شهادات ومذكرات

علي حسين: في اليوم العالمي لمحبي الكتب.. انا اقرأ.. إذا أنا أحيا

لا أتذكر أين قرأت هذه العبارة التي يقول صاحبها إن: "القراءة فعل من أفعال الحياة الخاصة"، هذه الحياة التي نتعرف من خلالها على كُتاب لن نراهم، لكننا نتعلق بهم ونحبهم ويصبحون جزءاً من حياتنا، وفي كثير من الأحيان لاتهمنا العبارة التي يضعها المؤلف في بداية كتابه، مثلما فعل غوستاف فلوبير في مدام بوفاري: "كل شخصيات هذا الكتاب متخيلة، والبلدة التي عاشوا فيها لاوجود لها في الواقع"، لأن قراء مدام بوفاري على مدى أكثر من مئة وخمسين عاماً منذ أن نُشرت الرواية عام 1856، يؤمنون أن هناك سيدة في هذه البلدة قد أنتحرت بسبب الآم الحب، واليوم فأن زوار المدينة التي عاش فيها فلوبير يجدون لافتات تدعوهم لزيارة قبر مدام بوفاري. يقول التركي الحاصل على نوبل أورهان باموق: " أن تحمل كتاباً معناه أنك تمتلك عالماً آخر، عالماً يمكن أن يجلب لك السعادة".

ربما تكون مثلي قد قرأت ذات يوم نصيحة غوستاف فلوبير التي يقول فيها: " لا تقرأ مثل الأطفال، من أجل المتعة، ولا مثل الطموحين، بغرض التعلم. لا، أقرأ كي تعيش". ولعل معظمنا يبدأ أولى خطواته في القراءة منطلقين من الفضول لمعرفة ماذا تخبيء هذه الصفحات، وكثير من القراء يؤمنون بمقولة: اقرأ من أجل المعرفة. ينصحنا الفيلسوف " ديكارت" بإعداد قوائم لتحديد الكتب التي يجب أن نقرأها، كتمرين من تمارين العقل وإستكشاف العالم ويكتب هذه النصيحة: " إن قراءة الكتب هي بمثابة محادثة مع أفضل الشخصيات من القرون الماضية ". كان ديكارت مصاباً بأمراض في الصدر، وقد نصحهُ الأطباء بإراحة جسمه، فاجازوا له البقاء في الفراش طويلا، ما ساعده على الاهتمام بقراءة الأدب الكلاسيكي او كما يخبرنا هو: "لأقوم بجولات فكرية في الماضي السحيق، فآخذ بطرف الحوار مع النبلاء الطاعنين في السن".

تمثل القراءة إحدى أجمل ذكرياتي في الصغر، وكل شيء بدأ عندي أشبه برحلة. ذات يوم وأنا ابن العاشرة من عمري وفي احدى مناطق بغداد، اخذتني قدماي الى مكتبة يملكها أحد أقاربي يبيع فيها الكتب والمجلات والصحف، في ذلك النهار وأنا أتجول بين العناوين وصور الأغلفة الملونة، اكتشفت إن هذا المكان يمكن أن يصبح كل عالمي. عندما أسترجع كيف قضيت سنوات طويلة من عمري في رفقة الكتب، أتساءل أحيانا إن كانت هذه الكتب غيرت حياتي، أم انها سجنتني في عوالم مثالية وخيالية.

كنت وأنا أدخل المكتبة، ألتفت باتجاه الرفوف التي تحوي مئات العناوين، وأشعر ان هذه الكتب تنظر ألي وإنها تعرف عني أكثر مما أعرف عنها، وأحيانا أتخيل أن كل كِتاب يَخفي داخله عالماً سحرياً لا نهاية له

يكتب أرنستو ساباتو في الكاتب وأشباحه إن: "القراءة رحلة معرفية ووجدانية في نفس الوقت، ومن واجب الكاتب أن يُعد المسافرين في هذه الرحلة بما يحتاجونه من أدوات، ويعلمهم كيفية قراءة الخرائط وما ينبغي عليهم فعله عندما يضلون الطريق ".

في ظهيرة يوم ممطر من شهر تشرين الثاني عام 1895، وقف أوسكار وايلد بانتظار القطار الذي ينقله الى السجن، كان قد حكم عليه بالأشغال الشاقة لمدة عامين بتهمة الأفعال الفاضحة، شاهد المارة الكاتب الشهير مكبل اليدين، في السجن تمت مراعاة مكانته فكلف بمهمة مساعد أمين المكتبة، مما أتاح له فرصة نادرة للحديث مع السجناء عن موضوع محبب الى نفسه، وهو القراءة. في الوقت نفسه أخذ يقدم نصائح ممتازة عن الكتب لمن يريد أن يقرأ من السجناء.

التقارير التي كانت تقدم عن وايلد في السجن تقول انه كان منهمكاً في إعادة قراءة الكلاسيكيات المحببة الى نفسه، فقد طلب أن يحصل على سبع كتب أبرزها الكوميديا الإلهية لدانتي، ويكتب في رسالة الى شقيق زوجته إن: "الحرمان من الكتب فظيع مثله مثل الحرمان الجسدي في حياة السجن الحديثة، هذا الحرمان الجسدي لا يُقارَن بالحرمان التام من الأدب بالنسبة لشخص كان الأدب له أهم شيء في الحياة، الشيء الذي يمكن من خلاله إدراك الكمال، ومن خلاله وحده يمكن للعقل أن يشعر بأنه حي".

وفي عريضة قدمها الى وزير الداخلية شرح وايلد معاناته من نقص الكتب التي هي اساسية لكي يحافظ الانسان على توازنه العقلي. وقد سمحت له ادارة السجن بقراءة كتابين في الأسبوع، ولكن مكتبة السجن صغيرة جدا، فتم السماح له بادخال كتب جديدة، فطلب روايات غوستاف فلوبير وكتب ارنست رينان، وبعض مؤلفات شكسبير ورواية ثيربانتس " دون كيشوت "، وكتب سبينسر واشعار كيتس ومؤلفات افلاطون ونسخة من الانجيل، ومجلد يضم أعمال من المسرح الاغريقي، ونسخة من ألياذة هوميروس، ويكتب في احدى رسائله إن: " "الكوميديا الإلهية" لدانتي فوق كل الكتب ساعدته على فهم العالم البشع للسجن، لقد قرأت دانتي من قبل كل صفحة فيه، لا المطهر ولا الفردوس كانا يعنياني... ولكن الجحيم! ما الذي يمكنني فعله سوى أن أعجب به؟ الجحيم، ألم نكن ساكنين فيه؟ الجحيم: كان هو السجن".

بعدما قضى العام الأول من مدته، وضع وايلد مقترحات بشأن أفضل الكتب التي على السجناء الاطلاع عليها، وقد قسم قائمته الى ثلاثة اصناف من الكتب.

يضم القسم الاول الكتب الواجب قراءتها ويضع وايلد الكوميديا الالهية والياذة هوميروس ودون كيشوت في المقدمة بعدها رسائل شيشرون وكتاب رحلات مارك بولو ومذكرات سان سيمون ورواية مدام بوفاري وصومعة بارما لستندال.

أما القسم الثاني فيضم الكتب التي تستحق أن تُقرأ مثل مؤلفات افلاطون ودواوين كيتس وكتاب دليل المرأة الذكية لبرنادشو.

الى جانب هذين القسمين يضيف وايلد قسماً ثالثاً وهو يخص الكتب التي يجب ان لاتُقرأ، وهو يقول: " مثل هذه القائمة بالكتب السيئة ضرورة مهمة، خصوصا اننا نعيش عصر يقرأ كثيرا الى حد إنه لم يعد له الوقت ليتعجب ويفكر، ويطالب كل قارئ كتب أن يضع قائمة بأسوأ مئة كتاب ليجنب الشباب فوضى القراءة غير النافعة ".

من بين كل الزائرين للمكتبة التي كنت أعمل فيها، أعتقد أن لا أحد منهم يشبه شغف الروائي فؤاد التكرلي بالكتاب. قال لي يوماً أنا أحب الكتب التي تعيش طويلاً مع القارئ، وحين شاهد حيرتي أضاف مبتسماً: عليك أن تعرف إن للكتب أيضاً حياة مثل الإنسان، فهناك كتب تعيش حياة طويلة وأخرى لها حياة قصيرة، وأشار الى رواية آنا كارنينا الموضوعة على أحد الرفوف: هذا الكتاب استطاع أن يصمد طويلاً أمام متغيرات الزمن لأن تولستوي فيه استطاع أن يغوص في داخل النفس البشرية

تكتب فرجينيا وولف في مقالة بعنوان " كيف نقرأ كتاباً كما يجب ": " من البساطة أن نقول بما أن للكتب تصانيف، فيجب علينا أن ننتقي من كل صنف ما هو مفيد وخليق بأن يمنحنا الجديد. يبقى هناك الذين يسألون عما تعطينا إياه الكتب. غالباً ما نأتي الى الكتب أول مرة ونحن بعقول مقسمة ضبابية، نبحث وقتها عن الرواية التي حدثت في الواقع، وعن الشعر الكاذب، وعن السيرة الذاتية المغرية، وعن كتب التاريخ التي تؤجج كبرياءنا. إذا استطعنا إبعاد كل هذه التصورات المسبقة عندما نقرأ، فإن هذه ستكون بداية مثيرة للإعجاب. لاتُملِ. إذا تراجعت عن ذلك، وأصدرت حكماً مُسبقا في البداية، ستمنع نفسك من الحصول على أي فائدة دسمة مما تقرأه".

يمكنني أن أتذكر الأنفعالات التي ولّدتها اول الكتب في نفسي، هكذا كتبت فرجينيا وولف في رسالة عام 1918، وجهتها الى قارئة تسألها عن أهمية الكتب في حياة الانسان..اعتادت وولف أن تقرأ في الصالة الخضراء في منزلها الذي اشترته، بيت بسيط في إحدى القرى مشيد بالحجر وسط حديقة كبيرة، حيث كان هذا البيت بالنسبة لها ملجأ للهدوء والطمأنينة: " هذا البيت عبارة عن مركب يحملني فوق أمواج القراءة والكتابة المقلقة والمخدرة في آن واحد ".

منذ أكثر من اربعين عاماً، أجد نفسي كل جمعة أذهب الى شارع المتنبي، مثل محب يذهب للقاء محبوبته، دون أن يدري ما المفاجأة التي بانتظاره، وفي كل مرة كنت اشعر بنشوة غريبة لحظة النظر الى الكتب، وغالباً ما كانت الأغلفة تقذف بي الى عالم مجهول، بينما كنت أرغب بكل كياني أن أغور في أعماق هذه الكتب، وحين أتمكن من الحصول على كتب جديدة، يبدأ قلق آخر، البحث عن عناوين جديدة آخرى ، كنت أًبحث في رفوف المكتبات مرهوباً بالأسماء، هذا تولستوي وذاك ايمانويل كانط، هنا يقف جان جاك روسو الى جانب هنري برغسون، من بعيد ينظر اليهم سارتر ساخراً، فيما فكتور هيجو لاتحلو له الصحبة الى مع بلزاك. في زاوية ما يقبع الجاحظ فيما يندب ابو حيان التوحيدي حظه، كنت مثل طفل ضائع وسط غابة كبيرة، يتطفل النظر في وجوه الآخرين، شعور بالسعادة يغمرني، وأنا أمارس لعبة بعث الكُتاب الموتى من قبورهم.

الآن بعد كل هذه السنوات أسال نفسي ما الذي استفدته من القراءة عندما كنت صبياً، لقد أطلقت هذه الكتب العنان لمخيلتي، ومنحتني عالما جميلاً، منسجما، وأيا كانت مكاسبي من القراءة، فانها ستظل الشيء الوحيد الذي لايزال يسحرني، يكتب هنري ميللر إن الخيال هو طريقة غير مباشرة للإقتراب من الحياة، ولإكتساب رؤية شاملة للكون".

***

علي حسين – رئيس تحرير صحيفة المدى البغدادية

...................

* (نظرا للأهمية الكبرى للكتب في حياة الإنسان، تم تحديد أكثر من يوم في العام للاحتفال بالقراءة والكتب وما يتعلق بها، وفي 9 آب يُحتفل باليوم العالمي لمحبي الكتب، لتشجيع عشاق الكتب للاحتفال بالقراءة والأدب)

في المثقف اليوم