

في هذا الإطار يواصل الاتجاه السابق التأكيد على الأنطولوجيا بلغة لاهوتية حيث يستنتج بأن الوجود هو المطلق، وهو المعنى الكلي بالانسبة للإنسان: "ثمة وجود لاغير وليس هناك أي فراغ. فالوجود هو الوجود بذاته وهو واحد موحد. ولا يوجد فيه أية أساسيات فيما عداه نفسه لأنه علة ذاته..."، وفي موضع آخر يؤكد أيضاً أصحابه القول بأن: "الوجود، وفق " بارمنيدس"، لا يتفكك ولا يتفتت وهو مغلق على ذاته، لا يوجد مركز في  أي مكان والأطراف في كل مكان، الوجود ليس مولوداً...". والسؤال: هل هناك لغة للاهوت سالب (negative  theology) أنقى من تلك اللغة لوصف الوجود الإلهي، وليس الوجود بما هو موجود أرسطياً أو غيره، ولا حتى الوجود منسياً كما في الخطاب الهيدجري؟. أخطر ما في هذه المعالجة الأنطولوجية ـ اللاهوتية أنها أقرّت أشياء ضمنية داخل البحث، سرعان ما ترسبت على هيئة مواقف غير متماسكة فلسفياً، وقابلة لطرح آراء مختلفة، وهذه هي موضوع النقطة التالية.

2- أن التنظير للأنطولوجيا كلاهوت سالب يقارب فيما بين فرضياته وعقول المتلقين، على اعتبار أنه  سيلقى القبول دون مناقشة، وسيكون محط اتفاق من قبل الفلاسفة والقراء معاً، فتبدو الآراء المخالفة كأنها نقاط شاذة وسط اتفاق عام.

على سبيل المثال، لا يعطى الرأي السابق اعتناءً مهماً لـ"سقراط" ذلك جرياً مع أنه لم يفسر الوجود وفقاً للأفكار التي يتبناها الرأي، مدعماً مبرراته بقول نيتشوي بأن "سقراط" هو عبقري الانحطاط الأول، مع أن "نيتشه" نفسه قد وصفه بأن هذا الذي لم يكتب حرفاً، غير أنه أنطق اللغة بما لم تنطق به من قبل، فضلاً عن الدور الذي لعبه في الفلسفة حواراً وأسلوباً، حين جعلها تتساءل بشكل نافذ أسئلة خاصة بالإنسان والحياة والتقاليد الفكرية السائدة. فهل يعد عمل "سقراط" كما يقول الرأي خطوة إلى الوراء، وإن كان ذلك بشأن مسألة الأنطولوجيا ؟ تلك المسألة التي يمكن أن ننظر إليها سقراطياً على نحو مغاير، لو كان هناك، كما نرى، اهتمام بالمنهج السقراطي دون تثبيته على هيئة مقولات أنطولوجية(6).

في المقابل يصدر الرأي حكماً غريباً أمام الفكر الأوروبي الوسيط مؤداه أن هذا الفكر قد فهم "الإنسان كذات للنشاط المعرفي و فهم العالم كموضوع  للمعرفة"، وهذا غير دقيق، لأن الذات لم تأت في الفلسفة الوسيطة بصيغة النشاط، معرفياً كان أم غيره، فقد كانت موضعاً لتجلي الحقائق الكونية الخفية، على هيئة أيقونات (icons)، هي نفسها دالة على الوجود الإلهي (أي تماهي الذات الإنسانية مع الذات الكونية/ الأنطولوجية). إذن ليست الذات فاعلة، ولا ناشطة، لكنها منفعلة. وعلى الصعيد عينه يكتنف العالم الأسرار والغموض، لذلك يأتي الدين في المرتبة الأولى الذي يستجلي هذه الأسرار، وقد أصبح "لاهوت المعرفة" هو السائد بجوار لاهوتيات أخرى متعلقة بالسياسة والتاريخ .. الخ ولها الأولوية على العالم نفسه.

بالتالي ليس الأمر استقلالاً بين الذات والموضوع، بل كانت الذات محل المعرفة التي تميزت بطابع  ميتافيزيقي - لاهوتي، من هنا اهتمَّ القديس "أوغسطين" بأدوات المعرفة وماهية العقل وخلود النفس ومدينة الله ومدينة الشيطان والوجود الإلهي، وهي الاهتمامات التي نجدها تقريباً لدى "توما الأكويني" بدرجات متفاوتة أخرى، وهي قضايا لا تفهم إلا في حدود الموضوع، حين يقع داخل الذات كتجربة للإيمان، حيث تمثل نموذجاً للتجارب المعرفية الأخرى(7).

3- هناك تجريدات عامة في الاتجاه السابق، تماثل في وظيفتها تجريدات الميتافيزيقا الكلاسيكية، فالرأي نفسه حين يعبر بتلك الطريقة المجردة عن "الشرق - الغرب"، فهو يتجاهل السياق الثقافي، كأن الاثنين (الطرفين) حالتان كيفيتان تماثلهما وقائع كمية. فمع تعيين الكيف فيما يبدو، يتعين الكم، أو بكلمات أخرى مع تقوم الكيف يتقوّم الكم، وضمن تغيير الكيف يتغير الكم، أي جدل هابط من أعلى إلى أسفل، عكس قوانين المادية التاريخية في المجتمعات.

وما أن يحدث تماثل عند درجة السمو الفلسفي المفترض ما بين الشرق والغرب كيفياً، بآفاق أنطولوجية كيفية أيضاً، إلاَّ ويسهل الوصول إلى فهم مشترك على كافة الأصعدة بين الاثنين (الطرفيين). إن فعل الشرط مفترض، ويترتب عليه جواب شرط مفترض في المقابل، ولكن سيظلان قيد الافتراض فيما يبدو!! والسؤال المنطقي عندئذ: هل وجود المفهومات يترتب عليه وجود المصادقات؟

إن تحديد الشرق والغرب بشكل تعادلي -  صوري (formal-equalizational) أمر غير واضح المضمون، وغير محدد في دلالته، إنه أمر يتسرب إليه الريب أكثر مما يطرح حلولاً منطقية ناهيك عن غياب الرؤية الثقافية: فبأي معنى يكون الشرق شرقاً والغرب غرباً بالأساس ؟ ومن هؤلاء الفلاسفة الذين يقررون هذا التعادل المفهومي والماصدقي أو القيمي أو حتى الإنساني؟ بناء عليه، أية معايير يمكن أن تجرد الشرق من كل أرديته التاريخية بصورة عامة قابلة للتطبيق على عينياته (concretes) المفردة بل والمتناقضة؟ إنه لا يتيسر وضع الشرق في "سلة" أو تعليقه على "مشجب" كأنه قطعة ملابس قديمة، لونها معروف وتصميمها معروف، وموضع إنتاجها معروف، إذا أجيز هذا التشبيه؟ ألعلَّ الشرق يتناقض حدياً في آرائه ومذاهبه ومعتقداته وشعوبه وانثروبولوجياته ودياناته بما لا يحصى؟ وفي ضوء ماذا اتخذ البحث هذا الموقف الذي يخول له هذا التجريد؟.

وبمناسبة الغرب، فلا يوجد ما يسمى "بالغرب"، حتى  وإن شاعَ هذا المصطلح عولمياً أو صحفياً، فهؤلاء الذين أشاعوه وانتزعوه من سياقه لايدركون مدى التراكمات المتباينة والمتداخلة وأيضاً التواريخ التي يطويها داخله، والتي تمثل بركاناً في جوفه، بحيث أننا إذا قلنا " الغرب " خطابياً بدون محاولات تعيينه لا يعدو أن يكون مصطلحاً أجوف غير منضبط الدلالة. نتذكر استخداماً هيدجرياً له تحت عنوان "الميتافيزيقا الغربية" حين يشير إلى الوجود والإله والماهية والمعرفة كأشياء حاضرة في الزمان عبر تاريخ الفلسفة، لذلك ربط "هيدجر" بين الزمان والوجود بوصف الأول الأفق الذي يتكشف فيه الأخير ويُطرح كسؤال. لكن هذا يعتمد بالتبعية على توصيف هيدجري يمكن الاختلاف معه، لِمَ لا(8)؟ إذ كان يجب أن يذكر البحث: بناءً على أي أساس تم اختيار الغرب والشرق كمصطلحين مجردين؟ وما هي الدلالة التي تعين كلاً منهما في فضائه الأنطولوجي؟ وما مدى علاقة الفضاء الأنطولوجي بتحديد معالم الثقافة الغربية والشرقية؟ ومتى يختلفان قبل أن يتفقا؟ وما هي أسس الاتفاق؟ وبأي منطق يمكن أن يسير الاتفاق؟.

كان من المستبعد أن يحاول البحث الإجابة على مثل هذه الاستفهامات، لأنها ستُظهر أكثر فأكثر الاختلافات بين الشرق والغرب، ولن يجد لها غطاءً عاماً أو خيطاً ناظماً يجمعها، إلا بهذا السمو الأنطولوجي ـ اللاهوتي الذي تغيب فيه التقاطعات.

4-  في هذا الاتجاه، هناك مقولتان لا تخضعان للنقد والتمحيص " الغرب العقلاني" و" الشرق التأملي "، فهذه الصفات: "العقلاني" - " التأملي "، "الفكري" - "الشاعري"، "المنطقي" - "العاطفي" هي أيضاً ملصقات لاهوتية، يفترض أن تجمع ما تجمعه من الغرب بكل أطيافه، وأن تضم من الشرق ما تضمه بكل ألوانه. ولا تختلف في هذا عن مقولات "الشرق المتدين" - "الغرب الملحد"، "الشرق الفنان"، بتعبير كتاب"زكي نجيب محمود، "الغرب العلمي"، "الشرق الأخلاقي" - "الغرب الفاسق"، "الشرق الهادئ" - "الغرب الصاخب"، وهي المقولات التي يطرحها الذين يقيمون الحضارتين العربية والغربية عادة، وهي نوع من أنواع العنف الثقافي في تلك المقارنات(9)، لأنها تقصي التنوع والاختلافات، واضعة أولوية للتماثل والتطابق، كما يرى "ايمانويل ليفيناس" أمام الثنائيات الميتافيزيقية في كتابه "الكل و اللامتناهيtotality and infinity " أثناء نقده لتاريخ الفلسفة وخطابها الميتافيزيقي من "أفلاطون" إلى "هيجل".

إن الغرب ملئ بالاتجاهات التأملية والشاعرية جنباً إلى جنب. وكذلك لا يخلو الشرق من النزعات العقلانية، ومع ذلك فالاختلاف هو القاعدة الأصيلة التي لا يمكن تجاهلها، فهناك دراسات ثقافية توضح أن الفكر، "المفهوم" برأي الفرنسي "جيل دولوز"، عبارة عن بنية ثقافية، تشمل مستويات اختلافيه وتناقضية بالمثل، وأن التأمل بنية مشروطة بشروط حضارية ومعرفية، كان أجدى للبحث إظهار جوانبهما (أي تحليل فلسفي لهاتين البنيتين على افتراض وجودهما).

وتوضح الدراسات الثقافية ـ الأنثروبولوجية أن التعارض في رؤى الشرق مع رؤى (منطق) الغرب لايمكن تسويته، وأن "جغرافيا الفكر" تقول إن "المنطق" لدى الغرب (وبخاصة اليونان القديم) يقوم على الهوية وعدم التناقض، بينما يمكن أن يقبل المنطق الشرقي في البوذية والثقافات الهندية وجود تناقض جذري في الموضوعات والقضايا وتلقى قبولاً بالمثل، فــ: أ = أ و  = أ في نفس الوقت، فالشيء ليس هو الشيء وهوهو معاً. كما أن الذي حدا بالبحث لوجهة النظر التي تقول بالاتفاق بين الشرق والغرب أنطولوجياً أمر قائم، يمكن فهمه وفقاً لأطروحات "فيكو" في كتابه " العلم الجديد" (new science) حين أراد أن ينظر نظرة جديدة لتاريخ الحضارة الأوربية، إذ يشير إلى أن الأنطولوجيا (كموضوع) تقع بين ثلاث تقاطعات مهمة، تتباعد وتتداخل في نفس الوقت، ولا تؤدي إلى الاتفاق بين الشعوب أو الحضارات، كما توضحها الكلمات التالية:

- لاهوت (أديان / عقائد / أساطير)

- شعر (نظم / رؤى/ بلاغة / أليات)

- فلسفة (أفكار/ مفاهيم / أنساق)

كل ذلك التكوين على قاعدة الأنطولوجيا (اللاهوت/ الشعر/ الفلسفة)، فالمجالات الثلاثة تحدثت عن الأنطولوجيا بطريقتها الخاصة طوال تاريخ الغرب والشرق. إذ قد تجرى المعالجات الأنطولوجية على أساس شعري، فيجتمع الفلسفي واللاهوتي في الخلفية، ولربما تجرى المفاهيم الأنطولوجية فلسفياً، فتحضر الرؤى الشعرية والدينية ضمنياً، وإن حدد اللاهوت الأنطولوجيا، فإنه يتكئ على النظم الشعرية والتفكير الفلسفي كاستعارات لذلك.

يرجح "فيكو" أن الرؤى الشعرية هي التي حدّدت الصورة الأولية للأنطولوجيا في بواكير التفكير اليوناني الفلسفي، وهي رؤى تكررت في حضارات أخرى نتيجة التقاطع المذكور في زوايا المثلث الأنطولوجي، غير أنها تتماثل ولا تتفق، نظراً لاختلاف الحضارات والرؤى ذاتها، بينما يؤكد البحث على الاتفاق بين شرق وغرب في هذا الشأن، وهو ما لم يكن متاحاً، فإن اتفقت المفاهيم الأنطولوجية في مستوى، فإنها تختلف في مستوى آخر، سواء أكان شعرياً أم فلسفياً أم لاهوتياً، فلا يمكن جمع هذه التقاطعات في قالب واحد، فهناك سياقات عديدة لها بحسب الثقافة، وليس الفكر أو التأمل، لأن الأخيرين مكونان من مكونات الثقافة وينتظمان تاريخياً وفقاً لقوانينها.

 

د. سامي عبد العال

..........................

هوامش:

1- كل العبارات بين قوسين في المتن تعبر عن وجهة نظر هذا الاتجاه القائل بأن هناك تقارباً أساسياً بين الشرق والغرب بناء على تماثل المفاهيم الأنطولوجية والفلسفات التي تعبر عنها في آفاق العقل الغربي والشرقي على الجانبين.

2- هذه الفكرة من الأفكار المهمة بشأن قراءة النصوص الفلسفية، فهناك محددات ترتبط بالوعي واللاوعي، هي عادة متعلقة بالسلطة الدينية أو الأبوية أو الاجتماعية، ثم تعيد إنتاج نفسها بالتواتر والتكرار عبر اللغة التي تصاغ بها في التجارب النصية واللغوية والحياتية والكتابية عموماً، وإذا كان الجانب الديني أساسياً بالنسبة للإنسان، فإن ما يؤمن به الأخير يمكن أنْ يعاود الظهور مع  استخدام اللغة، ولو في مواقف جديدة، لا يستثنى الفيلسوف أو الكاتب من ذلك القانون، وليست فكرة كهذه فكرة مسبقة، لكنها تعتمد على قدرة القراءة على مساءلة النص قيدها، ويتميز التأسيس الديني بالمحاكاة لنموذج كلى، بفضل النزوع نحو المطلق الذي يستبطن التجربة الدينية، ويرتبط بإمكانية إسقاط المعنى، بوعي أو بدونه، على موضوعات مختلفة ارتباطاً بشيء ثابت، يحاكي في هذا عمل العقيدة المقدسة، حين تجعل من ذاتها مرجعا ثابتاً.

Carl G.Jung، Psychology of Religion، New Haven،Yale Uni- Press،1955 (Ninth Printing)، p.7.

الشيء نفسه يقوله "أمبرتو إيكو" عن السر الديني المنتشر في بعض كتب هرمسية القرن الثاني الميلادي، وهو سر يعمم في هذا المجال لأنه طريقة في النظر والمعرفة "لكي نتمكن من فهم الرسالة الغامضة التي يتضمنها الكتاب، كان من الضروري البحث عن وحى يقبع فيما وراء المنطوقات الإنسانية، وحى معلن من قبل الإله ذاته، عن طريق الرؤيا، الحلم، أو النبوءة، غير أن مثل هذا الوحي غير المسبوق، والذي لم يسمع عنه قبلا، كان عليه أن يعبر عن إله لم يعرف بعد، وعن حقيقة ما تزال سارية." [أمبرتو إيكو، التأويل والتاريخ، في كتاب: أمبرتو إيكو (وآخرون)، التأويل و التأويل المفرط، ترجمة ناصر الحلواني، سلسلة آفاق الترجمة العدد(16)، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، الطبعة الأولى، 1996، ص ص 52- 53].

ولا يعني ذلك بالضرورة أن البحث الذي نقرأه متورط في قضايا دينية، إنما آلية العمل التي تتوفر للأنطولوجيا التي تحدث عنها الدكتور خليل تشبه السر الهرمسي المشار إليه في نص "إيكو"، ولنلحظ أن البحث يحلل بلغة الأسرار تلك الأنطولوجيا كأنها هلامية أو شبحية غير قابله للرؤية في نفس الوقت الذي يمكن مقارنتها ببعضها البعض، كما أن هناك روحاً خفية تقبع خلف صور الأنطولوجيا غرباً وشرقاً رغم اختلافهما، هي روح متوحدة مع روح الوجود خارج التاريخ و الأحداث والثقافات، وفوق هذا تمثل مبدأً للاتفاق، ويعاد استحضارها لكي ترفع التناقض بينهما، وتحل المشكلات الحضارية.

3- تكمن أهمية إشارة "هيدجر" لا في كونها معرفة فلسفية، لكنها تندرج في إطار إستراتيجية سؤال الوجود، وتحديد آفاقه، وأهم الدلالات التي يأخذها في الأنساق والمذاهب الفلسفية، أما الوعي بتلك الإستراتيجية، فيضع القارئ على خط الارتباط بين الوجود ـ الموجود، أو بعبارة هيدجر: الوجود ـ الدازاين (Dazaen)، ويعنى هذا الوجود في العالم eing- in - the- world، أي مع انكشاف الموجود لذاته ينكشف الوجود في ذاته، لهذا فإن كل معالجة مهمة للدازاين هي اهتمام بوجوده، بوجود الدازاين.

Martin Heidegger، The Concept of Time، Translated by William  McNeill، BlackWell، Oxford U.K & Cambridge U.S.A، 1992, p.9E.

المهم أن مدخل الأنطولوجيا، هيدجرياً، تاريخي أنتروبولوجي، فعن طريق الأنتروبولوجي نعرف الأنطولوجي، لذلك كانت تحليلاته العميقة على الحدود بين مجالات عديدة، يظهر على أثرها البناء التاريخي لمعنى الوجود والاختلافات الكامنة فيه، من هنا أؤيد لاحقا اختلاف الأنطولوجيات الشرقية والغربية، نظراً لاختلاف وجود الدازاين فيها، في عالمها بمقدار اختلاف التاريخ.

4- إن "عودة المقدس" حيث يؤسس نفسه بأشكال ملتوية في الأنساق الثقافية موضوع في غاية الخطورة في الثقافات الشرقية، ويتجلى أعمق ما يتجلى لدى المفكرين العرب، فمثلاً "زكي نجيب محمود"، على الرغم من أنه تبنى الاتجاه الوضعي المنطقي إلا أنه سمح طوعاً أو كرهاً لدخول المستوى القيمي بالمعنى الديني ـ التراثي في أفكاره، بل كانت تحليلاته منسوجة ضمنياً على منوال اعتبارات ثقافية ـ تقليدية، ومع وجود تأكيداته العلمية سوى أنها تطرح نفسها كنبرة لاهوتية في أغلب مؤلفاته.

ـ زكى نجيب محمود، قيم من التراث، دار الشروق، القاهرة، 1990، ص ص 25- 30.

ـ زكى نجيب محمود، رؤية إسلامية، دار الشروق، القاهرة، 1992، ص ص 14- 17.

ولا يسقط هذا الاحتمال تجاه "عبد الرحمن بدوي"، وبخاصة في مؤلفاته الأخيرة التي كتبها بالفرنسية حول القرآن والرسول والدفاع عنهما ضد المستشرقين، وهو الذي تعلّم وعرف الفلسفة وتلقى دروسه الأولى في هذا المجال داخل حاضنة الاستشراق على يد " بول كراوس". الأمر نفسه مع "أدونيس"، إذ بدأ ثورياً ومتمرداً على الدراسات التقليدية وعلى الفكر العربي من خلال دراسته لمفاهيم الإبداع والإتباع في التراث، واهتم بتقويض الأفكار النمطية الخاصة بالنقد، وانتهى بتحديدات لاهوتية للتجارب الصوفية والسوريالية، تحت مزاعم النزعة الإنسانية، وهي في الأفق العام لم تخلص نفسها عما عبرت عنه، يقول أدونيس: " .. هذا الذي لم يحل (لايحل)، هذا الذي لم يعرف (لا يعرف)، هذا الذي لم يقل (لا يقال) هو ما يولد الصوفية. وهو نفسه مما سوغ نشأة السوريالية. فدعوى السوريالية الأولى هي أنها حركة لقول ما لم يقال، أو ما لا يقال. ومدار الصوفية، كما أفهمها، هو اللامعقول، اللامرئي، اللامعروف".

- ادونيس، الصوفية والسوريالية، دار الساقي، بيروت- لبنان، الطبعة الثالثة، 2006، ص 11.

أن هذا التحديد الادونيسي لا يختلف عن قول "إيكو" بصدد النزعة الهرمسية، ومع وضعي البعد الإنساني في الاعتبار إلا أن المنحى العام يقترب إلى درجة التماهي مع اللاهوت السالب، ويمكن لأي إنسان أن يزعم نفس المزاعم لدى تجربة الإيمان الديني ولا نلمس فارقاً.

5- لا أتفق مع منحى البحث في عزل أنطولوجيا "هيدجر" عن طريقته في طرح الأسئلة الفلسفية، فالأخيرة تكشف عن خصوبة التحليلات التي طرحها لا في المذهب، إنما في المنهج، ولو أن البحث أخذ الفلسفة الهيدجرية بتلك الوجهة ما كان له إلا أن يفرق بين المؤتلف والمختلف في النظر إلى قضية العلاقة بين الشرق والغرب.

6- هناك حركة يحاول البحث إثباتها بطريقة أو بأخرى، هي حركة تحويل المضمون الذي يرد في المقولات الأنطولوجية إلى شكل معين، كأنه قد تجسد فأصبح موضوعاً للموضوع (أي كموضوع للاتفاق) قيد المناقشة، فمثلاً يأتي بأقوال لفيلسوف على غرار" بارمنيدس" ليطابق بين مضمونها المحتمل والمضمون العام الذي هو مقرر سلفاً في بداية البحث ونهايته، وبذلك يسقط من الحسبان ما يأتي وهو الأهم، أن القول الفلسفي يخضع لتحويرات وإعادة صياغات بلغة شديدة النقاء الصوري والنسقي، لتبرر أشياء معينة، وتضفي عليها التماسك بينما لم تكن مقصودة لذاتها، وليس "أفلاطون" ببعيد عن "بارمنيدس"، هذا الذي أعطى توظيفات للنص الفلسفي ومقولاته ودلالاته، فكان يعنى موضوعات في الظاهر، بينما يومئ إلى مستويات أخرى، متمشية مع اللوغوس أو القانون وهو إتحاد غير حيادي إلى درجة التواطؤ  بين السياسي والديني والاجتماعي والأخلاقي والأنطولوجي لصناعة العقل اليوناني وأساليبه في التفكير.

7- ربما نميز ما يوجد في الفلسفة الوسيطة "البعد الرمزي" الذي ظهر بفضل تحول الأشياء إلى أيقونات، تعكس الوجود الإلهي، لذلك تعتبر الأفكار الفلسفية قابلة للقراءة بمنظور آخر غير الطريقة التي تعتبرها أفكارا أنطولوجية أو معرفية صرف، هو منظور الاستعارة والتمثيل المجازي، فكل شيء لا يحضر إنما يستحضر ومعه فائض الدلالة اللاهوتية، من ثم تتواصل الحفريات بحثاً عن العمق الذي لا يمكن الوصول إليه مباشرة، وطبعا لا نملك إلا التأويلات، لهذا كما يقول "متى" المسكين: إذا قيل إن هناك شيئية الأشياء، فإن الشيئية احتملت الحلول، فلم تعد شيئية، فالمسيح عندما حل في الناسوت، فقد حلّ الكل في الجزء، ولم يعد الجزء جزءاً، انفرش الكل على الجزء، وانفتح الجزء على الكل، فأصبح المحدود غير محدود، وأصبح اللامحدود في صورة المحدود، لقد أضحى رمزاً.

- الأب متي المسكين، في: المجاز الروحي، حوار أجراه "نصر حامد أبو زيد" و"جابر عصفور"، مجلة ألف، العدد الثاني عشر بعنوان: المجاز والتمثيل في العصور الوسطى، مجلة البلاغة المقارنة، تصدر سنوياً عن قسم الأدب الإنجليزي والمقارن، الجامعة الأمريكية، القاهرة، فصل الربيع،  1992، ص 208.

8- في كتابه "الوجود و الزمان"  يطرح "هيدجر" مصطلح :" الميتافيزيقا الغربية" ضمن إطار يعرفنا الاختلافات بين المعاني المذكورة للوجود، وبخلاف التماثلات الذي يذكرها تبنى "هيدجر" الفينومينولوجا لمعرفة قواعد التماثل بشكل جينالوجي، أي تتبع جزئيات (وحدات) المعنى الواحد، وما بينها من علاقات وارتباطات تاريخية، كأنه يفتت العام إلى النوعي والنسبي، حتى وإن كان مذكوراً في سياقه الإجمالي، لأنه يعتمد على انكشافه لا على احتوائه.

M. Heidegger، Being and Time، Translated by Joan Stambaugh، State Uni- of New York Press،1996,pp13-35.

9- إن الثنائيات بهذا الوضع تستقطب التنوعات والتدرجات الموجودة بين أطرافها، لذلك  تستقطب حركة الأفكار أيضاً، فما إن يفكر الإنسان في موضوع له صلة بها حتى تقدم له خطاً جاهزاً للمعنى الذي هي أصلاً في طور التكوين، كما أنها توفر إجابات جاهزة على الأسئلة إن أثيرت والمحتمل أن تثار مستقبلاً، من هنا كان وصفها بالعنف الثقافي وهو عملية ليست مقصودة بالطبع، ولكنها تتجلى بقوة النصوص والخطابات المصاغة في هذا الشأن.

 

التحولات الثقافية في المجتمع ترتبط بالبُنية الوظيفية للإنسان في الحراكِ التاريخي وحركةِ المشاعر الواعية لا الساذجة . وهذا الارتباطُ يتكرَّس في صَيرورة الوجود باعتباره انتقالًا دائمًا مِن كَينونة المجتمع إلى كِيَان الإنسان . وبما أنَّ الوجود انتقال دائم، فإنَّ الحقائق الاجتماعية الناتجة عن هذا الوجود ستكون ظواهر إنسانية ذات حركة مُستمرة في القيم المعرفية والمعايير الأخلاقية . لكنَّ الإشكالية تَكمُن في القيود الاجتماعية التي تُحَاصِر وُجُودَ الفردِ والجماعةِ، وتَمنع تَحَوُّلَ الحقائق إلى قوانين تُساهم في بناء الوَعْي الحاضن للظواهر الإنسانية . ولا بُد مِن إيجاد أدوات تحليلية وتَكوين آلِيَّات فكرية لتحويل الظواهر الإنسانية إلى بُنى ثقافية على تماس مُباشر مع السلوكِ اليومي والأحداثِ الحياتية . وإيجادُ الأدواتِ وتكوينُ الآلِيَّاتِ يُمثِّلان تمهيدًا لإنشاء علاقة تبادلية بين الوَعْي الثقافي والمعنى الاجتماعي . وهذا التمهيدُ لَيس مَقصودًا لذاته، وغَير مُنفصل عن مسار المجتمع، ولكنَّه طريقة عقلانية لاكتشاف طريق الفرد في المجتمع، وطريقِ المُجتمع في التاريخ . وكُل تمهيد سَيَؤُول إلى فلسفة قادرة على تأويل الوَعْي والمعنى ضِمن أُطُر الفِعل الاجتماعي.ويُمكن القَول باختصار، إنَّ الفلسفة طريقة لاكتشاف الطريق .

2

البُنى الثقافية تُجسِّد التجاربَ الإنسانية، وتُمثِّل أحلامَ الفرد باعتباره فاعلًا اجتماعيًّا يَسعى إلى إيجاد معنى منطقي لحياته، وتَحويلها مِن شيء هامشي عابر إلى حقيقة اجتماعية فعَّالة . وكُلُّ تجربة إنسانية هي نظامٌ حضاري، ومِعيارٌ أخلاقي، ورحلةُ خَلاص مِن أجل تخليص الفرد مِن صراعاته النَّفْسِيَّة، ومأزقه الوجودي، وقلقه الحياتي، وخَوفه مِن المُستقبل . ولا يُمكن للفرد أن يُحوِّل أحلامَه الشخصية إلى عوامل إبداع جماعية إلا إذا تحرَّر مِن القلق والخَوف . وإذا كانت البُنى الثقافية تقوم على النتاج الفكري المُتراكم، الذي يتمتَّع بالخُصوصية، ويَتميَّز بالبَصمة التاريخية المُتفرِّدة، فإنَّ الوَعْي التاريخي بالثقافة يقوم على الأنماط الاجتماعية القابلة للتأويل، والأشكالِ السياسية القابلة للتطبيق،مِمَّا يُؤَدِّي إلى صناعة منظومة مِن السِّمات الثقافية المُتَنَوِّعة التي تُعيد إنتاجَ الواقع، وتُؤَسِّس سُلطتها المركزية في طبيعة الفِعل الاجتماعي، مِن أجل تكوين منهج عقلاني قادر على استكشافِ ظواهر المجتمع المُستترة، وتحليلِ الأنساق المعرفية الباطنية، ورَبْطِها بالسياقات الوجودية المنبثقة عن سُلطةِ التاريخ وكَينونةِ المعنى . وإذا كانت الثقافةُ تَعتبر التاريخَ دليلًا حيويًّا، فيجب على الحقول المعرفية أن تَدفع التاريخَ إلى إفراز الدَّلالات المعنوية والمفاهيم المادية، كَي يُصبح التاريخُ ظاهرةً ثقافية مُستمرة، ونشاطًا فكريًّا مُتواصلًا، لمنعِ حُدوث تعارض بين الحقائق الاجتماعية والأشياء الحياتية، والحَيلولةِ دُون حُدوث صِدَام بين الثقافة والسلوك . والتوافقُ بين الحقائق والأشياء من جهة، والثقافة والسلوك مِن جِهة أُخرى، يَكشف طبيعةَ الشروط المعرفية المفروضة على أنساق الواقع المُعاش، للسيطرة على ماهيَّته، والهَيمنة على جَوهره، وتَوجيهه نَحْو صِناعة تصوُّرات وهمية عن الحياة تكون بمثابة مُسلَّمات صالحة للتوظيف لتحقيق مصالح شخصية . ولا يُمكن الكشف عن عناصر السيطرة وعوامل الهيمنة إلا بتكوين أدوات نقدية قادرة على تفكيك الظواهر الاجتماعية وتركيبها وتطبيقها .

3

المُجتمعُ الحَيُّ هو الكِيان المعرفي القادر على تحويل الشعور الإنساني إلى تجربة حياتية، ثُمَّ ظاهرة ثقافية، ثُمَّ حقيقة اجتماعية . ومفهومُ الحقيقة الاجتماعية يستمد شرعيته مِن رمزية اللغة، ويَكتسب أبعادَه مِن سُلطة العقل العَصِيِّ على التدجين، مِمَّا يدل على أن اللغة والعقل يُكوِّنان تاريخًا ثقافيًّا لليقين الاجتماعي.وهذا لا يعني أن المجتمع يصل إلى وضعية نهائية وحالة حاسمة، وإنما يَعني أن المجتمع يَمتلِك الجُرأةَ على طرح الأسئلة الحَسَّاسة، والبحث عن إجابات منطقية، بدون تهرُّب مِن المأزق الوجودي، ولا تنصُّل مِن المسؤولية الأخلاقية. ويجب على الفرد في طريقه إلى اليقين الاجتماعي أن يُغامر ويُجرِّب المُستحيلَ كَي يَعُود إلى ذاته، ويُلبِّي نداءَ أعماقه، ويصل إلى المُمكن . وكُلُّ طريقٍ إلى اليقين جُزْءٌ مِن اليقين، والخُطوة جُزء لا يتجزَّأ من طبيعة الطريق .

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

وعلي حبطيشبناء الهوية والهوية:

أ) النهج الفلسفي للهوية:

تعد مسألة الهوية الشخصية حديثة نسبيًا في التاريخ الغربي للفلسفة. بالنسبة لأرسطو، فإن ما يميز الرجل (وليس امرأة أو عبدًا) هو حقيقة الانتماء إلى المدينة، وكونها مواطنًا. في المسيحية، يتم تنقيح مفهوم الشخص المأخوذ من المسرح اليوناني (البطل الذي يظهر ويبرز من الجوقة القديمة): نحن إخوة لأن أبناء الله، وهويتنا تنبع من هذه البنوة الإلهية.

يبتكر ديكارت من خلال تأسيس الذاتية الحديثة: فهو يعرّف هوية الإنسان على أنها مادة تفكير: التغلب على الشك المنهجي والجذري في كل شيء باكتشاف أنه من خلال الشك، كما يعتقد، يؤكد له نفس الحركة لوجوده. جوهرها: إنها (أولاً وقبل كل شيء) فكرة، في هذه اللحظة بدون جسد (الذي يؤسس الثنائية)، ولكن أيضًا بدون الآخر (الموقف الانسيابي): فهي بذلك تصنع تدبير الآخر في الهوية. بما في ذلك في حد ذاته، حيث ينشأ الوعي الديكارتي في فورية وجودية وجودية بشكل كبير، وفي شفافية تامة فيما يتعلق بنفسه.

على العكس من ذلك، يظل هيوم متشككًا: إذا كانت المقارنة بين انطباعاتي هي التي تسمح لي بمعرفة (نفسي)، فهذه هي مجرد تنوع لا يكاد يدعو إلى الذات الموحدة والمستقرة: يبدو أن الوحدة المفترضة تأتي بدلاً من الاعتقاد (أو الوهم؟)، من اليقين. سيدفع نيتشه الشك في الكوجيتو المكسور إلى نهايته: الذات هي وهم نحوي ؛ اللغة التي تجعلني أقول أنني مضللة بشكل أساسي، تخفي فقط دافع غريزة العيش.

مع هيجل تدعو الأخرى نفسها إلى الهوية. أي وعي بالذات يفترض مسبقًا مضاعفة من أجل إعادة معرفة الذات على أنها وعي. الوعي هو وعي الآخر في حد ذاته، في نفس الوقت مع وعي الآخرين ومن أجلهم، وفي نفس الوقت وعي الآخرين. وهو متبادل للجميع. ما هو حقًا الوعي الذي لن يتم التعرف عليه؟ يتم تأكيد هوية كل واحد فقط في الاعتراف به. كل الذاتية بهذا المعنى هي ذاتية مشتركة.

سواء في علم النفس الجيني للوالون أو فرويد، فإن هوية الفاعل متجذرة في الأصل / الأساس الذي ينسجها مع الآخر، لا سيما من خلال رمزية اللغة، التي سميتني من قبل على الرغم من أنني لم أولد ... فرويد سوف يزيح غطرسة الكوجيتو عن طريق تحويل مركز ثقل هويتنا العميقة: من وعينا إلى اللاوعي ؛ إنه يتحدث عن المكان الذي اعتقدت فيه أنني كنت أفكر ... تصبح هوية الموضوع غامضة، وتتشكل من خلال الدوافع المرتبطة برومانسية عائلية.

إذن ما هي الهوية الشخصية، هوية الفرد أو الفرد، مقابل هوية المجموعة؟

يتم اختبار الهوية، من خلال شكل من أشكال الإثبات الوجودي: التجربة الداخلية للوجود مثلي (والتي يمكن أن ننتقدها، مع أولئك الذين يشكون في قيمة التجربة، كوهم إدراكي، أو اعتقاد بسيط لم يتم تأسيسه).

يمكن تعريفه:

- بشكل متزامن (في الوقت الحاضر)، كوعي لكون المرء نفسه (فرد بشري، شخص، ذات من أنا، وتقول "أنا")، لتشكيل وحدة ؛

- بشكل غير متزامن (مع مرور الوقت)، مثل الاقتناع بالبقاء على طبيعته، للحفاظ على هذه الوحدة في استمرارية (وعلى الرغم من التغييرات).

وبهذا المعنى، فإن الهوية هي تشابه: البقاء على نفس الذات عندما يتغير المرء، مؤمنًا بجوهر يدوم على الرغم من التعديلات الناجمة عن مرور الوقت. يتحدث ريكور هنا، في إشارة إلى أحد المعاني اللاتينية للنفس، عن هوية الهوية. إنها هوية تتميز بالاستقرار بمرور الوقت وقوتها. يمكن أن تعرّفنا بالتالي: هذا هو الحال، على سبيل المثال، من وجهة نظر قانونية وسياسية، لحالتنا المدنية، التي تحدد انتمائنا، وبسبب هذا الدوام، تسمح بالاعتراف والتعرف (الهوية هي ما يسمح لنا للتعريف والتعرف عليها). هذا هو الحال أيضًا مع شخصيتنا، والتي تحددنا نفسياً من خلال ثباتها النسبي، وتسمح للآخرين بالتنبؤ بردود أفعالنا بشكل تقريبي أو دقيق تمامًا، مما يجعل من الممكن تنظيم تفاعلاتنا مع الآخرين.

أن يفكر في هذا الدوام الموضوع، استخدم الفلاسفة المفاهيم: مفهوم الشكل: يمكننا تغيير كل ألواح قارب ثيسيوس، كما يقول أرسطو، "مادته"، لكنه مع ذلك يحتفظ "بشكله" على شكل قارب. أو مفهوم الجوهر (ديكارت): نوع من الركيزة التي تدعم وجوديًا الذات في كينونتها، بما يتجاوز مظهرها المتغير. أو المفهوم الأكثر حداثة للهيكل، وهو شكل مستقر لتنظيم العناصر المختلفة في الكل الذي ترتبط أجزائه ببعضها البعض. نرى هنا أن هوية الهوية، من خلال اختزال الوقت إلى إعادة إنتاج نفس الشيء في حلقة، تتعارض مع التاريخية، إلى الطابع الناشئ وغير المسبوق للحدث، للاختراع الزمني للحاضر: إنه إذا جاز التعبير غير تاريخي ...

ومع ذلك، لا يمكن اختزال الهوية إلى هذا الشعور الحالي والدائم بكونها وحدة والتي، تمنع علم الأمراض (مثل تفكك الشخصية أو تفككها)، "تثبت في وجودها" (سبينوزا): c t هو أيضًا شعور التفرد، لكوني "أنا فريد" (شتيرنر)، أصلي، "شخص ليس أي شخص" (لاكان). يمكن بالتأكيد رفض هويتي من خلال ما أشترك فيه معي بمرور الوقت، أو مشترك مع الآخرين (أنا، مثل كثيرين آخرين، رجل، كبير السن، فرنسي، إلخ)، باختصار من خلال التشابه المشترك مع أنا والآخرين. لكنها تتميز أيضًا بتفردي: ذلك الذي أكون فيه مختلفًا، مختلفًا عن نفسي في الوقت المناسب، لأنني أتغير جسديًا وعقليًا، وغير متجانس جذريًا وغير قابل للاختزال لأي شخص آخر. هذا الجانب الآخر للهوية، يسميه ريكور الهوية.

في معرّف الهوية، يمكن التنبؤ بالأنا، وهو موضوع منطقي: يمكن للمرء أن ينسب إليه كل ما لديه من قواسم مشتركة مع الآخرين: أرسطو فيلسوف ويوناني، مثل أفلاطون من قبله، وهو تلميذ له. . ولكن ما يمكن أن يقال عن سقراط على أنه سقراط، حيث أنه لا يوجد أي شيء مشترك بينه وبين أي شخص كفرد منفرد ؛ إنها مجموعة مكونة من عنصر واحد، لا يمكن تحديدها، لا يمكن تكريرها، غامضة في تفردها ... إنها تهرب من اللغة والمنطق.

إن هوية الهوية هذه ليست أيضًا موضوعًا نحويًا، حيث يمكن لأي شخص، مثلي، أن يقول أنا. إن كلمة "أنا" النحوية هي فقط ما اقترضته من اللغة، وهي طريقة بالنسبة لي لاحتكار الضمير الشخصي للشخص الأول في القواعد النحوية التي يمكن أن يستخدمها أي شخص، ولكنها تجعل شخصًا ما على أي حال، لأنه من الشائع أن كل شيء، وليس المفرد بالنسبة لي. لا تزال الهوية كما يلي ...

إذا كنت فريدًا، لا مثيل له، لا يمكن الاستغناء عنه، فأنا غير الآخر، والآخر الآخر، والعكس صحيح. هويتي شخصية ومميزة. لذلك لا أستطيع التفكير في هويتي دون غيرها. وكما تم الاعتراف بي من حيث أنني كنت مثل الآخر (الأوروبي، البشري)، فقد تم الاعتراف بي أيضًا وربما قبل كل شيء لأنني مختلف.

أنا حتى غير نفسي، لأن هناك الآخر بداخلي: نفسنا كما يقول ريكور آخر. الآخر الذي كنت عليه ولكن لم أعد موجودًا، قد أكون ولكن ليس بعد، فاقدًا للوعي يتجاوز وعيي، مفاجأة محتملة لنفسي، بطلًا أو لقيطًا حسب الظروف ...

ب) المنهج الفلسفي لبناء الهوية

يمكن القول إن هوية الفرد يتم استلامها وتوريثها ونقلها بشكل أساسي. من الناحية البيولوجية، نأتي من حياة تسبقنا وتنقل جيناتها إلينا، ونعرف بشكل أفضل وأفضل تأثير الجينات على مستقبلنا الجسدي والعقلي جزئيًا. نحن نرث الهوية الوطنية من الناحية القانونية بقانون الأرض أو الدم. من الناحية النفسية، تتشكل نحن من خلال علاقاتنا الأبوية الأساسية، والتي تحدد وبنية اللاوعي. من الناحية الاجتماعية، نحن مشبعون بخلفيتنا الجغرافية والاجتماعية والثقافية والأيديولوجية، بالتعليم، ولغتنا الأم، ووسائل الإعلام، وبيئتنا بأكملها، والتي تولد عن غير قصد بيئة عمل ("أخبرني عن الفئة الاجتماعية المهنية لوالدك، كما يقول بورديو السبعينيات، سأخبرك باحتمالية كبيرة لمكانك المستقبلي في سوق العمل ").

من منظور مادي حتمي، أنا منتج أكثر من عملية، وكيل أكثر من فاعل. ومن منظور ديني قدري، كل شيء مكتوب بالفعل في حياتي ؛ على سبيل المثال نعمة الله لا تعتمد على أعمالي. في هذه السيناريوهات، يكون الكون من خلال تفاعل أسبابه، أو الله، بتصاميم لا يمكن اختراقها في كثير من الأحيان، أصل الرومانسية في حياتي، والتي أنا، عن غير قصد، فقط الشخصية المفروضة.

لدينا هنا هوية موروثة وتنبؤية، لترتيب المسار، بالمعنى الباليستي: يتم إعطاء الطاقة في البداية، نحو هدف محدد سلفًا. ببساطة، أتجاهل هذه التحديدات، في الوهم بأنني أحرار (مثل الحجر الذي يتدحرج على منحدر، إذا كان لديه وعي، يمكن أن يعتقد أنه حر في التحرك، كما يقول سبينوزا). إذا كنا نريد أن إن الحديث عن "البناء" مرة أخرى يعني أن القصة، قصتي، سوف تتكشف بمرور الوقت، لكنها مبرمجة بالفعل: فهي موجودة فعليًا فقط في البداية، ولكنها ستحقق إمكانات ملحوظة ومحدودة. تم الانتهاء من الألعاب. هناك شيء ما هناك من نظام الإنتاج، وإعادة الإنتاج، والتكرار، ونفس الشيء ... يمكنني فقط أن أكون ما يمكن أن أكونه، ولا يمكنني أن أتجاوز شروط الإمكانية الخاصة بي.

لكن هل يمكننا الحديث عن البناء، في حين أن المسار الذي تم سلكه يكون مخططًا أو متوقعًا بالفعل؟ الفكرة، المستوحاة من المبنى، تفترض بالتأكيد خطة تسبقها، لكن السؤال كله هو معرفة من الذي يصنع هذه الخطة (الصدفة، السببية، الله ...)، وما إذا كان يمكن تغييرها أم لا، والأهم من ذلك، إذا كان بإمكاني غير خطة حياتي على طول الطريق ...

هناك فلاسفة مثل سارتر يؤكدون في المقابل أن حريتنا مطلقة وغير مشروطة، "أننا لم نكن أبدًا أحرارًا كما كان الحال في ظل الاحتلال الألماني"، وأن وجودنا يتجاوز أي جوهر من شأنه أن يعيد تدفق حريتنا. إنه يذكرنا بأن القيد قد لا يكون مطلقًا مطلقًا، وأن التحديد قد لا يكون أبدًا حتمية صارمة. نحن نعلم، على سبيل المثال، أن الجين يؤثر فقط في التفاعل مع البيئة، مما يضع آثاره في منظور من خلال هذا السياق ؛ أن المرنة ترفض التنبؤات بفشلها ؛ أنه إذا كان للجنس مكون بيولوجي أساسي، فهو أيضًا البناء الاجتماعي "للجنس" ؛ هذا العلاج يجعل من الممكن العودة إلى ماضٍ حاسم للغاية، وما إلى ذلك. كل هوية بشرية لها تاريخ، يحمل نصيبه من الصدفة إلى ما هو أبعد من المحتمل والضروري، بسبب ظهور الأحداث التي تزعج أكثر المسارات تعقبًا ...

كل الذاتية محفورة بالفعل في زمانية، مما يجعلها نسيجًا في عملية النسج. تأخذ هذه الفترة الزمنية مظهر قصة حيث أكون شخصية تتآمر مع كل ما يحدث لي في الحياة. وبالتالي، فإن هويتي الشخصية، كما يقول ب. ريكور أو ج. برونر، هي قصة.

- الذاكرة هي وسيلة لسرد ماضي المرء، وفك الخيوط وإعادة ربطها. إنه ليس مجرد مسجل محايد للحقائق الموضوعية، ولكنه اختيار عاطفي يتضمن النسيان والقمع والذكريات الحية. إنه خيالي جزئيًا، فهو يبني ويعيد بناء المعنى اللاحق باستمرار، والذي يتغير بمرور الوقت، ويعيد تقييم الأحداث بعد فوات الأوان.

- أما المشروع فهو وسيلة لتخبر نفسك بما تريده في المستقبل، قصة متوقعة، تنتقل من الأحلام غير الواقعية إلى التخطيط العقلاني.

لقد رأينا أن البعض يعتقد أن هذه القصة مبرمجة بالفعل.

يمكننا أيضًا التفكير، دون التقليل من جميع قيود قراراتنا المختلفة، أنه يمكننا أن نكون ممثلين في مسرحية لم نختارها، مع ارتجال اللعبة الذي يعطي تفسيرًا لدور ما: إنها وجهة نظر الرواقيون. لم نختار أن نولد، لكن يمكننا أن نجدها شيئًا جيدًا (فرحة وجود سبينوزا)، أو شيئًا سيئًا ("إزعاج الولادة" وفقًا لسيوران).

ربما يمكننا فعل المزيد، على الرغم من إصرارنا: أن نصبح لاعبًا في حياتنا، من خلال التفكير والتداول والاختيار والمبادرة والعمل الذي نشعر بالمسؤولية تجاهه وتجاه أنفسنا للآخرين. هذا هو خيار ريكور. من المؤكد أن الإنسان عالق في شبكة معقدة من الأسباب الفعالة، حيث يكون لكل فعل سبب أو أكثر من أسبابه. لكنه يمتلك في حد ذاته القدرة على السببية الغائية، حيث يسبق الهدف المنشود الوسائل التي ستجعل من الممكن الوصول إليه، حيث توجد الغاية قبل السبب الذي سيجعله ممكنًا، مما يسمح للإنسان بالبدء في مبادرة العالم. هذه الحرية الإنسانية يتم اختبارها في الشعور، اليقين الهش ولكن فوق أي شك، في إثبات وجودها، وفي افتراض أفعالها. لأننا نكتب حياتنا كقصة، ولأن هويتنا سردية، فإنها تنطوي على بُعد أخلاقي، وهو قلب الهوية الإنسانية الصحيحة.

وبناءً عليه، يبدو أن بناء الهوية الشخصية عملية تاريخية على مفترق طرق العديد من التحديدات الحقيقية، والتي سيكون من العبث إنكارها، وحرية في التفكير والتصرف كرجل مسؤول.

وخلاصة القول: إن الهوية الشخصية هي هوية ذاتية. هذه الذاتية هي ذاتية ثنائية، لأنها غارقة في الآخر. إنها مبنية في زمن. يجب ألا نفكر فقط في تاريخ هذا البناء، خاصة عند الأطفال والمراهقين، من حيث التطور النفسي، ولكن في إشكالية فلسفية: الجدلية بين نفسه والآخر، الاستمرارية والتغيير، الحتمية والحرية.

دعونا نصر على عنصرين أساسيين لهذا البناء:

- الآخر استقر في قلب شخصيتي بالنسبة لي ويشكلني بشكل خاص في اللغة ومن خلالها، وهو ما ينقشني في الفضاء الرمزي بين الذات من الفهم المتبادل.

- ما يسمح ببناء هوية الطالب أو الطفل كموضوع تفكير هو القدرة على الانعكاسية التي تحملها اللغة البشرية. في الواقع، لا يوجد فكر مبني بدون لغة.

يحقق DVP، كنظام مدرسي وفي المدينة (مقهى فيلو، إلخ)، من منظور بناء الهوية هذا، عقدة سعيدة بين المواجهة مع التعددية المجسدة (بالمناقشة)، والتبادلات اللغوية (عن طريق الكلام)، والتأمل. المجتمع (من خلال الفكر) ...

بناء الهوية

من خلال وفي مناقشة بهدف فلسفي (DVP) سنقتصر هنا على الإطار المدرسي، ولا سيما المدرسة الابتدائية. كيف تعزز ممارسة المناقشة الفلسفية بناء هوية الطالب والطفل كمواضيع تفكير تحدث؟ نجيب: من خلال الممارسة اللغوية، والتطبيق الانعكاسي، ومن خلال عملية مزدوجة من التنشئة الاجتماعية، الديمقراطية والاجتماعية المعرفية على حد سواء، هذه العمليات مترابطة بشكل وثيق. يوجد أدناه رسم تخطيطي لإضفاء الطابع الرسمي على هذه المجموعة، والتي سأقتصر على التعليق عليها.

أ) اللغة والفكر في المناقشة

DVP هو لقاء بين الكلام الشفوي للموضوعات وتفكيرهم التأملي. هذا اللقاء هو الذي يفضل بناء هويتهم اللغوية ("كيانهم الناطق" كما يقول لاكان)، وهويتهم الانعكاسية ("كيانهم المفكر"، هويتهم ككائنات مفكرة). في العملية النفسية الوراثية العامة للتطوير المشترك للغة والفكر، تستخدم المناقشة بين الأقران التي ينظمها المعلم هنا الشفرة الشفوية للغة في شكلها للغة طبيعية (الفرنسية)، كطريقة للتعبير عن الفكر والتعبير عنه في اللغة. غالبًا ما يكون موضوع العمل المقترح للمجموعة في DVP سؤالًا يأخذ معنى في تجربة الأطفال ولكنه مجرد سؤال، من خلال عموميته (حتى العالمية) التي تتعلق بحالة الإنسان، يكون التبادل ذا طبيعة انعكاسية. : هذا سؤال يمثل مشكلة للرجال. ومن هنا تأتي مصلحة "التمسك به" معًا. عند مواجهة سؤال إشكالي، هناك حاجة للتفكير في صعوبة أو تعقيد السؤال قبل الإجابة، أو المناقشة بسبب وجهات النظر المختلفة التي سيتم التعبير عنها.

وبالتالي، فإن استخدام اللغة في هذا النوع من التبادل هو انعكاسي، وليس وظيفيًا، مما يُدخل المحاورين في علاقة بلغة أخرى غير البراغماتية (لم يعد مجرد التحدث للتصرف في العالم على أساس يومي). لذلك نلاحظ سجلاً أكثر استدامة للغة، لأننا نبحث عن الكلمة أو التعبير في أقرب وقت ممكن من الفكر الذي يبحث عن نفسه من خلال اللغة وفيها. التحدث من أجل التفكير، وليس فقط القول، والتفكير أثناء التحدث، لأنه لا يكاد يوجد أي تفكير (على أي حال تفكير انعكاسي) بدون لغة. يتعلم النقاش في نفس الحركة التحدث والتفكير. اللغة ليست شرطًا أساسيًا للتفكير (حتى لو كانت شرطًا، وإذا كان بإمكان المرء التفكير بشكل أكثر دقة بلغة أكثر تطورًا)، لأنهما يتطوران بشكل مشترك: العمل على تفكير المرء هو بالفعل في نفس الوقت يعمل على اللغة، و الشغل

تمنحك اللغة وسيلة للتفكير بشكل أفضل. لأن الفكر هو وضع تجربة ما في اللغة، ولأن الطفل صغير جدًا، فإن الطفل لديه بالفعل مخاوف من العالم ...

لذلك يمكن أن يبدأ DVP في وقت مبكر جدًا، بمجرد أن يتعلم الطفل الكلام، لأن التحدث يعني الدخول في تفاعل مع الآخرين (حتى أن فرانسوا يتحدث عن الطبيعة الجدلية للغة) ؛ أن نتحدث هو التفكير بالفعل بكلمات الآخرين: أي لغة في بعدها الثقافي تحمل رؤية معينة للعالم. ولكن أيضًا لأن كل كلمة من كلمات الفرد تترجم تجربة مميزة وفريدة من نوعها للعالم، والتي تجلبها إلى اللغة في اختلافها.

يمكن أن يكون هناك نقاش بمجرد أن يبدأ الطفل في التعبير عن نفسه، والتعبير عن فكرة، والاستماع وفهم رد فعل الآخر على حديثه، والرد على ما فهمه من كلام الآخرين للرد، والانضمام، للاعتراض والسؤال ... نعمل على ذلك من جانبنا من القسم الكبير في رياض الأطفال.

ب) بناء الهوية والتفكير التأملي

ما هو الفكر؟ يسأل ديكارت في بحثه الفلسفي عن نفسه. ورفض مادة "تشعر، تتخيل، تصمم". وفكرة عاكسة؟ التي تفكر أي تستخدم فهمها. إنه نهج عقلاني، يمكن أن يكون علميًا وفلسفيًا. يستخدم هذا النوع الأخير اللغة الطبيعية فقط للتكشف، وليس الإجراءات الرسمية (كما في الرياضيات، على سبيل المثال). تتم إدارة الإثبات في شكل حجة وليس على شكل عملية. ليست عملية تحقق تتضمن عرضًا رياضيًا أو تجارب فيزيائية أو بيولوجية.

يساهم DVP في بناء هوية الموضوع ككائن تفكير من خلال تعلم الفلسفة، أي العمليات المترابطة لإشكالية الأسئلة المتعلقة بمعنى الحالة الإنسانية، وتصور المفاهيم المجردة التي تسمح بطرحها وحلها، لمجادلة أو انتقاد ردهم بعقلانية، بهدف الحقيقة، أو البحث عن "حياة جيدة في مؤسسات عادلة" (ريكور).

يحدث هذا البناء في الأطفال، مع أو بدون دعم أولي (أدب الأطفال، الأساطير، إلخ): من خلال التعبير عن الأسئلة التي تخصهم ("صداقة، هل تستمر إلى الأبد؟") ؛ من خلال ربط هذه الأسئلة بتجربتهم الخاصة (هنا الصداقة)، بناءً على أمثلة وأمثلة مضادة ؛ من خلال البحث عن الدقة والتعريفات للكلمات المستخدمة ("الصديق هو شخص تأتمن عليه أسرارك") ؛ من خلال وضع الفروق المفاهيمية (صديق، صديق، عاشق، يبدو متشابهًا ولكنه ليس هو نفسه) ؛ بتأكيد الاتفاقات أو الخلافات التي يجب أن يقدموا لها "أسباب وجيهة" وما إلى ذلك. نحن نخمن الدور الأساسي للمعلم في الرسوم المتحركة لـ DVP. من خلال متطلباته الفكرية لتنفيذ مثل هذه العمليات في التبادل يطور الأطفال مهارات في حل المشكلات ووضع المفاهيم والحجج، مما يوفر له الأدوات الفكرية "للتفكير بنفسه".

ج) نشاط اجتماعي

المناقشة نشاط لغوي للتواصل بين البشر. إنها مسألة الدخول في محادثة، وفهم وفهم، وخلق ذاتية داخلية قائمة على الفهم المتبادل (هابرماس). إنها تواجه التعددية الأخرى: نتعلم كيف نعيش معًا من خلال المناقشة. إنه بهذا المعنى التنشئة الاجتماعية، وإنتاج الهوية الجماعية والفردية من خلال التبادل.

اعتبر علماء النفس وعلماء الاجتماع التنشئة الاجتماعية بمثابة استيعاب للفرد للمعايير والسلوكيات الجماعية (يكون الفرد حينها أولًا: دوركهايم سابقًا)، أو من خلال التفرد الفردي من الافتقار الأساسي للتمايز، كعملية فردية و الفردية الاجتماعية (فرويد، الوالون). إنه تعلم البشر للعيش معًا، حيث يلعب التعليم دورًا حاسمًا. ونحن نعلم مدى إشكالية هذه العملية في المجتمع الفردي الحديث، حيث يكافح الفرد، الذي يدعي بقوة أنه معترف به في تفرده، من أجل تقاسم القيم المشتركة. ومن هنا جاء الانشغال التربوي بـ "المواطنة" (بتعبير أدق، يجب أن نتحدث عن الكياسة).

1) DVDP كتنشئة اجتماعية ديمقراطية

هناك شروط معينة ضرورية لهذه التلمذة الصناعية إذا أردنا أن نطلبها لغرض حضاري. على سبيل المثال إذا أردنا أن تكون المناقشة ديمقراطية ومتى. يتطلب مساحة دائرية: نناقش وجهاً لوجه، مثل المحاربين في Illiad الذين يشكلون دائرة، ويضعون أذرعهم ("كسر الرماح")، ويتقدمون للتحدث بدورهم ثم يستأنفون مكانهم على المحيط المشترك ؛ قواعد التحدث بدورها، لتنظيم توازن القوى الممكن دائمًا: ترتيب التسجيل، الأولوية لأولئك الذين لم يعبروا عن أنفسهم بعد أو يتكلمون قليلاً، أدوار الطاولة ؛ والمواقف التي تفضي إلى تبادل حقيقي: المناقشة هي تأجيل العنف الجسدي (الكلام دائمًا على مسافة من الاتصال)، ولكن أيضًا اللفظي (في الإهانة، نجادل، لا نناقش ؛ في السخرية، يستبعد المرء الآخر باعتباره محاور غير صالح) ؛ هو الاستماع (موضع ترحيب) لفهم (جهد للتغلغل في رؤية الآخر)، للرد بعد أن ينتهي الآخر من التدخل (صبر الاستماع والتحكم في التأثيرات)، لأن حق كل فرد في التحدث يفترض يمارسون صمت الجميع عندما يتكلم واحد فقط، إلخ.

وبالتالي فإن DVP هي بالنسبة لنا DVDP (مناقشة مع الهدف الديمقراطي والفلسفي)، والتي تساهم في التربية المدنية والمدنية للتلاميذ، في "فضاء المدرسة العامة للمناقشة"، والذي يتطور في هذا المكان المحمي بقواعد أ " علمانية المواجهة "(ريكور)، وليس اللامبالاة. تسمح الطبيعة الديمقراطية للقواعد والوظائف التي يفوضها المعلم (طالب رئيس الجلسة هو الضامن لتطبيق القواعد) للجميع بالتعبير عن أنفسهم (لا يوجد طلاب "متساوون" أكثر من غيرهم فيما يتعلق بالحق التعبير، حتى لو لم يعبروا جميعًا عن أنفسهم في الواقع)، وعن الأقلية (مما يضمن تعددية الآراء، شرطًا لوجود نقاش، ووقف توافق الآراء). هناك أيضًا قلق على المتحدث الصامت أو المتحدث الصغير من قبل العمود الذي يمدّه الرئيس، لأننا نحتاج بشكل مثالي إلى كلمة الجميع لإثراء التبادل (يمكننا أيضًا قراءة ما كتبناه عندما يُطلب منا). ولكن هناك حق في التزام الصمت، حتى لا تقع في النوع المدرسي المتمثل في "الاستجواب" البارع للرد القسري للطالب. اهتمام المراقبين هنا هو التحضير لوظيفة الرئيس، لقياس مدى تعقيد وصعوبة تنفيذ مواصفاتها، وكذلك اقتراح تحسينات تشغيلية بروح من المساعدة المتبادلة، لأن روح المناقشة تعاونية. إن تفويض السلطة للطلاب يمكّنهم، الذين قد يفاجأون بجديتهم في ممارسة وظيفة ضرورية لسير النشاط المعطى لهم بثقة.

كل هذا يساهم في بناء هوية مدنية، من خلال الكلام المنظم للتعبير العلني عن الآراء، وعلاقة تعاونية مع القانون

2) DVP كتنشئة اجتماعية انعكاسية

لكن خصوصية DVP هي تفضيل نوع معين من التنشئة الاجتماعية: التنشئة الاجتماعية الانعكاسية. إن مصلحة التنشئة الاجتماعية الانعكاسية في سياق فردي هي المساهمة في التخفيف من تأثير إضعاف الروابط الاجتماعية (ما يربط المجتمع معًا، وهنا مدرسته).

ولكن ماذا نعني بالتنشئة الاجتماعية "الانعكاسية" في DVP؟ طريقة "للعيش معًا أثناء المناقشة فلسفيًا". أطلق أبيقور على هذه "الصداقة الفلسفية"، شكلاً من أشكال امتياز المحبة. لماذا يوجد التنشئة الاجتماعية؟ لأننا نتعلم أن نناقش معًا دون جدال. أن أكون وغالبًا ما يظلون على خلاف ولكن في سلام أهلي وليس حربًا. تجربة الخلاف في السلام هي تجربة حضارية بشكل بارز. هي قبول الاختلاف بل وحتى الرغبة فيه، لأنه يثري بدلاً من تقسيمه

تحدث J. Lévine، في هذا التعلم للفكر الممكن من الحضانة، عن "اللغة الداخلية"، وهو نشاط يعرب من خلاله الطفل عن علاقته بالآخرين وبالعالم من خلال ورشة الفلسفة ويعبر عنها لنفسه. ينتج عن هذا النشاط الاجتماعي اللغوي التواصل الاجتماعي، والتواصل الاجتماعي، لأن الطفل يتم وضعه كمؤسسة "كمحاور صالح" في DVP، يستمع إليه المعلم المهتم بما يقوله، كل شيء في الاستماع لأنه لا يتدخل بنفسه، وطواعية يطلق، بصمته، مكانًا ولحظة من التعبير الفردي لكل واحد. ثم يصرح الطفل لنفسه، لأنه مخول بحرية القيام بذلك، للدخول في إنسانية الكائنات المتحدثة. هذا التأثير "للاعتراف" (بمعنى أ. هونيث أو بي ريكور) يؤسس "الصغير" في كرامة إنسانية، تُلاحظ آثاره (إعادة) النرجسية مع الأطفال أو المراهقين في المدرسة والصعوبات الشخصية. (ابتدائي) مدرسة في منطقة حساسة أو Segpa في الكلية، على سبيل المثال). كل واحد يأخذ تناسق موضوع صالح (له قيمة بشرية) في جهاز "محتوي"، ويرى أن حالة الموضوع هذه مؤكدة بكلمة تجرؤ على التفكير وتشعر بأنها مسموعة، يتم إنشاء تهدئة في "cogitans مجموعة ". اللغة، من عفو عفوي كرد فعل على تأثير جريح (إهانة)، وساطة داخلية بين المتاعب المحسوسة والضربة الجاهزة للانطلاق، تصبح مرة أخرى تواصلًا بشريًا، لأنها تفصل وتعبّر عن فكرة، بدلاً من العدوان (ذلك من المعتدي المهاجم).

يتم ممارسة الانعكاسية أيضًا في لحظة ما وراء المعرفية بعد كل مناقشة، حيث يقوم التلاميذ (بصفتهم "ممارسين انعكاسيين") بتحليل كيفية ممارستهم لمواصفات وظيفتهم، والصعوبات التي واجهوها، والوسائل التي لديهم أو لديهم لم تتخذ للتغلب عليها. يمارس المراقبون هذا التحليل صراحة، ثم يرسلونه مرة أخرى إلى المجموعة.

في DVP، أفق الحقيقة التي يمكن مشاركتها لأنها عقلانية تشارك في المناقشة، لأنه من المتوقع إجماع عليها. ثم نواجه الخلاف الذي يظل فضيحة فكرية لأولئك الذين يعتقدون أن لديهم الحقيقة. لذلك يجب أن نشرح أنفسنا بمجرد أن نؤمن بالآخر بحسن نية. لكن ليس أن تكون الأقوى. افترض للحظة أن الآخر على حق: قليل، كثير ... ماذا بعد ذلك؟

الذي هو على المحك السؤال، وتفصيله، وإجابته، وليس التفوق على الآخر. لأنها تتلاعب بالمعنى، ولم تعد بالعلاقات نهاية الخبر من القوة. نحن جميعًا منخرطون في ذلك، لأن الأسئلة الفلسفية هي أسئلة الجميع، وبالتالي الجميع. لا يحق لأحد أن يخرج من اللعبة. كل شخص لديه مصلحة في DVP في لعبة السؤال، "حقيقي وجيد"، لأن هناك أسباب للعيش والموت: لعبة خطيرة للغاية، والتي لا تذهب دون قواعد.

اعتبر إجابتي اعتقادًا راسخًا، لكنها قد لا تكون حقيقة مطلقة ونهائية. الأسئلة الفلسفية ملحة ولكنها صعبة ومعقدة. بالفعل لطرحها بشكل جيد وفهمها. من باب أولى للرد عليه. هذا يفتح عالمًا من الإجابات المحتملة، التي حرثها إلى حد كبير تاريخ الفلسفة ... القدرة على التساؤل عما أفكر به، وتعلم كيف يتم تحديها من خلال الاختلاف والتباعد والاعتراض. خذ الآخر على محمل الجد: شريك وليس خصمًا. المحاور الحقيقي، الذي يمكن أن يجلبني عن طريق زعزعة استقراري، وتحريكي، كصديق متطلب. مهما كانت تكلفة كبريائي، من "الحفاظ على وجهي" (جوفمان). أعط أطروحتي حالة الفرضية ليتم التحقق من صحتها من قبل المجموعة.

هناك كلا من أخلاق الفكر (لإعطاء نفسه الشروط للتفكير بشكل أفضل وأفضل) وأخلاقيات التواصل (هابرماس): فالمجموعة هي "فكرية جماعية" تشكل "مجتمع بحثي" (ليبمان)، حيث يكون الجميع شخص الموارد الفكرية لأي شخص آخر. أخلاقيات الاتصال هي أكثر بكثير من "الكياسة"، حيث يجب على المرء ألا يقطع من يتحدث أو يسخر، وما إلى ذلك.

دعونا نقول: إن الرئيس الديموقراطي لا يحبذ التحدث يقلب أولئك الذين يقفون في المقدمة على أولئك الذين هم على الجانبين (يتعلم كيف يراقب المجموعة) ؛ ولا أصدقائه، أو من يخاف منهم (القاعدة مجهولة، وليس هناك "مساواة" أكثر من الآخرين). وبالمثل، فإن الطالب الذي يعيد صياغة زميله في الفصل ("المصلح") هو شخص يظهر أنه يأخذ تفكيره في الاعتبار من خلال الاستماع للمطالبة الفكرية من أجل الفهم والإخلاص الأخلاقي حتى لا يخون كلمة منطوقة: فهو يحترم كلاً من الشخص وفكره الإنسان بفكره. في محاولة منه للامتياز النفسي، يتحدث كما لو كان هو الآخر ؛ في جهد أخلاقي يتسم بالصدق، خاصة إذا كان لا يتفق مع ما قيل، يقاوم مقاومته، ويتحدث من مكان خلافه. وهي تتطلب حتى أكثر من الناحية الفكرية والأخلاقية للشخص الذي يعد التقرير أو توليف المناقشة ("المركب")، لأنها تتعلق بعدة مداخلات. هذا هو السبب في أنه لا ينبغي أن يتدخل المصلح والمركب في النقاش، لتركيز كل طاقتهم على الاستماع.

ما ينتج هدوءًا نسبيًا في ديناميكيات المجموعة هو التحدي المتمثل في التعبير عن الذات في الأسئلة التي اختارها التلاميذ أنفسهم، والمهمة لحياتهم، والاستماع إلى وجهات نظر مختلفة حول المشكلات التي يطرحونها. الديناميكية ليست جدلية فحسب، بل هي إشكالية وتصور للمفاهيم. عندما نواجه سؤالاً، فإننا في حالة بحث وليس تأكيدًا فوريًا. نفس الشيء عندما نسعى لتعريف كلمة، والتي تشير إلى فكرة. في هذه الحالات، لا توجد مواجهة للمواقف، ولكن هناك تساؤل ومحاولة ومن المدهش مقارنة بالتمثيلات المعتادة للنقاش (كقتال!) أن ترى مجموعة تبحث، بلغة معدلة للغاية عن طريق الاستجواب أو توضيح المفاهيم، في موقف (لاستخدام مفاهيم أرسطو)، إرشادي أكثر منه إرشادي ...

عندما يتم رسم إجابات للأسئلة (في الفلسفة نقول أطروحات)، تكون المواجهة اجتماعية - معرفية، ويجب على الميسر التأكد من أنها لا تنحدر إلى صراعات اجتماعية - عاطفية تتعلق بالأشخاص وليس بالأفكار ... علم النفس الاجتماعي للتعلم (Perret-Clermont و Doise و Mugny و Carugati وما إلى ذلك) أظهر إلى أي مدى يدفع الصراع الاجتماعي المعرفي، في ظل ظروف معينة، الطالب إلى العمل بشكل نقدي على تمثيلاته الأولى ("الآراء" أو التحيزات في الفلسفة)، وإلى التقدم في تصوره للعالم. من جانبه، أظهر فيجوتسكي كيف تفضل المواجهة بين الأفراد النقاش بين الأفراد. من خلال فصل الطفل عن رأيه من خلال اللقاء مع الآخر، فإن المناقشة تعلمه أن يفكر، أي أن يضع نفسه من وجهة نظر الآخر ليفكر مع نفسه، مع هذا الآخر فيه وضده: "الفكر هو حوار الروح مع نفسها "سبق أن قال أفلاطون. نرى هنا في العمل عملية التنشئة الاجتماعية المعرفية التي ينفذها DVP

في الأسرة، ثم في المدرسة، يبني الطفل هويته كطفل وكطالب. يساهم DVDP في هذا البناء في ثلاثة أبعاد: بطريقة لغوية، حيث أن المناقشة تطور المهارات أنواع التمكن الشفهي للغة في تفاعل اجتماعي مستمر ؛ بطريقة عاكسة، وهي حاسمة فلسفيًا، من خلال تطوير، تحت إشراف السيد، مهارات التشكل، ووضع المفاهيم والحجج العقلانية بهدف عالمي. إن عملية بناء الكائن الناطق / التفكير "للرجل الصغير" هي جزء من نفس حركة التنشئة الاجتماعية، حيث نتعلم العيش معًا في ومن خلال التعاون التبادلي: التنشئة الاجتماعية بشكل ديمقراطي من خلال نوع الجهاز الذي يتم الاحتفاظ به (الوظائف المفوضة وقواعد التشغيل ) ؛ والتواصل الاجتماعي من خلال التفكير المشترك المنخرط في مجتمع بحثي بهدف فلسفي .. مساهمة تربوية في المواطنة الانعكاسية ...

 

الأستاذ: حبطيش وعلي

أستاذ مرسم في التعليم الثانوي

........................

المصادر

2001 (منسق): إيقاظ التفكير التأملي في المدرسة الابتدائية، Hachette-Crdp de Montpellier

2002 (منسق): مناقشة فلسفية في المدرسة الابتدائية - ممارسات، تدريب، بحث، Crdp de Montpellier.

2002: (تنسيق) ممارسات فلسفية جديدة في الفصل، قضايا ومقاربات، Crdp de Bretagne.

2003: (تنسيق) الأنشطة الفلسفية في الفصل، ظهور النوع؟ Crdp de Bretagne.

2004: المناقشة في التعليم والتدريب (بالتنسيق مع R. Etienne)، l’Harmattan.

2005: التفكير بنفسك، الطبعة السادسة، Social Chronicle، ليون.

2006: نقاش قائم على الأساطير في المدرسة وأماكن أخرى، Social Chronicle، ليون.

2007 (منسق): تعلم التفلسف بالمناقشة: لماذا وكيف؟، دي بوك، بروكسل، بلجيكا.

2007 (كتابة الفصل الأول عن المدرسة الابتدائية): الفلسفة في المدرسة الابتدائية في العالم، اليونسكو. يمكن تنزيله من:

unesdoc.unesco.org/images/0015/001536/153601E.pdf

2008: مناقشة الأدب: المناقشات الأدبية والفلسفية في المدرسة الابتدائية (مع Y. Soulé و D. Bucheton)، Sceren-Crdp de Montpellier.

 

  

 

 

 

 

علي رسول الربيعيهل  يطابق مفهوم الفطرة في الإسلام القانون الطبيعي؟

اشار الى شئ من هذا علي أومليل في كتابه: الإصلاحية العربية  والدولة الوطنية. على كل هذا نقاش وتفصيل آخر، فنعود الى  اساس القضية التي تتعلق  بوجود القانون الطبيعي

لا تزال فكرة القانون الطبيعي قائمة، وقد اكتسبت العديد من فلاسفة القانون الجدد. على الرغم من الانتقادات الحادة التي وجهها ضدها عدد من الفلاسفة السابقين والمعاصرين.

وجود القانون الطبيعي

أن القوانين هي معايير الحق، أي أن جميع الحقوق تجد أساسها في القوانين أو في بعض أنظمة القوانين. حتى ما يدعى بـ "حقوق الإنسان"؛ حرية الضمير، والدين، والحق في الحياة ، كل هذه يجب أن تستند إلى القانون. لا يكفي للإنسان أن يؤكد حرياته: يجب أن يبررها بطريقة ما. فعلى سبيل المثال، يجب أن يكون تاجر الخمور قادرًا على إظهار ترخيص تم الحصول عليه من الدولة من أجل إثبات حقه في ممارسة هذه التجارة. وعندما يتم التشكيك في شرعية ممارسته، فإنه يشير على الفور إلى القانون الذي يؤسسها ويدعمها. رد فعل الشخص العادي، على سبيل المثال، يختلف تمامًا عندما يكون هناك نزاع حول حقه في الحياة. لا يعترف أبدًا بأن السبب هو فقط لأن الدولة أصدرت مرسومًا يقضي بضرورة احترام الآخرين لحياته أو جسده أو شخصه.[1] سوف يلجأ إلى قانون آخر يعتمد بشكل مباشر على كرامة الإنسان بطريقة ما، سواء كانت واضحة أو غامضة. إن لجوءه لمثل هذا القانون ستكون متوافقة مع المعركة التي خاضها ملايين الناس عبر القرون من أجل الاعتراف بما اعتبروه حقوقهم الإنسانية الاصيلة. لقد اقتنع الناس  من جميع الأعمار بأن حكامهم ليس لديهم أي سلطة على هذه الحقوق، إلا لحمايتها وتنظيمها من أجل الصالح العام للمجتمع.

يتمثل أحد أهداف التربية المدنية تعليم الناس الانقياد لقوانين المجتمع الذي يعيشون فيه. حتى الشعور بحب الاستقصاء سيقودهم إلى الاستفسار عن سبب الانقياد هذا. عندما يكون الناس كافة متساوين بطبيعتهم، يجب أن يكون هناك أساس لسلطة شخص واحد أو مجموعة من الاشخاص على الآخرين. بحكم أي سلطة يمكن أن يُطلب من الفرد الالتزام بالقوانين التي يسنها اشخاص آخرون؟ ألا يجوز له أن يتخذ قراراته وأن يحكم حياته على الوجه الذي يراه مناسبا؟ للإجابة على هذا السؤال بالقول إنه في واقع الأمر هناك قوانين وضعية تفرضها الشرطة ليس إجابة على الإطلاق. إن اللجوء إلى القوة المادية-الجسدية لا يرضي العقل البشري، الذي يزعم أن البشر ليس كالخراف التي يقودها الراعي.

البديل الوحيد المتاح للمربي هو الاستئناف المباشر لمصدر أعلى وأسمى للسلطة، لقانون يتخطى الفرد على هذا النحو. نظرًا لعدم إمكانية الوصول إلى حل على مستوى الأفراد (كل الناس متساوون)، يجب اللجوء إلى الطبيعة المشتركة للبشر ومسار العمل الذي يشير إليه.[2] بما أن الناس لا يستطيعون إنكار طبيعتهم بعقلانية، فيجب أن تحكموا بها. وبحكم هذه الطبيعة هم ملزمون بالاتحاد كأعضاء في المجتمع. فالقوانين الأساسية للمجتمع، وخاصة الالتزامات الناشئة عن قوانينه الوضعية الخاصة، تعود جذورها الى قانون الطبيعة البشرية، وهو ما أطلق عليه الناس لقرون القانون الطبيعي.

هناك بعض الباحثين الذين على الرغم من استعدادهم للاعتراف بوجود القانون الطبيعي يرفضون منحه الأثر القانوني الذي يتطلبه. إنهم يشيرون إليه على أنه قانون أخلاقي طبيعي، في مواجهة القوانين الوضعية التي تسمى قانونيًا بشكل صارم. تبدو النتائج المنطقية لهذه العقيدة غير مقنعة للغاية. أيً إن التزام الأشخاص بطاعة القوانين وسلطة المشرع البشري لفرضها سيكون أخلاقيًا فقط. وهذا يعني أن هذا الأخير يمكن ببساطة أن  يعظ ويحث المواطنين على الالتزام بقواعدها  دون أن يكون لديهم الحق القانوني  لفرضها جسديًا.[3]

يؤدي إنكار القانون الطبيعي إلى ضرورة الاعتراف بالصلاحية أو العدالة المطلقة لجميع القوانين التي تسنها الحكومات.[4] لكن لا يمكن قياس كمال كائن ما دون مقارنته بنموذج متفوق من الكمال. ولا يمكن للمرء أن يصف القانون بأنه عادل أو غير عادل إلا بالرجوع إلى قاعدة سلوك أو تشريعات أعلى. فإذا كان القانون الوضعي هو الأسمى في مجال القانون، فاذن لا يمكن إلا أن يكون عادلاً. لا يكاد يوجد من يؤيد مثل هذا الاستنتاج.

لا ينبغي تفسير الحجة المقترحة أعلاه على أنها لائحة اتهام ضد المشرعين. فيمكن للمرء أن يؤمن بالحكم الصالح والنوايا الحسنة للحكام دون أن يجعلهم آلهة. المأمول والمتوقع أن يكون لديهم الأهتمام بالمصالح الفضلى للمجتمع. لا أحد يتهم بتحدي رغبتهم في سن قوانين من شأنها أن توفر أفضل نظام ممكن للوئام والسلام. لكنهم سيضطرون إلى الاعتراف بأنه لا يمكن تحقيق أي نظام بين عناصر مختلفة ومتعددة دون اللجوء إلى مبدأ الوحدة. سيكون من غير المجدي البحث في مكان آخر غير طبيعة البشر والمجتمع عن مبدأ الوحدة هذا. أي في القانون الطبيعي.

تأتي حجة أخرى لصالح عدم كفاية القانون الطبيعي من القصور الجذري للقانون الوضعي نفسه. فالأخير، في الواقع، هو قانون وُضِع لغالبية الحالات العادية. فلا يمكن للمشرع أن يتنبأ في قانون عام بجميع الظروف الممكنة التي يمكن أن تجعل قانونه غير قابل للتطبيق في حالة معينة. وهناك مبدأ آخر وهو يتطلب أن تتمتع القوانين الوضعية بسمة الاستقرار والاستمرارية لكن  هناك تعارض بين القوانين الثابتة والنمط المتغير للحياة الاجتماعية. فيجب أن تحث المشرع حكمته على التخلي عن سلطة معينة للتكيف مع المأمورين أوالمسؤولين عن تطبيق القانون. وأن يكون الطموح الرئيس للقضاة تفسير القانون بطريقة تجعله يحتفظ ببعض أكراهاته. وعندما يصبح هذا مستحيلاً في خدمة قضية العدالة، سوف يستفيد من المبادئ الأساسية للحق المنصوص عليها في القانون الطبيعي. فإحدى خصائص القانون الطبيعي هي مرونته: فعندما يحدث كسر أو ثغرة في القانون الوضعي، يأتي القانون الطبيعي فيقترح قاعدة السلوك المناسبة.[5]

يكمن أحد الاعتراضات الرئيسية ضد شرعية القانون الطبيعي هي أنه خالٍ من الإكراه. يعود ضعف هذه الحجة إلى تعريف غير صحيح لقابلية الإكراه. لا يُعرَّف الأخير بوصفه القوة الجسدية، بل القوة الأخلاقية أو الشرعية لاستخدام الإكراه الجسدي. لن ينكر أحد أنه قبل فترة طويلة من وجود مجتمعات منظمة جيدًا، كان للإنسان حقًا قانونيًا في الدفاع عن الحقوق الأساسية التي كان يمتلكها كإنسان.[6] يكمن أصل الاعتراض الذي ننظرفيه الآن ولاحقا في المفهوم الخاطئ لدور القانون الطبيعي في المجتمع. ليس القانون الطبيعي ولا يمكن أن يكون نظامًا قائمًا بذاته ومنفصلًا تمامًا عن نظام القانون الوضعي.[7] لا يوجد أي مكان آخر إلا في مجتمع محدد، يشكل وجوده أول افتراض أو مسلمة له. إن أحد المتطلبات الكامنة وراء هذه الفرضية ،على وجه التحديد، هو ضرورة تنظيم استعمال الإكراه.[8]

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

..................................

[1] Corwin, "Natural Law and Constitutional Law," in University of Notre Dame Natural Law Institute P,-oceedings (Indiana: College of Law, University of Notre Dame), III (1949), 62.

[2] Bender, Ludovicus, Philosophia Juris, 2.ed., Romae, p.167.

[3] Bender, Ludovicus, Philosophia Juris, pp.165-166.

[4] Bender, Ludovicus, Philosophia Juris, pp.165-166.

[5] Bender, Ludovicus, Philosophia Juris, pp. 165-166.

[6] Bender, Ludovicus, Philosophia Juris, , pp. 173-175.

[7] Kuttner,"Natural Law and Canon Law," University of Notre Dame Natural Law Institute Proceedings (Indiana: College of Law, University of Notre Dame), III (1949), 100.

[8] "Natural Law and Canon Law," University of Notre Dat11e Natural Law Institute Proceedings (Indiana: College of Law, University of Notre Dame), III (1949), 100.

 

حاتم حميد محسنحفل تاريخ الفلسفة بالتوضيحات الميتافيزيقية الخلاّقة للعالم الذي حولنا. تلك التوضيحات هي حلول ملائمة للمشاكل المستعصية، كي تضيف اطارا لتجاربنا المجزأة. لكن الميتافيزيقا تخاطر بكونها تشبه الخيال العلمي السيء، فهي مع انها تراعي أدق التفاصيل للكينونات الغريبة، لكننا لا يمكننا دائما الايمان بها. وهكذا، يجادل النقاد، انه بينما نحن نلجأ للتخمينات الميتافيزيقية، لكننا لابد ان نقاوم ذلك الإغواء. سوف ننظر في الانتقادات لمختلف الادّعاءات الميتافيزيقية، وخاصة مبدأ البساطة simplicity الذي يعلن عن رفضها. وبشكل عام، مبدأ البساطة يفضل التوضيحات غير الميتافيزيقية للأشياء على تلك الميتافيزيقية. نحن سلفا نعتقد بالعالم المادي، ونحن نستطيع ان نقصر توضيحاتنا على ذلك العالم، وبهذا فان التوضيحات الميتافيزيقية تصبح غير ضرورية . البساطة اذاً تحاول كبح جماح الجهود الميتافيزيقية واستبدالها بخيارات اكثر محسوسية. الفلاسفة اساسا يلجأون الى البساطة التي تركز بشكل ضيق على ادّعاءات ميتافيزيقية محددة، مثل وجود الاشياء الكونية المجردة. لكن البساطة هي أقل اقناعا كنقد شامل للواقع الميتافيزيقي، طالما، في مرحلتنا الحالية للمعرفة، نحن لانعرف ما يكفي حول الواقع لنستبعد أي توضيح آخر ربما جدير بالقبول. نحن نرى هذا في الفيزياء المعاصرة مع نظرياتها المعقدة عن الأكوان المتعددة الأبعاد، والتي تمتلك شعورا ميتافيزيقيا قويا. اننا نعرف، ان تعددية الأبعاد ربما صحيحة، و لا نريد ان نرفض قبل الاوان هذا النوع من التأمل الميتافيزيقي فقط على اساس مبدأ البساطة. هناك، مع ذلك، انتقادات اخرى للميتافيزيقا تحاول فعلا دفن المشروع الميتافيزيقي بأكمله. سوف ننظر بثلاثة انتقادات عالمية مضادة للميتافيزيقا وهي:

1- الكانطية، 2- الوضعية المنطقية، 3- العلموية scientism. سنعرض هنا للنقد الاول فقط .

نقد كانط

يؤكد كانط ان الذهن الانساني لايستطيع الوصول الى الواقع الميتافيزيقي، ان أذهاننا الانسانية مصممة للقيام ببعض الاشياء بأفضل صورة. نحن نستطيع تحسس الاشياء في بيئتنا المباشرة، مثل السيارات التي نحاول تجنبها عند عبور الطريق . في حشود آلاف من الغرباء، انا استطيع البحث وتمييز أفراد العائلة والاصدقاء. وهناك اشياء اخرى لم تُصمم اذهاننا للعمل فيها على افضل حال. عند رمي العملة على الارض، لا يستطيع ذهني الإستنتاج بواسطة الصوت فقط حول المكان الذي ستستقر به العملة في النهاية، وانا عليّ الزحف على الارض كالحيوان لكي أجدها. عندما ينفجر نجم في الجانب الآخر من المجرة، انا ليس لدي تصوّر عنه حتى عندما احدّق مباشرة في تلك النقطة في الفضاء. ولهذا، هناك قيود واضحة لما يمكن ان يفهمه ذهننا عن العالم المادي. الفيلسوف الالماني عمانوئيل كانط (1724-1804) جادل بان المسألة اكثر سوءا عندما نأتي لمقدرتنا الذهنية لفهم العالم الميتافيزيقي، نحن لا نستطيع القيام بذلك ابدا. أذهاننا بطبيعتها تكوّن تصورات تساعدنا في ايجاد معنى للعالم مثلما حين أبتكر فكرة مجردة عن الإخضرار الذي يسمح لي بتجميع عدة اشياء خضراء مع بعضها. لكن الوجود المجرد للاخضرار غير موجود في الحقيقة وبدلا من ذلك هو خلق لذهني. كل الافكار الميتافيزيقية حسب كانط هي نفس الشيء، هي بناءات ذهنية ربما لها او ليس لها علاقة بالعالم الحقيقي. نحن رأينا سلفا النقد المفاهيمي للاشياء المجردة، وكانط فقط يمدد هذا لنطاق كامل للأفكار الميتافيزيقية.

هناك جزءان من نقد كانط، الاول هو تفريقه بين العالمين: العالم الخارجي او ما يبدو لنا والعالم الميتافيزيقي او "العالم في ذاته"، من الواضح ان هناك حواجز توجد بين اذهاننا والعالم الخارجي، حيث ان اذهاننا تخلق صورة للواقع تتأثر بالاشياء الخارجية، ولكن في نفس الوقت، نحن ليس لدينا مدخل مباشر لذلك الواقع الخارجي ولا نعرف ماذا يشبه حقا. هذا، حسب كانط، هو الحاجز بين الظاهري والعالم في ذاته. اي ان العالم الظاهري يتألف من أشياء كما تبدو لحواسنا، والتي بالنهاية تعتمد على آلاتنا الذهنية. العالم في ذاته، بالمقابل، يتألف من اشياء غير معروفة عبر حواسنا وتُغلق بشكل دائم عن أذهاننا. هذه الحقائق غير المعروفة يسميها "اشياء في ذاتها": هي "متجاوزة" بمعنى انها خارج كل المعرفة الانسانية الممكنة، ومستقلة عن الملاحظة الانسانية. بالنسبة لكانط، هذه الاشياء المتجاوزة تتضمن عدة وجودات ميتافيزيقية مفترضة نوقشت من جانب الفلاسفة، مثل الذات الموحدة، الله، الرغبة الحرة، والارواح الخالدة.

الجزء الثاني من نظرية كانط هي توضيحه لماكنتنا الذهنية التي تمكننا من بناء العالم الظاهري بطريقة هادفة. كل هذا يتم اوتوماتيكيا. فمثلا، عندما أخرج من منزلي في الصباح، انا أغرق بوابل من المعلومات المتصورة حول الفناء الأمامي للدار، والتي تتألف من مزيج فوضوي من الالوان والاصوات والروائح والمظاهر. الشيء الاول الذي يقوم به ذهني هو تنظيمها ضمن موقعي الحالي في المكان، ولحظتي الحالية في الزمان. انا ارى الرصيف بثلاثة ابعاد من المكان ويتغير سريعا في الزمن عندما اسير فيه. هو يسمي تلك "الحدس" للزمان والمكان. بعد ذلك، يفرض فهمي نموذجا مفاهيميا على ما امارس والذي يمكّنني من عمل أحكام حوله، وتلك النماذج هو يسميها مبادئ او افكار"categories". انا انظر للجريدة على الرصيف، ومن خلال فكرة الوحدة، انا أحكم بان هناك صحيفة واحدة تستقر هناك. حين انظر للفناء الاخضر في المنطقة المجاورة، ومن خلال فكرة الكلية، انا أحكم بان كل العشب هو أخضر. حين أرى ان عشبي مفرط النمو، من خلال فكرة الإمكانية، أحكم بانه، بالاستعانة بآلة قطع الخشب، فان عشبي قد يبدو أفضل حالا. يعرض كانط 12 فكرة تعمل على فلترة كل شيء نتصوره. هي ضرورية جدا لفهم العالم ولدرجة يسميها "مانح القانون للطبيعة" (نقد العقل الخالص، 1.2.1) اي ان، الطبيعة لا توجد في العالم في ذاته المتعذر بلوغه، وانما بدلا من ذلك توجد ضمن مبادئنا العقلية التي تنظم بياناتنا الحسية. طبقا لكانط، الميتافيزيقا التقليدية ذهبت خطأ بتلمّس طريقة عشوائية للأشياء ضمن عالم ميتافيزيقي لايمكن الوصول اليه. "الميتافيزيقا" الصحيحة لو كنا نرغب بتسميتها بذلك، هي في الحقيقة علم النفس ودراسته لأفكارنا العقلية، التي بالنهاية سوف توضح الحدود الضيقة للذهن الانساني.

كيف يستجيب المدافعون عن الميتافيزيقا لكانط؟ حتى لو ان أحكامنا حول العالم تتقيد بمبادئنا الذهنية، هذا لا يستبعد كليا الاستنتاجات حول الحقائق الميتافيزيقية في العالم الميتافيزيقي. كانط ذاته حاول القيام بهذا بالجدال اننا مؤهلون لافتراض وجود الله، والرغبة الحرة والارواح الخالدة لأن هذه الحقائق الميتافيزيقية ضرورية للأخلاق. ذلك، لكي تكون الأخلاق ذات معنى، نحتاج لعمل خيارات حرة، ونحتاج لنكون مسؤولين عن خياراتنا في الحياة بعد الموت من قبل حاكم الهي. بعض اتباع كانط وبنفس الطريقة اعتقدوا ان تجربة الجمال الفني تسمح لنا للصعود فوق الحاجز الى عالم ميتافيزيقي ونأخذ لمحة عن الأشياء بذاتها.

هذا التكتيك، مع ذلك، يبدو مناسبا جدا، وأي فيلسوف يمكن ان يأتي ويصر على الحاجة للوصول الى العالم الميتافيزيقي لسبب مفضل، سواء كان دين، او اخلاق او فن. مع ذلك، الرسالة الاساسية لنظرية كانط هي ان لا استشراف فوق الحاجز، وبينما فهمه لسايكولوجيا الانسان بقي معتمدا على حقائق عصره، لكن هذه هي النقطة الاساسية لنظريته التي تستمر بالوجود. التعبير الشهير ضمن فلسفة ما بعد الحداثة هو ان "لا شيء هناك خارج النص" بما يعني اننا لا نستطيع النظر الى العالم من خارج اطارنا المفاهيمي، وهذه أخبار ليست جيدة للميتافيزيقيين التقليديين.

 

حاتم حميد محسن

 

علي محمد اليوسفاجرى المفكر صادق جلال العظم حوارا افتراضيا بكتابه (دراسات في الفلسفة الغربية المعاصرة) بين كيركجورد رائد الوجودية الحديثة ووايتهيد فيلسوف الرياضيات واحد اقطاب الوضعية التجريبية المنطقية الانجليزية ومما جاء في ثنايا الحوار انه: ورد على لسان كيركجورد " ان جوهر الوجود الفعلي هو الصيرورة، وان الفكر المجرد يبتعد عن حقيقة الوقائع العينية كلما توغل في التجريد "1.

في مداخلة توضيحنا العبارة:

- حين ينسب لكيكجورد قوله جوهر الوجود الفعلي هو الصيرورة فهو لا يميز تمييزا واضحا بين الكينونة والجوهر. ويكرر كيرجكورد نفس منطق الصوفية التي قال بها اسبينوزا في مذهب وحدة الوجود ان الجوهر سابق على الوجود وبدلالة ثبات الجوهر ندرك الوجود. والجوهر برايه ثابت في حين الكينونة الوجودية هي صيرورة من التغيير المستمر. بهذا المعنى ادخلنا كيركجورد في احتدام متقاطع مع مسالتين الاولى انه بدلالة ثبات الجوهر واسبقيته على الكينونة نفهم الوجود انه صيرورة من التغيرات المستمرة. وهذا لا يمنع من ادراك الصيرورة للوجود انها تعبير تجريدي وبغير هذه الآلية لا يمكن رصد صيرورة الوجود في ثبات الجوهر.

المسالة الثانية انكاره الكينونة الوجودية تسبق الماهية الجوهرية كما تذهب له الفلسفة الوجودية والفلسفات المادية منها الماركسية. واسبقية الجوهر في صوفية كل من اسبينوزا الايمانية وكيركجورد في قفزته الايمانية، انما تكون في مصادرة إعمال العقل ان لا يكون له كلمة ولا مجال مناقشة الايمان كمسلمة قبلية ترجح الوجدان القلبي على التفكير العقلي.

- حسب راي كيركجورد فهو ابقى الخلاف حول امتلاك الكينونة الذاتية جوهرا ام لا تمتلك جوهرا نظرة خلافية قائمة لم يقم بتوضيحها. بخلاف راي سارتر جوهر الانسان انه لا يمتلك جوهرا. تعبير كيركجورد جوهر الوجود الفعلي هو الصيرورة انما يعتبر الجوهر ثانويا وثابتا يسير بموازاة صيرورة الكينونة المستمرة على العكس تماما من سارتر الذي يرى الكينونة ثباتا لا يتغير بينما الجوهر تصنيع تغييري ملازم لحياة الانسان..

- قول كيركجورد الفكر المجرد يبتعد عن حقيقة الوقائع العينية كلما توغل في التجريد، هو قول لا يضيف جديدا على الاقرار بحقيقة التجريد ملازم القصور التعبيري عن وقائع الموجودات. الفكر هو ادراك العقل في تجريد اللغة ولا يتوفر بديل غيروسيلة التجريد سواء بخيانة الالمام التام او القاصر عن مطابقة التجريد الفكري مع الواقع العياني. ويبقى تجريد اللغة خارج ثنائية هيجل كل ما هو عقلاني عقلي، وكل ماهو عقلي واقعي. وهو ما ينسحب على الادراك ولا ينسحب على تجريد الفكر في تعبير اللغة.

الضرورة والصيرورة

تماشيا مع رأي احد الفلاسفة قوله (ليس الانسان طبيعة بل له تاريخ ) بهذا المعنى الحرفي يكون معنا التاريخ هو الذي يصنع الطبيعة الانسانية. متناسين الحقيقة الانثروبولوجية الى ان الانسان يصنع تاريخه بإرادته . انسنة التاريخ تتم بدلالة طبيعية الانسان في وجودها بقلب التاريخ.

عليه نضع التساؤل هل طبيعة الانسان ثابتة كجوهر لازماني؟ وهل التاريخ يستمد طبيعته بدلالة الزمن؟ برجسون يذهب " ان الفكر المجرد يزّيف طبيعة الديمومة، ولا يستطيع ان يستوعبها الا بعد تجريدها من بعدها الزماني." 2.

الفكر التجريدي المدان بقصوره الاستيعابي في نقص تعبير اللغة هو اكثر زمانية من الديمومة التي يرغب برجسون الحفاظ عليها انها مسايرة زمانية تقودها الصيرورة الفاعلة. والفكر التجريدي يكون متقاطعا مع الزمني دائما.

زمانية الفكر" ضرورة الصيرورة" التي من دونها تفقد طبيعة الديمومة حضورها الزمني. لا يستطيع الفكر التجريدي تجريد الزمن من حياديته الادراكية. بمعنى الزمن يرتبط بالتجريد الفكري في تعبيره عن الصيرورة الضرورية. والزمن يمتلك ماهية حيادية مستقلة عن كل من معنى الصيرورة من جهة ومعنى الضرورة من جهة اخرى وحتى في وحدتهما الثنائية.

ورد على لسان كيركجورد في حواره الافتراضي مع وايتهيد " انه مهما كان المجال الذي نفسحه ضيقا في تحديد مجرى الصيرورة، فالضرورة لا بد ان تمتد بالرغم من كل شيء لتشمل الصيرورة باسرها وتغطي عليها وتحولها الى وهم ليس الا" 3

ثنائية الضرورة والصيرورة في ترابطهما الذي لا انفكاك يعتريه هي ثنائية كلية تحركها في تلازم الضرورة والصيرورة فيها "الارادة" القصدية الهادفة وبغير الارادة لا يكون معنا هناك صيرورة تقود الضرورة. وليس مهما ان يكون طريق الصيرورة ضيقا او واسعا لتجد الضرورة مجالها الافتراضي في تحقيق اهدافها.. الضرورة كهدف قصدي يسبق الصيرورة وسيلة التنفيذ. كما أن الفكرة المهمة اننا يمكننا مهما كان مجرى الصيرورة ضيقا، فالضرورة يمكنها الاستحواذ عليها وقيادتها نحو اهدافها القصدية مرغمة. بمعنى اولوية الضرورة سابق على ثانوية الصيرورة، فالضرورة وعي قصدي تجسده الارادة في الوصول الى مراتب متقدمة الاهداف على خلاف الصيرورة التي هي وسيلة تنفيذ لضرورات ملزمة لها.

تناقض ثنائية الضرورة والصيرورة

ياخذ كيركجورد على وايتهيد انه جمع بين الصيرورة والضرورة اعتسافيا من حيث برأيه انهما فكرتين متناقضتين. (فالضرورة واجب الوجود، بينما كل ما هو في صيرورة غير واجب الوجود، ولذلك لا يمكن أن يكون ضروريا) 4

وفي رد وايتهيد على راي كيركجورد هذا يقول " كل ما هو ضروري موجود هو في حالة من التكوين ولكن ما اعنيه والكلام له هو ان الصفات التي يتصف بها المستقبل والصلات التي ستربطه بالحاضر كافية دائما بخطوطها العريضة في هذا الحاضر بالذات." 5

الحدس والمكان

يشير المفكرصادق جلال العظم على لسان احد الفلاسفة المختصين بدراسة كانط الى ما يلي:

1- لا نستطيع ان نحدس الاشياء من غير مكان. اي ان جميع الاشياء التي نحدسها موجودة في المكان.6

2- نستطيع حدس المكان من غير الاشياء.7

امعان التفكير في العبارتين تجعلنا نحصل على نتيجة تداخلية بينهما تقوم على تعبيرين متناقضتين. الفقرة الاولى لا نستطيع ان نحدس الاشياء من غير مكان صحيحة كون الاشياء امتلاء مكاني. ونستطيع حدس المكان من غير الاشياء في الفقرة الثانية خاطئة تناقض ما قبلها.

الخطأ هنا يعتبر المكان شكلا او اطارا لفراغ ندركه لا يحتوي مادة. حتى ادراك الشكل مجردا عن محتواه لا يمكن تمريره بسهولة الا في معايير منطقية ميتافيزيقية صرف. المكان الادراكي هو مادة حسية وليس تجريدا تصوريا لفظيا في التعبير عنه فقط. والحدس قابلية عقلية تتعامل مع حقائق منطقية يستلهما تسبقها ذخيرة معرفية مخزنة بالذاكرة.

كيف نستطيع التعبير عن التناقض في العبارتين في موائمة لا تعتمد المنطق التجريدي تماما منفردا كما لا تعتمد الحس المادي من غير تجريد تعبير اللغة؟ لو نحن نحاول تحديد معنى المكان في العبارتين نجده تعبيرا عن (الفراغ) المكاني وليس المقصود بالمكان الوعاء الاحتوائي الممتليء (صورة ومحتوى) بل الفراغ (شكل) مجرد من محتواه المادي. المكان هو وحدة من امتلاء قابل للحدس او الادراك في ثنائية تلازم صورة (شكل) ومحتوى (مادة). الفراغ بلا مادة هو خلاء مكاني وليس مكانا يدرك بدلالتي المادة المحتواة فيه وملازمة الزمان له ايضا.

لا مجال ان نحدس وجود الاشياء من غير ملازمة مكانية إحتوائية لها. اي لا مجال امامنا حدس الفراغ مجردا عن خاصيته المكانية في الاحتواء المادي. ان تقول مكان يعني انك تقصد امتلاء شيئي محدود متعين ادراكيا انطولوجيا. وعندما تقول فراغ انما تكون تقصد شيئا غير موجود ماديا لكنك يمكنك تحديده بابعاد ثلاثية هي الشكل بلا محتوى.

علما ان الابعاد الثلاثية للفراغ ممكن ان تكون محددات لمحتوى مادي. مثال ذلك ادراك غرفة خالية من اي شيء تحتويه. هنا تكون ابعاد الفراغ بالغرفة حددت لنا ادراك مادة هي الغرفة (فراغ بلا مادة محتواة) وليس الابعاد مجردة عن دلالة احتوائية لا تشغلها مادة..

حدس الاشياء يلزم عنه نوع من الادراك الذي يجمع توفر صورة ومحتوى لكل مدرك حسي ذهني. والحدس الذي يتخطى معيار المنطق والحس انما يكون ملزما بثنائية الادراك (الزمان – المكان) التي هي ثنائية تجريدية تقود الحدس الى محاكمة صوابه العقلي. بمعنى العقل هو الذي يحدد معنى الادراك لشيء حقيقي من عدمه لمدرك زائف.

الحدس والادراك

في البدء علينا التسليم ان كلا من الحدس والادراك هما عمليتين تتمان داخل المنظومة العقلية اي داخل سلسلة عضوية مترابطة تبدأ بالحواس ومن ثم مرورا بالجملة العصبية لتنتهي بالدماغ . بمعنى لا حدس بدون العقل ولا ادراك من دون العقل ايضا. كما لا يمكننا القول ان تفسير الانطباعات الحسية عن الواقع الخارجي لا تعتمد الخبرات المخزنة في الذاكرة. قبلية الخبرة هي التي تعطي الادراك حقيقته التصورية.

وعملية الادراك الحسي عملية مركبة موثوقة في صدقيتها اكثر من الحدس، حيث تتداخل عملية الادراك مع الشعور النفسي وعمليات التذكر وتداعيات الافكار المخزنة وكذلك الوعي واللغة. وكل هذه المفردات لا تتوفر ولا ملزمة للحدس بمقدار الزاميتها المشروطية الادراك الحسي المادي المباشر. فالادراك هو عملية عقلية- نفسية تساعد الانسان معرفة عالمه الخارجي،والوصول الى معان ودلالات الاشياء وذلك عن طريق تنظيم المثيرات الحسية لتفسيرها وصياغتها في كليّات ذات معنى. **

اما الحدس فهي قدرة عقلية تخييلية تصل حقائق الاشياء من دون المرور في آلية الإدراك الحسي الطبيعي البايولوجي لها، بل تحصل على المعلومة بضرب صوفي ما فوق عقلي هي نوع من قوى عقلية خارج المالوف في الادراك الحسي بخطفة من الحدس في مباشرته العقل ومباغتته ادراكيا.

وبالرغم من الاختلاف الواضح بين الحدس والادراك ليس من حيث الآلية فقط بل من حيث التصور التمثلي للاشياء تصورا حقيقيا صحيحا فلا بد من ان يتوفر العقل على معرفة قبلية مخزنة يكون مصدرها الذاكرة كما اشرنا له سابقا.

كانط والمكان المحض

كانط في فرضيته الادراكية الحسية او الحدسية ذهب اننا يمكننا نزع صورة الشيء عن محتواه وندركهما كلا منهما على انفراد مجردين من تعالقهما شكلا ومحتوى، نجده ذهب ابعد من ذلك قائلا:" المكان ليس تصورا حسيا مشتقا من الخبرات الخارجية. والمكان تمّثل قبلي وضروري يكمن وراء جميع الحدوس الخارجية. ونحن لا نستطيع تمثل غياب المكان ولكن باستطاعتنا ان نفكر به خاليا من الاشياء" 8

ملاحظات تعقيبية:

- المكان وجود مادي لا تخلقه تصورات وتمثلات العقل الادراكية. وتجريد تصوراتنا الحسية عن المكان هي نفس تصورات التفكير في اي موضوع عقلي. والضرورة الموجودية للمكان تستبق فكرة المكان حدسيا مقطوعة الاوصال بعوامل انبثاقها المنطقي الحي الطبيعي كمادة. المكان تجريد مادي وليس تصورا يبتدعه الحدس او الحس ويخلعه على الاشياء.

- كل تصور حسي للمكان حدسيا كان او تجريبيا هو تمّثل لخبرات اولية مكتسبة سابقة عنه. وبذلك عندها يصح قولنا المكان تمثل قبلي وضروري يكمن وراء جميع الحدوسات الخارجية.

وعندما يكون المكان قبليا على الحدس الادراكي فهذا يلزم بالضرورة خبرة مخزنة بالذاكرة عنه لاتمام عملية ادراكه بصورة صحيحة سليمة. الحدس استثارة معرفية يتم خارج توقعات الادراكات الحسية يأتي على شكل ومضة عقلية.

- قول كانط " لا نستطيع تمثل غياب المكان لكن باستطاعتنا ان نفكر به خاليا من الاشياء" غياب وحضور المكان تصوريا لا يتم بمعيارية الفراغ، بل بمعيارية الاحتواء الامتلائي بالمادة، تصورنا الفراغ وتمثله لا ينسحب على غياب وحضور المكان كمحتوى. الفراغ هو صفة مادية لمكان غير متعيّن ولا محدود لكن لا ينوب عنه في الدلالة والمعنى. فالمكان غير الفراغ رغم تعالقهما الثنائي.

- يبقى المكان في جميع تجلياته وتحولاته مقرونا بمادة يحتويها، اما ان نقصر ميتافيزيقا التمثلات العقلية المجردة ان تخلق حقائق مكانية نعطيها صفة الادراك الواقعي الحقيقي ولم تكن موجودة سابقا فهذه استحالة يعجز التفكير العقلي القيام بها لانعدام آلية الادراك السليم..

 

علي محمد اليوسف / الموصل

.....................................

الهوامش:

1- صادق جلال العظم /دراسات في الفلسفة الغربية المعاصرة. ص89

2- نفسه نفس الصفحة

3- نفسه ص56 – ص 58

4- نقلا عن موقع موضوع الالكتروني

5- نفسه ص 92

6- نفسه ص 91

7- نفسه ص92

8- نفسه ص 61

 

 

 

علي رسول الربيعينقدم هنا استنتاجا للدراسات الست السابقة التي تتعلق بالدين والعلمنة والحداثة والسياسة:

تأثر الخطاب الفلسفي الحالي حول الدين بالعديد من التخصصات الأخرى من خلال البحث الموجه اجتماعيًا حول الدين والذي طور مناهج مهمة لوصف وتفسير الدين ودوره الاجتماعي، خاصة في المائة عام الماضية. يتشكل الجدل أيضًا من خلال البحث في فلسفة الدين بالمعنى الضيق، حيث ظهرت نماذج تفسيرية مختلفة معاصرة تؤثر على المساهمات الحالية في المناقشة.

يشكل المساران التقليديان- الكانطي والهيجلي- للفلسفة السياسية والتفسيرات المرتبطة بالدور الاجتماعي للدين النقاش الحالي، ولهذا السبب يعمل كلا الموقفين كخلفية لبناء المناهج في الفلسفة  المعاصرة آزاء الدين والعلمنة. تم تحديد سياقات مهمة متعددة التخصصات للنقاش جنبا إلى جنب مع المواقف المحددة للنظرية الاجتماعية والثقافية للدين وفلسفة الدين. تعمل جميعها معًا كخلفية نظرية لبناء الخطاب الحالي. إنها توفر مخططًا يمكن من خلاله فحص الدين من حيث أشكاله الاجتماعية المختلفة. تكشف نظرة مقارنة على النقاشات التي اشرنا اليها موضوعات أساسية ومجالات توتر مازال تتحرك فيها مسألة الدين حتى يومنا هذا.

- الدين كظاهرة  تتعلق بالفرد أو اجتماعية: يتم التأكيد في بعض المقاربات على أهمية الدين للفرد لتشكيل هويته أو خلق المعنى أو إدارة الأزمات والتاقلم مع العوارض على سبيل المثال. يُعرَّف الدين انطلاقا من هذا بأنه ظاهرة تفترض، قبل كل شيء، وظيفة مركزية على المستوى الفردي. في المقابل، تركز المناهج الأخرى بقوة أكبر على البعد الاجتماعي للدين وترى خصائصه المركزية بشكل أقل في الخلق الفردي للمعنى أو الهوية مقارنة بوظيفة التكامل الاجتماعي.

- الدين كجوهر أو وظيفة: إذا كان التركيز على جوهر الدين الأنثروبولوجي كأساس مادي، فعادة ما يوجد فهم جوهري للدين. يفترض مثل هذا الفهم للدين، وبغض النظر عن تأثيره على الناس أو المجتمع ، جوهرًا ثابتًا. من ناحية أخرى، تؤكد المناهج الوظيفية على أنه يجب تفسير الدين عند تحديد وظيفته الاجتماعية. ويمكن تحديد خصائصها المركزية فقط من خلال مراقبة هذه الوظيفة.

- الدين والثقافة: يتم تفسير الدين قبل كل شيء في النظريات الكلاسيكية للدين، ومع بعض المفكرين الكلاسيكيين الجدد، على أنه جزء من نسيج ثقافي شامل. وعليه فإن الدين في علاقته بالعمليات الاقتصادية أو السياقات الثقافية للمعنى ينتقل إلى بؤرة  البحث والتحقيق. يأخذ هذا البعد الثقافي مقعدًا خلفيًا في المناهج الأخرى لأنها تطور مفهوما عامًا يحدد الدين أقل اعتمادًا على الثقافة.

- الدين والأخلاق: تؤخذ الكفاءة الأخلاقية للدين في الاعتبار من خلال بعض مناهج الفلسفة العملية، ولكن أيضًا قبل كل شيء من خلال المفاهيم الوظيفية لعلم اجتماع الدين. الدين، في هذا الصدد، هو نظام من الأعراف الاجتماعية وتوجهات العمل الفردية التي يمكن أن يكون لها تأثير كبير في المجالين العام والسياسي بسبب قوتها التحفيزية العالية. في المقابل، يؤكد مفكرون آخرون أن الأخلاق ليست سوى بُعد واحد من من بين  أبعاد  عديدة للدين، علاوة على أنها ليست صفته الأساسية، ولهذا السبب ترفض هذه المفاهيم الاختزالية الأخلاقية في تفسير الدين.

- الدين والتدين: هناك فرق آخر هو التمييز بين الدين والتدين، إلا أنه يختلف باختلاف السياق الثقافي. فمع التركيز على الدين، يميل الفهم العام للظاهرة أو ملاحظة المجتمع الديني المؤسسي إلى الهدف. ومن ناحية أخرى، تعتبر ملاحظة التدين أوسع نطاقًا وتمثل تحليلًا للتجارب أو المواقف الدينية التي يتم فيها الإشارة (بشكل منتشر في بعض الأحيان) إلى سبب نهائي أو إلى التعالي.

- الإيمان والمعرفة: إن إلقاء نظرة على الجدل الديني الفلسفي يظهر أهمية مسألة عقلانية الدين. يمكن تقديم الحجج المؤيدة والمعارضة لعقلانية الدين بطرق مختلفة (تحليل اللغة، وعلم الظواهر، وما إلى ذلك)، والتي تستند بدورها إلى مقدمات معرفية مختلفة. يتم التمييز بين الايمان والمعرفة بناءً على النهج  بشكل واضح عن بعضهما البعض أو يُفهم على أنهما مرتبطان.

- الدين والسياسة:  لقد تم في إطار الفلسفة السياسية تطوير نماذج سياسية مختلفة في العصر الحديث، وإسناد وظائف مختلفة للدين في الدولة العلمانية. يؤكد بعض المؤلفين أن المؤسسات الديمقراطية تفترض بالضرورة الحياد الأيديولوجي الكامل. تجادل نماذج أخرى بأن هذا الخط الفاصل عرضي تاريخيًا ومنهجيًا وأنه حتى الديمقراطيات الحديثة تعتمد على تعددية الممارسات الاجتماعية المحددة أيديولوجيًا.

يحدد هذا الجوانب المركزية لشبكة التحليل لعمليات إعادة البناء التالية. إن مجالات الصراع المحددة، والتي تم الحصول عليها باعتبارها رغبة من بحث متعدد التخصصات حول الدين وأهميته الاجتماعية ، توفر توجيهاً للتحليل والمناقشة النقدية لمختلف المناهج على وجه الخصوص والخطاب بأكمله بشكل عام. تمشيا مع نهج فيبر في مسألة الدين ، تم الاستغناء عن تعريف مفهوم الدين، والذي لا يرجع فقط إلى الظاهرة المعقدة نفسها، ولكن أيضًا إلى الجدل الحالي، لأنه "لا يوجد حاليًا تعريف مقبول بشكل عام  للدين.

ليس من المعقول العمل بتعريف واحد ثابت للدين مقدمًا  في ضوء تنوع المجال الديني وتمايزه من ناحية، لا سيما من وجهة نظر متعددة الثقافات، لأن هذا لن يفسر تنوع الظواهرلا تنوع المناهج النظرية. من ناحية أخرى، باتباع نظرية فتغنشتاين حول ما يسميه بـ " أوجه التشابه المجموعة"، يتم إيلاء الاهتمام لأوجه التشابه بين  طريقة "الألعاب" الدينية المختلفة وتصوراتها النظرية من أجل معالجة التنوع على أفضل وجه ممكن والتمكن من تقديم نموذج مقنع لشرح دور الدين في المجتمعات الحديثة.

يتم الآن إعادة بناء المواقف والأعتبارات الحالية للخطاب وإخضاعها لنقاش نقدي على هذه الخلفية  لوضع هذه الاعتبارات في السياق الأكبر لمفاهيمهم للفلسفة السياسية من أجل التمكن من الوصول إلى فهم شامل للخطاب مواقفه المركزية ومجالات إشكالية.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

 

 

علي رسول الربيعييعارض التقليد الهيغلي الخط الكانطي في الفلسفة السياسية، والذي أثر بدوره على العديد من النظريات  لاحقا. يرتبط فهم هيجل للسياسة والقانون ارتباطًا وثيقًا بفهم كانط ومع ذلك يختلف عنه بشكل حاسم. أولاً، يتجلى تقارب كبير بين الفيلسوفين في تأكيد هيجل على العقل الذي يتم التعبير عنه في الحركة الديالكتيكية للروح. وثانيا، يؤكد هيجل مثل كانط على العقل عندما يجادل في فلسفة القانون بأن ما هو معقول هو واقعي؛ وما هو واقعي فهو معقول.[1] وثالثا، يمكن العثور على هذا التقارب في تحديد العلاقة بين السياسة والقانون والحرية، لأن هيجل يفترض علاقة شرطية متبادلة بينهما أيضًا، بقدر ما يهدف القانون والسياسة إلى تحقيق الحرية.

هناك اختلافات واضحة على الرغم من أوجه التشابه هذه في فهم كانط وهيجل للفلسفة السياسية؛ وتكشف عن ذلك فلسفتهم للقانون.[2] أولاً، يؤكد هيجل أن العلاقة بين الحرية والقانون في المجال السياسي ليست علاقة سببية، بل تقدم نفسها كعملية جدلية خطوة بخطوة. لا يمكن للقانون أن ينتج الحرية بمعنى خطي، كما لا يمكن ترجمة الحرية إلى دلالات قانونية حصرية تمامًا، وكلاهما يخضع لعملية ديالكتيكية في سياق التاريخ. وكذلك، لا يركز هيجل على معقولية القانون بقدر ما يركز على الاستخدام الملموس للحقوق. فليست هدفه استنتاج القانون العقلاني والتوصية به كنظام من الافتراضات المعيارية بقدر ما هو كشف كيف يخدم استخدام الحقوق وتحقيق الحرية الإنسانية.

ثانيًا، لا يمكن اعتبار الفرد منفصلاً عن المجتمع. ولا يقف الفرد والمجتمع مقابل بعضهما البعض كأقطاب متقابلة كما يبدو هذا الحال غالبًا مع كانط، فكلاهما في علاقة متبادلة لا تنفصم. يفسر هيجل هذا بوصفه تداخل لا يمكن الغاءه بين الخاص والعام. تنتج هذه العلاقة من حقيقة أن احتياجات الأفراد مرتبطة ارتباطًا وثيقًا برفاهية المجتمع في المقام الأول.[3] لهذا السبب ينتقد هيجل  فردية فلسفة كانط السياسية، والتي تنعكس في فهمه للدولة. لا يجب، وفقًا لهيجل، تفسير الدولة على أنها مجموع المصالح الفردية بل هي عملية ديالكتيكية للمواطنين والمجالات الاجتماعية المختلفة.

أحد العناصر الأساسية لفلسفة هيجل السياسية هو فهم الأخلاق بوصفها تعبير عن"مفهوم الحرية الذي أصبح جزءًا من العالم الحالي وطبيعة الوعي الذاتي".[4] فتحصل الحرية في مجال الأخلاق بالمعنى الاجتماعي. يؤكد هيجل على أن الأخلاق تتكون دائمًا بشكل محدد او في سياق أجتماعي معين وأنه من الضروري للفلسفة السياسية أن تأخذ هذا في الاعتبار. فيجادل من خلال هذا النموذج الاجتماعي النظري  ضد المفهوم العقلاني للمجتمع أو الدولة ويؤكد على أهمية المجالات المختلفة للأخلاق (الأسرة، المجتمع، الدولة). وهذا يعبر بدوره عن التشابك الجدلي بين الخاص والعام. يستعيد هيجل، من وجهة نظر منهجية، فصل كانط الواضح بين لأخلاق والقانون ويؤكد تنوع الممارسات الاجتماعية والأخلاقية والقانونية للمجتمع كشرط مسبق للسياسة؛[5] لكنه يعود فيشك  في هذا التنوع ويربطه مرة أخرى بالدولة في النهاية.[6]

يمكن ملاحظة أن هناك تطور في كتابات هيجل فيما يتعلق بفهم الدين. فبينما يمكن تمييز نوع من القرب من تعريف كانط للأخلاق والدين في المرحلة المبكرة  من كتاباته، ألأً أنه تحول في الأعمال اللاحقة الى التركيز بشكل واضح جدًا وحاد أحيانًا على الدين من ناحية المشاعر بشكل عام وعلى نظرية شلايرماخر للدين بشكل خاص.[7]. فيربط بين الدين والفلسفة ارتباطًا وثيقًا لأن الفلسفة، مثل الدين، هي تعبير عن الروح المطلقة كما يرى. لذلك يخلص الى أن الدين يجد تبريره في الفلسفة".[8]

ينظر هيجل الى الدين على أنه دين تاريخي للوحي في المقام الأول. " فلم تعد تُظهر الروح المطلقة، في الدين المطلق، كلحظات مجردة، بل هي تتجلى فيه".[9] ويرى أنه يُعبرعن الدين الذي يُفهم على أنه روح مطلقة  بطريقة خاصة جدًا كما في المسيحية، حيث تُفسرعقيدة الثالوث عن الله بوصفها الشكل الأكثر كمالًا للدين.

يعبر هيجل في تحديد مكان الدين في الروح المطلقة من خلال الاختلاف بين الدين والمجتمع أو السياسة. ويؤكد، فيما يتعلق بدور الدين داخل الدولة، أنه يجب الفصل بينهما، لأن بهذه الطريقة فقط يمكن التوفيق بين الاثنين.[10] يرتبط الدين والسياسة ببعضهما البعض لأنهما يعتمدان على مفهوم الحرية نفسه. و يرى من منظور تاريخي، إن المسيحية هي الأساس الأخلاقي للدولة الحديثة، بقدر ما هي أصل الحرية القانونية والأخلاقية وحتى السياسية".[11]  فبالرغم من أن الدين هو أساس الدولة الأً أن الدولة بدورها هي تحقيق لتلك الروح الموجودة في العالم والتي تمثل في الوقت نفسه محتوى فعل الإيمان.[12] فيقدم الدين كتعبير عن الروح المطلقة ونقيضًا للمجال الاجتماعي والسياسي للروح الموضوعية. [13]

يُفهم الدين في فلسفة القانون عند هيجل، ايضًا، بوصفه شيء يتجاوز خصوصية الموقف المتدين الورع  الخاص للوعي ويقدم نفسه مكانًا لإظهار عالمية الإنسان في الحياة الفكرية والثقافية التاريخية.

إن الدين دائمًا ما يكون بمثابة رد فعل نقدي للممارسات الاجتماعية الحالية للروح الموضوعية عند هيجل.

تعتبر فلسفة هيجل السياسية مصدرًا لأفكار العديد من المقاربات الفلسفية المعاصرة. إن إعادة صوغ أكسل هونيث لفلسفة هيجل للقانون هي بالتأكيد واحدة من أهمها اليوم. تركز نظريته، من منظور هيجلي، على الظروف المتنوعة للاعتراف الذي تُبنى عليها المجتمعات والذي يسبق أي تفكير أخلاقي.[14] إن مركز اعتبارات هيجل، طبقًا لقراءة هونيث هو مجال الأخلاق، الذي يفسره على أنه تجربة حرية التواصل.[15] ويتم التعبير في هذا المجال الأخلاقي عن ديالكتيك العام والخاص، الذي أعتبره هيجل تفاعل بين الإدراك الذاتي للفرد ونظام المجتمع ككل. يحرر الناس أنفسهم من المعاناة ومن اللامبالاة في الإدراك الاجتماعي للحرية فقط .[16] يجادل  هونيث بناءً على نظرية الاعتراف هذه  ضد التمييز الحاد بين ماهو كائن وما يجب  أن يكون، فيربط التفكير في العدالة بتحليل شامل للممارسات الاجتماعية والمعيارية التي تم تحقيقها بالفعل. لذا فإن مهمة النظرية الاجتماعية النقدية هي تحليل المؤسسات والممارسات المعينة فيما يتعلق بإنجازاتها المعيارية وكشف مدى أهميتها للتجسيد الاجتماعي لقيم الشرعية وتحقيقها.[17] لا يعني هذا الاعتراف غير المقيد بالحقائق والوقائع ولكن بالأحرى يجب استخدام إعادة بناء حاسمة للإمكانيات غير المتنازع عليها للممارسات للفت الانتباه إلى الكيفية التي ينبغي بها تطويرها بشكل أكبر.

يمكن العثور، بالإضافة إلى فحص هونث لفلسفة هيجل في القانون، على اقتراضات من فلسفة هيجل في الفلسفة  الجماعاتية والبراغماتية والتفكيكية ايضًا. لذلك ليس من المستغرب أن فلاسفة مثل تايلور كانوا من المستلهمين لفلسفة هيجل السياسية.[18] تؤكد النزعة الجماعاتية والبراغماتية، مثل هيجل، على تنوع الممارسات الثقافية كأساس لعمليات المحادثة والتفاوض الاجتماعي. إن العقل الذي يسعى إلى العام، من وجهة نظرهم، هو دائمًا في علاقة لا تنفصم مع تعددية الممارسات الاجتماعية الخاصة. لذلك، ليس من الضروري تنقية المعتقدات الدينية من خلال مرشح العقل العمومي المشترك؛ وبدلاً من ذلك، تُفهم المعتقدات الدينية على أنها جزء مهم من العمليات التداولية بخصائص ثقافية مختلفة.

 

 الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

..........................

[1] Hegel.G. W. F. , Outlines of the Philosophy of Right, Oxford University Press,2012,24.

[2] م، ن.

[3] Thompson, K. (2001). Institutional Normativity. The Possibility of Right. In: Wil­liams, R. R. (Hrsg.), Beyond Liberalism and Communitarianism. Studies in He­ gel's ,Philosophy of right,. Albany, 41-65.

[4] Hegel.G. W. F. , Outlines of the Philosophy of Right,142.

[5] Reder, M. (2010a). Global conflicts and the heterogeneity of law. Right philosophical comments on the Kantian and Hegelian tradition. In: Archive for legal and social philosophy (supplement volume 124) 123-148.

[6] Hegel.G. W. F. , Outlines of the Philosophy of Right,275.

[7] م، ن،  راجع فصل، 1، 3، 4.

[8],341.م، ن

[9] م، ن، 564.

[10] م، ن، 270.

[11] Leuven, L.DV. (2009). Religion - State - History in Hegel (1827-1831). In: Arndt, A.Iber, C.Kruck, G. (eds.), State and religion in Hegel's philosophy of law, 37-56.

[12] Karasek, J. (2009). State, religion and church in Hegel. On the supposed ambiguity of Hegel's definition of the relationship between religion and church. In: Arndt, A.fiber, C.Kruck, G. (eds.), State and religion in Hegel's philosophy of law, 65-82.

[13] Hegel.G. W. F. , Outlines of the Philosophy of Right,  المقدمة

[14] المكتبة الشرقية،  بيروت، 201. هونيث، أكسل، الصراع من أجل الأعتراف، تعريب جورج كتورة،

[15] أنظر:

Honneth, A.(2010)The Pathologies of Individual Freedom: Hegel's Social Theory, Princeton University Press

[16] م، ن.

[17]م، ن.

[18] Taylor, C., (1975) Hegel. Cambridge University Press.

 

علي رسول الربيعيالأسئلة الأساسية للفلسفة السياسية

يلعب الدين دورًا كبيرًا في وضعه الحالي ليس على مستوى الفرد فقط، ولكن في الفضاء الاجتماعي والسياسي أيضًا. ولهذا تهتم الفلسفة السياسية بوظيفة الدين في المجتمع. فترتبط الاجابة عن سؤال الدين ارتباطًا وثيقًا بمفاهيم الفلسفة السياسية. وتنعكس الأسئلة الأساسية للفلسفة السياسية في الإسهامات الفلسفية للدين. هناك أربعة أسئلة أساسية تجيب عنها كل فلسفة سياسية بطرق مختلفة على خلفية طرحها سؤال  الدين، وهي تأتي في سياق مطلوب:

أولاً، أن يكون موقف الفلسفة السياسية واضحًا بشأن ما تفهمه وتعنيه بمفهوم الاجتماعي كشكل من اشكال التعبير عن وجود البشر للعيش معًا. غالبًا ما يجادل الفلاسفة السياسيون اليوم، بغض النظر عن الصيغة المادية للفلاسفة الاجتماعيين، بأن لا يمكن تفسير الواقع بشكل معقول بدون البعد الاجتماعي. وأن الأفتراض الاساس للعديد من للعديد من الفلسفات السياسية هو: لا يمكن فهم فلسفة اللغة أو الأنثروبولوجيا أو الجمال دون مراعاة كافية للبعد الاجتماعي. وأن الدين، بالمعنى الذي يحدده دوركهايم على سبيل المثال، هو ممارسة اجتماعية تشكل حياة الناس في كل من المجالين الخاص والعام، وبالتالي لا يمكن تفسيره إلا على خلفية فهم مناسب للمجتمع.

السؤال الأساس الثاني للفلسفة السياسية يتعلق بالمجتمع لا باعتباره ذوات ذرية ولكن  بنية اجتماعية. وتنتج عن هذا الأعتبار اراء مبنية على مجموعة واسعة من المفاهيم الاجتماعية المتضمنة في الفلسفات السياسية. تتأثر هذه الآراء بطرق مختلفة بعلم الاجتماع أو العلوم السياسية أو الاقتصاد. فيتطلب أن تؤخذ مفاهيم المجتمع هذه بشكل  تفصيلي واضح في الاعتبار عند إعادة بناء المناهج المختلفة. وتعتبر الجماعات الدينية، من وجهة نظر النظرية الاجتماعية، جزءًا من المجتمع يتم تفسيره على أنها فاعل أو نظام ويمارس تأثيرًا على كافة مستويات المجتمع.

ثالثًا، هناك تقارب مع الأخلاق بقدر ما تعود الفلسفة السياسية إلى مقاييس معيارية لتقييم  الأفعال في المجتمع. أنظر مثلا في تأثير مفهوم الخير عند أفلاطون، والعدالة عند أرسطو، والعقل العملي عند كانط، أو النقد الأخلاقي عند نيتشه، على الفلسفات السياسية  الخاصة بعصرهم. تلعب الأخلاق في الخطاب الحالي للفلسفة السياسية، دورًا مهمًا، حيث تنعكس المصطلحات الأخلاقية والمبادئ المعيارية على المجالات الفرعية الاجتماعية (الطب والاقتصاد، إلخ) في تشكيل هذه المجالات الفرعية الاجتماعية. وأن الدين ذو أهمية مركزية من منظور الفلسفة السياسية  لأنه ينطوي على افتراضات معيارية.

السؤال المركزي الرابع للفلسفة السياسية هو السياسة باعتبارها بنية تستهدف للمجتمع ومجالاته الفرعية. فيلعب تحديد العلاقة بين السياسة والقانون والاقتصاد دورًا مركزيًا في هذه المجالات اليوم. ويصبح الدين موضوع الفلسفة السياسية لأنه يتطلب توضيح كيف تتصرف الدولة الديمقراطية الحديثة مع المعتقدات الدينية. وتناقش ما إذا كان يؤدي الاهتمام الجديد بالدين إلى فهم جديد للسياسة وإلى أي مدى، لا سيما فيما يتعلق بتفسير التعددية في المجتمعات العلمانية.

إن جميع المجالات الأربعة لها تقليد طويل يمتد من العصور القديمة إلى يومنا هذا من منظور تاريخ الفلسفة،. هناك سلسلتان من النظريات ظهرت في العصر الحديث تحظى بتقدير خاص في الخطاب الحالي للفلسفة السياسية، وهما التقاليد الكانطية والهيجلية. تقدم كلا منهما مفاهيم توجه مجال الخطاب حول الفلسفة السياسية وينطويان على استنتاجات مختلفة للوضع الاجتماعي للدين. لذلك، يتطلب وضعهما  في ما يعبران من مقاربتين أو نهجين بجانب بعضهما البعض كأمثلة حتى نتمكن من توضيح إطار الخطاب الحالي للفلسفة السياسية حول الدين.

تفسير كانط العقلاني للسياسة ودين العقل

يُنظر إلى كانط على أنه ممثل لمفهوم عقلاني في السياسة والقانون. فيعتمد فهمه الفلسفي لكليهما على اعتبارات العقل العملي. هناك تداعيات لمقولة الواجب كمبدأ أساس في العقل العملي وتعبر عن عنصرين اساسيين. أولاً، يلعب العقل دورًا كقاضي فيما يتعلق بالسؤال: ماذا أفعل؟ تكمن النقطة الفلسفية لمقولة الواجب في حقيقة أن كل شخص يمكن أن يرى له الحق والصلاحية في الاستخدام العمومي للعقل وبالتالي يجب عليه معرفة الواجب. يتضمن العنصر المركزي الثاني الفصل بين ماهو كائن وما يجب أن يكون، لأن لا تريد مقولة الواجب أن تنسب الصلاحية المعيارية إلى الواقع الفعلي، بل تقوم بالأحرى على أساس ادعاء ما ينبغي على العقل فقط. وبهذه الطريقة يقف الكائن والواجب في مواجهة بعضهما البعض كقطبين للفلسفة العملية.

يتضح فهم كانط للسياسة والمؤسسات الديمقراطية، الذي يُبنى على هذا الأساس الأخلاقي الفلسفي، قبل كل شيء من خلال النظر إلى فهمه للقانون. ينسب كانط وظيفة مركزية للقانون في المجال السياسي لتوضيح المتطلبات الأخلاقية للعقل العملي، حيث يمكن رؤية صلاحية القانون من خلال العقل العملي أيضًا. يرى كانط أن أن النظام والأنسجام هو مبدأ العقل فيشتق منه المطلب القانوني العام الذي يمكن فهمه على أنه تفسير فلسفي قانوني لمقولة الواجب.[1] إن القانون، في "ميتافيزيقيا الأخلاق"، هو "خلاصة الشروط التي يمكن بموجبها أن تتحد إرادة شخص مع آخر وفقًا لقانون عام للحرية ".[2] لا تكمن السمة المركزية للقانون في أنه معقول فقط، ولكن وقبل كل شيء في قابليته للتنفيذ أيضًا. وعليه، لا يعني هذا شيئًا سوى أن مفهوم القانون يتم تحقيقه في نظام سلطات قسرية أو أكراهية متبادلة. وهذا هو السبب في تخصيص كانط مثل هذا الموقف المركزي للدولة الجمهورية في حل النزاعات الاجتماعية، فهي وحدها تمتلك القوة القسرية المشروعة لسن قانون ملزم.

يربط كانط بين التفكير في الدين وأسسه للفلسفة العملية. ويشدد بوضوح على الفرق بين الدين والسياسة. فهو لا يعتبر، من حيث فلسفة الدين، أن وجود الله يمكن إثباته بالمعنى الميتافيزيقي، لكنه يؤكد أن مسألة الله مرتبطة بمسألة الخير الأعلى. وهكذا فإن الدين هو تفسير ذاتي للعقل العملي وتفسير للواجب الأخلاقي. لا ترتبط الأخلاق والدين ارتباطًا وثيقًا بهذه الطريقة فحسب، بل ترتبط بالدين والعقل في الوقت نفسه بقدر ما يمكن فهم الدين من خلال العقل، كما يشرح كانط في أطروحته: الدين ضمن حدود العقل المجرد عام 1794.[3] فلا يحتوي الدين الحق إلا على القوانين، أي المبادئ العملية التي ندرك ضرورتها المطلقة، وأنها موضحة بالعقل المجرد فقط (وليس تجريبياً).[4]

بمجرد أن يتصرف الناس بشكل أخلاقي طبقًا للواجب الأخلاقي، فإنهم يفترضونه يعبر عن معنى كامل دائمًا وعليه يفترضون وجود الله أيضًا. تهدف حجة كانط إلى اثبات "أن تقرير المصير الأخلاقي للإنسان يحتاج إلى فكرة الله في إطار التقييم النقدي للقدر الذات المحدودة للحكم والمعرفة". فيفتح الدين، في هذا الصدد، مساحة للتفكير يصبح من خلالها العمل الأخلاقي ممكنًا ليس فقط فيما يتعلق بالأشخاص، ولكن فيما يتعلق بوجهة نظر اعلى مرتبة قبل كل شيء.

لذلك يمكننا أن نأمل في حياة خيرة، لتحقيق الصالح العام، إذا أخذنا هذا المنظور المتافيزيقي لأفعالنا على محمل الجد. فلا يمكننا الاستغناء عن هذا المنظور إذا أردنا أن نرى أي معنى على الإطلاق للنزاهة الأخلاقية لإدارة الحياة الشخصية والتوازن الأخلاقي الإيجابي للحياة. يريد كانط، من خلال مفهوم الإيمان العقلاني، إلغاء الفصل بين الإيمان والعقل، وفتح خيار فلسفة للتعالي تفكر في الدين أيضًا. كان من المهم لكانط كفيلسوف سياسي أن يؤكد أن الدين، على الرغم من إمكاناته الأخلاقية، يجب أن ينفصل  بشكل اساس عن السياسة. وكما يتضح من فهمه للقانون، فإن السياسة بالكامل في خدمة تحقيق للحرية.

تؤيد العديد من مقاربات الفلسفة السياسية الحالية التقليد الكانطي، على الرغم من أنها تشكك في مفهومه لدين العقل أو تعريفه للعلاقة بين الايمان والمعرفة. يمكن العثور على هذه الأفتراضات الكانطية في المصطلحات  السياسية والفلسفية  كما عند راولز مثلًا.[5]

تهدف هذه المفاهيم التي يتبناها كانط في نهاية المطاف إلى فهم الديمقراطية التي يكون فيها للقانون أهمية مركزية. ويمكن أن تلعب المعتقدات الأيديولوجية للمواطنين دورًا في المجال الخاص، ولكن من المهم التأكيد في المجال السياسي والاجتماعي على حيادية الدولة والإجراءات الديمقراطية. لذلك يلعب الدين دورًا ثانويًا في الفلسفة السياسية في هذا التقليد. فتعتبر وجهات النظر الدينية للعالم، بالنسبة لراولزعلى سبيل المثال، جزءًا من التعليمات والأرشادات الوحيدة المعقولة على المستوى الفردي  فقط من أجل حياة خيرة، ولكن  يجب ألا تصبح أساسًا للعقل العمومي، ويجب أخضاعها وتصفيتها من خلال العقل العملي.[6]

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

........................

[1] Kant, I.,Foundations of the Metaphysics of Morals, Pearson, 1797/1998.39.

أو أنظر امانويل كانت، : تأسيس ميتافزيقا الأخلاق، ترجمة عبد الغفار مكاوي، منشورات الجمل،كولونيا، المانيا، 2002

[2] مصدر نفسه،38.

[3] Kant: Religion within the Boundaries of Mere Reason: And Other Writings, Cambridge University Press,1794/2018.

أو: أنظر: غيمانويل ، كانط، الدين في حدود مجرد العقل،، نقله الى العربية فتحي المسكيني، دار جداول للنشر والتوزيع، 2012.

[4] مصدر نفسه

[5] Rawls, J., Political Liberalism,Columbia University Press,2005.

[6] Rawls, J., Political Liberalism,Columbia University Press,2005, ch,1.4.6.

 

 

وعلي حبطيشمقدمة: هناك مناهج للبحث العلمي يستخدمها علماء العلوم الإنسانية، ويتوقف استخدامها على الباحث، وطبيعة البحث، والإمكانات المتوفرة، ودرجة الدقة المطلوبة، وأغراض البحث، ولعل من أكثر الطرق المنهجية شيوعاً في الدراسات الإنسانية، المنهج التاريخي المقارن، والتجريبي، والمنهج الوصفي وغيرها، مما قد تقتصر فيه النتائج على الوصف، أو تتعدى ذلك إلى التحليل والتفسير وقد لا يكتفي الباحث بأحد هذه المناهج، بل يتعدى إلى المزج بينها. ويأتي هذا البحث ليتناول موضوعا مهما يتمثل في التعريف بالمنهج الاستقرائي ومكوناته وتطوره عبر تاريخ منهاج المعرفة ورصد السجال الحاصل حوله بين ثنائية العلم والفلسفة والتنويه إلى قيمته الأبستمولوجية .

مقاربة مفاهمية لمصطلح الاستقراء:

التعريف اللغوي:

الاستقراء لغة من قرأ الأمر أي تتبعه ونظر في حاله، وهناك من يرى أنه من قرأت الشيء بمعنى جمعته وضممت بعضه إلى بعض ليرى توافقه واختلافه، وكلا الأمرين يعني التتبع لمعرفة أحوال شيء ما. يعني بذلك هو أن نتتبع جزئيات نوع معين لأجل أن نعرف الحكم الكلي الذي ينطبق عليها . فنؤلف منه قاعدة عامة. مثل: أن نستقرىء ونتتبع استعمال "الفاعل" في مختلف الجمل في اللغة العربية لنعرف حكمه الإعرابي، فنرى أن الكلمة التي تقع فاعلاً في مختلف الجمل التي استقرأناها تكون مرفوعة ننتهي إلى النتيجة التالية:وهي: إن الفاعل لغة العرب "مرفوع" . . . فنؤلف من هذه النتيجة قاعدة عامة هي "كل فاعل مرفوع".

وكلمة استقراء هي ترجمة لكلمة يونانية Enay Wyn ومعناها يقود، والمقصود بها هو قيادة العقل للقيام بعمل يؤدي إلى الوصول لمبدأ أو قانون يتحكم في الجزئيات التي تخضع لإدراكنا الحسي.

التعريف الاصطلاحي:

عند المنطقيين هو الحكم على كلي بما يوجد في جزئياته الكثيرة .

عند الفلاسفة والمتصوفة هو  الاستدلال العقليّ والانتقال به من الخصوص إلى العموم.

يعرفه الإمام الغزالي بقوله: "هو أنه تتصفح جزئيات كثيرة داخلة تحت معنى كلي، حتى إذا وجدت حكما في تلك الجزئيات حكم على ذلك الكلي به " .

يعرفه الدكتور عبد الرحمن بدوي بقوله:" تعميم من حالات جزئية تتصف بصفة مشتركة ".

وعليه يمكن تعريف الاستقراء على أنه "عملية ملاحظة الظواهر وتجميع البيانات عنها للتوصل إلى مبادئ عامة وعلاقات كلية".. ولقد استخدم علماء الحضارة الأوربية الحديثة المنهج الاستقرائي في تحقيق تقدمهم الحضاري،ولقد استخدمه المسلمون قديما، فقد استخدمه ابن الهيثم وغيرة من علماء المسلمين في كتاباتهم[1]

أنواع الاستقراء:

المنهج الاستقرائي له نوعين يمكن الاعتماد عليهما حينما تبدأ في استخدام هذا المنهج في البحث العلمي، فأما النوع الأول فهو الاستقراء الكامل، وهو النوع الذي ينبغي أن تتوافر به شروط معينة حتى يمكن للباحث تعميم نتائجه وعلى رأس شروط: "انتشار المعنى في كافة الدروب المتعلقة بالمشكلة، وكذلك أن تكون نتيجة الاستقراء مكررة في الملاحظات المتعلقة بمشكلة البحث العلمي"، بينما النوع الثاني هو الاستقراء الناقص، أو كما يُطلق عليه الاستقراء الغير يقيني، واستخدام كلًا منهما كالتالي:

الاستقراء الكامل أو التام:

يُطلق عدد من الباحثين على هذا النوع اسم الاستقراء اليقيني، ومن خلال هذا النوع يعمل الباحث العلمي على ملاحظة كافة الظواهر المتعلقة بموضوع الدراسة الخاصة به، ومن ثم وفي النهاية يعمل على إصدار أحكام ونتائج، ولكن هذا النوع يحتاج إلى وقت أطول من الاستقراء الناقص، ولذلك نؤكد على أنه بطيء، ولكنه دقيق.[2]

مثال: كما لو أردنا أن نعرف: هل أن من بين الطلبة الدينيين في الجامعة الجزائرية طلاباً افريقيين . فإننا نستقرئ كل طالب موجود في الجامعة الجزائرية استقراءاً كاملاً حتى ننتهي إلى النتيجة . هذا النوع من الاستقراء الكامل الشامل لجميع جزئيات الكلي والانتهاء إلى النتيجة منه تسمى بـ "الاستقراء التام"

الاستقراء الناقص:

ومن خلال هذا النوع يستطيع الباحث بل وينبغي أن يخرج من الجزء إلى الكل، وعندما يبدأ الباحث بدراسة الجزء فإنه سيتمكن من دراسته من جميع الجوانب، وبالتالي يستطيع التعرف على طبيعته، ومن ثم يحصل على نتيجة وبالتالي يستطيع أن يُعممها على الكل، ولكن ما يُعيب هذا النوع أنه لا يقدم معلومات دقيقة.[3]

مثال:

-هذه قطعة معدن (أ) تمدد بالحرارة

- هذه قطعة معدن (ب) تمدد بالحرارة

- هذه قطعة معدن (ج) تمدد بالحرارة

ومما جرى اذن المعدن لا يتمدد بالحرارة، وهذا ما يعرف بالاستقراء الناقص اي عدم تتبع كل الافراد (ككل افراد المعدن في المثال) أما الاستقراء التام هو عند تتبعه كل الافراد لأنه المقدمة فيه تساوي النتيجة.

كما لو أراد العالم الكيميائي معرفة مدى تأثير الضغط على الغازات فانه يجري التجربة على بعض الغازات . وعندما يرى أنه كلما زاد الضغط على هذه الجزئيات موضوع التجربة قَلَّ حجمها وكلما نقص الضغط زاد حجمها بنسبة معينة تحت درجة حرارة معينة، يتخذ من هذه الظاهرة الطبيعية التي لاحظها أثناء التجربة حكماً عاماً لجميع الغازات . فيضع - على ضوئه - قاعدته العامة: "كل غاز إذا زاد الضغط عليه قَلَّ حجمه وإذا نقص الضغط عنه زاد حجمه بنسبة معينة تحت درجة حرارة معينة" . وهكذا العالم الرياضي متى أراد معرفة: هل أن درجة زاويتي القاعدة في المثلث متساوي الساقين متساويتان أو لا ؟ . . . فانه يقيم البرهان على مثال واحد أو مثالين، ومنه يعمم الحكم إلى جميع جزئيات المثلث متساوي الساقين، فيضع القاعدة العامة التالية "كل مثلث متساوي الساقين، زاويتا القاعدة فيه متساويتان".

مشكلة مشروعية تبرير الاستقراء:

مشكلة الاستقراء هي التساؤل الفلسفي حول ما إذا كان التفكير الاستقرائي يؤدي إلى معرفة مثلما هي مفهومة بالمعنى الفلسفي الكلاسيكي،] مما يُسلط الضوء على الفجوة الظاهرة في تسويغ القضايا التالية:اعتماد تعميم خصائص فئة من الأشياء على عدد من الملاحظات لحالات معينة من تلك الفئة، على سبيل المثال، الاستدلال بأن "كل البجع الذي رأيناه أبيض اللون، وبالتالي كل البجع أبيض اللون»، قبل اكتشاف البجع الأسود" الافتراض بأن تتابع الأحداث في المستقبل سوف يحدث كما كان يحدث دائمًا في الماضي "على سبيل المثال، سوف تحتفظ قوانين الفيزياء ببقائها في المستقبل، كما لوحظ بقائها دائمًا في الماضي". أطلق هيوم على ذلك مبدأ اطراد حوادث الطبيعة.

تثير المشكلة التشكك في كافة المزاعم التجريبية المقدمة في الحياة اليومية، أو من خلال المنهج العلمي، ولهذا السبب، قال الفيلسوف سي دي برود إن "الاستقراء هو مجد العلم وفضيحة الفلسفة". وعلى الرغم من أن المشكلة تعود إلى المذهب البيروني في الفلسفة القديمة، وأيضًا إلى "مدرسة شارفاكا" في الفلسفة الهندية، فإن دافيد هيوم قد نشرها في منتصف القرن الثامن عشر.

تاريخ مشكلة مشروعية الاستقراء:

الفلسفة اليونانية:

سقراط:

أن المنهج السقراطي كان يعتمد بالأساس على تكتيك سقراطي فريد من نوعه "التهكم والتوليد". خلا الناس تغضب منو من كثرة أسئلته وقلة أجوبته، هذا الاعتراض يجيب عليه سقراط في موضعين، الأول في محاورة" تيتياتوس": "إنني مثل القابلة لا ألد الحكمة، لأنه لا حكمة عندي، إن مهمتي هي مساعدة الآخرين على الانجاب..."، والثاني حين قال: "إن اللوم الذي يوجّه إليَّ كثيرًا، وهو أني أسأل الناس أسئلة وأن ليس لدي من العقل ما أستطيع به أن أجيب عنها، لوم عادل لا اعتراض لي عليه، وسببه أن الله قد أرغمني على أن أكون قابلة "أي يولد"، ونهاني عن أن ألد".

من الناحية التاريخية الفلسفية، سقراط ساهم بشكل كبير في بناء منهج علمي يسمى "الاستقراء"، كما وضع حدا لتوجيه الفكر نحو العلم الطبيعي إلى الإنسان والأخلاق. فالأسئلة التي كان يطرحها على محاوريه انتقلت بالفكر "من السماء إلى الأرض" فأصبح متعلقا بمبحثين رئيسين: الإنسان والأخلاق، فتحولت الفلسفة في عهده "الهلسنتي" من التساؤل الذي يدور حول الطبيعة والكون إلى النفس البشرية.

عن هذه الجدلية الفكرية يقول الدكتور فتح الله خليف: "الأمر المدهش حقا هو أن سقراط الذي اكتشف أهمية الاستقراء والتعريف "طرائق العلم"، هو نفسه الذي ترك العلم إلى الأخلاق التي لا يستقيم معها تعريف ولا استقراء، ولا تتطلب دقة علمية"[4]

أرسطو:

عرّف أرسطو الاستقراء بأنه إقامة البرهان على قضية كلية لا بإرجاعها إلى قضية أعمّ منها، بل بالاستناد إلى أمثلة جزئية تؤيد صدقها، على خلاف القياس إذا استندت إلى قضية أخرى أعم منها. لكن ماذا كان يعني أرسطو بالأمثلة الجزئية؟ وعلى ماذا أقام استدلاله؟ لنستعرض المثال الذي ساقه هو بنفسه لنفهم ما كان يقصده بالضبط. يقول: “الإنسان والحصان والبغل إلخ… طويلة العمر. الإنسان والحصان والبغل إلخ… هي كل الحيوانات التي لا مرارة لها. إذًا الحيوانات التي لا مرارة لها طويلة العمر.”

ونلحظ من المثال الماضي نقطتين بالغتي الأهمية، الأولى: هي أي أمثلة يريدنا أرسطو أن نستقصيها في الخطوة الأولى، أهي الأمثلة الجزئية بمعنى الأفراد؟ أم هي الأمثلة الجزئية بمعنى الأنواع؟ وواضح أن الإنسان والحصان… إلخ، الواردة في المقدمات هي الأنواع، فلا هي أفراد الإنسان زيد وعمرو وخالد، ولا أفراد الحصان هذا الحصان وذاك.

والثانية: أنّي لكي أكون المقدمة الكبرى – مثلًا – لا بد لي من عدة قضايا هي في ذاتها قضايا كلية هي: الإنسان طویل العمر والحصان طويل العمر إلخ…، وهذه القضايا لا تحتاج بدورها إلى جزئيات تؤيدها.

أطلق على هذا الاستدلال القياسي الذي تُذكَر الجزئيات في مقدماته بالقياس الاستقرائي لأنه قیاس من حيث صورته العامة واستقراء من حيث استقصاء الجزئيات في مقدماته وهو الذي عناه بيكون بمنهج أرسطو الاستنباطي أو القياسي.[5]

الفلسفة الاسلامية:

جابر إبن حيان:

مشكلة في الاستقراء هي تلك التي تعود الي جابر بن حيان الكوفي خلال القرن الثاني للهجرة، حيث انه لا يرى ما يبرر اليقين في التنبؤ بالحوادث والتعميمات الاستقرائية، ويعتبر ان الدلالة عليها لا تزيد عن محض الاحتمال. فابتداءً انه يرى ان اضعف حالات الدليل هو ذلك الذي لا يعول الا علي شاهد واحد، كمن يقول: بأن امرأة ما ستلد غلاماً وذلك اعتماداً علي ما رآه انها قد ولدت قبل ذلك ولداً واحداً لا غير. في حين انه يعتبر ان أقوى حالات الاستدلال بالاستقراء هو ما كانت شواهد الوجود دالة عليه من غير مخالف، كمن يقول بأن ليلتنا هذه ستنكشف عن يوم يتبعها، استناداً الي ما رآه من اضطراد في تتابع الليل والنهار. وبين هذه الحالة والحالة التي قبلها هناك حالات اخرى تتفاوت قوة وضعفاً بحسب كثرة النظائر وقلتها. وهو في جميع الاحوال لا يرى في هذه الحالات ما يفضي الي اليقين، بل فيها ظن وحسبان تبعاً لما يدرك من نظام وشبه ومماثلة "حتى انه لو حدث في يوم ما من السنة حادث لرجوا حدوث مثل ذلك الحادث بعينه في ذلك اليوم من السنة الاخري، فان حدث في ذلك اليوم بعينه من هذه السنة مثل ذلك الحادث تأكد عندهم ذلك ان سيحدث مثله في السنة الثالثة، وإن حدث في السنة الثالثة ايضاً، حتي اذا حدث ذلك مثلاً عشر مرات في عشر سنين لم يشكوا البتة في حدوثه في كل سنة". ويزداد الوقع في النفس فيما لو زاد العدد، فكيف اذا ما كان الاضطراد علي وتيرة واحدة من الحدوث؟! وقد اعتبر جابر ان هذا الحال اوهم بعض رجال العلم مثل جالينوس، فمع تمكنه من العلم وتدبره في النظر فانه قد أخذ اعتبار مثل تلك الحالات المضطردة علي انها عقلية أولية، فقال في كتابه البرهان: "ان من المقدمات الأولية في العقل انه اذا كان الصيف يتبعه الخريف لا محالة، فانه لم يكن الا بعد خروج الربيع". وهذا ما أنكره جابر، حيث اعتبر انه لا يُؤمّن ان يحدث هناك صيف لا يعقبه خريف ولم يتقدمه ربيع. وهو على العموم يرى ان علة عدم استطاعتنا ان نتيقن من الحوادث المستقبلية وذلك لعدم إحاطتنا بادراك جميع الموجودات[6]

ابن الهيثم:

من هذا المنطلق نلمس التوجُّه أو النزعة الحسّية في فلسفة 'ابن الهيثم' ذات التشخيص المادي والواقعيّ، حيث حُجّته ملاحظة الجزء وتتبُّع الخصائص، ثم التدريج في طلب الحقّ.

لا يطلق اسم "الباحث" على شخص معيّن، إلاّ إذا تمتّعَ هذا الأخير بفكر يُفسّر، أي أنّ الباحث لابدّ أن يبذل جُهدا عقليا بُغية التوصُّل إلى  معلومات متناسِقة، دون أن يكتفي بتسجيل السلبي للواقع، ولعلّ الحقيقة وإن كانت نسبية التي يُباشر من أجلها الباحث عملية البحث العلمي هي القانون* بعد الملاحظة العلمية والتجربة، يقول 'كلود بارنارد':(إنّ المجرِّب يتوخّى الكشف عن أسرار الطبيعة، ولكنَّهُ ينبغي له لكي يصِل بُغيته ألاّ يتعجّل بالتفسير، وألاّ يتأثَّر بأفكار سابقة، وأن يدَعَ الأُمور تجري في مجاريها حتّى يُمكنه أن يَصِل من تجربته إلى أقصى ما يُمكن الوصول إليه)[7].

إنّ الغرض الذي دفعنا لتوظيف هذه الفكرة أو ذكر هذه السّمة التي يتميّز بها الباحث لبلوغ القانون هو وضع الرجل العربي المسلم في موضعه من تاريخ العلم وأنّ مساهمته تُعدُّ جزء من تطوُّر الفكر البشري، تتصف بمقوّمات علمية، ولعلّ كتاب 'ابن سينا' (370هـ) "القانون في الطب" خير مثال على ذلك، يقول 'حسين علي': (يُعدُّ ابن سينا العالم العظيم والفيلسوف والطبيب من أكثر وأكبر المُؤلّفين المنتجين، ظلّت نفائسُه موضوع اهتمام أساطين العلم خلال خمسة قرون كاملة، أمَّا قانونه فيُعدّ موسوعة كاملة في الطب)[8].

إذا تحدّثنا بصفة عامة عن العلم والمنهجية أو الأسلوب الذي من خلاله نُعالج المواضيع، بحيث لا نصل من دونه إلى شيء أو إلى نتائج بحثية ذات قيمة يعوّل عليها نظريا أو تطبيقيا، فإنّنا نتحدّث عن أعظم ما قدّمته الحضارة العربية إلى العالم الحديث، لأنّ الفكر الإسلامي دعا إلى النّظر والتفكير والعمل والتجريب لاكتشاف قوانين الظواهر المدروس

ابن سينا:

إذا تحدّثنا بصفة خاصة عن 'ابن سينا' جِدُهُ قد جعل القانون عنوانا لأشهر كُتُبه في الطب الذي أخرجه من التلفيق إلى التهذيب والترتيب أو التّصنيف[9]، يقول: (أما الآن فإنّني أجمع هذا الكتاب وأُقسِّمُه إلى كتب خمسة على هذا المثال:

الكتاب الأوّل: في الأمور الكلّية في علم الطب.

الكتاب الثاني: في الأدوية المنفردة.

الكتاب الثالث: في الأمراض الجُزئية الواقعة بأعضاء الإنسان عضوا عضوا من الفرق إلى القدم ظاهرها وباطنُها.

الكتاب الرابع: في الأمراض الجُزئية التي إذا وقعت لم تختص بعضو وفي الزينة.

الكتاب الخامس: في تركيب الأدوية وهو "الأقراباذين")[10].

أمكن لكتاب "القانون" أن يتصدّر المراجع الطبية في الشرق والغرب، وهذه شهادة تكفي، بل توضّح الممارسة العملية في الطب عند 'ابن سينا'، الممارسة التي لا يمكن أن نستقرأها أو أن نفهمها بالرجوع إلى خطوات المنهج الاستقرائي ودلالته خارج الملاحظة والتجربة. يقول 'توفيق الطويل': (ابن سينا تمكَّن بملاحظته أن يصِف في دقة تقيّح التجويف البلوري وأن يُميّز بين الالتهاب الرئوي والالتهاب السحائي)...(وأوّل من شَخّص داء الأنكلستوما)[11].

وأمّا التجربة، فهي تُمثّل نموذجا بين التفكير السليم المَبني على الملاحظة، يذكرها 'حسين علي' في: (أنّ 'ابن سينا' حدّد لهما شروط يجدر بكلّ مجرّب اتّخاذها دستورا هي:

- يجب خلوّ الدواء من كيفيات مُكتسبة كالتبريد والتسخين.

- يجب إجراء التجربة على شخص مصاب بعلّة واحدة منفردة.

- يجب تجربته على علل متضادّة للحكم إن كان فعل الدواء بالعرض.

- يجب أن تكون قوّة الدواء معادلة لقوة العلّة، فقد تكون قوة الدواء أضعف من قوّة العلّة فلا تُؤثّر فيها.

- يجب تجربة الدواء على الإنسان، فإن جُرّب على غيره جاز أن يختلف)[12].

يجب الإشارة إلى نقطة مهمّة تثبت في تاريخ الطب العربي أنّ كثيرا من الأطباء قدم القياس على التجربة واعتبره أكثر أهمية في تأليف الأدوية، إلاّ أنّ 'ابن سينا' جمع بينهما في منهجه العلمي، يقول: (الأدوية تتعرّف قواها من طريقتين؛ أحدهما القياس والآخر طريق التجربة، ولتقدُّم الكلام في التجربة، فنقول: إنّ التجربة إنّما هي تهدي إلى معرفة الدواء بالثقة)[13].

ابن طفيل:

عندما يتتبّع الباحث بأسلوب الكشف والنّقب، تاريخ العلم، وعندما يضعُ هذا الأخير نصب عينيه ما قدّمه العرب والمسلمين لتراثه من مساهمته في تطويره، خصوصا إذا تعلّق الأمر بالكشف عن الدلالة الاستقرائية من الناحية الإجرائية في كتاباتهم، سوف يجد أنّ 'ابن طفيل' المتوفى في مراكش عام 1185م دورا في وضع وصف منهجي لطريقة علمية من الطراز الأوّل، بل ساهم كثيرا في (معارف شتّى كالشعر والتاريخ وعلم الكلام وحتى الرياضيات وعلم الفلك)[14]، فما طبيعة هذه الطريقة وخصوصيتها؟

يجب أن نذكر أوّلا وقبل كلّ شيء أنّ 'ابن طفيل' ترك لنا قصّة روائية تُدعى "حيّ بن يقضان"، لكن بصرف النّظر عن مستلزمات المنتوج الفنّي بالنسبة لهذه القصّة الذي لم يكن ليُهمّه بقدر ما سيطرت عليه أسئلة الحقيقة العلمية بالأسلوب الفلسفي، فهَمُّ 'ابن طفيل' الذي التزم القصة، إذن هو همُّ كل عالم وفيلسوف، تمّ تصويره في شخص "حي بن يقضان" المجرّب والملاحظ والمُفترض، فكيف ركَّز 'ابن طُفيل' على دور الباحث في هذه القصّة من الناحية الإجرائية تعكِسُ حِدَّة الذِّهن والقدرة على التَّمييز والفهم العميق؟

طبّق 'ابن طًفيل' طريقة الاختلاف وهي واحدة من القواعد الخمس التي نجد صيغتها عند 'ستيوارت مل' (1873م) كما يلي: (إذا اشتركت حالة تحدث فيها الظاهرة مع حالة لا تحدُثُ فيها الظاهرة بجميع الظُروف، غير ظرف واحد في الأولى يوجد وفي الثانية لا يوجد، تختلف به وحدة الحالتين، فيجب حينئذ أن يكون هذا الظّرف هو السبب أو الجزء غير منفك عن سبب الظاهرة)[15]، فكيف يتمُّ تطبيق هذه الطريقة من طرف 'ابن طفيل'؟

بدأ (حَي) التجريب على جُثّة أمّه (غزالة)، وهذا التجريب يُميِّزُ فيه 'ابن طفيل' بوضوح (الحادثة) التي تتجلّى فيها الظاهرة، بحيث أوَّلُ ظاهرة اندهش إليها (حيّ) هي ظاهرة الموت في حادثة (غزالة) ميتة، وتُقابلها بالطّبع ظاهرة الحياة في حادثة (غزالة) وهي حيّة، يقول 'مدني صالح': (وقد بحث هذه الظاهرة كما تجلّت في حادثة موت أمِّه غزالة)[16].

من بين الخطوات الأساسية في المنهج الاستقرائي، الملاحظة و(حي) هو الملاحظ، مع العلم أنَّ الملاحظة العلمية بدورها إما بسيطة أو مسلحة، وقد تكون كيفية أو كمّية، فكيف نُميِّز بين هذه الأنماط من الملاحظة داخل الخُطوة الواحدة عنده؟

أقبل (حي) على عزل ظروف الحادثة التي تجلّت فيها الظاهرة متّبعا الخطوات الآتية:

(أولا: ناداها بكل الأصوات، لكن لم تستجب.

ثانيا: نظر في أذنيها وعينيها فلم يجد عطبا.

ثالثا: راح يفصح بقية الأعضاء، لكنّه لم يجد أيُّ نقص، يقول 'ابن طفيل' واشتدّت الرغبة إلى معرفة الجزء المعطوب على بعد أن يجده، أن يقدر على إزالة العطب، فترجع غزالة إلى حالتها الأولى)...(لكنَّه أخفق)[17].

تحوّل بعد هذا الإخفاق إلى فحص حالة لم تحلّ بها الظاهرة... ولكي يفعل هذا بدأ بنفسه كحالة مُماثلة لحالة الغزالة قبل موتها متّبِعا الخُطوات الآتية:

(أولا: أغمض عينيه ووجد أنّه لا يرى شيئا حتى يُزيل يديه.

ثانيا: وضع أصبعيه في أُذُنيه، فوجد أنّه لا يسمع حتى يُخرِجُهما.

ثالثا: سدّ منخريه فلم يستطِع أن يشُمّ حتى فتحهما)[18].

إذا كان 'ماخ' (1916م) يرى في القضية تفسيرا لوقائع مُعيَّنة بمعزل عن امتحان الوقائع، حتى إذا ما امتحن في الوقائع، أصبح من بعد إمّا فرضا فاشلا يجب العُدُول عنه إلى غيره، وإمّا قانونا يُفسِّر مجرى الظواهر، فإنّ (حي) الذي يجِدُ عطبا في أعضاء الغزالة يفترض فرضا بأنَّ خفِيّضا داخل الجسم، وافترض أنّ سلامته ضرورية لتحقيق الحياة، إذ هو نفسه الظَّرف الذي هو متوفِّر فيه وليس متوفِّرا في حالة (الغزالة) وهي ميّتة.

من هنا يبدو أنّ 'ابن طفيل' ترك لنا طريقة عملية متميِّزة يجب على كل قارئ الوقوف عند أهمِّيتها أثناء فهم فلسفته بأكملها أو كغيره من العرب والمسلمين، لأنَّهُ قدّم رسالة والمتمثلة في قاعدة علمية، وهذا الاستنتاج المتوصّل إليه لم يكن عشوائيا أو من ضروب الاعتباط، بل تمّ التوصُّل إليه في حُدود المنهج الاستقرائي وحُدُود المفهوم المنهجي للطريقة العلمية، هذه الأخيرة بالرّغمِ من أنّ 'ابن طفيل' لم يصغها صياغة نظرية، بل قدّمها مطبقة وفق مجريات التجارب التي قام بها (حي)، إلاّ أنّنا استخلصناها وفق طريقة نعرفها باسم "الطريقة البيكونية أو القواعد الخمس عند 'مل'".[19]

الفلسفة الحديثة:

فرانسيس بيكون: المنهج الاستقرائي والدليل التجريبي:

يرى 'بيكون' أنّه بعد تطهير العقل من الأوهام يستطيع الإنسان أن يُقبل على الطبيعة وقد خلا ذهنه من الأوهام السابقة، فيتمكّن من تفسيرها ومن السيادة عليها، ولن يكون تفسير الطبيعة عن طريق القياس، فالقياس ليس أداة للكشف عن حقائق الكون، وإنّما هو أداة لعرض الحقائق وإقناع الخُصوم بها. ومن هذا المُنطلق يرى 'بيكون' أنّه لا يمكن الوصول إلى العلم وإثرائه بدليل أنّه (ليس بين العقل البشري والحقيقة أيّة قرابة طبيعية، وأنّ حدّة الذهن لا يمكن أن تُعادل دِقّة الطبيعة، فينبغي إذن أن نتّجه إلى الطبيعة ذاتها من أجل معرفتها وليس لدينا من سبيل ذلك سوى التجربة...)[20].

إذن، من خلال هذا النص يتبيّن أنّ 'بيكون' يرفُض تفسير الطبيعة عن طريق الاستقراء الأرسطي، لأنّ هذا الاستقراء يرد في نهاية الأمر إلى قياس تكون مُقدّمته الكبرى نتيجة لعملية إحصاء يقوم على الأمثلة الإيجابية. وهذه الأخيرة وحدها دون الأمثلة السلبية لا تُعطينا يقينا[21].

مراحل المنهج التجريبي عند 'بيكون':

أ- الملاحظة والتجربة: يبدأ المنهج التجريبي بالملاحظة والتجربة كنقطة بداية ضرورية، والملاحظة التي نقصدها هي الملاحظة العلمية التي تهدف إلى كشف تفاصيل الظواهر موضوع البحث وإدراك العلاقة القائمة بين أجزائها. أما التجربة التي نعنيها فهي ملاحظة مقصودة تتضمّن تغيير بعض الظروف الطبيعية التي تحدث فيها تلك الظاهرة التي نريد البحث فيها[22].

ب- الفَرض العلمي: يُعرف الفرض العلمي بأنّه رأي يُقدّمه العالم من أجل تفسير المُلاحظات والتجارب التي قام بها من قَبْل، وعلى هذا فإنّ العالِم أثناء قيامه بالملاحظة والتجربة فتسكنُه بعض الأفكار التي ينبغي أن تُفسّر هذه الملاحظات والتجارب.

ج- إختيار الفرض العلمي: يرى 'بيكون' أنّ اختيار الفرض العلمي خُطوة أخيرة للمنهج التجريبي، وعلى هذا فقد اعتبر 'بيكون' أنّ الفرض العلمي يُمكن استبعاده إذا توفّرت حالة جُزئية تُعارضه، وذلك من خلال "منهج الاستبعاد والرفض".

إنّ المعرفة العلمية حسب 'بيكون' يجب أن تبدأ من استقراء الظواهر الطبيعية كما أنّها يجب أن تبدأ من الشكّ في أقوال السابقين ولا نبدأ التسليم بها، بل ينبغي أن نُخضِع كل الأقوال لشكّ. يقول 'فرنسيس بيكون': (...ليس العلم تلك الثرثرة الفارغة التي كانت الفلسفة المدرسية تُردّدها، وإنّما العلم الحقُّ هو ما أنتج فائدة للإنسانية، العلم الصحيح هو حلّ رموز كتاب الطبيعة وألغازه التي تتّضحُ إلاّ لمن يدرسها على ضوء الواقعية المُؤكّدة والمُؤَسَّسة على التجربة...)[23]. ومن خلال هذا النص يُحاول 'بيكون' تطبيق المنهج التجريبي على الفلسفة، حيث جعل من التجارب والمُلاحظات طريقا للوصول إلى علم نافع شريطة أن يتخلّص العقل الإنساني من ذلك الجانب النظري الحائز على أشباح وثنية بقيت من عهد 'أرسطو' كونها خُرافات لا طائل منها، ولهذا يقول عنه 'راسل': (...له أهمية دائمة كمُؤسس للمنهج الاستقرائي الحديث وكرائد لمُحاولة تنظيم الإجراء العلمي تنظيما علميا)[24]، وبهذا فإنّ 'بيكون' لا يهدف إلى إنشاء فلسفة جديدة أو تركيب نظام فلسفي مُعيّن فقط، وإنّما كان هدفه الأساسي "إصلاح أساليب التفكير وطُرق البحث"، ولهذا انتقد 'بيكون' الفلاسفة العقلانيين والتجريبيين، فالأولون كالعنكبوت الذي يبني بيته من الداخل، أما الآخرون كالنملة التي تجمع زادها من الخارج، والفيلسوف هو كالنحلة التي تجمع الرحيق من الأزهار لتصنع عسل صافي[25].

من خلال من تقدّم يتّضح أنّ 'بيكون' قد بنا منهجه على خُطوتين أساسيتين في بحثه العلمي؛ خُطوة إيجابية تتضمن الانطلاق من الطبيعة والقيام بالتجارب وتِكرارها وتنويع طرائقها وتوزيع نتائجها في قوائم. خُطوة سلبية مُتمثِّلة باستبعاد كافة الظواهر المُخالفة لما تحويه القوائم من نتائج، وهنا لابدّ من الإشارة أنّ ما قدّمه 'بيكون' من إسهام، إلاّ أنّه لا يزال موضع نقد من طرف الباحثين.

إذ هو يعتمد على نزعة تأمُّلية تأخذ التجربة مكانتها الخاصة، بل تحتلُّ المرتبة الأولى في سلّم التطوّر من الناحية الإجرائية، فهذه الوِجهة الحسّية الخالصة مُستقلة عن الفروض العلمية تُقلّل من شأن العقل، وتتجاهل منهج الاستنباط الرياضي الذي استخدمه مُعاصريه، وبالتالي منهجه يمتاز هو الآخر بالجهود، يُعطّل البحث العلمي إذا ما قورِن بالمناهج المُعاصرة التي تمتاز بالثورية والتغيُّر.

لكن من الواجب على الباحثين مراعاة حَيْثيات وظروف عصر 'بيكون'، أي أنّ مشروعية قُبول الفكر البيكوني أو نقده لابُدّ من مُراعاة الظروف التي أنتجت فِكره. يقول 'ريشنباخ': (إنّ 'بيكون' لم يكن في موقف يسمح له بوضع نظرية في المناهج)[26].

من المُستحسن إذن في تاريخ العلم مراعاة تغيّر مناهج العلم وتطويرها، بحيث عصر 'بيكون' مختلف في مُعظمه عن مناهج الفيزياء المُعاصرة، يقول 'ريشنباخ': (الفيزياء الرياضية كانت لا تزال في مهدها)...(ولم يتّضح إمكان استخدام المناهج الاستنباطية مُقترنة بالاستدلالات الاستقرائية إلاّ بعد ظُهور نيوتن في الجاذبية)...(وإذن، فمن الواجب أن يُدرك مُؤرّخو الفلسفة الذين يعيبون على منطق 'بيكون' الاستقرائي كونه غير علمي، أنّ حُكمهم إنّما يصدر على أساس معايير لم تُعرف إلاّ في عصر مُتأخِّر)[27].

نقد 'مل' لمنطق الاستقراء التقليدي

قد رأينا سابقا حملة التطهير التي قام به 'بيكون' من أجل إرساء التفكير العلمي والفلسفي على أُسس سليمة، لا تتمُّ إلاّ عن طريق النقد، فالنّقد كما يقول أحد الكُتّاب: ""هو روح الفلسفة، إذا خلت منه صارت كالعين التي لا تُبصر واللسان الذي لا ينطق والفؤاد الذي لا ينبض"[28]، ربّما هذا القول يكون أكثر حُجّة للموقع الذي احتلّه 'بيكون' في الفلسفة الحديثة نقدا للمنطق القديم وكشفا لعيوبه الذي اعتبِر كأداة استخدمها الفلاسفة القُدامى للوصول إلى نظرياتهم، معتمدين على القياس الأرسطي، فالمنطق هو وسيلة العلم لتحقيق مهمّتِه، ألا وهي السيطرة على الطبيعة وتسخيرها لفائدة الجماعة، كما أنّ التجربة هي المعيار الموضوعي الحاسم للذات العارفة والموضوع المعروف بمقتضى الظروف السائدة في المرحلة البيكونية.

إذن منطق العلم كان في نظر 'بيكون' هو الاستقراء، بل هو السِّمة الأساسية للعلوم في مُقابل اعتماد المعارف العامة والمُعتقدات المُختلفة على أسلوب الرواية والتداعي، لكن كل هذا النقد وهذا التغيُّر في نظر الفيلسوف للطبيعة هو التغيُّر الذي يطرأ على العلم الطبيعي ووجهة نظر أصحابه مُمتدا إلى تنظير الفلاسفة، بحيث يُعدُّ 'جون ستيوارت مل'* (1806-1879م) من بين هؤلاء بل من الفلاسفة والمناطقة الذين اهتمّ بالمنهج والطرائق العلمية في البحث خصوصا إذا تعلّق الأمر بالاستقراء يتناسب مع القدر الهائل من المعلومات والكُشوف والظواهر التي تصدّى لها العلماء ووضعوا أيديهم عليها في زمنه، لذا نتسائل، ما موقف 'مل' من الاستقراء التقليدي؟، وإذا كان الموقف موقفا نقديا، فيا تُرى ما هو الشيء الجديد والإيجابي الذي أضافه 'مل' إلى الاستقراء بتجاوز الشيء السلبي كسبب للنقد؟.

ليس ثمّة شك في أنّ تصوُّر 'جون ستيوارت مل' عن الغرض الحقيقي للبحث العلمي ناجم عن البيئة الفكرية التي نشأ فيها، وهي بيئة مُتأثِّرة إلى حدّ بعيد بالمذهب التجريبي في الفلسفة الإنجليزية، يقول 'فهمي زيدان': (يظهر ويتّضح اتجاه 'مل' من خلال تأثره بـ 'فرنسيس بيكون'...، لأنّه رفض المناهج الصورية والفلسفات الميتافيزيقية التي شاعت في الفلسفة الإغريقية القديمة وفلسفة العصر الوسيط، كما أنكر المعرفة الفطرية أو القبلية، أي كلُّ المعارف التي لا تقوم على أساس الخبرة الحسّية ولا تتّجه مُباشرة نحو الوقائع الجُزئية)[29].

يبدو أنّ 'مل' من خلال ما سبق ذكره، أنّه فيلسوف المعرفة العلمية وما يُميّز هذه الأخيرة، أيّا كان مجالها أو ميدانها هو المنهج أي الطريق المُحدّد نصل به إلى حقيقة العلاقات التي تربط بين الظواهر بعضها البعض، فالعلم (هو في صميمه معرفة منهجية)[30]، وواضح أنّ الاستقراء كمنهج يُمكننا من الوصول إلى القوانين العامّة من خلال استخلاص العلاقات بين الظواهر، لذا وافق 'مل' و'بيكون' حين انتقد القياس الأرسطي، ودعا إلى منطق استقرائي الذي يعني بالبحث في مناهج التي تتّبعها مختلف العلماء في أبحاثهم.

إنّ المنطق عند 'أرسطو' وبعده، بقى كأسلوب للبحث التجريدي منفصلا عن الواقع يهتم بصورة التفكير ولا يُعبِّر أيّ اهتمام إلى مادّته، لذا نجد 'مل' مُسايرة لمذهبه الحسّي في ربط الفكرة بمواضيعه اعتبر الأصل في المعرفة إدراك المحسوس ثم يتبعه إدراك المُجرّد، فكان منطق الاستقراء عنده هو الأصل والمنطق الصوري فرعا منه، (وكان طبيعيا ذِكر المعاني المجرّدة والماهيات الخالصة بمعناها التّقليدي المعروفة لأنّها في نظره لا تقوم إلاّ مجسّمة للمادة)[31]، حتى المفاهيم الرياضية هي ليست أولية سابقة على الملاحظة، وإنّما هي حقائق تجريبية ترجع إلى المصدر الحسّي، بخلاف 'أرسطو' الذي يسعى إلى تحديد الاستدلال القياسي على نمط الاستدلال الرياضي.

يُعلِّق 'سالم يفوت' عن 'أرسطو' قائلا: (إنّ مصدر اليقين الرياضي في نظر 'أرسطو' هو أنّ الفكر لا يدرس سوى ذاته، ولا يُعالج سوى عملية تجريدية من خَلقه، فمعيار صدقها هو صوريتها)[32]، أما 'مل' فالاثنان أو الثلاثة أو الأربعة ليست أعداد مجردة عن مادتها الحسّية، بل هي شيئان أو ثلاثة أو أربعة من نوع واحد، أحجارا أو تفاحات أو ليرات...، فالمعارف كلُّها إذن تقوم على الخبرة الحسّية وفق التعميم من حالات جُزئية، والقضايا المُستمدّة من الخبرة تنطوي على الصدق المُطلق يتميّز به اليقين المنطقي بخلاف 'أرسطو'.

ينتقد 'مل' الاستقراء التقليدي في وجهه الأرسطي، وإن كان المناطِقة أغلبهم خصوصا 'بيكون' اعتبروا أعمال 'أرسطو' المنطقية ما هي إلاّ قياس، أي يتّضح ممّا تقدّم أنّ 'أرسطو' قد غال في الاعتزاز بالقياس أو في اعتباره نموذجا للاستدلال المنطقي، إذ أنّنا نُلاحظ في يُسرِ أنّ القياس يدور في دائرة مُغلقة من حيث أنّه يُقرِّر حقائق سبق اكتشافها، فهو من ثمّة لا يُضيف إلى معرفتنا جديدا، فـ 'مل' يُعرِّف الاستقراء: (بأنّه الانتقال من المعلوم إلى المجهول على غرار الاستقراء الأرسطي التام الذي لا ينتقل من المجهول، وإنّما يكتفي بتلخيص ما هو معلوم)[33]، أي أنّ الاستقراء هو الانتقال من ملاحظة بعض الصفات في بعض أفراد النّوع، إلى الحكم على جميع أفراد النوع بهذه الصفات، كملاحظتنا لسقوط الأجسام في شروط مُعيّنة، فإنّنا نُصدر حُكما عاما بمثابة قانون الذي لا يختلف بأنّ جميع الأجسام بشروط مُعيّنة تسقط نحو مركز الأرض.

يحرص 'جون ستيوارت مل' على تحديد خصائص الاستقراء العلمي وبالتالي بلوغ المعرفة العلمية، إذ وضع للاستقراء ثلاثة نظريات: نظرية العِلّية وهي فرض الفُروض وفي تحقيق الفُروض، فالاستدلالات الاستقرائية تمُرُّ بثلاثة مراحل: الملاحظة، فرض الفُروض، فهو يجعل من إمكانية تحقيق التجربة شرطا أساسيا لتكوين الفرض العلمي، مثل هذه الخصائص هي ما يُبرِّر موقف 'مل' من القياس الأرسطي.

نقد الإستقراء الشكلي:

قد يعنينا على هذا التحديد أن نتعرّف على لون من الاستقراء نُميّزه ونُفرزه حتى تتّضح لنا خصائص الاستقراء العلمي بالأصالة عند 'مل'، وهو الاستقراء الشكلي الذي تنبّه إليه 'أرسطو' وساق له المثال المشهور، يذكره 'فتحي الشنيطي'[34]:

أ)- الإنسان والحصان والبقرة...إلخ تعيش مدّة طويلة من الزمن.

ب)- الإنسان والحصان والبقرة لها مرارة.

ج)- فَطُول الحياة صفة مُلازمة للحيوان التي لها مرارة.

هذا النوع من الاستقراء يُعبّر عن صفة مُشتركة في جميع أفراد نوع مُعيّن أو جميع أنواع الجنس بالذات، ونستطيع أن نُعبّر عن هذا الاستقراء الشكلي في صورته الرمزية الآتية:

أ، ب، ج، د... تشترك في صفة هي س.

أ، ب، ج، د... هي أفراد نوع مُعيّن.

إذن هذه الصفة (س) موجودة في جميع أفراد هذا النوع.

يتّضح وِفق هذا النوع من الاستقراء أنّه لا يأتي بجديد بالرغم من أنّ الملاحظة كخُطوة مهمّة في العملية الاستقرائية واردة بوضوح لأنّ 'أرسطو' مثَّل الذات العارفة المُلاحظة التي تتّبع صفة مُعينة في مجموعة من الأفراد، ثمّ تتبّع مُلاحظا هؤلاء الأفراد في انتمائهم لنوع واحد، مُستخلصا أنّ الصّفة مُلازمة لجميع أفراد النّوع، لكن الاستقراء في حقيقته عند 'مل' هو الوسيلة الفعالة للوصول إلى القوانين، أي بِمُلاحظة إدراك تتابع مُتلازم ثابت مُتكرِّر بين حادثة وأُخرى.

أي أنّ الاستقراء يفترض العلِّية، غير أنّ هذا المبدأ يرجع إلى التجربة، أي إلى مُلاحظة ارتباط الظواهر وتتابعها، والانتقال من المُلاحظة إلى التعميم وُصولا إلى مبدأ العِلّية، وهذا هو الاستقراء بعينه، فكأنّ مبدأ العِلِّية والاستقراء بينهما دورا منطقيا حين أنّ أحدهما يتوقّف عن الآخر. يقول 'مل': (إنّ العلّة هي المتقدِّم الثابت والكافي)[35] لحدوث الظواهر مثل طُلوع الشمس ووُجود النهار.

الدلالة السيكولوجية للإستقراء:

كان الخِطاب الفلسفي في مُجمَلِه قبل 'مل' خطابا ميتافيزيقيا في أساسه وهذا الأخير كان لابُدّ عليه أن يرفُض مثل هذا الخِطاب، سواء جِهة التطورات العلمية التي شهِدها عصره أو حتى منطلقاته الأيديولوجية، أو حتى البحر الفلسفي الذي نَهَل منه فكره، أي ما يتعلّق بالفلسفة الإنجليزية بوجه الخُصوص وما يتعلّق باستراتيجيات النقد الحديث بوجه العُموم، بالرغم من عدم وُجود رفض ونقد واضح، إلاّ أنّ القارئ يصقل هذا العمل من مؤلفات 'مل' كضربة قاضية لتاريخ منطق 'أرسطو' وتجلياته في المرحلة الوُسطى.

فالمنطق الأرسطي جُهِّز كرسالة في المنهج لتقصّي الحقيقة الميتافيزيقية على أنقاض الفيزيقا أو علم الطبيعة، علما أنّ 'أرسطو' عرَّف الحِكمة بالبحث في مبادئ الأشياء والعلل الأولى، حتى وإن ذهب البعض في أنّ هذا التعريف لا يصدُق على الفلسفة الأرسطية بأكملها، كما يُعلّق 'لخضر مذبوح' قائلا: (إنّه لا يصدُق على الفلسفة الثانية وسواها من أقسام الفلسفة الأخرى التي تبحث في المبادئ الثواني، فكان للفلسفة إذن عدّة أقسام وتختلف أوّلية المبادئ التي تبحث عنها بحسب بُعدها أو قُربها من المبادئ الأولى)[36].

إذا اتفقنا مع هذا الرأي وأخذنا بعين الاعتبار مسألة الطبيعة التي تُقدِّم لنا الظواهر بحيث يكون دور الباحث أن يُصغي إليها دون أن يتجاوزها، نجد من جهة أنّ 'مل' من خلال كتابه "نسق المنطق"[37]، حين شاد  منطقه على دعامة نفسية، والدعامة الأولى هي تداعي الخواطر كظاهرة سيكولوجية تجمع بين ظاهرتين بناءا على علاقة سيكولوجية من اقتران مُطرد وتشابه وعليه، أي طبقا لهذا نجد المعلول يدور مع العلّة وُجودا وعدما بمُقتضى قانون إطراد وقوع الحوادث وهو قانون نفسي.

نجد أنّ 'أرسطو' تجاوز الطبيعة التي انطلق منها إلى ما بعد الطبيعة، لأنّه يرى أنّ مُعظم ما في الفلسفة معلوما بالحسّ والكائنات الحيّة مبدأها النفس (ويكون المبدأ للوُجود في كلّ جسم يتحرّك به أو يُمكن، إما نفسا أو طبيعة، إلاّ أنّ المبدأ الذي هو نفسي لا يكون إلاّ بما هو مؤلّف من أجسام طبيعية تتحرّك بها الأجسام)[38].

بحيث ينطلق 'أرسطو' من قوى النفس المُندرجة ضمن العلم الطبيعي ليصل إلى العلّة الأولى، أي الوجود الإلهي وأقسام الوجود ثلاثة[39]:

1- قسم يتحرّك ويسكُن من ذاته، وهو الموجود القابل للحركة والذي لا يُفارق المادة، أي الموجود الطبيعي.

2- قسم لا يتحرّك إلاّ أنّه لا يوجد مُفارقا للمادة وهو الوجود الرياضي.

3- قسم أزلي لا يتحرّك ولا يوجد في المادة وهو الوجود الإلهي.

عندما نرجع إلى 'مل' نجد أنّ فهمه للاستقراء يقوم على دعامة نفسية، بحيث عندما نقول أنّ هذا الشيء علّة لهذا الشيء الآخر، نقصد بذلك أنّه موجد له ومُحدث له كقانون نفسي، وهذا ما نقصده للقضية العلمية التي تقول أنّ الحرارة علّة التمدّد ربطا للحرارة والتمدّد لوقوعهما معا، على عكس القياس الذي يتشكّل من مُقدّمتين ونتيجة مُستخلصا منها، بحيث هنالك ثلاثة قضايا وثلاث حُدود مُختلفة كلّ منها يتكرّر مرّتين، والحدّ الذي يظهر في المقدّمتين يختفي في النتيجة هو الحدّ الأوسط، يكون القياس كنموذج منطقي منهجي إن صحّ التعبير للعلم الطبيعي عند 'أرسطو'، المُندرجة ضمنه قوى النفس تعبيرا عن القلق الميتافيزيقي وإجابة عن سؤال العلّة الأنطولوجية، لأنّ مبادئ العقل تفرض عليه صناعة بناء معرفي شامل وكُلّي من الطبيعة إلى ما بعد الطبيعة، أي ما هو:

يتحرّك وبه نفس موجود طبيعي.

الجسم يتحرّك لأنّ به نفس.

الجسم موجود طبيعي.

لكن في أقسام الوجود الثلاثة هنالك قسم أزلي لا يتحرّك وهو الوُجود الإلهي والعلّة الأولى، فلتبرير هذه الإجابة يتناول 'أرسطو' النفس من حيث قواها ووظائفها الحيوية التي يشترك فيها الإنسان والحيوان، فالنفس مبدأ الحياة تُحدّد ماهيتها بثنائية المادة والصورة، القوة والفعل، والكائن الحيّ مُركّب من كلا هذين العُنصرين المُتباينين (النفس والجسد) الذين هما بمثابة (الصورة والمادة) منه إذا قيس بسائر الموجودات المُركبة. هذه الفكرة كانت بمثابة موضوع اهتمام كل المُفكرين في العصور الوسطى، خصوصا المسلمين من ضمنهم 'ابن باجة' (355هـ) الذي ترك رسالة غامضة بعنوان "في الاتصال بالعقل الفعّال"[40].

يبدو من كلّ ما سبق ذكره أنّ الفكر الإسلامي أو حتى الأوربي في المرحلة الوُسطى لم يستطع التحرُّر من رقبة وهيمنة الفلسفة الأرسطية إلاّ بظهور الفلسفة الاستقرائية الجديدة، تتجاوز هذه الهيمنة كفلسفة 'بيكون' التي تُعدّ بمثابة نُقطة انتقالية (من الفلسفة القديمة إلى الفلسفة الحديثة)[41]، لكن 'جون ستيوارت مل' رغم تأثُّره بها خصوصا ما يتعلّق بالتجربة والمُلاحظة إلاّ أنّه انتهج المعرفة غير القبلية أو الفطرية انطلاقا من قواعد منهجية سمّاها بِطُرق البحث العلمي كطريقة الاتفاق والاختلاف والتغيُّر النسبي مُناسبة لطبيعة المعرفة العلمية.

مع العلم أنّ 'مل' لم يُشر ولم يُصرِّح عبر كتاباته أنّه أخذ من المسلمين أو انتقدهم، لأنّ طريقة الاختلاف على سبيل المثال عند 'ابن طفيل' اسْتَبَقَهُ في تطبيقها مُقرّر بواسطتها الشكل النهائي لنظامه الفلسفي القائم جوهريا على مبادئ تجريبية، مُستمدّة من منطق الظواهر الطبيعية، فحتى لا نقع في تناقُض من أنفُسنا جهة أصالة منطق الاستقراء عند المسلمين، أو طغيان الفكر الأرسطي بتعاليمه المنطقية التي تخدُم الميتافيزيقا في القُرون الوُسطى ما يُبرِّر مشروعية النقد والمُجاوزة، نأخذُ بعين الاعتبار القواعد المنهجية كمُساهمة في تطوير مسار فلسفة العلُوم عند 'مل' رغم الاختلاف* الآراء والمواقف حول هذه القواعد

طُرق وقواعد الاستقراء عند 'مل'

عندما يطرح العقل على نفسه السؤال الآتي: كيف أعمل؟ أو ما هو الشيء الذي أعمل به لحلّ المسائل التي تدفع بها الطبيعة؟ أي بمعنى آخر ما هو المنهج المُناسب للتفكير في الأشياء والموجودات العينية؟، نجد أنّ هذه الأسئلة ساهمت في تحليلها ولو بشكل غير عميق كما هو معروف الآن، مختلف الحضارات، إلاّ أنّ إنجازات العلم التي تحقّقت، خصوصا النهضة العلمية في أوربا خلال القرن السابع عشر وانتقادها، بل ولمجاوزتها للمناهج الكلاسيكية جعلت البعض يرى بأنّ مهمّة التحليل للعمليات الفكرية، انطلقت من 'بيكون' و'مل'، يقول 'بيتر مدور' (1916): (إنّ مُعظم الذين حاولوا تحليل طرائق تفكير العلماء، الفلاسفة والمناطقة كـ'بيكون' و'مل' إلى كُتّاب القرن العشرين)[42].

يشترك 'جون ستيوارت مل' مع 'بيكون' كفلاسفة ومَناطِقة إن صحّ التعبير في رفض مناهج الصورية والفلسفات الميتافيزيقية التي شاعت في الفلسفة الإغريقية القديمة وفلسفة العصر الوسيط، و(إنكار المعرفة الفِطرية أو القبلية أي كل المعارف التي لا تقوم على أساس الخبرة الحسّية ولا تتّجه مُباشرة نحو الوقائع الجُزئية)[43]، لكن الذي يشُدّ انتباهنا عند هذا المُفكّر هو غرضه من مبحث الاستقراء، فهو لا تُهمّه النتائج أو القوانين كـ'بيكون'، بل تحليل الاستقراء وضبط طُرقه؛ أي (تحليل الطريقة التي نحصل بها على الحقائق العامّة، هي بالقوة تحليل الاستقراء كُلّه)[44]، فكيف حلّل 'مل' الاستقراء؟ وما هي طبيعة الطُرُق التي قدّمها تعكس مدى خصوصية هذا التحليل الذي يختلف عن الاستقراء عند 'بيكون'؟.

لقد رأينا سابقا أنّ الاستقراء يعتمد على التجربة والمُلاحظة، بالإضافة إلى الفَرض، فإذا أيّدَتْه التجربة في الحاضر والمستقبل يُصبح قانونا، فلا سبيل إلى اكتشاف قوانين الطبيعة إلاّ بالاستقراء، وبما أنّ القوانين ليست سوى قضايا عامّة، فإنّ الاستقراء في هذا السّياق هو عند 'مل': (الوسيلة التي نكشِفُ ونُبرهن بها قضايا عامّة)[45]، فالمنهج الاستقرائي يهدف إلى اكتشاف القوانين العامّة التي عن طريقها تُفسَّر الظواهر الطبيعية، والقوانين لا تعني إلاّ الإطرادات الموجودة في الظواهر الطبيعية، إذ أنّ 'بيكون' سلّم بمبدأ الاطراد؛ أي سلّم بثبات الترابط بين الظاهرتين، بحيث تكون الأولى منها متبوعة دائما بالأخرى، لكنّه (لم يُبرّره لأنّ هذا المبدأ مستمد من النظرية العِلِّية الأرسطية التي ثارت عليها الفلسفة الحديثة)[46].

لكن 'مل' يعتبره عماد العلم، وهو تصوّر لا يقوم على الاستدلال ولا على الاعتقاد الحسّي وحتى الاستعداد الطبيعي، وإنّما هو قائم على الإطراد، لأنّ الخبرة الإنسانية النابعة من ملاحظاتنا اليومية العادية تُؤكّده وتدعمُه، فهو مُرتبط بمبدأ العِلّية لأنّ (القانون المألوف الحاصل بملاحظة عدم انتقاض التعاقب بين واقعة طبيعية وواقعة أخرى تَقدَّمتها)[47].

إنّ دعوة 'جون ستيوارت مل' لإعادة الاعتبار لطلب العلّة هي الحقيقة استجابة لمُقتضيات البحث العلمي، بالرغم من العصر الذي عاش فيه 'مل'، هو عصر النزعة الوضعية التي قامت بطلب القوانين التي تحكُم الظواهر، في مقابل رفضها لمبدأ العلّة، بحيث نجد أنّ 'مل'، في ضوء هذه الاستجابة رغم ما تُنادي به الوضعية يرفض كل ما سمّته الفلسفات الميتافيزيقية بالعلّة الأولى، يقول: (أنا لا أقوم بالبحث في العلّة الأولى، أو العلّة الأنطولوجية لأيّ شيء)[48]. فالعِلّة التي هي أصل كلّ رأي في الاستقراء ليست بالعلّة الأولى أو العلّة الفاعلة، بل العلّة الطبيعية، (بمعنى الذي يُراد منه أنّ ظاهرة ما علّة لظاهرة أخرى)[49].

لاشكّ أنّ 'فرنسيس بيكون' استحق مكانته في الفلسفة عامة وفي فلسفة العلوم خاصة، لكن طُرقه في ضوء عمل 'مل'، لا تقوم في حقيقة الأمر على أُسس علمية راسخة، لأنّه لم ينته للدور الذي تُؤيّده الفروض، بل يُمكن أن نقول أنّه أغفل هذا الدور الأساسي في البحث العلمي، أي بمعنى أنّ 'مل' أراد تقديم حل لمشكلة الاستقراء، لا كما تصوّرها 'بيكون' نفسه وفقط، بل كذلك كما أصبح العلماء يتصوّرونها في القرن التاسع عشر، بحيث صحّة الفُروض (هي السّند الوحيد للتنبُّؤ بمستقبل الحوادث والوقائع)...(وهي مرتبطة بمبدأ الإطراد العلّي)[50].

إنّ تحقيق الفُروض هي المرحلة الأخيرة التي يكتمل بها البحث العلمي التجريبي، وليس يكفي الأخذ بفرض من الفُروض أن تُثبته بعض التجارب والمُلاحظات، بل لابُدّ من المُثابرة على تكرار التجربة حتى يتمّ التأكُّد تأكُّدا تاما من صحّة الفُروض ولا يصبح الفرض قانونا علميا إلاّ بعد اختبار دقيق، لهذا حرص 'مل' على تطوير طرائق تحقيق الفُروض.

يرى 'محمد الشنيطي'[51] أنّ 'مل' عرض أربع طُرق لتحقيق الفُروض في كتابه "نسق المنطق"، وهي على التوالي:

1-طريق الاتفاق أو التلازم في الوقوع.

2- طريقة الاختلاف أو التلازم في التخلُّف.

3- طريقة التغيُّر النسبي.

طريقة البواقي.

وقد اختلفت نظرة المَناطقة في تحديد الطريقة الرابعة، فيرى البعض أنها هي الطريقة الأولى والثانية مُجتمعتان، ويرى البعض الآخر أنّها تكرار للتغيّر النسبي.

طريقة الاتفاق أو التلازُم في الوقوع:

لابدّ أن يكون 'مل' قد اقتنع أكثر من غيره ممن عاصره من المُفكّرين في أصول البحث العلمي، بأنّه لا تنبُّؤ بدون علم بالعِلّة، فلو نظرنا مثلا إلى أُسس الاستقراء عند 'بيكون' نجده ينطلق من قائمة الحضور، أو بمعنى قائمة الوقوع، والتي يُقصد بها الأمثلة التي توجد فيها الظاهرة مع تنوُّع هذه الأمثلة واختلافها، لكن 'مل' كما أشرنا يُؤكّد على تحقيق الفرض، بحيث تكون العلّة أساسه حينها تكون طريقة الاتفاق تعتمد على الحوادث لمُلاحظة الظواهر والعلاقة بينها.

أي؛ إذا لاحظنا أنّ الظاهرة (أ) تتبعها دائما الظاهرة (ب) في أشكالها المختلفة (بَ، بَ)، استنتجنا من هذا التلازُم  في الحضور أو الوجود معا أنّ (أ) هي علّة (ب). يقول 'محمد الشنيطي': (طريقة الاتفاق مفادُها أنّه إذا اشتركت حالتان أو أكثر للظاهرة المُراد بحثها في عامل واحد، كان هذا العامل الذي يثبُتُ في جميع الحالات هو علّة الظاهرة أو معلولها)[52].

مثال على ذلك ما فعل 'باسكال' (1822-1895م) عندما راح يتحقّق من فرض 'تورشلي' (1608-1697م) في الضغط الجوي، فغيّر أشكال الظاهرة (ب) باستعماله لسوائل مُختلفة (زئبق- ماء -كحول) ولأنابيب مختلفة الأشكال، ولم تتغيّر نتيجة الضغط الجوّي الظاهرة (أ) بتغيُّر أشكال الظاهرة (ب)، وبهذا تحقّق 'باسكال' من صحّة فرض 'تورشلي'. يقول 'مل': (إذا اشتركت حالتان أو أكثر من حالات الظاهرة التي هي موضوع البحث في أمر، فإنّ الأمر الوحيد الذي يتّـفق فيه هو علّـة الظاهرة أو معلولها)[53].

طريقة الاختلاف:

إذا لاحظنا أنّ الظاهرة (ب) تحدث كُلّما حدثت الظاهرة (أ) وتغيب كلّما غابت، استنتجنا أنّ (أ) علّة (ب)، يقول 'مل': (إذا كانت الحالة التي توجد فيها الظاهرة والحالة التي لا توجد فيها الظاهرة تشتركان في جميع الأُمور ما عدا أمر واحد، بحيث لا يوجد هذا الأمر إلاّ في الحالة الأولى، فإنّ الأمر الذي تختلف فيه الحالتان وحده هو معلول الظاهرة أو علّتها أو جزء ضروري من العلّة)[54].

ومثال ذلك ما قام به 'باسكال' أيضا عندما أراد أن يُبرهن على أنّ الضغط الجوي هو علّة ارتفاع الزئبق في الأنبوب المُفرغ من الهواء، فعمد إلى إزالة مفعول الضغط الجوّي على سطح وعاء الزئبق بوضع الأنبوب والوعاء داخل أنبوب أكبر وأفرغه من الهواء، فوجد أنّ الزئبق لا يرتفع في الأنبوب، ممّا تبيّن معه أنّ الارتفاع (ب) وُجد عند وُجود الضغط الجوّي (أ) وغاب عند غيابه، فالضغط الجوّي هو علّة الارتفاع.

طريقة التغيُّر النسبي:

إذا لاحظنا ظاهرتين (أ) و(ب)، بحيث كُلّما تغيّرت (أ) بنسبة تغيّرت (ب) بنسبة مُعيّنة أيضا، استنتجنا أنّ (أ) علّة (ب)، إذ هي طريقة يلجأ إليها الباحث متى تعذّر عليه الوُصول إلى مطلوبه باستعمال طريقة الاتفـاق أو الاختلاف، و(ذلك في بعض الاقترانات العلية الدائمة التي لا يُمكن بحال من الأحوال أن نفصل فيها بين عوامل الطبيعة بعضها البعض)...(كما هو الشأن بالنسبة إلى الحرارة والجسم، إذ لا حرارة بدون جسم، ولا جسم بدون حرارة)[55].

إذن، هي طريقة لا تستلزم إيجاد علاقة بين ظاهرتين، وإنّما تستهدف فقط تحديد العلاقة بينهما تحديدا كمّيا، إذ أنّنا لا نستطيع أن نُخرج الحرارة تماما من الجسم، ولكن يُمكننا أن نُغيّر كمّيتها فيه بالزيادة أو النُّقصان، يقول 'مل': "إنّ الظاهرة التي تتغـيّر كما تتغيّر ظاهرة أخرى هي إما علّة هذه الظاهـرة أو معلولها أو هي ذات صلة علّية بها"[56].

طريقة البواقي:

إذا ما استطعنا في سلسلة من الظواهر أن نربط مجموعة من التوالي إلاّ تاليا واحدا هو (ب) بمجموعة من المُقدّمات إلاّ مُقدّما واحدا هو (أ)، استنتجنا أنّ الباقي (أ) هو علّة الباقي (ب). ولقد أورد 'مل' المثال التالي: إذا علّقنا إبرة مُمغنطة بخيط من الحرير، ثم حركناها فوق وعاء من النّحاس لشاهدنا أنّ رجوعها إلى السكون أسرع، وليس أمامنا إلاّ عاملان يُمكن اعتبارهما علّة لهذه الظاهرة، وهما مُقاومة الهواء ومُقاومة الخيط، فإذا أسقطنا تأثير هذين العاملين لم يعُد لدينا إلاّ سبب واحد وهو وعاء النُّحاس، فهو المُعوِّق لحركة الإبرة، وتقول هذه القاعدة عند 'مل': (إذا حُذفت من ظاهرة ما يُعرف بالاستقراءات السابقة أنّه معلول بعض المُقدمات من ظاهرة هو معلول المُقدمات الباقية)[57].

إنّه لا يوجد واحد منّا يُنكر مُحاولات 'بيكون' و'جون ستيوارت مل' في قصدهما لوضع منطق الاستقراء الذي يحُلُّ محلّ المنطق الاستنتاجي الذي وضعه 'أرسطو'، لكن قيمة الاستقراء عند 'بيكون' بالنسبة للبحث العلمي لم توضع في موقعها المُناسب، بل هي أقل خُطوة من 'مل' لأنّ هذا الأخير وضع طُرقه للبحث عن العلّة في عالم الظواهر الطبيعية، وقد يترتّب على ذلك أنّ (المنطق الاستقرائي أصبحت له مكانة مُماثلة للمكانة المُعترف بها منذ 'أرسطو' للمنطق الاستنتاجي)[58]، ومعنى هذا أنّ شُهرة 'جون ستيوارت مل' بين الفلاسفة منبعها مؤلّفه الذي وضعه، إذ الطرائق الأربع الخاصة بالبحث التجريبي التي تُمثّل أشهر قسم من الكتاب الثالث الذي بحث الاستقراء القصد منها على وجه الخصوص كما يُلِح على ذلك 'مل' هو البحث عن روابط العلّية، وبالتالي إعطاء صورة واضحة لتحقيق الفُروض.

لكن هناك بعض الملاحظات على طُرق تحقيق الفُروض عند 'مل' تقدّم بها 'فتحي الشنيطي'[59] فيما يلي:  طريقة الاختلاف هي بمثابة القياس الشرطي المُنفصل، فإذا كان 'مل' يعرض لنا تحقيق الفُروض على أساس استقرائي مستبعدا القياس من حيث هو وسيلة عقيمة للبحث، فإنّ 'مل' يُواجه على ذلك الإحراج الآتي: فإما أن يتنازل عن نقده للقياس فيُقوّض الدعامة الأولى لطريقة البحث العلمي، وإما أن يتشبّت بهذا النقد فيقع في التناقض.

إنّ الصورة القياسية هي على الوجه التالي:

علّة (س) إما أن تكون (أ) أو (ب) أو (ج)

لكن علّة (س) ليست (ب) أو (ج)

إذن علّة (س) هي (أ).

دافيد هيوم:

لكن يظل ان الفضل في الكشف عن طبيعة المشكل المنطقي الذي يتضمنه الدليل الاستقرائي؛ يعود الى الفيلسوف الانجليزي ديفيد هيوم "1711ـ1776" المعروف بنقده للمعرفة ورده على النزعة العقلية. فهو في مواقفه النقدية أثار مشاكل جديدة كان لها الاثر البالغ على نضج التفكير الفلسفي لدى الذين خلفوه؛ سواء من التجريبيين كالوضعية المنطقية او من العقليين كالفيلسوف عمانوئيل كانت الذي اعلن قوله صراحة: "انني لاعترف صادقاً ان ما استذكرته من تعليم ديفيد هيوم كان هو على وجه التحديد العامل الذي أحدث ـ منذ اعوام كثيرة ـ اول هزة ايقظتني من سبات جمودي الاعتقادي، ووجّه أبحاثي في مجال الفلسفة التأملية وجهة جديدة"[60]لذا كان كتابه الموسوم "نقد العقل المجرد" يهدف الى انقاذ المعرفة البشرية من خطر الانتقادات التي أحدثها هيوم. وعلى العموم ان ظهور هيوم والرد عليه من قبل كانت ثم مجيء الوضعية المنطقية التي نقدت ما قبلها؛ كل ذلك قد ادى الى بلورة المشاكل الاساسية المتعلقة بالدليل الاستقرائي.

فما من أحد يشك في ان هيوم هو اول من وجد في الاستقراء مشكلة منطقية هذه المشكلة التي تتحدد بمسألة وجود المبرر المنطقي للتعميم؛ اعتماداً على فهم السببية بشكل خاص. لذلك كانت هناك مواقف مختلفة اتجاه الدليل الاستقرائي؛ بعضها ينفي المشكلة من الاساس، وبعض آخر يرى أنها ثابتة لا تزول، كما توجد هناك مواقف أخرى لا تصل الى هذين الحدين المتطرفين، وتبتغي سبلاً متباينة من الوسط.

ديفيد هيوم يرد الترابط بين القضايا والاقتران المطرد بينها ليس للضرورة السببية بل للعادة الذهنية. فإذا ارتبطت (أ) و(ب) ليس لأنَّ هناك ضرورة سببية تلزم من وجود (أ) وجود (ب)، بل لأن الذهن اعتاد أن يرى التعاقب المتكرر بين (أ) و(ب)؛ فيستنتج من ذلك السببية بينهما، ويستنتج أنه في المستقبل سيتكرر هذا الارتباط. وبهذا يرد ديفيد هيوم المعرفة البشرية إلى السيكولوجية البشرية؛ وبالتالي هو ينفي عنها صفتها العقلية. يرى بوبر في هذا الجواب أن ديفيد هيوم تحول من العقلانية إلى التشكيك، كما أنَّ الفيلسوف برتراند رسل يرى في جواب ديفيد هيوم مثالًا للفلسفة المفلسة في القرن الثامن عشر.[61]

الفلسفة المعاصرة:

الوضعية المنطقية:

وبحسب الوضعية المنطقية أنه لا يمكن استخلاص الدليل الاستقرائي من القضايا التحليلية؛ باعتبارها لا تخبر بشيء جديد، طالما انها تستند إلى مبدأ عدم التناقض الذي يصف الواقع دون أن يضيف لنا معرفة جديدة. فحينما نقول ان (أ) هي (أ) لا نضيف معرفة إلى الموضوع، إذ المحمول هنا يمثل عين الموضوع تماماً، وهذا هو علة كونه يتصف بالضرورة واليقين.بهذا المنطق اعتبرت الوضعية أن القضايا التحليلية لا يمكنها أبداً أن تبرر لنا طبيعة الدليل الإستقرائي المتصف بأن نتائجه اعظم من مقدماته، وهو علة كونه يقبل التكذيب والتخطئة. فقد يأتي يوم نرى فيه الحديد لا يتمدد بالحرارة فنكتشف خطأ التعميم الذي بنيناه من غير تناقض. لهذا فإن الوضعية حذرة من استخدام التعميمات واليقينات، فهي لا تتحدث عن مطلق أفراد القضية الإستقرائية، بل تكتفي ان ترى فيها فئة تقيم عليها حدود الترجيح والإحتمال دون ان تمنحها درجة التعميم واليقين.

لقد رفضت الوضعية المنطقية كل ما له صلة بالتعميم واليقين ضمن العملية الإستقرائية. ومن مفكري هذه المدرسة من رفض الحديث حتى عن الصيغ الإحتمالية للتعميم الإستقرائي، معتبراً ذلك بلا معنى. فالتعميم إما ان يعبر عن حقيقة أو كذب، لكنه لا يخضع لإعتبارات الدرجة الإحتمالية. فمثلاً ان كارناب يعد إحتمال التعميم الإستقرائي صفراً، فلا امل يرجى من تأييد التعميمات والفروض الكلية، بل عنده ان التعامل يكون عالقاً بالنماذج الخاصة، شبيهاً بقاعدة ستيوارت مل التي تقر الإستنتاج من الخاصيات إلى الخاصيات. وبنظر الاستاذ باركر انه في العلم النظري قد تكون الفروض الكلية اكثر ضرورة للتوظيف والاستخدام من تلك الخاصيات، رغم انه لا يوجد شيء يمكن ان يعمل على تأييد الفرض الكلي. [62]

كارل بوبر:

كان تمييز بوبر بين الاستنباط والاستقراء مناظرًا للتمييز بين المذهب العقلي والمذهب التجريبي، فالأخير كان قائمًا على الاستقراء، وتحديدًا الاستقراء الناقص، فالتجريب ما هو في حقيقته سوى وسيلة لإضافة ملاحظات يتم التعميم منها استقرائيًا للخروج باستنتاج سليم. ولأن الاستنباط باعتباره منهج استدلال عقلي أكثر موضوعية، وأكثر توافقية وانضباطًا مع قواعد المنطق، وقدرتنا على التحقق منه أكبر بكثير من المتاحة في حال الاستقراء، فكارل بوبر يرى الاستنباط منهج الاستدلال العقلي المقبول الوحيد!، وهاجم الاستقراء كطريقة كلية بل وكعمليات صغيرة أثناء الاستدلال. كما أن بوبر يرفض الخبرة كمصدر لصدق الاستقراء لكون البرهنة عليه لا بد أن تقوم على استدلالات استقرائية!

ومفهوم نمو المعرفة هو من أهم المفاهيم التي تشيع في فلسفة بوبر العلمية، بل هو أساسها؛ فبوبر لا يقتنع بالمنهج الاستقرائي الذي يوصلنا وفقًا لملاحظاتنا إلى نظرية واحدة، من المفترض أنها تحدد ماهية المعرفة بشكل كامل، وتعطي تفسيرًا كاملًا، لن يكون قابلًا للنمو. في رأيي أن هجوم بوبر على الاستقراء كان غريبًا. صحيح أن نتائج الاستدلال الاستنباطي تكون يقينية لأنها استنتاج من مقدمات أكبر منها، وأن الاستقراء تظل نتائجه مشكوك فيها لأنه رد صحة وصدق القضية الكلية إلى قضايا مفردة، لكن لا يمكن أن يكون الاستنباط متفردًا بالقبول المنطقي، فما بالنا بالقبول العلمي. لكن بوبر، الذي هاجم الاستقراء لم يستطع أن يستغني عنه، وكثيرًا ما نُقِد لاستخدامه عمليات استقرائية رغم ادّعائه أنها ليست كذلك. سنذكر أمثلة عليها في حينها.

ولم يركز بوبر فيما يخص الاستقراء سوى على إثبات فشله كمنهج ومبدأ، ثم كمعيار للتمييز بين النظريات العلمية. وقدّم منهجه في الكشف العلمي للرد على مشكلة الاستقراء.

وكما يرفض بوبر المنهج الاستقرائي على أساس منطقي، فهو يرفضه على أساس سيكولوجي!، فعند بوبر "ما يصدق في المنطق يصدق في علم النفس"؛ فنحن نبحث عن إطرادات لنفرضها على العالم، لأجل أن يوافق توقعاتنا. والحقيقة أن تلك الأفكار الأخيرة عن الإطرادات أو الاعتقاد بتوقعات معينة إن لم تكن استقراءً، فماذا عساها تكون؟!

لكن بوبر يدّعي أن الميل والتوقع للإطراد في الطبيعة هو اعتقاد براجماتي، إلى حد ما فطري، يرتبط بالاختيار ‏بين البدائل، وليس ناشئًا عن تكرار؛ فنظرًا لرفضه الاستقراء الذي يقود إلى نظرية واحدة، فإن منهجه قائم على الاختيار بين بدائل؛ حيث يفترض نظريات متكافئة أمامه يبحث في صحة كل منها، وصولًا لاستنتاج صحة أفضلها، والتي تبقى مع ذلك قابلة للمزيد من الفحص مع توفر بدائل أخرى.

وتتوفر تلك البدائل من خلال حدس العلماء؛ فعلى العالم أن يحْدِس (يفترض) أكثر من حَدْس، وهو تخمين ذكي لحل المشكلة، ثم باستخدام المنهجية العلمية الموضوعية يختار أفضلها؛ وبذا ينمو العلم بهذه الإضافة.

والصدق عند بوبر دائمًا مشكوك فيه، ودائمًا مؤقت. ينتظر ظهور النظرية البديلة أو الحل البديل.

في المقابل، يمكن القول إن بوبر لم يحترم الأساليب الأمبريقية كأساس لتقرير صحة نظرية أو مقارنة أفضلية عدد من النظريات أو الفرضيات المتكافئة كما كان يراها لأجل الوصول إلى نظرية أصدق وأشمل وأعمّ. وإن كان يرى أنه يمكن استخدام الأساليب الأمبريقية أحيانًا.

ويمكن تلخيص فكرته الأساسية في أنه دون خطوات استقرائية يمكن أن ينمو العلم، وذلك عن طريق وضع فرضيات، ثم اختبارها بأن نستنتج استنباطيًا ما يترتب على كل فرض، ومستعينين بالملاحظة أو التجربة نقارن تلك الاستنتاجات بالواقع، ‏فيتعزز الفرض، أو يتم ‏تكذيبه. ‏فيمكن الاختيار بين النظريات المتكافئة المطروحة وصولًا للنظرية الصحيحة.

ونلاحظ هنا أن الاستنباط عند كارل بوبر ينطلق من مقدمات غير مؤكدة، على عكس ‏الاستنباط الديكارتي؛ فمقدماته الاستنباطية هي فروض حَدْسية تخمينية مؤقتة وقابلة للتغير.‏[63]

خطوات ومكونات النهج الاستقرائي:

- الملاحظة:

تختلف نظرة الرجل الذي لا علاقة له بالعلم، أي الرجل العادي في حياته اليومية عن رجل العلم، صاحب النظرة النقدية الفاحصة "للظواهر قصد كشف عما هو جديد فيها)...(ليصبح جزءا مُمكنا لنسقه المعرفي، فأيُّ دراسة علمية لابدّ أن ترتبط بالملاحظة غير العادية"[64]، أي أنَّ الملاحظة نستعين فيها بالأدوات والأجهزة والأساليب التي تتَّفِقُ مع طبيعة الظاهرة.

- الفَرَض:

هو نقطة البداية اللازمة لكل استدلال تجريبي"إذ يقعُ في منتصف الطريق بين المعطيات الحسّية والقوانين النظرية"[65]، فهو لا يأتي اعتباطا، بل ينجُمُ أساسا من ذلك النشاط الذي يُمارسه الباحث ملاحظة وتجريبا، لكن يظلُّ خارج الحقائق حتى تُثبِت صحّته، ويتحوَّل إلى قانون.

- التجربة*:

هي المحكُّ الأساسي لاختيار القوانين والنظريات العلمية، والعنصر المهمُّ الذي يجمع بين الملاحظة الأوّلية والفروض، ويتجلّى فيما يذهب إليه الباحث إلى أخذ العيِّنات وإجراء التجارب عليها، إذ يُمكن بها أن نصل بعد التعديل في تركيب الظاهرة إلى شيء جديد، مثلما نستطيع أن نستخلص معدن الرصاص من صهر الحديد والنُّحاس.

- القوانين:

يعتبر القانون هو النتيجة الأخيرة التي يتوصَّل إليها الباحث طيلة مشواره العلمي، "فمُحتوى العلم في شكله النَّاضج ليس إلاَّ مجموعة من القضايا التي يتمُّ التأكُّد منها، وهي مترابطة مع بعضها البعض تشكِّل نسَقا يبدو في ضوءه قواعد معيَّنة"[66].

طبيعة المنهج الاستقرائي:

يعتبر المنهج الاستقرائي من المناهج المشتركة بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية. وإن كان في الغالب يوظف في مجال دراسة العلوم الطبيعية. ويعتمد منهج الاستقراء العلمي في مجال دراسة العلوم الطبيعية على "الملاحظة العلمية"في مجال الطبيعة والانتقال من ملاحظة قضايا جزئية تشير إلى ما نلاحظه إلى نتائج كلية تتضمن وقائع أو ظواهر أخرى سوف تحدث في المستقبل ولم تلاحظ بعد، وهذا يعني أن مقدماته تمثل الجزئيات التي تم استقراءها في الواقع عن طريق الملاحظة والتجربة. أما نتيجته فتعبر عن القانون العام الذي تندرج تحته الجزئيات التي شاهدناها، بحيث يمكن القول أننا نصل إلى تعميم ما جاءت به النتيجة من خلال الاستدلال الاستقرائي ولكنه لا يمثل ما شاهدناه فحسب، وإنما يعبر أيضا عن الوقائع التي سترد علينا في المستقبل . [67]

أهمية المنهج الاستقرائي:

من المفكرين والمهتمين بأمور تطوير نوعية عيش الإنسان من وجد أن الاعتماد على مناهج كالاستنباط لا يكفي، ومن المحتمل جدا أن يؤدي إلى أخطاء كثيرة ومتكررة تهلك الإنسان وتحيل جهوده إلى عبث بلا طائل. إنهم يتساءلون: ماذا يمكن أن تكون نتائج سياسة معينة إذا بنيت على افتراض أساسي خاطئ؟ فمثلا، عن ماذا يمكن أن تتمخض سياسة إقامة علاقات اجتماعية بناء على افتراض قائل بأن على المرء أن يتجنب إقامة علاقات اجتماعية مع الذين لا تعجبه أشكالهم لأن الوجوه دليل القلوب؟ هذا افتراض لا يحتوي على حقيقة، وربما له علاقات بتجارب شخصية بحتة ولا يمكن تعميمها. من لا يتمتع بوفرة من الوسامة في نظر شخص ما، قد يبدو وسيما في نظر شخص آخر؛ ومن لا يبدو من ناحية الشكل لطيفا قد يثبت التعامل معه عكس ذلك. وإلى غير ذلك. [68] رأى هؤلاء أن قراءة الواقع وتتبع التفاصيل ورصد المتغيرات وجمع المعلومات عبارة عن أسلوب أفضل للتوصل إلى تعميمات حول قضايا معينة أو ظواهر أو علاقات عددية أو جدلية. رأى هؤلاء أن الحقيقة المطلقة فيما يتعلق ببيئة الإنسان التي هي محلية وغير محلية لا يمكن اختزالها في افتراض معين يعبر عن وجهة نظر، ولا يمكن لأي شخص أن يدعي بأنه يملك الحقيقة المطلقة  قد يكون الشخص ذكيا وقادرا على الملاحظة والتحليل، وقد يكون صاحب رأي وتدبر وتأمل عميق، لكن هذا لا يؤهله أبدا لأن يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة. من المقبول أن يتبنى المرء حقائق إيمانية مطلقة لها علاقة بما فوق الطبيعة، لكن ذلك غير مقبول فيما يتعلق بالطبيعة والتي هي في متناول قدرة الإنسان على البحث والتدقيق.

وعليه، وجد هؤلاء المفكرون والمهتمون بالتطوير أن البحث في الخاص والتفاصيل من أجل الوصول إلى تعميمات يمكن أن تعبر عن حقائق غير مطلقة هو الأسلوب الأمثل في اتخاذ القرارات وترتيب العلاقات. هذا هو المنهج الاستقرائي الذي يبتعد عن الافتراضات المسبقة، ويفتح المجال لجمع المعلومات الصغيرة والكبيرة ويخضعها للتصنيف والتدقيق والتحليل من أجل الوصول إلى نتائج، أو إلى العام (Welsh, p. 68). إنه منهج يبدأ من حيث ينتهي المنهج الاستنباطي، أي من الخاص إلى العام. فإذا أردنا أن نحكم على المستوى العلمي لجامعة معينة، فإننا لا نقول بأن هذه الجامعة قد بناها فلان وبالتالي هي عظيمة، وإنما نجمع المعلومات ونتقصى حول الأبحاث العلمية التي تنشرها الجامعة، وعدد الأبحاث التي يجريها مدرسوها، والمختبرات الموجودة والأموال المرصودة لدعم البحاثة، والكتب المؤلفة، الخ. بناء على ذلك يمكن للباحث أن يستنتج حول المستوى العلمي للجامعة، وأن يقول فيما إذا كانت الجامعة تشجع البحث العلمي أم لا[69]. ينبثق عن المنهج الاستقرائي مناهج كثيرة فرعية منها منهج دراسة الحالة، والمسح، وتحليل المضمون، والإحصائي، والرياضي، والتاريخي، الخ (Dane, part one). كل هذه المناهج تتناول الموضوع استقرائيا ولا تترك المجال للتمنيات والآراء الشخصية للتدخل في جمع المعلومات أو في التحليل أو الاستنتاج. إنها تقوم على مبدأ الموضوعية وفصل الذات عن موضوع البحث، وهي تعتبر أن كل عمل بحثي يقوم على المزاج الشخصي غير علمي ولا يؤخذ به.

بالإضافة إلى الموضوعية، يتطلب المنهج الاستقرائي وضوحا في موضوع البحث وتحديدا له زمنيا ومكانيا، وتعريفا للمفاهيم التي سيتم استخدامها، وشرحا للمنهج المتبع في الدراسة. وهو يعرّف قضية البحث بدقة، ويشرح أهميتها وأسباب تناولها والفائدة المترتبة على ذلك. وفوق ذلك، نتائج المنهج الاستقرائي قابلة للفحص والتحقق من قبل الباحث نفسه ومن قبل بحاثة آخرين لأنه يعتني بقضايا مادية ملموسة بصورة مباشرة أو غير مباشرة. بإمكان بحاثة آخرين أن يتناولوا موضوع البحث بطريقة جديدة أو منهج جديد، أو أن يكرروا ذات المنهج ليتأكدوا أن النتائج تتقاطع بصورة واضحة مع نتائج البحث الذي سبق. فإذا قلنا إن عادات الناس في الزواج في بلد معين تتطلب مراسيم معينة ونأتي على تفصيلها، فإنه بإمكان أي باحث آخر أن يذهب إلى ذلك البلد ليتأكد من صحة الأقوال. هذا على عكس المنهج الاستنباطي الذي يستحيل التحقق من نتائجه. فإذا قال شخص بأن الإنسان خيّر بالطبيعة، فإنه لا يمكن لأي باحث أن يتحقق من هذا الأمر، علما أن المستنبط الأول لم يقم بأبحاث علمية لتأكيد نتائجه.[70]

عيوب ونواقص المنهج الاستقرائي:

إن الاستقراء لا يمكن استخدامه مع معظم موضوعات البحث العلمي، التي يجب ان يستخدم فيها منهج علمي آخر.

من ميزات الاستقراء في البحث العلمي أنه يعتمد على الملاحظات والتفكير والتحليل، وبالتالي فهو يحتاج الى وقت أكبر من حالات استخدام مناهج أخرى، وهذا الأمر قد يكون سلبيا للباحث العلمي أو الطالب الذي لا يملك وقت كبير لتقديم دراسته.

إن الاعتماد على الاستقراء بالعملية التعليمية، يجعل منها عملية ميكانيكية لدرجة مبالغ بها، مما يقلل من أهمية وقيمة هذا المنهج العلمي.

مشكلة مشروعية تبرير الاستقراء:

ما هي مشكلة الاستقراء؟

المشكلة الاستقرائية هي سؤال بين الفلاسفة وغيرهم من المهتمين بالسلوك البشري الذين يريدون معرفة ما إذا كان الاستدلال الاستقرائي، حجر الزاوية في المنطق البشري، يولد بالفعل معلومات مفيدة وذات مغزى. تناول عدد من الفلاسفة المشهورين، بما في ذلك كارل بوبر وديفيد هيوم، هذا الموضوع، ولا يزال موضوعًا مثيرًا للاهتمام والمناقشة. غالبًا ما يكون الاستدلال الاستقرائي معيبًا، ولذلك يجادل بعض الفلاسفة بأنه ليس مصدرًا موثوقًا للمعلومات

أثناء الاستدلال الاستقرائي، يتم استخدام سلسلة من الملاحظات لاستخلاص نتيجة بناءً على الخبرة. تكمن مشكلة هذا المنطق في أنه لمجرد أن مجموعة من التجارب تدعم استنتاجًا منطقيًا، فهذا لا يعني أنه لا يوجد شيء ما يناقض هذا الاستنتاج. ومن أشهر الأمثلة على ذلك مثال البجعة السوداء. يرى الشخص سلسلة من البجعات البيضاء ويستنتج بناءً على هذه المعلومات أن جميع البجع أبيض، حيث يجب أن يكون البياض حالة جوهرية من البجع. عندما يرى ذلك الشخص بجعة سوداء، فإنه يدحض هذا الاستنتاج ويوضح مشكلة الاستقراء.

يُجبر البشر باستمرار على اتخاذ قرارات منطقية بناءً على التفكير الاستقرائي، وفي بعض الأحيان تكون هذه القرارات غير موثوقة. في التمويل والاستثمار، على سبيل المثال، يعتمد المستثمرون على خبرتهم في السوق لوضع افتراضات حول تطورات السوق. عندما تكون غير صحيحة، يمكن أن تؤدي إلى خسارة مالية. بعد الحقيقة، فهموا أن النتيجة التي توصلوا إليها كانت خاطئة، لكن لم يكن لديهم أي وسيلة للتنبؤ بها عندما كان السوق لا يزال يتصرف بطريقة تتوافق مع توقعاتهم السابقة.

يمكن أن تلعب مشكلة الاستقراء دورًا رئيسيًا في فهم الاحتمالية وكيفية اتخاذ الناس للقرارات. في الحالة التي تستند فيها الاستنتاجات إلى سلسلة من الملاحظات الإيجابية دون أي تناقضات تتعارض معها، يمكن التعبير عن الاستنتاجات بدقة أكبر من حيث الاحتمالية، بدلاً من الإحصائيات. على سبيل المثال، إذا لم يسقط الفارس من فوق حصان مطلقًا وكان يستعد لتجربة جبل جديد، فقد يقول إنه من غير المحتمل أن يتم إلقاؤه، بناءً على تجاربه السابقة، لكن لا ينبغي له ذلك.استبعد هذا الاحتمال تمامًا.

بفضل مشكلة الاستقراء، يمكن للناس اتخاذ قرارات بناءً على معلومات محدودة، مما قد يؤدي بهم إلى اتخاذ خيارات سيئة. يعتبر كل حدث يعزز الاستنتاج دليلاً إضافيًا يدعم الاستنتاج، بدلاً من نقطة بيانات أخرى يجب مراعاتها. هذا يمكن أن يخلق إحساسًا زائفًا بالثقة. يمكن أن تلعب مشكلة الاستقراء أيضًا دورًا في الأخطاء المنطقية مثل الاعتقاد بأن الارتباط الملحوظ هو دليل على العلاقة السببية.

يعتمد الرجال، وخاصة العلماء، باستمرار على التفكير الاستقرائي. عندما نتنبأ بالمستقبل أو عن أشياء فإننا نعتمد على الاستدلال الاستقرائي.

كان الفيلسوف الاسكتلندي ديفيد هيوم (1711-1776) أحد كبار المفكرين الذين أظهروا عدم موثوقية الاستقراء، والذي اعتبره رهانًا غير حكيم، وحتى لا يمكن الدفاع عنه. وفقًا لهيوم، لا يمتلك الاستقراء أساسًا منطقيًا ولكن نفسيًا (الشعور بالعادة). العلم، لأنه ينطلق عن طريق الاستقراء، لا يمكنه أن يجلب اليقين المطلق لما يدرسه، وبالتالي يتم إعادته إلى مجال الإيمان (الإيمان بمصداقية الاستقراء). "كل المعرفة تنحرف إلى احتمالية. قال هيوم بالتأكيد، من المحتمل جدًا أن تشرق الشمس غدًا، كما يقول هيوم، لكن ليس من المستحيل ألا تشرق. حتى الآن كان يستيقظ كل يوم، لذلك نخلص إلى نتيجة مفادها أنه سوف يستيقظ غدًا، لكن هذا تفكير استقرائي، لذلك لا يعتمد على المنطق بل على العادة فقط. لا شيء يخبرنا أن المستقبل سوف يشبه الماضي، وبالتالي ليس من المستحيل منطقيًا ولا ماديًا التفكير في أن الشمس لن تشرق غدًا، حتى لو بدا لنا هذا التأكيد غير قابل للتصديق. سيقول برتراند راسل أن الاستدلال الاستقرائي هو المنطق الذي تستخدمه الدجاجة عندما تربط يد المزارع بالحبوب التي تغذيها، حتى اليوم الذي تلوي فيه هذه اليد رقبتها ."العقل ليس هو دليل الحياة، ولكن العادة وحدها هي التي تحدد العقل، في جميع الظروف، وتسمح لنا بافتراض أن المستقبل سيتوافق مع الماضي. (هيوم).

سوف نرى كل صباح في المستقبل باستمرار. وبالتالي فإننا نصوغ الفرضية القائلة بأن نفس الانتظام يمتد إلى كل الطبيعة، بما في ذلك في المستقبل.

وبالتالي، للإعلان عن موثوقية الاستقراء، سيكون من الضروري إثبات صحة الافتراض القائل بأن الطبيعة موحدة. هل من الممكن ؟ يعطي هيوم احتمالين لمحاولة تبرير أن الطبيعة موحدة: بطريقة منطقية وبطريقة تجريبية.

لكن الاستقراء للأسف ليس حقيقة منطقية. لا يوجد تناقض منطقي في التفكير أنه إذا كانت الطبيعة موحدة حتى الآن، فقد تصبح فوضوية بين عشية وضحاها، مساحة تحدث فيها الأحداث بشكل عشوائي وغير متوقع.

هل يمكننا بعد ذلك إثبات توحيد الطبيعة تجريبيًا؟ في الواقع، هناك طريقة واحدة فقط للقيام بذلك: مراقبة الطبيعة كلها مباشرة ومعرفة ما إذا كانت موحدة أم لا. من الواضح أنه مستحيل. بادئ ذي بدء، لأن جزءًا صغيرًا فقط من الكون يمكن ملاحظته. ما الذي يخبرنا أن نفس القوانين المطبقة هنا تنطبق أيضًا على كل ركن غير معروف من الكون؟ أخيرًا، المستقبل بالتأكيد لا يمكن ملاحظته، ولا شيء يثبت لنا أن قوانين الطبيعة غير قابلة للتغيير: "الافتراض بأن المستقبل يشبه الماضي لا يعتمد على أي حجة ولكنه ينبع تمامًا من العادة. (هيوم)

هل يمكننا بعد ذلك التأكيد على أنه إذا كانت الطبيعة موحدة في المجال المرئي وحتى الآن، فلا يوجد سبب للاعتقاد بأنها ليست في كل مكان وفي المستقبل؟ هذا يرقى إلى مناشدة الاستقراء لتبرير الاستقراء. هذا تفكير دائري لا يمكن أن يبرر أي شيء على الإطلاق

هل يمكن إثبات موثوقية الاستقراء من خلال خصوبته؟

الاعتراض الثاني الذي يعارضه المرء لهيوم هو أن الاستقراء أثبت نفسه. من خلال الاعتماد على الاستدلال الاستقرائي، حقق العلماء أشياء غير عادية، لم يكن من الممكن تصورها حتى وقت قصير: بناء أجهزة كمبيوتر متطورة للغاية، وإرسال الرجال إلى القمر، والتلاعب جينيًا بالكائنات الحية، وما إلى ذلك.

لكن هذا مرة أخرى هو المنطق الاستقرائي. نحن نفترض أن الاستدلال الاستقرائي كان يعمل دائمًا جيدًا في الماضي، ولذا فإنه سيفعل ذلك بالضرورة في المستقبل. نعود إلى فخ الاستدارة: مناشدة الاستقراء لتبرير الاستقراء

بينما كنا نظن أننا على يقين من المعرفة العلمية وقادرون على استخلاص استنتاجات حول المستقبل، يوضح هيوم أن العلم في الواقع يعتمد فقط على الاعتقاد، في مصداقية الاستدلال الاستقرائي. حتى في أفضل المعارف الراسخة، فإن جزء الإيمان غير قابل للاختزال. إذا تبنينا موقفًا جذريًا، فيمكننا الذهاب إلى أبعد من ذلك لتأكيد أن تنبؤات علمائنا ليست أكثر عقلانية من تنبؤات المجانين. لقد دفعت مشكلة الاستقراء بعض العلماء للبحث عن طرق أخرى لإثبات الحقيقة.

الخاتمة:

نستنتج في الأخير:

أن المنهج الاستقرائي يقوم على التعميم، والانتقال من حالة جزئية إلى حالة كلية، حيث ينطوي الاستقراء على الكشف عن العلاقات القائمة بين الحالات الجزئية المأخوذة أو المدركة، وربطها بقوانين تنظم هذه العلاقة وتعددها مستقبلاً.

أن المنهج الاستقرائي من أهم وأبرزالمناهج في البحث العلمي

ومن المناهج التي ساهمت في مساعدة الباحثين على الحصول على معلومات جديدة حول الظاهرة التي يدرسونها.

مشكلة الاستقراءهي التساؤلالفلسفي حول ما إذا كان التفكير الاستقرائي يؤدي إلى معرفة مثلما هي مفهومة بالمعنى الفلسفي الكلاسيكي.

مشكلة الاستقراء الفلسفية بقيت حاضرة من دون حلّ، وحتى أولئك الذين استعاضوا عن الاستقراء بالاستنباط كأساس للمنهج العلمي لم يفلحوا في التخلّص من مشكلة الاستقراء بشكل أو بآخر لا عجب – إذًا – أن يشير الفيلسوف البريطاني شارلي بورد إلى الاستقراء بوصفه مجد العلم وفضيحة الفلسفة.

 

حبطيش وعلي

ماستير أكاديمي في الفلسفة العامة

....................................

[1] الرفاعي، أحمد: مناهج البحث العلمي  تطبيقات ادارية واقتصادية، دار اليازوري العلمية، عمان.ص85.

[2] وحوش، عمار والذنيبات، محمد محمود:  مناهج البحث العلمي وطرق إعداد البحوث، دار اليازوري، عمان.ص211

[3] وحوش، عمار والذنيبات، محمد محمود:  مناهج البحث العلمي وطرق إعداد البحوث، دار اليازوري، عمان.ص211

[4] خديجة زتيلي:

 https://www.facebook.com/adlisclub05/photos/a

[5] كيف تحرر المنهج العلمي من منطق أرسطو:

https://elmahatta.com/%D9%83%D9%8A%D9%81-

[6] مختار رسائل جابر بن حيان، تصحيح كراوس، مكتبة الخانجي، 1354هـ، ص419ــ421.

* - كلمة يونانية تعني القاعدة أو المرسوم أو القاعدة المتعلقة بإيمان أو تنظيم ديني، وتعني أيضا مجموعة الكُتب المعتبرة مستوحاة من الإله، سلمان قطاية، كتاب القانون لابن سينا مجلة الفكالمجلد 7، العدد2، وزارة الإعلام، الكويت، 1972، ص191.

[7] محمد فتحي،  الشنيطي أُسُس المنطق والمنهج العلمي، مرجع سابق، ص130.

[8] حسين علي،  التفكير العلمي عند ابن سينا، دار قباء للطباعة والنشر، القاهرة، مصر، د(ط)، 2003، ص ص36-37.

[9] في اللغة تعني تمييز الأشياء بعضها عن بعض، وصف الشيء أي مُيّز بعضه البعض، وتصنيف الشيء جَعلُه أصنافا،ابن منظور، لسان العرب المحيط، ج4، دار المتوسطيةلنشر والتوزيع،تونس، ط1،2005،ص2511.

لا تكاد تختلف المفاهيم الاصطلاحية لمصطلح التصنيف في دلالتها العامة عن الدلالة اللغوية المشار إليها سابقا، لأنّه يخرج عن كونه يُفيد ترتيب العلوم أو المجموعات، ولذلك يُعدُّ من أبرز الوسائل المنهجية، تُشكِّل الطائفة أو الصنفة أو المجموعة، أرنست ماير، هذا هو علم البيولوجيا، تح: عفيفي محمود، العدد277، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 2002، ص142.

[10] ابن سينا،  القانون في الطب، تح: إدوارد قش، مؤسسة عز الدين للطباعة، بيروت،دط،1993لبنان، ص3.

[11] توفيق الطويل، في تراثنا العربي الإسلامي، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة، الكويت، د(ط)، 1985، ص ص139-140.

[12] حسين علي التفكير العلمي عند ابن سينا، مرجع سابق، ص ص63-64.

[13] المرجع نفسه، ص66.

[14] لخضر مذبوح،  دراسات في الفلسفة الإسلامية، دار المعرفة للنشر والتوزيع، الجزائر، ط1، 2011، ص157.

[15] محمد فتحي الشنيطي، أُسس المنطق والمنهج العلمي، مرجع سابق، ص192.

[16] مدني صالح، ابن طفيل - قضايا ومواقف، منشورات وزارة الثقافة والإعلام، العراق، د(ط)، 1980، ص66.

[17] المرجع نفسه، ص66.

[18] ابن طفيل، حي بن يقضان، تح: ليون جوتيه، بيروت، لبنان، د(ط،ت)، ص38.

[19] https://www.diwanalarab.com/%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D9%87%D8%AC-%D8%A7%D9%84%D8%A7%

[20] المرجع نفسه، ص33.

[21] المرجع نفسه، ص75.

[22] عبد القادر بشته،الإبستيمولوجيا، دار الطليعة، بيروت، لبنان،ط1، 1990، ص ص61-62.

[23] محمد غلاب، المذاهب الفلسفية العُظمى في العصور الحديثة، دار الحياة، القاهرة، مصر، د(ط،ت)، ص50.

[24] برتراند راسل،تاريخ الفلسفة الغربية، مرجع سابق، ص89.

[25] محمد عابد الجابري، مدخل إلى فلسفة العلوم، مرجع سابق، ص237.

[26] ريشنباخ هانز، نشأة فلسفة علمية، تر: فؤاد زكريا، المؤسسة العربية للدراسات، بيروت، لبنان، ط1، 1979، ص83.

[27] ريشنباخ هانز، نشأة فلسفة علمية،المرجع نفسه، ص84.

[28] عبد الغفار مكاوي،لما الفلسفة؟، منشأة المعارف، الإسكندرية، مصر، د(ط،ت)، ص52.

* - فيلسوف إنجليزي وضعي مُتأثر بـ 'لوك'، أكثر من 'كونت' و'هيوم'، ومنطقه ومذهبه الخلقي النفعي، واقتصاده السياسي قامت جميعها على أسس وضعية وتجريبية، من أهم آثاره: المنطق الاستقرائي والاستنتاجي، النفعية...إلخ.

[29] فهمي زيدان، الاستقراء والمنهج العلمي، مرجع سابق، ص101.

[30] الدسوقي عاصم، البحث في التاريخ، دار الجيل، بيروت، لبنان، ط1، 1991، ص25.

[31] توفيق الطويل، جون ستيوارت مل، دار المعارف، مصر، د(ط،ت)، ص141.

[32] سالم يفوت،  فلسفة العلم المعاصرة ومفهومها للواقع، مرجع سابق، ص38.

[33] توفيق الطويل، المرجع نفسه، ص102.

[34] فتحي الشنيطي، أسس المنطق والمنهج العلمي، مرجع سابق، ص119.

[35] J. S. M, Système de logique déductive et inductive, Trad, Le peisse, Tom1, Librairie Gomer Baillière, Paris, 1880, P128.

[36] لخضر مذبوح،دراسات في الفلسفة الإسلامية، مرجع سابق، ص31.

[37] J. S. M, Système de logique déductive et inductive, Opcit, P166.

[38] أرسطو، النفس، تر: أحمد فؤاد الأهوني، دار إحياء الكتب العربية،القاهرة،مصر،ط3، 1983، ص28.

[39] لخضر مذبوح، دراسات في الفلسفة الإسلامية، مرجع سابق، ص31.

[40] ابن باجة،في الصورة الأولى والمادة الأولى ضمن رسائل فلسفية لأبي بكر بن باجة، تح: جمال الدين العروي، دار الثقافة،بيروت،لبنان،د(ط)،1982، ص104.

[41] يوسف كرم،  تاريخ الفلسفة الحديثة، مرجع سابق، ص50.

* - يرى بعض المؤرّخين أنّ الطريقة الزائدة هي طريقة البواقي مثل 'سوزان ستيبنج'، ويرى البعض الآخر طريقة الاختلاف والاتفاق معا مثل المنطقي 'جوزيف'.

[42] بيتر مدّور، الاستقراء والحدس في البحث العلمي، تر: محمد شيّا، بيروت، لبنان،ط1، 1991، ص09.

[43] مذكرة لنيل شهادة ماجستير، مساهل فاطمة، عوائق تطوّر العلم-بيكون نموذجا-،  مرجع سابق، ص95.

[44] محمود يعقوبي، مسالك العلّة وقواعد الاستقراء، مرجع سابق، ص150.

[45] محمود يعقوبي، المرجع نفسه، ص150.

[46] مذكرة لنيل شهادة ماجستير، مساهل فاطمة، عوائق تطوّر العلم-بيكون نموذجا-،  مرجع سابق، ص96.

[47] J. S. M, Système de logique déductive et inductive, Tom 1, P369.

[48] توفيق الطويل،جون ستيوارت مل، مرجع سابق، ص114.

[49] J. S. M, Système de logique déductive et inductive, Opcit, P369.

[50] مذكرة لنيل شهادة ماجستير، مساهل فاطمة، عوائق تطوّر العلم-بيكون نموذجا-، مرجع سابق، ص96.

[51] محمد فتحي الشنيطي، أُسس المنطق والمنهج العلمي، مرجع سابق، ص145.

[52] محمد فتحي الشنيطي، أُسس المنطق والمنهج العلمي، مرجع سابق، ص145.

[53] J. S. M, Système de logique déductive et inductive, Opcit, P429.

[54] Ibid, P430.

[55] محمود يعقوبي، مسالك العلّة وقواعد الاستقراء، مرجع سابق، ص161.

[56] J. S. M, Système de logique déductive et inductive, Opcit, P442.

[57] محمود يعقوبي،  مسالك العلّة وقواعد الاستقراء، مرجع سابق، ص161.

[58] محمود يعقوبي،  مسالك العلّة وقواعد الاستقراء المرجع نفسه، ص169.

[59] محمد فتحي الشنيطي، أُسس المنطق والمنهج العلمي، مرجع سابق، ص147.

[60] محمود، زكي نجيب: دافيد هيوم، دار المعارف، 1958م، ص13.

[61] مقال الدكتور جاسم:نظرية المعرفة عند كارل بوبر https://fajernet.net/article.php?id=4445&cid=10

[62] الوضعية المنطقية والحل التبريري للإستقراء: https://fahmaldin.net/index.php?id=2140

[63] مقال الدكتورة منى زيتون:فلسفة العلم عند كارل بوبر  http://ns1.almothaqaf.com/a/b12-1/932872

[64] محمد علي ماهر عبد القادر م، فلسفة العلوم، دار المعرفة الجامعية، القاهرة، مصر، د(ط)، 2003، ص48.

[65] جميل عزيز/ ماجدة مرسي، النظرية العلمية في الفكر المعاصر، المكتب العلمي للنشر والتوزيع، الإسكندرية، مصر، د(ط)، 2001، ص186.

* - عند 'كلود بارنارد' هي ملاحظة مستشارة يُقصد بها التحقُّق من صدق فكرة ما، وهبة مراد، مرجع سابق، ص46.

[66] جميل عزيز ماجدة مرسي النظرية العلمية في الفكر المعاصر، مرجع سابق، ص ص 188-189.

[67]  محمد عبد العزيز العرفج Ml https://qawaneen.blogspot.com/2020/05/blog-post_3.htm

[68] قاسم، عبد الستار: المنهج الاستقرائي في القرآن الكريم، نابلس، فلسطين.ص 07

[69] قاسم، عبد الستار: المنهج الاستقرائي في القرآن الكريم، نابلس، فلسطين.ص 07

[70] قاسم، عبد الستار: المنهج الاستقرائي في القرآن الكريم، نابلس، فلسطين.ص08

 

 

بُنية المجتمع الإنساني عِبارة عن شبكة مِن أنظمةِ التاريخ المعرفية، وأنساقِ المعنى المُنظَّمة، وظواهرِ الوُجود الثقافية، وتقاطعاتِ اللغة الرمزية . وهذه الشبكة تُمثِّل الأساسَ العقلاني للمنهج الفكري الذي يَمنح الشرعيةَ للبناء الاجتماعي، ويُكوِّن المفاهيمَ المركزية الحياتية التي تُنظِّم النشاطَ الاجتماعي، وتَقُوده نَحْوَ تحقيقِ الحاجات الإنسانية، وتَلبيةِ الرغبات الفردية، وتَفعيلِ الأحلامِ الجماعية. وبما أن أفراد الجماعة مُرتبطون بعلاقات أخلاقية، ومُلتزمون بمبادئ التاريخ المُشترك، ومُنخرطون في عمليات نفعية مُتبادلة، فلا بُد أن تَظهر قواعد جديدة للوَعْي الاجتماعي، تَكُون بمثابة أنوية لِسُلطة التفاعل بين الذاتِ والشَّيء مِن جِهة، والحقيقةِ والفِعْل مِن جِهة أُخرى . وسُلطة التفاعل ذات طبيعة تراكمية، لا تُولَد دَفْعَةً واحدةً، وإنَّما تُولَد وَفْق مراحل قَصْدِيَّة غَير تلقائية، حَيث تَبدأ هذه السُّلطةُ بالتَّشَكُّل كمفهوم، ثُمَّ تُصبح سُلوكًا مُعاشًا وعادةً يوميَّةً، ثُمَّ تتحوَّل إلى قِيَم وجودية ومعايير إنسانية، ثُمَّ تَصِير كِيَانًا فلسفيًّا يَعترف به الأفراد، ويَلْتَفُّون حَوله، لأنَّه يُحقِّق المنفعةَ الشخصيَّة، والمصلحةَ العامَّة . وكُلُّ كِيَان فلسفي إذا صارَ ضرورةً للمُجتمع أفرادًا ومُؤسسات، فإنَّه سيتطوَّر إلى بناء اجتماعي . وإذا اكتملَ هذا البناءُ، فإنَّ المنظومة الإبداعية الحياتية ستصبح كاملةً، وقابلةً للتطبيق على أرض الواقع . وهذه المنظومة هي التي تُولِّد خصائصَ الفِعل الاجتماعي، وتُحدِّد وظيفةَ الإنسان الاجتماعية داخل النسق الحضاري الشامل، وتُعطي الزخمَ للنشاط الاجتماعي كَي يتحرَّر من الضغوطات الماديَّة، وتُجمِّع العناصرَ الفكرية المُبعثرة في تفاصيل الحياة الاستهلاكية، وتُؤَسِّس الوَعْيَ الإنساني على قاعدة اجتماعية صُلبة . وهذا الحراك يتشكَّل في الذهن قبل الواقع، ويتجسَّد في التصوُّرات قبل المَوجودات.

2

النظام الاجتماعي هو تنظيمٌ لإفرازات الوَعْي التاريخي، وتكثيفٌ لمناهج تحليل الشُّعور، وتَوحيدٌ لأجزاء الذات الإنسانية المُتشظِّية في الاغتراب الوِجداني، وتفسيرٌ لمصادر المعرفة التي تُمثِّل وحداتٍ وظيفية ومُركَّباتٍ حضارية . لذلك يَستطيع النظامُ الاجتماعي أن يُكيِّف نَفْسَه معَ المراحل الزمنية المُختلفة، ويتأقلم معَ الحاجاتِ الإنسانية المُتغيِّرة . لكنَّ الإشكالية تَكمن في إيجاد حاضنة للنظام الاجتماعي، تَضمن له النُّمُوَّ بشكل طبيعي، حتى يتمكَّن مِن توليد السُّلوك الاجتماعي الواعي غَير الارتجالي . والحاضنةُ هي كَينونةٌ معنوية لها أهداف واضحة، ووجودها يعني منعَ التعارض بين بُنيةِ المجتمع الإنساني والوظيفةِ الوجودية التي يُؤَدِّيها النظام الاجتماعي . والتوفيقُ بين البُنية والوظيفة يَحُول دُون تَحَوُّلِ الذوات الإنسانية إلى أصنام، وَتَحَوُّلِ النظام الاجتماعي إلى طُقوس، وتَحَوُّلِ الأفكار المُبْتَكَرَة إلى أجِنَّة مَيتة . لذلك، يجب المحافظة على حركة العناصر الإبداعية في المجتمع، ومنع تَوَقُّفها، حتى تَصِير تَيَّارًا معرفيًّا مُستمرًّا، ومَشروعًا تنمويًّا دائمًا، ونموذجًا حضاريًّا رائدًا . وعُذوبةُ الماء تتجلَّى في جَرَيانه وعدم ثباته، وكُلُّ ماء راكد سَيُصبح آسِنًا ينتظر الحَجَرَ الذي يُحرِّكه .

3

السُّلوك الاجتماعي لا يُمكن أن يُصبح نظامًا معرفيًّا مُستمرًّا ودائمًا، ومُعْتَرَفًا به، ومُوَافَقًا عليه، إلا إذا تمَّت إزالةُ كافة العقبات أمام التغيُّرات الإيجابية في المُجتمع، وتحويلُ انعكاسات حركة التاريخ على الفرد والجماعة إلى ظواهر واعية وتنظيمات مقصودة، من أجل تحقيقِ الأهداف الخاصَّة، وتنفيذِ الطموحات العامَّة، وَدَمْجِ إفرازات النشاط الاجتماعي في بيئة الإبداع، وتدعيمِ منظومة الحقوق والواجبات، وتنظيمِ مراحل التغيُّر الاجتماعي بما يتلاءم معَ طبيعة الظواهر الثقافية، ووفقًا للمسار الحياتي العام، مِمَّا يُؤَدِّي إلى تكامُل شخصية الفرد في ظِل المأزق الوجودي، واكتمالِ ماهيَّة المجتمع في ظِل التحديات المصيرية . وهذه الثنائية العابرة للتَّجنيس الأيديولوجي وحُدودِ الزمان والمكان ( تكامُل الشخصيَّة / اكتمال الماهيَّة ) تَمنع ذِكرياتِ الفرد مِن التمرُّد على ذاكرة المجتمع، وتَحْمِي ذاكرةَ المجتمع مِن الذَّوَبَانِ في الأفعال الارتجالية والحالات المِزاجية، والاضمحلالِ في الوَعْي المُزَيَّف الذي يُنتج تاريخًا خياليًّا لا وُجود له على أرض الواقع .

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

 

علي محمد اليوسفتمهيد: من المعروف ان كانط عمد في كتابه الذائع الصيت (نقد العقل المحض) إثبات امكانية الادراك العقلي المنطقي المحض لاشكال موجودات العالم الخارجي الذي يحتوينا بمعزل عن محتوى تلك الاشياء المادية.

بالتعبير المباشر المختصر امكانية العقل ادراك شكل الشيء كفراغ مكاني مجردا عن محتواه المادي حسب كانط. كما حاول اثبات ادراك الفراغ المكاني بدلالة الحدس المنطقي الميتافيزيقي وليس بدلالة الحس أن المادة محتوى الفراغ المكاني.

ونسب كانط لجهده الفلسفي بالكتاب انه انهى والى الابد كل نظريات الميتافيزيقا بالتفكير. فالى أي حد نجح كانط في تحقيق مسعاه في تحليله ونقده العقل مجردا ماديا كعقل محض من زاوية تناوله التفكير بالمنهج المنطقي؟ كتاب كانط (نقد العقل المحض) يقال انه استغرق الفيلسوف بتاليفه عشرين سنة !!. وانا هنا اناقش بعض القضايا بضوء كتاب المفكر صادق جلال العظم عنه (دراسات في الفلسفة الغربية المعاصرة ) في عرضه آراء كانط في كتابه المشار له. والشيء الملاحظ ان المفكر  الماركسي جلال العظم لم يقم بنقد الميتافيزيقا التي احتواها كتاب كانط بل اكتفى بعرضها مع تعليقات نقدية توضيحية في بعض الاحيان. يلازمه حرصه الشديد عرض افكار كانط كما هي لا كما يرها في منهجه النقدي المادي.

شكل المادة والمحتوى

ورد على لسان المفكر صادق العظم ان كانط وجد "  اسبقية المكان على الحس هي اسبقية منطقية لا زمنية ونقول انها صورة قبلية بهذا المعنى المنطقي" 1 .

من المهم التاكيد ان العبارة الفائتة هي صدى لما جاء به كانط ولا يمثل بالضرورة الاقتباسية قناعة المفكر صادق العظم بها. بدورنا نحاول توضيح العبارة من منطلق غير ميتافيزيقي ولا علمي فيزيائي تجريبي بل من منطلق فلسفي مادي تجريدي .

اولا: اسبقية المكان على الحس ليست صيغة منطقية حدسية ادراكية بمستطاعها تجريد المكان في محدوديته كشكل من الفراغ الاحتوائي للمادة. كما لا يقر كانط أن الفراغ المكاني يشترط ادراكه بدلالة احتوائه المادة. وهو ثغرة كبيرة في فلسفة كانط بمعيارية الادراك الطبيعي للعقل.

ثانيا: اسبقية المكان لازمانية تكرار لنفس الخطا الوارد في الفقرة الاولى.فمثلما الادراك المكاني لا يدرك في شكله التجريدي فراغا منزوعا عن المادة فهو ايضا لا يدرك بغير ملازمة الزمان لذلك المكان المعني المحدود.

لا توجد هناك اسبقية مادية ولا اسبقية منطقية حدسية في عزل تواشج الادراك زمكانيا ولا اسبقية لاحدهما – الزمان والمكان - على الاخر. رغم وجود محاولات لافلاطون في تغليبه المكان وهو يقصد الطبيعة على الزمان في الاسبقية الانطولوجية للوجود. وان الطبيعة وجود ضروري ملزم في تنظيمه عشوائية الزمان وليس العكس الزمان هو الذي ينظم الطبيعة.

كما ومن المحال ان تقودنا تصوراتنا المنطقية الحدسية الى اننا نستطيع ادراك شكل المادة كفراغ منزوع عن محتواه المادي كما فعل كانط. فالمادة متعين انطولوجي بابعاد ثلاثية يدرك بدلالة إشغاله فراغا في مكان. والفراغ حيّز وعائي  إحتوائي لا يدرك بغير دلالة الاشياء التي يحتويها. الفراغ حيّز مكاني يحتوي المادة صورة ومحتوى.ولا ندرك الفراغ مجردا من دلالة غيره المادي عليه الذي هو محتواه.

ثالثا: وكما لا نستطيع ادراك المكان كوعاء فارغ او شكل بدون محتوى مادي يشغله ، كذا نفس الحال لا يمكننا ادراك المكان كفراغ احتوائي للمادة بدون ملازمة زمنية له. وحين نقول منطقيا اسبقية المكان الموجودية لا زمنية فهي خطا بسبب ان الحس الادراكي للعقل لا يشتغل بإنفصال وحدة ثنائية المكان عن الزمان.

الزمان ملازمة ماهوية غير مدركة الا بدلالة المكان المحدود بابعاده الثلاثية. لذا علينا التفريق ان الزمان هو وعاء احتوائي في تعيينه المكان، وليس المكان وعاءا احتوائيا لمحاولة تحديد واستيعاب الزمن. علاقة المكان بالزمن علاقة تخارج ادراكية معرفية مع المحافظة التامة بين انفصال الماهيتين، ماهية المكان وماهية الزمان منعزلتين احداهما عن الاخرى.

هنا يمكننا ان نقول المكان زمان ثابت بدلالة زمانيته والزمان ماهية نسبية متغيرة غير ثابتة تلاحق وتلازم متغيرات المكان باستقلالية ماهوية عنه. ماهية الزمان بخلاف ماهية المكان هي وسيلة ادراك واستدلال معرفي. لكن ماهية الزمن ليست موضوعا يدركه العقل مجردا من محتواه المادي الذي هو المكان الممتليء.

الزمان وسيلة ادراك العقل للاشياء لكنه ليس موضوعا لتفكير العقل لمعرفة ماهيته. وبهذا الصدد نجد سعي العقل المعرفي الفلسفية في محاولة معرفته الزمن قديمة جدا وتناولها كلا من افلاطون وارسطو ومن قبلهم فلاسفة سابقين لسقراط. وهي غير ما يتناوله علم الكوزمولوجيا الفيزيائية خاصة في نسبية انشتاين حين اعتبر الزمان يتضائل في اطراد عكسي مع سرعة الجسم بسرعة الضوء 300 الف كيلومتر /ثانية وفي مقدار المسافة والطاقة والكتلة والجاذبية.، وان الزمان يتمدد ويتقلص بحسب تلك العوامل،وهو اخطر ما توصل له انشتاين من حيث خاصية التمدد والانكماش للزمن هي خاصية مادية يمكن ادراكها كما هي تمثل خاصية المادة. اود هنا التنبيه في وجوب التفريق بين الزمان الارضي الذي هو تحقيب تاريخي بدلالة زمانية، وبين الزمان الكوني الذي لا يمكننا تحقيبه ادراكيا. (عالجت هذه المسالة في اكثر من مقال منشور لي كما سيصدر لي قريبا كتابا بعنوان الزمان والفلسفة قريبا).

رابعا: الصورة القبلية عن الشيء في المنطق التجريدي لا يلغي حقيقة عدم حصول تطابق التصورات العقلية القبلية عن الشيء مع حقيقة وجوده المادي. وهذه المفارقة المتفاوتة ما بين حقيقة تصوراتنا القاصرة عن الالمام الحقيقي بواقعية محاولتنا تطبيق التوافق بين الموجود الشيئي وبين التصور القبلي عنه. ونتيجة هذا التفاوت الادراكي للموجود مع التصورات القبلية العاجزة الالمام به إحتوائيا يترتب عليه قصور وعدم امكانية ادراك الشيء على حقيقته لا في الحس ولا في تعبير اللغة عنه.

وبدوره يأخذ المفكرصادق جلال العظم الى " ان كانط ازاح عنصر الحس من الحدس الحسي وبهذا يكون فرض دونما مبرر ان ما سيبقى لديه هما  المكان والزمان، او الصورة المحضة للحدس الخارجي" 2 . أي اراد المفكر العظم القول ان كانط ترك لنا ثنائية المكان والزمان كشكل مدرك خال من أي محتوى مادي يحتويه المكان وهذا ينفي قدرة العقل الادراكية السليمة في تفكيك وحدة الشكل المادي عن محتواه المادي. وادراكهما منعزلين غير مترابطي الدلالة أحدهما بدلالة الاخر. فالشكل بلا محتوى مادي او غيره لا معنى له، كذلك من المحال ادراكنا لمادة بلا شكل يحتويها وتصبح متعينا.

إن الحدس المنطقي الذي يعتمده كانط منهجيا يمكنه به تجريد (المادة) من حقيقتها الموضوعية في الواقع، وكذا يمكنه ان يفعل مع تفكيك متلازمة ثنائية (المكان – الزمان) المشروطة بمحكومية الادراك من عدمه.

كما لا يمكننا في حال تفكيك المادة عن احتواء (الزمان والمكان) لها ليصبحا قالبي احتواء لفراغ افتراضي غير مملوء بالمادة لاكاملا ولا جزئيا ما يتوفر للزمان والمكان ان يكونا إطارا لفراغ له معنى ادراكيا مجردا من المادة ..

الخبرة الحسّية القبلية لادراك الاشياء كشكل ومحتوى، كمكان وزمان، من خلال ادراكنا لعلاقاتها البينية فيما بينها لا يمكنها ان تكون خبرة صحيحة في تغييب الوحدة الكلية الثلاثية لموضوع الادراك التي تجمع " المادة، المكان، الزمان " وفق توليفة المنهج المنطقي التجريدي، لكنما يبقى العجز الادراكي الحسي القبلي او البعدي لا فرق قاصرا في امكانية تجريد ثنائية وحدة المكان – الزمان من محتواهما المادي. وهو مصداق مقولة كانط الزمان والمكان قالبي ادراك العقل للاشياء لكنهما ليسا موضوعين لادراك العقل منفصلين.

الزمان لا يمنح العقل إدراكا حقيقيا لفراغ مكاني خال من المادة. وثنائية المكان – الزمان حدس منطقي ناقص لا يشتغل ادراكيا على صعيد الواقع الموضوعي في حال تجريدهما من محتواهما المادي. وشكل اي شيء يمكن ادراكه تصورا تجريديا يفقد خاصيته الادراكية الحية الحقيقية كموضوع لتفكير العقل في تغييب محتواه المادي. العقل لا يدرك الفراغ المكاني بغير دلالة مادية لعل ابسطها ابعاد الفراغ الثلاثية في محاولتنا تحديده متعينا انطولوجيا..

الحدس المحض وحقيقة الزمان والمكان

في هامش كتاب المفكرصادق العظم صفحة 54 ورد التعقيب المنسوب توضيحا لكانط " ان الحدس المنطقي المحض او القبلي يمثلان صورة الحدس الخارجي  بحسب كانط ما يطلق عليه تشكل نظام العلاقات بين الظواهر. وحين نجرد هذه العلاقات من المحسوسات، فانها بعد ذلك تكون هي محتوى الحدس المحض. لذلك نعتبر المكان صورة الظواهر ومحتوى الحدس المحض في آن واحد. وبعد تجريد العلاقات من جميع المحسوسات يبقى لدينا الشروط الضرورية العامة لوجود الخبرة الحسية وهي تشكل صورة الحدس الحسي ومحتوى الحدس المحض ايضا".

تعقيبنا على هذا الاقتباس نوجزه بالتالي:

-  لم يوضح لنا المفكر جلال العظم كيف يكون الجمع بين الحدس المحض الميتافيزيقي على انه المرادف المتناوب المطابق للحدس القبلي في مخزون متراكم الخبرة بالذاكرة.

اولا نجد الحدس المحض انما هو افتراض تصوري يقيني قاطع ميتافيزيقيا للشخص مدرك المواضيع الحدسية. بينما الحدس القبلي هو تراكم خبرة مكتسبة عن المدركات من الاشياء وهي ليست معرفة قطعية بل معرفة نسبية متغيرة. لذا فان الحدس المحض يقوم على منطق تجريدي لا يشترط ان يكون مرادفا تطابقيا لمنطق الخبرة القبلية التجريبية في الادراك المادي الحسي للاشياء. ان تعرف عن الشيء بوسيلة متراكم الخبرة القبلية المخزّنة بالذاكرة لا يشابه الادراك المادي الحقيقي الحسي له انطولوجيا.

- حسب الاقتباس بدلا من احتواء المكان للمادة، تكون العلاقات الخارجية بين الاشياء هي (المادة) موضوعة الحدس المنطقي المحض. ليس من الاهمية القول ان المادة محدود متعين بابعاد مكانية، ولا يمكن ان تكون وسيلتنا في ادراك المادة هي العلاقات الخارجية التي تربط الاشياء ببعضها والتي هي علاقات متغيرة من السيرورة الدائمية غير الثابتة بالقياس للمادة.

- اذا كانت العلاقات الخارجية بين الاشياء هي موضوع الحدس المحض المادي عند كانط، وحين نجرد هذه المحسوسات فهي تصبح بعدها (محتوى) الحدس المحض وتعتبر المكان (صورة) شكل ظواهر الاشياء ومحتوى حدسها المحض. فنحن بهذه التوصيفات ندور بحلقة مفرغة حول تحديد علاقة ادراكنا (للمكان والفراغ) حدسيا باستبعاد موضوعة المادة كمحتوى للمكان.

ما هو الادراك؟

كان بيركلي اثار اشكالية حول الإدراك؟ بيركلي على العكس من ديكارت وجون لوك اللذين يعتبرهما خاطئين  في إعتبارهما الفكرة ألمجردة عن الموضوع في حقيقته ألواقعية مختلفين، وأثارا إشكالا مهمّا، هو كيف يمكن للأفكار أن تتطابق بصورة صحيحة مع وجود موضوعات العالم الخارجي التي هي ليست أفكارا مجردة فقط بل هي مدركات مادية مستقلة؟ وقد إتخذ بيركلي منهما موقفا مضادا سمّي بالواحدية الأبستمولوجية وليس الثنائية الأبستمولوجية التي قالا بها كلا من ديكارت ولوك، التي مفادها أننا لا ندرك الموضوع ألواقعي الشيئي بالفعل بل ندرك صورة ذلك الشيء في صفاته الخارجية فقط. (لتفصيل اكثر تراجع مقالتنا الادراك العقلي: الاصل والصورة  منشورة على اكثر من موقع عربي).

كما وجد ديكارت وجون لوك أن بيركلي كان مخطئا في إعتباره الموضوع فكرة ذهنية في حين أن الموضوع الواقعي المدرك هو فكرة مادية ليست ذهنية بمعنى الذهن يخلق وجودها الواقعي بالفكركما يذهب بيركلي، يعني أن الموضوع مادة التفكير العقلي ليس ذهنيا على الأطلاق كون الذهن هو وظيفة مجردة محايدة يدخل فيها الموضوع الواقعي ويخرج منها كما هو دون أن يتغّير ألمدرك الذي يمّر فيه على الإطلاق. العديد من المفكرين يعتبرون تفكير الذهن الانطباعي هو تفكير العقل معرفيا ادراكيا وهو خطأ. الذهن لا ينوب عن تفكير العقل وتعبير بيركلي عين الصواب الذي اخذ به ديفيد هيوم ايضا.

اسبقية المكان ام اسبقية الزمان

في مقارنة بسيطة مع ما مر ذكره حول ديكارت وبيركلي وجون لوك ندرك ان الادراك المحض للعقل عند كانط ينسف كل النظريات الفلسفية في فهم آلية الادراك الحسية الطبيعية وما هو موضوع الادراك للعقل الطبيعي وليس للعقل المحض؟.

لنتتبع بعض السمات الادراكية لدى كانط:

- يطلق كانط ان المكان شرط لازم لوجود الظواهر التي يمكن حدسها ادراكيا باحساسات تجريدية منطقية تنوب عن ادراك الشيء في حقيقته. على اعتبار ان العلاقات الخارجية الدالة عل الشيء ليست هي الشيء في حقيقته. بمعنى كانط يبني تجريد الادراك للعلاقات على تجريد سابق عليه في لا اهمية ادراك الشيء كمحتوى مادي.

الاشكالية هنا ليست في استحالة ادراك العلاقات الخارجية للشيء في معزل عن ادراك الشيء ذاته، وانما الاهم من ذلك هو هل بمستطاع الادراك الحسي السليم العزل بين الشيء المادي من جهة وبين صفاته الخارجية من جهة اخرى التي هي العلاقات الخارجية بحسب كانط؟

- يؤكد المفكرصادق جلال العظم (اسبقية المكان اي صورة الشيء بتعبيركانط لها الاسبقية على الحس، وهذه الاسبقية ليست "زمنية") 3

الشطر الاول من العبارة في اسبقية المكان على الحس عبارة سليمة من حيث تراتيبية عملية الادراك الحقيقية الحسية وليس وفق النظرية المنطقية الميتافيزيقية كما يعتمدها كانط. اما ان لا تكون هذه الاسبقية زمنية فهنا نقف امام خطأ نوضحه.

الزمان ماهية وجودية تلازم وتداخل جميع مدركات العقل من الاشياء، والزمان وسيلة ادراك كل موجود مكاني بالوجود والعالم، والزمان كوني واحد الماهية او الجوهر غير المدرك للعقل، فالزمان وسيلة العقل بالادراك لكنه ليس موضوعا لادراك العقل كماهية يمكن ادراكها مستقلة عن الاجسام والاشياء.

يوجد رأي فلسفي ينسب لافلاطون متعالق بهذا المعنى يذهب ان المكان هو من يضطلع بمهمة ترتيب مكوناته بدلالة الزمن وليس بوسيلة الزمن تنتظم الطبيعة فهي مخلوقة ازليا قبل الزمن تحكمها قوانين ثابتة عامة، والزمن ياخذ نظامه التعالقي مع الاشياء أي أن المكان ينظم الزمن ولا ينظم الزمن المكان.

هذه النظرة الفلسفية تلاقي قبولها بضوء:

- اولا الزمن ماهية ازلية مطلقة تمتلك خصائص لا يدركها العقل البشري كاملة. والزمن صنو الطبيعة في وجودها وفي ادراكها المعرفي.

- ثانيا الزمان جوهر لا تستحدثه المادة ولا يوجده المكان بل هو ملازم الطبيعة ثابتا في احتوائه لها بجميع تغيراتها وفي مداخلته لكل شيء فيها.

- ثالثا ان يكون المكان (لازمني) في اسبقيته الموجودية فهذا الخطأ لا يمنح المكان اسبقية غير مشروطة بزمن ما من شانه التعارض المتقاطع مع آلية الادراك الحقيقي السليم للعقل الطبيعي. من حيث الادراك ثنائية مكانية زمانية لا انفصال بينهما. فانت لكي تدرك مكانا تحتاج زمنا يلازمه ، ولكي تدرك زمانا لا بد من قياس مقدار حركة جسم ترافقه وتداخله ايضا. سبق لي وقلت ماهية الزمان جوهر استقلالي لا يدركه العقل موضوعا ولا يتداخل بغيره ماهويا ولا حتى بصفات خارجية. فقد عرّف ارسطو الزمان على انه مقدار حركة جسم في زمن. والزمن ليس حركة بذاته يمكن ادراكها مستقلة من غير الدلالة المتعالقة بغيرها من الاجسام. واضاف ارسطو بعبارة عبقرية اخرى لا تزال سارية المفعول ان الزمن لا يتجزا ولا يمكننا حد الزمان بزمان.

- رابعا لا يمكن تمرير خطأ (اسبقية المكان لازمانية) في تمرير(الصورة لشيء هي قبلية بالمعنى المنطقي) نستوحي من هذه المفارقات في تقاطع كل ما يعجز المنطق تسويقه نرميه على الحدس.

ما معنى الصورة القبلية؟ هي كل شيء مستقر بالذهن والذاكرة نتيجة تجربة معرفية وخبرة تراكمية عن ذلك الشيء التي تحتويه الصورة ولا تنوب عنه في تمثلها له. الصورة القبلية هي اكتساب معرفي سابق على الحضور المتعيّن  إدراكه وجودا من الاشياء.

انت لكي تدرك شيئا ادراكا حقيقيا قصديا معرفيا يتوجب عليك امتلاك (اوليات) معرفية مختزنة بالذاكرة عن ذلك الشيء. فانت لو وضع امامك شيء مصنوع تقنيا لم تره بحياتك ولم تسمع عنه شيئا ولا قرات عنه فانك ستصاب حتما بالعجز في معرفة ما هو ذلك الشيء وما هي خصائصه الاستعمالية وغيرذلك. اما لو سئلت عن صورة شجرة مثلا فسوف تكون اجابتك التعريف به بديهية لما تختزنه من معارف مخزنة بذاكرتك عن الاشجاربما لا يمكن حصره.

الاصل والصورة

يشير كانط لبديهة الى ان كل الادراكات المكانية هي صورة ذاتية ينفصل فيها المحتوى عن الشكل او الاطار الاحتوائي الذي يطلق عليه كانط العلاقات الخارجية التي يدركها الحس المنطقي كمحتوى. لكن المسالة الجديرة بالاهتمام وردت على لسان المفكر جلال العظم هو كيف اجاز كانط لنفسه مثل هذا الفصل؟ يضيف العظم"اعتبر كانط المكان قبليا بالنسبة للحس وذلك بعد ان فصل فصلا جذريا بين الصورة والمحتوى وبعد تعريفه "المحتوى" على انه الحس" 4

صحيح ان كل ادراك هو تجريد ذهني لصورة شيء، عليه يكون محتوى الشيء هو الحس تعبير مقبول الى حد ما. والفصل بين المحتوى وصورته الشكلية رغم الاعتسافية التي لا معنى لها، يسوّغها المفكر جلال العظم بتحفظ لكنه مقبول تعليلا. فهو يرى بهذا الفصل يرتهن تمريره بمشروطية احتمالين يدرجهما :

1- ان تكون هذه العلاقة ضرورية بحيث تنطبق صورة المكان بطبيعتها لازمة لهذا المحتوى، وان يكون المحتوى بطبيعته لا يتلائم ولا يتناسب الا مع هذه الصورة عندها تكون علاقتهما المتبادلة ضرورية.5

2- ان تكون العلاقة بين الصورة والمحتوى عرضية بحيث يكون التطابق والتلاؤم بينهما عائدا (للصدفة ) لا لضرورة منطقية او فلسفية. 6

كل متعين مكاني تحتويه مادة يتكون من محتوى وشكل متناسبين بالضروة الوجودية الطبيعية الملزمة. ومن البديهي ان لايكون شكل محتوى مادي او مكاني معين لا يصلح لمحتوى اخر مغاير لطبيعته المتلائمة الانسجامية بين محتوى وشكل في موجود لم يولد مدركا طبيعيا في وحدة تجانسية الشكل والمحتوى فيه. ونجد بالافتراض تعسفا لا معنى له. فألاشياء التي يدركها العقل هي فقط الاشياء التي تتناغم فيها صورتها او شكلها الخارجي مع محتواها المادي. ولا يمكننا العثور على شكل صادف محتوى مادي شيئي لا على التعيين وتلبّسه بالصدفة.

وما معنى ان تكون العلاقة بين الصورة والمحتوى لا تسوّغها ضرورة منطقية ولا فلسفية بل يتوجب ان تكون محض صدفة؟ هل يتوجب علينا اخضاع كل التناغم الطبيعي في الانسجام بين الصورة والمحتوى في الظواهر والامكنة والاشياء في وجودها لعامل الصدفة لمجرد تسويغ حالة من الاعتساف الفلسفي الذي يجعل من ادراك الصورة مغنيا لنا عن ادراك محتواها.؟

لقد سبق لديكارت وجون لوك فيما عرف بمبدأ تسميته بالثنائية الابستمولوجية بالفلسفة باكثر خلاصة منطقية بعيدا عن منهج المنطق المحض عند كانط مفاده أن ادراك صورة الشيء هو ادراك ضمني لمحتوى الشيء في وجوده كاملا. وليس من الادراك الحقيقي المقبول فصل محتوى صورة الشيء عن صفاتها المدركة الخارجية. وكان اعتراض بيركلي عليهما ليس بالدعوة لانفصال الصورة عن الاصل المحتوى، بل قال ان الادراك الكلي للشيء لا يمنع البحث عما وراء هذا الادراك الاولي المبدئي القاصر فإدراك الشيء لا يعني معرفته على حقيقته وربما كان يقصد الجوهر المحتجب خلف الصفات الخارجية... كانط كان السبّاق في هذا المعنى الادراكي معتبرا الوجود بذاته هو الجوهر الذي لا يمكننا ادراكه. واخذها عنه اقطاب الوجودية يتقدمهم هوسرل في الظاهراتية (الفينامينالوجيا).

 

علي محمد اليوسف /الموصل

........................

الهوامش:

1- صادق جلال العظم /دراسات في الفلسفة الغربية المعاصرة /ص 53

2- نفسه ص 54

3- نفسه ص 55

4- نفسه ص 55

5- نفسه ص 56

6- نفسه ص 56

 

 

زهير الخويلديترجمة: د. زهير الخويلدي

مقدمة: المجتمع المدني شبكة كثيفة من المجموعات والجمعيات والشبكات والروابط التي تقف بين الفرد والدولة الحديثة، أصبح هذا التعريف الحديث للمجتمع المدني مكونًا مألوفًا للخطوط الرئيسية للتنظير الليبرالي والديمقراطي المعاصر. بالإضافة إلى خصائصه الوصفية، يحمل مصطلح المجتمع المدني سلسلة من التطلعات والمضامين الأخلاقية والسياسية. بالنسبة لبعض مناصريه، فإن تحقيق مجتمع مدني مستقل هو شرط مسبق ضروري لديمقراطية صحية، وغيابها أو تراجعها النسبي غالبًا ما يُستشهد به كسبب ونتيجة لأمراض اجتماعية سياسية مختلفة معاصرة. لقد نوقش مفهوم المجتمع المدني على نطاق واسع. كإطار تحليلي لتفسير العالم الاجتماعي، فإن فكرة أن المجتمع المدني يجب أن يُفهم، بحكم التعريف، على أنه منفصل عن عمليات الدولة والمؤسسات العامة الرسمية ومعارض لها، لها عيوب مختلفة، ليس أقلها إنها تمنع تقدير العلاقات المعقدة بين الدولة والمجتمع. وبالمثل، من الصعب الدفاع عن فكرة أن الحياة الجماعية المتنوعة للغاية للمجتمعات الرأسمالية الغربية تعزز القيم الاجتماعية التي يمكن فصلها عن السوق وربما تعارضها. عادة ما تتأثر أشكال التوليف والارتباط التي تميز المجتمعات المدنية في الغرب وتتشكل من خلال الأفكار والتقاليد والقيم التي يتم الحصول عليها أيضًا في المجال الاقتصادي.

المجتمع المدني والحداثة

يشير مؤرخو فكرة المجتمع المدني إلى أن هذه التحفظات المعاصرة لها جذورها في الأنساب الفكري المعقد والمتعدد الأوجه لهذا المصطلح وأنماط التفكير المختلفة التي تدعم استخدامه في الفكر الغربي الحديث. كلا المفهومين الموجودين في بداية هذا المدخل ينبعان من طريقة التفكير حول الحداثة الغربية التي ظهرت في الفكر الأوروبي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر - على وجه التحديد، فكرة أن المجتمعات الحديثة يمكن تحليلها من حيث تطور ثلاث مجموعات منفصلة. والأنظمة المتنافسة: السياسية والاقتصادية والاجتماعية. لا يزال العديد من المدافعين عن المجتمع المدني يستشهدون به باعتباره مرادفًا لقيم الأصالة والانتماء، ولا يمكن تحقيق أي منهما، كما يُفترض، في السياسة أو الحياة الاقتصادية. ارتبط الفكر الأوروبي الحديث بتطور وانتشار المذاهب الليبرالية حول المجتمع والسياسة. ظهرت منذ القرن الثامن عشر في سياق الفهم الفردي والمستقل والعقلاني على نطاق واسع للشخصية البشرية الذي يميل المفكرون الليبراليون إلى تعزيزه. بالنسبة لكثير من الليبراليين، كان ذلك نتيجة مفادها أن النظام الاجتماعي والالتزام السياسي يمكن فهمه من خلال تشبيه عقد اجتماعي بين الحاكم والمحكوم، وأن سيادة القانون هي شرط مسبق لحرية المواطن، وأن تحقيق نظام تجاري. يتطلب ويعزز تحسين الطابع العام للعلاقات المتبادلة بين المواطنين. يظل هذا الفهم الواسع للمجتمع المدني كشرط مسبق وعلامة للمسار المميز للديمقراطية الليبرالية الغربية هو التفسير السائد لها. هذا لا يعني أن هذا الرأي يشترك فيه الجميع أو يحظى بإعجاب الجميع. يلاحظ النقاد الفروق في القوة والموارد التي تميز العلاقات داخل المجتمع المدني، والعجز الواضح للفكر الليبرالي عن معالجة السمات الأساسية لبعض هذه التفاوتات، ومهارة واستعداد بعض الدول للتنسيق والتلاعب في بعض الأحيان بمنظمات المجتمع المدني من أجلها. نهايات خاصة.

الأصول والتطور

تعكس هذه الشكوك حول الأفكار الليبرالية للمجتمع المدني، وقد حافظت على، مفاهيم متنوعة لمعناها وإمكاناتها؛ كما تم إرفاق مجموعة من الطموحات الأكثر تحفظًا، وكذلك الأكثر راديكالية، بهذا المصطلح. في الواقع، حمل مصطلح المجتمع المدني عددًا من الارتباطات المختلفة في تاريخ الفكر السياسي، وكان معناه الأصلي في التفكير الغربي مختلفًا إلى حدٍ ما عن وضعه الحالي. بالنسبة للمؤلف الروماني شيشرون، فإن societas civilis (وهي نفسها ترجمة لـ koinonia politike لأرسطو) أشارت إلى مجتمع سياسي على نطاق معين (عادة ما يتضمن أكثر من مدينة واحدة في بوصلتها) يحكمه حكم القانون ويتسم بدرجة من التحضر. تم فهم هذا النوع من المجتمع على عكس الشعوب غير المتحضرة أو البربرية. تم تغيير هذا الاستخدام المفاهيمي من قبل مفكرين أوروبيين مختلفين خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، مما أدى إلى اكتساب المجتمع المدني مجموعة مختلفة من الدلالات. فيما يلي تم تحديد ثلاثة من أنماط التفكير السائدة فيما يتعلق بهذا المصطلح والتي تم تأسيسها خلال هذه الفترة، على الرغم من أن هذه القائمة بعيدة كل البعد عن كونها شاملة. تم تطوير خيط من التفكير في عصر التنوير في كتابات الشخصيات الإنجليزية مثل توماس هوبز وجون لوك. عرض المصادر الاجتماعية والأخلاقية لشرعية الدولة فيما يتعلق بفكرة المجتمع المدني. على الرغم من تنوع هذا التقليد داخليًا، فقد شارك في النفور من الفكرة، التي سادت على نطاق واسع في الفكر اليوناني القديم، أن المجتمعات يمكن تصنيفها وفقًا لطبيعة دستورها ومؤسساتها السياسية.

لقد كان المجتمع، على الرغم من تصوره، سابقًا ومكونًا لتأسيس السلطة السياسية، وهناك نمط مختلف من التفكير حول المجتمع المدني، والذي وجد تعبيره الأكثر تماسكًا في الفكر الألماني في القرن التاسع عشر، يفصل المجتمع المدني عن الدولة من الناحيتين الأخلاقية والتحليلية. واعتبرت الاثنين منفصلين وربما متضادتين. بالوقوف بين هذه المنظورات وتداخلها جزئيًا، طور هناك مفهوم مختلف طويل الأمد في تفكير بعض المنظرين الرئيسيين لتقليد الاقتصاد السياسي الأسكتلندي في القرن الثامن عشر، بما في ذلك آدم سميث وفرانسيس هوتشسون. من وجهة نظرهم، ينبغي النظر إلى المجتمع المدني على أنه ينبثق من التطور المتشابك لنظام تجاري مستقل، تنتشر فيه سلاسل معقدة من الترابط بين الأفراد الذين يغلب عليهم البحث عن الذات، وتطوير مجال عام مستقل، حيث المصالح المشتركة للمجتمع ككل يمكن متابعتها. أصبح تطوير فكرة الجمهور الذي يمتلك "رأيه" الخاص فيما يتعلق بالمسائل ذات الاهتمام المشترك طريقة سائدة بشكل متزايد في التفكير حول المجتمع المدني، لا سيما فيما يتعلق بظهور المنتديات والأماكن التي يتم فيها التبادل الحر من الآراء يمكن ملاحظتها - الصحف، المقاهي، المجالس السياسية.

الخطاب السياسي المعاصر 

كان الخطان الثاني والثالث من هذه الخيوط أكثر تأثيرًا في تشكيل تفكير المنظرين الغربيين منذ أواخر القرن العشرين. بعد فترة من عدم الاهتمام الفلسفي النسبي بالمصطلح في العقود الوسطى من القرن العشرين، أصبحت مصطلحات المجتمع المدني منتشرة في كل مكان في التفكير السياسي خلال الثمانينيات.

 يمكن ربط العديد من أفكار هذه المرحلة من تاريخها الفكري بالتقاليد الثلاثة التي تم تحديدها سابقًا، حيث أعيد استخدام الخيط الإنجليزي بقوة في الفترة المعاصرة من قبل العديد من المنظرين والأيديولوجيين النيوليبراليين. بالنسبة لهم، يقف المجتمع المدني كمرادف لمثل السوق الحرة مصحوبة بدولة محدودة دستوريًا، لكنها قوية. برزت هذه الفكرة الأخيرة بقوة في إضفاء الطابع المثالي على المجتمع المدني الذي ساد في الأوساط الفكرية في أوروبا الشرقية بعد سقوط جدار برلين في عام 1989. وفي هذه الأوضاع، كان المجتمع المدني يعني إما بقاء (في بلدان مثل تشيكوسلوفاكيا وبولندا) لشبكة من الجمعيات المستقلة التي كانت مستقلة عن الدولة والتي تربط المواطنين ببعضهم البعض في الأمور ذات الاهتمام المشترك أو وسيلة ضرورية لتحقيق الازدهار الاقتصادي والحريات المدنية للديمقراطية الغربية. لقد ظهر اهتمام الخط الألماني بمصادر وأهمية الغايات الأخلاقية التي تم تعلمها من خلال المشاركة في شركات المجتمع المدني في عمل هيئة من علماء السياسة والمنظرين الأمريكيين الذين جاءوا إلى منظمات المجتمع المدني على أنها مصادر لرصيد رأس المال الاجتماعي. والمعاملة بالمثل التي من المفترض أن تتطلبها الديمقراطية الناجحة.

وثالثًا، تم إحياء المفهوم الأسكتلندي بقوة من قبل المفكرين ذوي الميول اليسارية الذين كانوا يأملون في تقديم إعادة صياغة أكثر تعددية، وأقل دولة، للأيديولوجية الاشتراكية التي كانت تعاني من ركود سياسي عميق بين الجماهير الغربية. كما لاحظ الفيلسوف الكندي تشارلز تيلور، فإن هذه الطرق وغيرها من الطرق المؤثرة في التفكير حول المجتمع المدني استندت إلى الافتراضات المزدوجة القائلة بأنه، من الناحية التجريبية، ظهرت مجتمعات مدنية مستقلة في مراحل مختلفة من القرن الثامن عشر حتى القرن العشرين وأن وجودها يعتمد جزئيًا على فصل مفاهيم الدولة عن المجتمع في المخيلة السياسية الغربية. أي من هذه الافتراضات لا جدال فيه. في حين أنه من الواضح أن هناك عددًا كبيرًا من المجموعات والمجتمعات والجمعيات في حالة انفصال نسبي عن الدولة، إلا أن الحدود بين الدولة والمجتمع المدني في العديد من البلدان نادرًا ما تكون واضحة أو ثابتة كما يوحي الافتراض الأول. في الديمقراطيات المختلفة، نجحت الدولة والسلطات العامة الأخرى في دمج المؤسسات والمنظمات من المجتمع المدني - على سبيل المثال، النقابات العمالية والجماعات البيئية وجمعيات الأعمال - في الشبكات الرئيسية للتأثير وصنع القرار. وبالمثل، غالبًا ما تنفق المجموعات الفردية وحتى الحركات الاجتماعية المعارضة موارد وطاقة كبيرة في محاولة للتفاعل مع المسؤولين الحكوميين والسياسيين المنتخبين وبيروقراطيات الدولة. تتطلب الفكرة القائلة بأن التمييز بين الدولة والمجتمع المدني موجودًا في جميع المجتمعات الغربية توضيحًا وتأهيلًا كبيرًا في المصطلحات التجريبية، وبالمثل، فإن فكرة أن التمييز الفكري الأساسي بين الدولة والمجتمع يدعم نموذج الديمقراطية الليبرالية يطرح بعض الأسئلة الكبيرة نوعًا ما. أرشدت روايات مختلفة تمامًا عن التمييز والعلاقة المتبادلة بين المجتمع والدولة بعض الأيديولوجيات الرئيسية في القرنين التاسع عشر والعشرين واستمرت في تصادم النظريات حول السياسة والسيادة والنظام الاجتماعي. وفوق كل شيء، فإن فكرة وجوب تقسيم جزء من أي معقد مجتمعي، ومنحها أهمية أخلاقية، وحتى تحررية، وفهمها على أنها الخصم الأساسي للسلطة السياسية والحياة المؤسساتية، تبدو إشكالية بشكل متزايد في أوائل القرن الحادي والعشرين. ينشأ أحد أكثر المظاهر إثارة للاهتمام وإثارة للجدل لمصطلحات المجتمع المدني من تطبيقه الشائع بشكل متزايد على المجتمعات غير الغربية. هل أنصار المجتمع المدني في الغرب وفي الدول التي أصبحت ديمقراطية حديثًا في جميع أنحاء العالم يتحدثون عن نفس الأشياء عندما يستدعون هذا المصطلح؟ هل يمكن استخدام مصطلح مشتق من الغرب بشكل مفيد كإطار لتحليل المجتمعات بأشكال من المؤانسة والعلاقات بين الدولة والمجتمع تختلف بشكل ملحوظ عن تلك الموجودة في الغرب؟ وبالمثل، فإن افتراض بعض النظريات الأنجلو أمريكية بأن شبكة من الجمعيات المستقلة والممارسات الثقافية والمنظمات هي سمة ضرورية للديمقراطية المستقرة مفتوح أمام شك كبير عند النظر إليه من أي مكان آخر في العالم (فكر، على سبيل المثال، في الشرق. الدول الآسيوية التي لديها العديد من سمات المجتمعات المدنية ولكنها ليست ديمقراطية في هياكلها السياسية). خلال التسعينيات، على وجه الخصوص، استغل العديد من المؤلفين والسياسيين والسلطات العامة الذين كانوا حريصين على إيجاد حلول لبعض الأنواع المختلفة من المشكلات التي تواجه البلدان النامية المجتمع المدني كنوع من العلاج الشافي. وبالمثل، أصبح هذا المصطلح ركيزة مفاهيمية للتفكير الأكاديمي حول التحولات الديمقراطية وجزءًا مألوفًا من خطاب المؤسسات العالمية والمنظمات غير الحكومية الرائدة والحكومات الغربية. لقد أصبح الطابع الأيديولوجي والآثار السياسية لهذه الأفكار أكثر وضوحًا بمرور الوقت. ساعد هذا التفكير في استمرار المحاولات المختلفة لبدء المجتمعات المدنية من "فوق" في بلدان أفريقية مختلفة، على سبيل المثال، وفي الوقت نفسه عمل على إضفاء الشرعية على الأفكار الغربية حول أنواع الهيكل السياسي والنظام الاقتصادي المناسب للدول النامية. من الناحية الفلسفية، يطرح تطبيق المجتمع المدني بهذه الطريقة سؤالًا عميقًا حول ما إذا كان يمكن إزالته من مكانته في الخيال السياسي الغربي وتطبيقه بطرق مناسبة لمسارات التنمية المحلية والثقافات السياسية لبعض من أفقر الناس. دول العالم. من المستحيل تجريد مفهوم المجتمع المدني من الدلالات المعيارية. يظل المفهوم قوياً، جزئياً، بسبب طابعه المتباين (غير المعلن في كثير من الأحيان). يُنظر إلى المجتمع المدني عادةً على أنه بديل أفضل من "الآخر" البربري أو الطبيعي أو الاستبدادي أو التقليدي أو ما قبل الحداثة. يشكل هذا النوع من الأفكار جزءًا لا يرحم من جاذبية المصطلح في المخيلة السياسية الغربية. إن تحقيق غابة كثيفة من المجموعات والشبكات والمنظمات التي تبدو وكأنها تقف خارج حدود الدولة وخارج نطاق الأسرة والعشيرة يبقى، بالنسبة للعديد من المفكرين السياسيين، جزءًا كبيرًا مما يجعل الحداثة الغربية فريدة ومرغوبة. عند فحصها عن كثب، تفسح هذه الفكرة العامة المجال لمجموعة من أنواع مختلفة من المشاريع والتخيلات والقلق بشأن السياسة والمجتمع والاقتصاد. منذ تسعينيات القرن الماضي، انتقل المجتمع المدني إلى مركز الصدارة في الجدل السياسي الغربي، متخذاً طابع التشخيص والحل للعديد من الذكور في المجتمع الغربي - الفردية المتفشية، والجريمة المتزايدة، والنزعة الاستهلاكية، وتدهور المجتمع، من بين أمراض أخرى. بمصطلحات أكثر فلسفية، فقد حمل نوعين مختلفين من الوعود للمثقفين والفاعلين السياسيين، وأحيانًا للحركات الاجتماعية. من ناحية أخرى، يقدم حلم التوفيق بين بعض التوترات الخطابية الرئيسية في الفكر الغربي - بين، على سبيل المثال، المصلحة الذاتية والصالح العام، والفرد والمجتمع، والحرية والتضامن الاجتماعي، والمجالات الخاصة والعامة من الحياة. والوعد الثاني، وهو فكرة المجتمع المدني باعتباره قطاعًا ثالثًا متميزًا من المجتمعات الغربية (متميزًا عن كل من الدولة والعالم الخاص)، قد أتى لإطلاق أجزاء من الخيال الراديكالي في النقاش الأيديولوجي المعاصر. في هذا السياق، يقدم الوعد الخفي بتحقيق التحرر الجماعي من القيود والتنازلات وخيبات الأمل في السياسة. مع تزايد الوعي بالقيود والمخاطر المرتبطة بكلتا هاتين الفكرتين، ظهرت الرغبة في إعادة التفكير في حدود المجتمع المدني وإعادة النظر في القيم السياسية والأخلاقية التي يروج لها. بقلم مايكل كيني

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

عن الموسوعة البريطانية، الرابط:

https://www.britannica.com/topic/civil-society/Contemporary-political-discourse

 

علي رسول الربيعيإذا كان يمكن طرح سؤال الدين من وجهات نظر مختلفة فإن اللاهوت القائم على أساس فلسفي قد أجاب عن هذا السؤال لقرون عديدة، وأجابت فلسفة الدين عنه منذ العصر الحديث ايضًا. يرتبط كلا المنظورين ارتباطًا وثيقًا بالاعتبارات الاجتماعية للدين ويميزان نفسيهما عنها في الوقت نفسه. لقد تطور البحث في فلسفة الدين على مدى المئتي سنة الماضية من أجل إعادة بناء ما يمكن أن يساهم في هذه المهمة.

تغير التفكير في الدين بشكل كبير منذ العصور الوسطى. فيمكننا أن نقول على اساس هذا التغيير، إذا بقيت هذه المبادى التوجيهية نقطة البداية للدين، وهي الإيمان بالله دون اي شك، كما في التقليد المدرسي، والتفكير في الله في خطاب لاهوتي غير مرتاب، فإن هذين التوجيهين قد أصبحا متاحين لإعادة النظر بشكل متزايد في سياق العصر الحديث. يظهر اللاهوت وفلسفة الدين كمنظورين مختلفين عن الدين. يتعلق اللاهوت بمحتوى ومصادر تقليد ديني معينة، بينما تحدد فلسفة الدين موضوع وبنية ومعنى الدين، ولا سيما لغته وطقوسه ومعتقداته، على مستوى عام يتجاوز دين بعينه.

إن اللاهوت هو انعكاس لمحتوى الدين بشرط أن يتم الاعتراف بنصوصه المقدسة وتقاليده وتقريراته كمصدر للمعرفة. لذلك يعتمد اللاهوت منطقيًا على هذا الاعتراف. بينما فلسفة الدين مستقلة منطقيًا عنه ويجب أن تكون مبرراتها مفهومة لجميع العقلاء.

كانت فلسفة الدين منذ ظهورها في العصر الحديث مجال التقاطع، أو انعكاس لحدود التفكير المنهجي (الفلسفة)، من ناحية، والتفكير الديني القائم على الدين (علم اللاهوت)، من ناحية  أخرى. فيعتبر البحث في فلسفة الدين من حيث المحتوى، في العصر الحديث، نقدًا للافتراضات الاهوتية التي لا ريب ولا جدال  فيها. وإن نقد كانط لبراهين وجود الله مثال على ذلك.[1] اذ يعكس نقده "الخروج النهائي من فكرة القدرة على إثبات وجود الله بموضوعية".[2]

تبلورت مناهج أو مقاربات مختلفة لدراسة ظاهرة الدين على خلفية ظهور فلسفة الدين جنبًا إلى جنب مع اللاهوت حول الأسئلة الافتراضات التي تعلق  بممحتوى الدين على مدى المائة عام الماضية. لذا نريد ان نشير هنا الى أربع حجج نموذجية بوصفها ذات أهمية خاصة في هذا الاطار: يمكن تصور فلسفة الدين على أنها (أ) انعكاس نظري على المحتويات المركزية للدين ألا وهو المطلق. وبهذه الطريقة، ينتقل المحتوى الديني إلى المستوى الفلسفي ويمكن تفسير ظاهرة الدين ككل على المستوى التأملي. فيتم هنا مناقشة مصداقية المحتوى الديني. (ب) فلسفة الدين كنقد للغة تحلل خصائص اللغة الدينية. فيتم فحص بُناها وخصائصها أو وظيفتها اللغوية العامة. (ج) تتنافس فلسفة الدين كظاهرة أو كأنثروبولوجيا في تركيب  الشكل والمضمون للدين  بقصد تبرير الفعل الديني من حيث بنيته أو أساسه. (د) يتعامل النهج الديني الفلسفي مع الدين على أنه نظام نظري للقضايا أو تجربة قائمة على أساس أنثروبولوجي أكثر من كونه نظام عمل ذي وظائف اجتماعية. وعموما تتجادل الفروع ذات التوجه الفلسفي لعلم اجتماع الدين عندما تسأل عن الوظيفة الأخلاقية أو السياسية أو الاقتصادية للدين.

يوضح هذا أن هناك أربعة مناهج نموذجية لفلسفة الدين. وعليه سننظر في حجج بعض المفكرين الذين يدعمون هذه التيارات كأمثلة. تم صوغ النقد الفلسفي للغة الدينية، على سبيل المثال، بشكل أساس في التقليد الأنجلو ساكسوني. ويعتبر العمل المبكر لفيتغنشتاين أول نقطة مرجعية مهمة في هذا التقليد. ينادي فيتغنشتاين بالفصل بين ما يمكن قوله، والذي يجب تمثيله لغويًا بأكبر قدر ممكن من الوضوح، وتوضيح ما لا يمكن وصفه.[3] تبدأ اللغة الدينية بما لا يوصف وتريد التعبير عن تجربة العالم بالمعنى الصوفي. فهي تخاطب الدهشة البشرية من العالم الممكن من خلال القيام بذلك، وهو أمر غير متاح بشكل عقلاني، وكل ما يمكن القيام به هو الكشف عنه وإظهاره فقط. فمهمة الفلسفة، من وجهة نظر فيتغنشتاين، رسم الحدود بين الألعاب اللغوية ولكن على أن لا تُختزل إلى لعبة أخيرة أو لعبة لغة أولى.[4]

جاءت طروحات فيتجنشتاين في سياق نقاش الفلسفة التحليلية وسؤالها الرئيس: ما إذا كانت العبارات الدينية ذات مغزى على الإطلاق. فقد شكك النقاد في إمكانية التفكير المنطقي في الدين. دافع ألفريد آير، في أعقاب الوضعية المنطقية، على سبيل المثال عن حجة تؤكد على أنه لا يمكن دحض الافتراضات الدينية تجريبيًا وبالتالي فهي بلا معنى. [5]

حاول مفكرون آخرون الوقوف ضد مؤيدي فرضية لا معنى للعبارات الدينية، وذلك بعدم استبعاد اللغة الدينية ابتداءً وفهم خصوصيتها. إن أحد الأمثلة على ذلك هو عمل دونالد إيفانز الذي يفسر اللغة الدينية بوصفها فعل الكلام الأدائي. فيمكن، في رأيه، أن يكون فعل الكلام الديني عبارات ذا مغزى من قبل  الشخص الذي يتحث بها.[6] يميًز ريتشارد برايثويت نفسه أيضًا عن آير في هذا السياق من خلال التركيز على الوظيفة الأخلاقية للغة الدينية وتفسير العبارات الدينية بوصفها تعبيرات عن أسلوب حياة أخلاقي.[7] ويجادل ويزدم في أتجاه مشابه عندما يفسر الدين كنموذج  كلي لتفسير الواقع.[8] من ناحية أخرى، يعتبر إيان رامزي  الصور والتشبيهات الدينية هي عبارة عن نماذج تأويلية للواقع، فعبارة "الله موجود" ليست بيانًا لواقع حقيقي، بل هي تأويل لفهم الواقع أو تفسيره. وغالبًا ما تكون اللغة الدينية مثيرة للذكريات والتخيلات أو المشاعر القوية في الذهن. وتؤدي إلى مواقف يمكن فيها اختبار الرؤى الدينية واتخاذ قرارات معينة في الحياة على أساس هذه الأختبارات أو التجارب .[9]

يتضح من خلال هذه النظرة إلى الجدل الفلسفي الديني للفلسفة التحليلية للقرن العشرين ما يلي: تتميز العبارات الدينية باختلافات مميزة عن أشكال العبارات الأخرى (العلوم الطبيعية على سبيل المثال). يشير العديد من المفكرين، رداً على أطروحة عدم المعنى، إلى مجموعة متنوعة من وظائف اللغة الدينية، مثل تفسير الواقع، أو الوظيفة الأخلاقية، أو التأملية، أو الأدائية لهذه اللغة. لا ترتبط المواقف الدينية في هذه التفسيرات بموضوع معين بقدر ارتباطها بحياة المؤمن أو بالواقع ككل. تُفسر العبارات الدينية في الغالب، لأسباب ليس أقلها بسبب تلقي المنعطف البراغماتي من قبل جون أوستن وجون سيرل، على أنها أفعال كلمات، مما يجعل اللغة الدينية قضية ذات معنى. قد لا تعني الجملة "الله هو الخالق" أن الله خلق العالم في وقت معين x في فترة زمنية معينة y، ولكنها بالأحرى تعبير عن احترام الإنسان العميق للعالم. تشكل هذه الجمل مجتمعات دينية لغوية وفعلية أيضًا. فعادة لا يُختزل فهم الدين بالمعنى الواسع في موقف أو فضيلة واحدة ، لكنه هو الوحدة المعقدة لكلٍّ يدمج المواقف والمعتقدات والأفعال النظرية والعملية.

هناك خط آخر من التقاليد في فلسفة الدين الذي كان له تأثير كبير في القرنين التاسع عشر والعشرين أيضًا، هو التأمل الفلسفي في التعالي أو المتسامي. امتدح شلايرماخر في هذا التقليد الآراء التي ترسي نقطة ارتكاز الدين في الوعي أو المشاعر الدينية من ناحية. ومن ناحية أخرى، أن هناك مفاهيم دينية فلسفية تتلقى بقوة أكبر التحول أو الأنعاطف اللغوي للفلسفة التحليلية. وكان التأكيد في هذا السياق ايضًا على أهمية اللغة الدينية فيما يتعلق بفتحها آفاق جديدة للتجربة والتواصل في التفكير الفلسفي المتعالي في الدين. وهذا هو السبب في أن الأفكار المتعالية بصفتها مُنظماًت للعقل لم تعد تُعرف بالأشياء المتعالية، كما حاول اللاهوتيون بعد كانط أن يفعلوا. اتخذ إرنست كاسيرا خطوة مهمة أخرى في هذا التحول في التفكير الفلسفي المتعالي عن الدين من خلال نظريته للأشكال الرمزية في النصف الأول من القرن العشرين[10] حيث فسير الدين بواسطة التعبير عن ترتيب التجارب الذاتية للإنسان من خلال أشكال رمزية. إن فهم الدين بالمعنى الفلسفي المتعالي، حسب كاسيرا، يعني "الكشف عن الخصائص البنيوية  للفعل الديني ومن هناك لوصف بنية عالم الخبرة الديني. فإذا نجح ذلك، يمكن اشتقاق معايير ما هو صالح بطريقة دينية خاصة منه.

هناك أيضًا خروج مهم عن علم اللاهوت ما قبل الحداثة في جميع المناهج الفلسفية لإعادة التأهيل الأربعة (من أ إلى د) : لم يعد يُسمح للبحث في فلسفة الدين ببساطة اليوم، التسليم بالافتراضات الأساسية للإيمان، فعليه أن يبرهن أو يُثبت نفسه آزاء مختلف أنواع  نقد إعادة التأهيل. فلا يبرر مجرد حقيقة وجود التدين والدين ادعاءه بالحقيقة والصلاحية، ولهذا السبب تطلب فلسفة إعادة التأهيل فهمًا مقنعًا ومبررًا للدين.

يُناقش، في هذا السياق، أيضًا، إلى أي مدى يمكن جعل الدين موضوعًا للتفكير العلمي. تتحول هذه المناقشة، من حيث الجوهر، إلى مسألة ما إذا كان يمكن للمرء أن يفكر بشكل معقول في شيء  يتجاوز بحكم طبيعته العقل في النهاية. ويتعلق الأمر أيضًا وقبل كل شيء بمسألة حساسية الدين، التي أصبحت نقطة محورية للجدل في العصر الحديث تحت عنوان الايمان والمعرفة.

يعكس هذا النقاش حول العلاقة بين الايمان والمعرفة تحولًا في العلاقة بين الدين والفلسفة في سياق الحداثة أيضًا. فمن ناحية، تم فصل الاثنين عن بعضهما على طول الحدود بين الإيمان والمعرفة في العصر الحديث؛ ومن ناحية أخرى، أنهم مرتبطون نظريًا ببعضها عندما يتعلق الأمر بتأسيس مفهوم موسع للعقل العام متحررًا من قيود الوضعية العلمية أو المذهب الطبيعي في المعرفة.

لقد أصبح التركيز الفلسفي الجديد على الدين ممكنًا الآن مرة أخرى بعد إعادة صوغ فهم العقل كنتيجة لنقد العقل، والذي ظهر كرد فعل للتأكيد على العقل في الفلسفة الحديثة.  يشير فلاسفة مثل أدورنو وهوركهايمر، على سبيل المثال، إلى هذه الخطوة، لأن "أزمة العقل التي اعترف بها كلاهما في ضوء ديالكتيك التنوير هي الشرط الأساس لمنعطف ديني فلسفي في فلسفة القرن العشرين، والذي نتج عنه تعريف جديد للعلاقة بين الدين والفلسفة.

يعتبر هوركهايمر الفلسفة والدين، على الأقل في التقليد الديني الذي يحدده " اللاهوت السلبي"، شكلاً من أشكال التنوير والنقد الفعاًل، دون إعطاء أحدهما مكانًا للآخر. ويدرك أنه في حالة الفلسفة ونقد الدين، تقف الفلسفة والدين في علاقة جديدة مع بعضهما البعض. يقدم ماكس هوركهايمر مع التأملات النقدية في فلسفته المتأخرة نظرية نقدية للثقافة والدين، والتي ما يزال تطويرها مطلبًا مفتوحًا حتى يومنا هذا.

يتمتع اللاهوت السلبي خاصة بعد فلاسفة مثل هوركهايمر وأدورنو بشعبية متزايدة في فلسفة الدين بعد إعادة بناء خطابها الحالي؛ حيث أصبحت الأفكار المركزية من تقاليد اللاهوت السلبي مثمرة في المناقشات الحالية حول فلسفة الدين. ولاسيما مع أدورنو حيث يلفت الانتباه إلى المعنى اللاهوتي للتفكير الجدلي السلبي.[11] فيعتبر إرث  أدورنو سببًا في الأهمية التي يلعبها اللاهوت السلبي في تفسير الدين اليوم.

ميزت فلسفة الدين وعلم اللاهوت (القرون الوسطى) ورسخت نفسها جنبًا إلى جنب في سياق الحداثة. يتعرض كلاهما للمزيد من الأسئلة حول الدين. تظهر الفلسفة الدينية نفسها كخطاب فلسفي متماسك إلى حد كبير حول الدين. عادة ما ينطوي المفهوم الناشئ حديثًا حول الدين على فهم واسع للتدين واللغة الدينية. كيف يبدو هذا الخطاب متعدد الأصوات عن الدين اليوم وأي منها يمكن أن يكون أكثر إقناعًا ذلك ما يتطلب توضيحه بعد إعادة بناء مجال الخطاب. سوف نلقي في الدراسة القادمة نظرة فاحصة على الفلسفة السياسية وتفسيرات الدين السائدة فيها.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

....................

[1] ومع ذلك، إن تأمل كانط في الدين موجه بشكل إيجابي نحو الدين على الرغم من كل نقده للميتافيزيقيا بشكل عام واللاهوت بشكل خاص. وبصرف النظر عن هذا الخط من التفسير "الودي تجاه الدين"، ظهرت في القرنين التاسع عشر والعشرين أنواع مختلفة من النقد المكرس للدين، النقد الذي يفسر المعتقدات الدينية على أنها هي مجرد سطح لإسقاط الإنسان لأوهامه. لقد أصبح لودفيغ فيورباخ مثالًا رئيسيًا على هذا النقد الذي يصف الدين بأنه موضوع يريد الإنسان من خلاله أن يكون مثاليًا وأن يُسقط رغباته وأوهامه هذه تحت اسم  الله ( أنظر: فيورباخ، جوهر المسيحية، ترجمة جورج برشين، دار الرافدين، بيروت، 2017.

[2] Vosmann, F. (2000). God as Friend: Vattimo's Challenge to Catholic Theology. In: Contributions -Journal of Philosophy and Theology (61/4) 412-436.

[3] أنظر:

فتجنشتاين، لودفيج ، رسالة منطقية فلسفية، ترجمة عزمي اسلام، ىفاق للنشر والتوزيع، بيروت، 2021. 4.

[4] Felicity McCutcheon, Religion Within the Limits of Language Alone: Wittgenstein on Philosophy and Religion, ‎ Routledge; ch 4.

[5] أنظر:

A.J. Ayer Language, Truth and Logic,Penguin Modern Classics, 2001.

[6] Evans, D. D. (1963). The Logic of Self-Involvement. A Philosophical Study of Everyday Language with Special Reference to the Christian Use of Language about God as Creator. London.

[7] Braithwaite.Richard B.,An Empiricist's View of the Nature of Religious Belief, Hassell Street Press, 2021.

[8] https://www.jstor.org/stable/24457431

[9] Ramsey, I. T. (1957). Religious Language. An Empirical Placing of Theological Phrases. London

[10] Cassirer, E., The Philosophy of Symbolic Forms,  Routledge, 2020.

[11] Adorno Theodor W.  Negative Dialectics, Continuum,. 1981.

 

 

سامي عبد العالربما تاريخ العقل هو أكبر عائق أمام التفكير العقلاني الحُر. والقضية ليست نكتةً ساخرة، لكنها في النهاية "أبنية ثقافية"cultural  structures  تكبل الفكر بغطاءٍ غليظٍ. تمنع تأسيس موضوعاته بشكلٍّ جديدٍ أو مختلفٍ، بل تقف عائقاً أمام ابداع صورٍ متنوعة من العقلانيات. فالأخيرةُ أكثر روغاناً مما نعرف في تجلياتها المباشرة، لأنها تأتي بصيغة الجمع لا الإفراد. لو جاءت العقلانية واحديةً، فهي تناقض ذاتها وتعلن موتاً محققاً لِمَا تُنادي به. كما أنَّ نمط العقلانية يتواطأ مع تقاليد الأديان والمذاهب والهويات لتجميد الخيال. فلا يمر عصرٌ من العصور إلاَّ وتتحالف مفاهيم العقل خلاله مع الثقافات السائدةِ. لتأخذ قوتَّها الغالبة من عنف الأنماط الكلية للتفكير والاتجاهات السياسية المسيطرة. إذ ذاك يتخفى العقل زاعماً أنَّ بدائله المتاحة تقوم بأدواره الحُرَّة!!

قد يبدو أنَّ تحطيم العقلانية ضربٌ محقق من الجنون. لكن حينما يعيها العقل نقدياً كـ" صدَّفةٍ مقوَّاة " مضروبة باغلاقٍ حولّه إنما يعي ذاته المتكلسة. هنا لا بد له من جُموح طافح بالتمرد، لا بد له من مسار ثوري غاص بالاختلاف الجذري. حتى يمزِّق أردية الثقافة على قارعة العواصف والأنواء، وحتى يسلخها سلخاً من خلال طاقاته الحية إزاء جوانب الحياة. العقل باستمرار يحتاج جنوناً جامحاً يسكنه، يخرِّب أركان قصوره المنيفة، يسهر على تحطيم أبراجه العالية. على أن يقبع الجنون داخل العقل كنقيق الضفدع في أوحال الأرض. فدائماً لا يُجن أي شخصٍ من الخارج، لكنه ينحرف فكرياً بواسطة قدراته. جنونه أنْ يقلب أضابير نفسه وجوانبها ليلاً ونهاراً، أنْ يتخلخل، أنْ ينهار، أنْ يتداعى، كأنَّه داخل سرك بشري مفتوح مشاهداً كافة الحقائق تتقلب عن كثب.

إنَّ تمثيل هذه المسألة بمشاهد الطبيعة ربما أكثر دلالة في هذه الأوقات. فالأفكار كالطيور.. لا تخطئ الحركة والانتقال من مكان إلى مكان. ولئن شعرت بالقيودِ، فلا تمل القفز انفكاكاً من أسرها وإذا تمَّ الامساك بها تصاب بالذبول والخمود. لتظهر منكمشةً في هيئة ورقية ضعيفة. هي عندئذ تتطلب رياحاً تقلها هنا أو هناك. ولئن نهضت، فلا تغرد،  ولا تنثر نغماتها إلاَّ في الهواء الطلق. وما إن تقفز حتى تحلِّق بملء أجنحتها. أقول مجدداً الأفكار مثلها مثل الطيور لا تستقر داخل الأسوار الثابتة إلاَّ لماماً. هي تتغذى بالطريقة نفسها من خشاش الحياة والأحداث والتاريخ. ذلك يضع حدود العقل قيد الشك.. فما هي تلك الحدود؟ بل هل توجد آفاق له أصلاً؟ وكيف يقطن الإنسان ثقافةً هي الوجه المقلوب للجمود العقلي؟!

تنطلق الأفكار المبدئية كانطباعات، هواجس، حدوسات، مواقف، سوى أنَّ المفاهيم الجارية تحنطها إلى درجة الجمود. عندئذ تُكفن، تدخل مقابر الثقافة، وتتحلل انتظاراً لبعث آخرٍ. لأنَّها تخضع لقوالب جاهزةٍ تحت شروط الإدراك المتعين اجتماعياً وثقافياً. ويجري انتاجُها في صورة المعاني المتعارف عليها. والصورة المنتقاة عبارة عن إطارٍ معرفي يعطيها ثبات الاعتقاد إزاء عالم لا يكف عن التغير.

حركة التفكير إذن هي عملية اخراج الأفكار من الأجداث، من الأكفان كي تمارس حياة وغياباً في اللا حدود مرةً بعد مرة. لتمضي عمرها كله بحثاً عن سكناه. وقد تتخلق كما تتخلق اليرقات، وتتعدد في أشكال لا تنتهي. ولكن الفكر لا يقف فارغاً إنما يتعلق بتأسيساته القصوى. ولذلك ما لم ينغرس جذوره في الأرض خارجاً بكل غرابته لن يكون ثرياً. فالنباتات الوارفة تضرب في تربه غنية الطباق. أنْ تنبت البذور والأشجار يعني أنْ تتفتق الأفكار بكل قوتها الجامحة.

لكن المجتمعات العربية تدفن الأفكار ثانيةً، تحوطها بالأسوار الشائكة من عصر إلى آخر. وغالباً ما تصنع لها أقفاصاً حديدية لكيلا تناوئنا بشكلٍّ أكثر حيوية. ربما ذلك خوفاً من المجهول أو تحسباً لوطأة المستقبل. توثق الأمثال الشعبية قمعاً ثقافياً كهذا القمع. يقول إحداها: " اللي تعرفه خير مما لا تعرفه". في علاقةٍ آثمة معرفياً بما هو مغاير. لأنَّ التربية ترتد إلى الوراء لدرجة الاختلال. كلُّ شيءٍ يقول كُّن كما كان الآباءُ. يجب عليك ألاَّ تنظر إلى سواه. وأنْ تفطن وتكرر أمراً مألوفاً خير لك من معضلات الشيء الجديد، فلربما يأت عاصفاً بكل احتمالاته التي لا تقدر عليها!!

وصيغة التفضيل في المثل السابق ذات نبرة دينية لا يخطئها الوعي. فالخير غلاف لاهوتي تصنيفي للأفعال المفضلة. وهو يفترض الطرف الآخر تلقائياً بمجرد إطلاقه في الهواء، أي الشر. فما لا نعرفه يعد شراً على طول الخط حتى قبل أن نعرفه!! لا لشيء إلاَّ لكونه سيئاً ومجهولاً. إنه الحكم المطلق المدعوم بكل مبررات دينية ممكنة. والخلط كذلك واضح بين المعرفة التي تحتم الضرب في المجهول شقاً للدروب غير المطروقة وبين الاقتراب من مجهول الشر. وفي القرآن آية دالة توضح ذلك" يا أيها اللذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إنْ تبدى لكم تسؤكم". والتناظر في المعنى لا يجانب الفهم. لكن التحول الثقافي  للمعاني من المستوى الديني إلى المعرفي أفشل الاتيان بالجديد والمختلف ووقف حائلاً دون المغامرات النزقة.

مثل شعبي آخر: "عصفور في اليد خير من ألف على الشجرة". وليس أكثر ضيقاً من قبض اليد على الريح بينما العالم يتغير حولنا بلا توقف. لأنك قد تمتلك أفكاراً معينة. وفي هذه الحالة ليست مهمةً بقدر إراحة العقل من الأسئلة القلقة والمحيرة. لذلك يبدو أن ما باليد محض وهم ما بعده وهم. لأنَّه خيط دخان لن يجدي معه شيء. فالعقل العربي يتكون وهمياً حول مسلمات وعادات وتقاليد. ويرتعد من اجتراح آفاق مختلفة. وحتى إذا وجد مناخ العالم ثرياً باتجاهاته لا يحاول اقتحماً إلاَّ مناورة عائدا للخلف.

أمَّا المثل الأكثر دلالة فهو" القرش الأبيض ينفعُ في اليوم الأسود". حيث حكمنا على غدنا الآتي في قادم الأيام بالسواد. وما يجري به الحُكم قد تأتي به العادة. وذلك تحسباً لانطلاق الأفكار من الأسر والتوليف على أفكار الجيران فتنتشر الفضائح. تتزاوج بمنأى عن عيوننا التي لا نكاد نرى بها شيئاً. وفوق ذلك نريدها أفكاراً عذراء لم يمسسها بشر!! أليس ذلك تصوراً فضائحياً حول الفكر؟! نحن نحجم عن الحوار وتلقيح الأفكار، لأنَّ تلك حادثة شرف كحوداث الشرف التي لا تخلو من ضحايا! إنه التصور الاخلاقي الذي يجرِّم علاقات الحب والعشق والصداقات. ومنها يحرِّم اختلاط الأفكار حتى تعود بريئة نقية خالصة لما ورثنا. كما هو تحريم اختلاط الفتيات بالشباب. فكان الحل هو الحرملك الاجتماعي الديني. وقد انتقل إلى الأفكار العامة في السياسة والدين والمعرفة. إنه حرملك ميتافيزيقي بحجم الأرض والسماء.

تلك الإرادة العامة القمعية مستحيلة المنال. لأنه لا توجد- إلى حد الخرافة- أفكار بكر، جرياً مع رأي الجاحظ إن المعاني (ومن ثم الأفكار والمفاهيم والتصورات) منثورة في العراء أمام التفكير البشري. إنها طوع أي عقل وقد مرت من إنسان إلى آخر، ومن مجتمع إلى غيره ومن ترحال إلى ترحال سواه، ومن حياة إلى موت، ومن موت إلى حياة. لكن المهم عند الجاحظ هو جودة اللفظ وحسن السبك.

وحتى هذا الوضع لم تحسنه الثقافة العربية إلاَّ صخباً (كثرة المحسنات البديعية. كالسجع، الجناس، الطباق، التي تغرق التراث الأدبي والشعري والديني). ولم تصُغه القرائح إلاَّ عنفاً (صيغ المبالغة، تورم الأسماء وتضخم أوصاف الرجال والأزمنة والأمكنة الدينية والمقدسة). ولم تمارسه إلاَّ قهراً (كألقاب الحكام في التاريخ العربي التي تُسند إلى إرادة إلهية.. الحاكم بأمر الله، المقتدر بالله، المعتصم بالله...)). وعلى افتراض التسليم بذلك، فالأفكار تختلف خلال صخبها الوبائي أيضاً. لأنَّ الفكرة الواحدة لا بد أنْ تتباين حتى داخل نفسها، ذلك كبذرة نباتية تنقسم إلى فلقتين.

فإذا بنا نكتشف أنَّ الأفكار عالم متناقض قائم بذاته. وإذا اعدنا التفكير فيها ستحدث تحورات في شكلها المعهود. عندئذ أصبحت فكرة ثانيةً تردد أصداء الفكرة الأولى. وريثما يتم التحدث عن الفكرة ذاتها مرةً غيرهما فقد أمست ثلاثاً. إذن ستكون فكرة متراكمةً مع ذواتها المتعددة. كالجذمور لدى جيل دولوز، لا نعرف أية أصل جذري واحد للإنبات من خلاله. الجذمور باللاتينية: rhizoma عبارة عن ساق تنمو أفقياً تحت الأرض يستعملها النبات للانتشار والتعشب والامتداد. ومن خلاله تتكون نباتات جديدة تطلق جذوراً أخرى. ويتميز بسيقان عند العقد المفصلية مثل الأعشاب الأرضية والنباتات النجيلية. وهكذا الفكرة كائن غريب ينمو وتظهر جانبها القابلة لذلك. وجميع مفاصلها تنزع نحو التحرر والاندلاق.

تعيش الطيور في الطبيعة حرة، وعلى منوالها تعيش الأفكار في التاريخ إن صح ذلك. تعطي الأولى للطبيعة امتلاءها الصاخب بينما تمنحه الأفكار للتاريخ. صحيح أن أصوات الطور والأفكار غير متناغمة، سوى أنها تتآلف مرة وتتناحر مرات. فالأفكار تتخلق في هيئة الطيور والطيور تحط على أسوار العقل كالمعاني الشاردة. وقد يكون للأصوات رتم نغمي. ومع ذلك سيظل متنوعاً إننا عندئذ نسمع لحناً بولوفونياً polyphonic متعدد المستويات والنغمات.

إذا كانت مقولة هيدجر: "وحدها الغابة السوداء تلهمني" عبارة بارزةً فلسفياً، فإنه يترجمها بمشهد مماثل. ولنا أن نتتبع تنوع المعاني بعمقها الوجودي: " لا أتأمل المنظر الطبيعي المحيط بي بالمعنى الحرفي للكلمة، أنا أحس نبض تحولاته من ساعةٍ إلى أخرى، ومن غسق الليل إلى تجلي النهار، خلال تعاقب الفصول. إنَّ ثقل الجبال وصلابة صخورها القديمة، والنمو الحذر للأشجار، والبهاء المضيء للحقول المزهرة، وأغاريد الطيور المحلقة وهمس السيول في ليالي الخريف، والبساطة الصارمة لمساحات مغطاة بالثلوج، جميعها تتسرب إلى الحياة اليومية، وفيها تتجمع وتتراكم وتتموج".

أمَّا أخطر الأمور أن نعتقد كون الأفكار راسخة بإطلاقها دونما نقد. مثلما يقال عن قطعة المعدن حين نمسكها بين أصابعنا. إنها شديدة الصلابة. فحتى هذا الاعتقاد الأخير ليس صحيحاً. أشار عالم الفيزياء آرثر إدنجتون أن الأشياء المادية التي نراها ليست إلاَّ ذرات سابحة في أثير من الفضاء. وأن أكثر المواد خداعاً ما نقبض عليه بقوة، بيد أنه ينسل من أصابعنا كما ينسل الماء. إذن لا مفر من اختلاف الأفكار كاختلاف الكائنات الطبيعية واختلاطها ببعضها البعض. وأن تحدث لها انحرافات في الوظائف كحال التحورات في الوظائف التشريحية للكائنات، إلى أن تظهر كائنات جديدة منها. فالفكرة التي نأخذها عن شيء حياتي قد لا تكون صحيحة تماماً طالما يأخذ أشكالاً، وطالما أنه متاح لأي إنسان . وإلاَّ لأضحت إيماناً وعقيدة!! وهذا مستوى آخر يحتفظ بتناقضه، أي يتكرر حتى يمكن التسليم به.

لهذا قد تتجمع الأفكار في أشكال نسقية وشبه علاقية. كما تتجمع الطيور في اسراب وتتمايل وتنفرط. ولربما تنزلق هنا أو هناك دون رابط، كما تتناثر نقوش التاريخ وبقايا الأحداث وآثار الحياة وأصداء الأخيلة. فعلى القارئ أن يعيشها مثلما عاشت. وهو إذ يفعل فلن يزيدها إلا تنوعاً وفيضاً. لسبب يبدو مذكوراً منذ قليل أن الأفكار تتحول، تمر بتجربة بنوعية على صعيد الفرد الواحد فما بالنا بالمجتمعات. إذ تطرحها بصيغ الجمع. دوماً الأفكار في حالة جمعٍ. وما دامت كذلك، فلعلَّها تمحُو عوالق الانغلاق المقيت الذي قد يُرهن وجوده بفكرةٍ غير موجودةٍ.

 

د. سامي عبد العال