 شهادات ومذكرات

أنور الجندي.. عالم ومفكر لا أؤمن بأفكاره ولكن أحترم قلمه

محمود محمد عليلا أنسي ذلك الموقف الصعب الذي عاشه أستاذنا الدكتور عاطف العراقي وهو يُحاكم أمام القضاء المصري في منتصف القرن المنصرم، بتلك التهمة التي لصقت به جراء اتهام الأستاذ أنور الجندي له بإذراء الأديان ونقد الدين الإسلامي، تحت شعار التجديد في المذاهب الفلسفية والكلامية، والثورة العقلية في الفلسفة العربية، والمنهج النقدي في فلسفة ابن رشد، والعقل والتنوير في الفكر العربي المعاصر، والفلسفة العربية والطريق إلى المستقبل، علاوة علي الدعوة إلى التأسيس لمشروع حضاري للأمة العربية، ينبغي أن يكون قائماً على العقل، بحيث نطرد من خلاله كل فكر رجعي، ونحذف تماما كل فكر لا معقول، يعبر عن التخلف لا التقدم..

كلنا جميعا وقفنا مع الدكتور عاطف العراقي نؤيده ونؤازره ونتذكر نفس السيناريو الذي عشناه مع الدكتور نصر حامد أبو زيد والدكتور عبد الصبور شاهين، وبفضل الله خرج الدكتور العراقي من محنته بالكلمة التي أعلن فيها القاضي أن عاطف العراقي بريء من كل التهم التي ألصقها به الأستاذ أنور الجندي، ومنذ تلك اللحظة كرهت الأستاذ الجندي وكرهت أفكاره التي يدعو فيها إلي نقد الحضارة الغربية ونقد المستشرقين وكرهت نقده الشديد للدعوة إلى الانفتاح على العالم الغربي والمشاركة في ثقافة العصر بكل تياراتها، كما كنت آخذ عليه كثيرا مساندته الشديدة لجماعة الإخوان المسلمين ومدحه الشديد للدولة الدينية علي حساب الدولة المدنية، وامور أخرى كثيرة.

وبرغم ذلك كنت أحترم الأستاذ أنور الجندي وأقدره بوصفه أنه كان نموذجا للمفكر الإسلامي المشاكس والباحث المتجرد شديد العمق، والواسع العطاء الذي  لا يتطلع إلى أي شيء في الحياة غير أمر واحد، هو أن يقول كلمته ويعيش لفكرته التي جند لها كل ما أتاه الله من مواهب وقدرات، وعمر وفهم وحياة.

كذلك كنت أحترم أنور الجندي في كونه أنه كان من كبار الباحثين المصريين الذين اعتادوا المعارك الفكرية وذلك من خلال النبش فيما هو مسكوت عنه عند الآخرين الذين يهاجمهم بضراوة، والخروج بأفكار نقدية جديدة غير معتادة، مما عرضه للدخول في معارك حامية الطويس مع رجال العقل والتنوير من أمثال طه حسين، واسماعيل مظهر، وأمين الخولي، وتوفيق الحكيم، وزكي مبارك، وشبلي شميل، وعبد العزيز فهمي .. الخ.

ولا أحد ينكر علي الأستاذ أنور الجندي أنه كان الرجل موسوعيا في المطالعة والتحصيل، ويكفي أنه أثرى المكتبة العربية والإسلامية بأكثر من مائتي كتاب، أكرر، مائتي كتاب، في الأدب العربي والفكر الإسلامي وقضايا التغريب والأصالة والدفاع عن هوية الأمة وشخصيتها التاريخية وحضارتها ودينها،  ويكفينا هنا أن نذكر هذه السطور من كلامه التي تدلل عل ذلك يقول رحمه الله:قرأت بطاقات دار الكتب، وهي تربو على مليوني بطاقة، وأحصيت في كراريس بعض أسمائها. راجعت فهارس المجلات الكبرى كالهلال والمقتطف والمشرق والمنار والرسالة والثقافة وأحصيت منها بعض رؤوس موضوعات، راجعت جريدة الأهرام على مدى عشرين عاماً، وراجعت المقطم والمؤيد واللواء والبلاغ.. والجهاد وغيرها من الصحف، وعشرات من المجلات العديدة والدوريات التي عرفتها في بلادنا في خلال هذا القرن، كل ذلك من أجل تقدير موقف القدرة على التعرف على (موضوع) معين في وقت ما".كما كان له موقع محدد بدار الكتب لا يغيب عنه إلا لضرورة. وليس أدل على هذا من أن بيت الأستاذ أنور الذي توفي به يعد عند المشاهدة لكل غرفه وطوابقه دائرة معارف متنوعة في شتى الشئون والفنون. .

وحتي لا أتهم بعدم المهنية العلمية لعدم اتفاقي مع فكر الأستاذ أنور الجندي فلابد لحكم كوني ارتديت عباءة كاتب السير أن أكتب عنه كما هو مدون عنه، حيث يقال عنه أنه ولد عام 1917 بقرية ديروط التابعة لمركز أسيوط بصعيد مصر، ويمتد نسبه لعائلة عريقة عُرفت بالعلم، فجده لوالدته كان قاضياً شرعياً يشتغل بتحقيق التراث، وكان والده مثقفاً يهتم بالثقافة الإسلامية، وكان "أنور" – الذي تسمى باسم "أنور باشا" القائد التركي الذي اشترك في حرب فلسطين والذي كان ذائع الشهرة حينئذ – قد حفظ القرآن الكريم كاملاً في كتَّاب القرية في سن مبكرة، ثم ألحقه والده بوظيفة في بنك مصر بعد أن أنهى دراسة التجارة بالمرحلة التعليمية المتوسطة، ثم واصل دراسته أثناء عمله، حيث التحق بالجامعة في الفترة المسائية ودرس الاقتصاد وإدارة الأعمال، إلى أن تخرج في الجامعة الأمريكية بعد أن أجاد اللغة الإنجليزية التي سعى لدراستها حتى يطلع على شبهات الغربيين التي تطعن في الإسلام.

بدأ "أنور الجندي" الكتابة في مرحلة مبكرة حيث نشر في مجلة أبولو الأدبية الرفيعة التي كان يحررها الدكتور أحمد زكي أبو شادي عام ١٩٣٣ م، وكانت قد أعلنت عن مسابقة لإعداد عدد خاص عن شاعر النيل حافظ إبراهيم، فكتب مقالة رصينة تقدم بها وأجيزت للنشر، وكان يقول: «ما زلت أفخر بأني كتبت في أبولو وأنا في هذه السن - ١٧ عاماً - وقد فتح لي هذا باب النشر في أشهر الجرائد والمجلات آنئذ مثل البلاغ وكوكب الشرق والرسالة وغيرها من المجلات والصحف".

وتُشَكِّلُ سنة ١٩٤٠ م علامة فارقة في حياة الأستاذ أنور الجندي، وذلك عندما قرأ ملخصاً عن كتاب «وجهة الإسلام» لمجموعة من المستشرقين، ولفت نظره إلى التحدي للإسلام ومؤامرة التغريب، وهو يصف ذلك بقوله: «وبدأت أقف في الصف: قلمي عدتي وسلاحي من أجل مقاومة النفوذ الفكري الأجنبي والغزو الثقافي، غير أني لم أتبين الطريق فوراً، وكان عليّ أن أخوض في بحر لجي ثلاثين عاماً .. كانت وجهتي الأدب، ولكني كنت لا أنسى ذلك الشيء الخفي الذي يتحرك في الأعماق .. هذه الدعوة التغريبية في مدها وجزرها، في تحولها وتطورها".

وهكذا بدأ "أنور الجندي" بميدان الأدب الذي بلغ اختراقه حداً كبيراً، حيث كان أكثر الميادين غزواً في حينها وأعلاها صوتاً وأوسعها انتشارًا، فواجه قمم هذا الميدان، مثل «طه حسين» و"العقاد" و"أحمد لطفي السيد" و"سلامة موسى" و"جورحي زيدان" و"توفيق الحكيم» وغيرهم، وأقام الموازين العادلة لمحاكمة هؤلاء في ميزان الإسلام وصحة الفكرة الإسلامية، فأخرج عشرات الكتب من العيار الفكري الثقيل مثل: "أضواء على الأدب العربي المعاصر"، و"الأدب العربي الحديث في معركة المقاومة والتجمع والحرية"، و"أخطاء المنهج الغربي الوافد"، و"إعادة النظر في كتابات العصريين في ضوء الإسلام»، خص منها «طه حسين» وحده بكتابين كبيرين، هما: "طه حسين وحياته في ميزان الإسلام"، و"محاكمة فكر طه حسين"؛ ذلك لأن "الجندي" كان يرى أن "طه حسين" هو قمة أطروحة التغريب، وأقوى معاقلها، ولذلك كان توجيه ضربة قوية إليه هو قمة الأعمال المحررة للفكر الإسلامي من التبعية، وخلال ذلك كان يتحرى الدقة والإنصاف، فقد جاءت كتاباته الرصينة منصفة في الوقت نفسه لأصحاب الفكرة الإسلامية الصحيحة من أمثال «مصطفى صادق الرافعي" و"علي أحمد باكثير" و"السحار" و"كيلاني" و"محمود تيمور" وغيرهم من أصحاب الفكر المعتدل والأدب المتلزم.

وقد أخذ "الجندي" على نفسه وضع منهج إسلامي متكامل لمقدمات العلوم والمناهج، يكون زادًا لأبناء الحركة الإسلامية ونبراساً لطلاب العلم والأمناء في كل مكان؛ فأخرج هذا المنهج في ١٠ أجزاء ضخمة يتناول فيه بالبحث الجذور الأساسية للفكر الإسلامي التي بناها القرآن الكريم والسنة المطهرة، وما واجهه من محاولات ترجمة الفكر اليوناني الفارسي والهندي، وكيف انبعثت حركة اليقظة الإسلامية في العصر الحديث من قلب العالم الإسلامي نفسه - وعلى زاد وعطاء من الإسلام - فقاومت حركات الاحتلال والاستغلال والتغريب والتخريب والغزو الفكري والثقافي .. ويذكر أن هذه الموسوعة الضخمة تعجز الآن عشرات المجامع ومئات المؤسسات والهيئات أن تأتي بمثلها، أو بقريب منها، وكان للقائه بالشيخ «حسن البنا» أثر في إخراج تلك الموسوعة.

كذلك كانت من القضايا الرئيسية التي شغلت حيزاً كبيراً من فكره، هي قضية تحكيم الشريعة الإسلامية، حيث كان يقول: «أنا محام في قضية الحكم بكتاب الله، ما زلت موكلاً فيها منذ بضع وأربعين سنة»، وقد صنف «الجندي» ما يربو على مائتي كتاب وأكثر من ثلاثمائة رسالة في مختلف قضايا المعرفة والثقافة الإسلامية، ومن أهم كتبه: "أسلمة المعرفة»، و"نقد مناهج الغرب"، و"الضربات التي وجهت للأمة الإسلامية"، و"اليقظة الإسلامية في مواجهة الاستعمار"، و"أخطاء المنهج الغربي الوافد"، و"تاريخ الصحافة الإسلامية"، ومن إسهاماته أيضا كتاب "الصحافة والأقلام المسمومة" الصادر عن دار الاعتصام لعام ١٩٨٠ م وفيه يحمل على منهج بعض الصحف المصرية في نشر ما أسماه «منهج زعزعة أسس المجتمع الإسلامي" في الفترة ما بين نكبة ١٩٤٨ م ونكسة ١٩٦٧ م كما يتضح من عنوان الكتاب الفرعي وكان آخر كتبه هو كتاب «نجم الإسلام لا يزال يصعد»، وقد أوصى قبل وفاته بأن يتم تصنيف كتبه ومكتبته كلها، ثم دفعها لمؤسسة إسلامية تقوم بطرح هذه المكتبة للجمهور من القراء والباحثين للاستفادة منها، وقد شدد على أن كل تراثه الفكري يجب أن يكون وقفاً للمسلمين.

وقد حصل الأستاذ «الجندي» على جائزة الدولة التقديرية عام ١٩٦٠، وشارك في العديد من المؤتمرات الإسلامية التي عقدت بعواصم العالم الإسلامي في الرياض والرباط والجزائر ومكة المكرمة والخرطوم وجاكرتا. كما حاضر في عدد من الجامعات الإسلامية مثل جامعة الإمام محمد بن سعود، والمجمع اللغوي بالأردن.

ومع كل هذا الجهد والنبوغ الذي جعله يتبوأ مكانة مرموقة بين كبار المفكرين والمدافعين عن الإسلام، إلا أنه كان زاهداً في الشهرة والأضواء وعاش رجلاً بسيطاً لا يعرف الثراء ولا الترف في المسكن أو الملابس وغير ذلك من أمور الحياة، وكان مع ذلك عفيفاً لا يقبل شيئا على محاضراته وأفكاره، بل حتى الجوائز التقديرية كان يرفضها ويأباها، وكان عندما يسئل عن ذلك يقول: «أنا اعمل للحصول على الجائزة من الله ملك الملوك»؛ ولهذا كان زاهداً في الأضواء وفي الظهور، ولم يكن يحبذ اللقاءات التلفزيونية أو الفضائية، وكان كل همه التأليف، وكان يدعو ربه دائماً بأن يعطيه الوقت الذي يمكنه من كتابة ما يريد؛ ولذلك فإن مشاركاته في الفضائيات كانت قليلة جداً تكاد تقتصر على بعض التسجيلات في أبو ظبي والرياض.

كان الاستاذ أنور الجندي يميل في كتاباته إلى التسهيل والتبسيط، وتقريب الثقافة العامة لجمهور المتعاملين دون تقعر أو تفيهق أو جنوح إلى الإغراب والتعقيد، فكان أسلوبه سهلا واضحا مشرقا.

وكان الاستاذ الجندي لا يميل إلى التحقيق والتوثيق العلمي، فلم تكن هذه مهمته، ولم يكن هذا شأنه، ولذلك لا ينبغي أن يؤخذ عليه أنه لا يذكر مراجع ما ينقله من معلومات، ولا يوثقها أدنى توثيق، فإنه لم يلتزم بذلك ولم يدَّعِه، وكل إنسان يحاسب على المنهج الذي ارتضاه لنفسه، هل وفَّى به وأعطاه حقه أو لا ؟ أما لماذا لم يأخذ بالمنهج العلمي، ألعجز منه أو لكسل، أو لرؤية خاصة تبناها وسار على نهجها؟

يبدو أن هذا الاحتمال الأخير هو الأقرب، وذلك أنه لم يكن يكتب للعلماء والمتخصصين، بل كان أكثر ما يكتبه للشباب، حتى إنه حين كتب موسوعته الاسلامية التي سماها "معلمة الاسلام" وجمع فيها (99) تسعة وتسعين مصطلحا في مختلف أبواب الثقافة والحضارة والعلوم والفنون والآداب والشرائع، جعل عنوان مقدمة هذه المعلمة "إلى شباب الاسلام"، وقال في بدايتها: "الحديث في هذه المعلمة موجه إلى شباب الاسلام والعرب، فهم عُدة الوطن الكبير، وجيل الغد الحافل بمسؤولياته وتبعاته، وهم الذين سوف يحملون أمانة الدفاع عن هذه العقيدة في مواجهة الأخطار التي تحيط بها من كل جانب، فمن حقِّهم على جيلنا أن يقدم لهم خلاصة ما وصل إليه من فكر وتجربة .. وأن نعبِّد لهم الطريق إلى الغاية المرتجاة .. هذه مسؤوليتنا إزاءهم، فإذا لم نقم بها كنا آثمين، وكان علينا تبعة التقصير" .

وفي مساء الاثنين 13 ذي القعدة سنة 1422 هـ الموافق 28 يناير 2002م تُوفي أنور الجندي عن عمر يناهز 85 عاماً قضى منها في حقل الفكر الإسلامي قرابة 70 عامًا يقاتل من وجهة نظره من أجل الحفاظ على الهوية الإسلامية الأصيلة ورد الشبهات الباطلة والأقاويل المضللة وحملات التغريب والغزو الفكري.

وقد نعاه الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي في مقال له بعنوان أنور الجندي.. راهب الثقافة والفكر قال فيه::علمت بالأمس القريب فقط أن الكاتب الإسلامي المرموق الأستاذ أنور الجندي قد وافاه الأجل المحتوم، وانتقل إلى جوار ربه، منذ يوم الاثنين ٢٨ يناير ٢٠٠٢ م، بلغني ذلك أحد إخواني، فقلت: يا سبحان الله، يموت مثل هذا الكاتب الكبير، المعروف بغزارة الإنتاج، وبالتفرغ الكامل للكتابة والعلم، والذي سخر قلمه لخدمة الإسلام وثقافته وحضارته، ودعوته وأمته أكثر من نصف قرن، ولا يعرف موته إلا بعد عدة أيام، لا تكتب عنه صحيفة، ولا تتحدث عنه إذاعة، ولا يعرِّف به تلفاز. كأن الرجل لم يخلف وراءه ثروة طائلة من الكتب والموسوعات، في مختلف آفاق الثقافة العربية والإسلامية.

***

د. محمود محمد علي

أستاذ الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

...................

المراجع

1- د. يوسف القرضاوي: أنور الجندي.. راهب الثقافة والفكر، تاريخ النشر: خميس, 01/29/2015 - 04:57

2-   محمود خليل . أنور الجندي: الزاهد الرباني الدؤوب . أرشيف إسلام أون لاين.

3-أنور الجندي . شهادة العصر والتاريخ . خمسون عاما على طريق الدعوة الإسلامية .

4- المفكر الإسلامي والمؤلف الموسوعي الأستاذ الكبير أنور الجندي (1337 1422ه- 1917 2002م)، المستشار عبد الله العقيل، مجلة المجتمع، 11 مارس 2006م

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5754 المصادف: 2022-06-07 09:24:22


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5824 المصادف: الثلاثاء 16 - 08 - 2022م