شهادات ومذكرات

مصدق الحبيب: منظرو الاقتصاد (38): جوزف ستگـلتز

(1943 – ) Joseph Stiglitz

جوزف ستگـلتز هو الاقتصادي المعاصر الذي ينتمي للكينزيين الجدد. وهو البروفسور في جامعة كولومبيا - نيويورك، الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد لعام 2001 (بالمشاركة مع  جورج أكرلوف ومايكل سبنس) عن مساهماته النظرية في حقل اقتصاد المعلومات وبالذات في جانب تأثير عدم تماثل المعلومات Information Asymmetry بين الاطراف الاقتصادية على الانتاج والاستهلاك، خاصة في قطاع التأمين. وكذلك مساهماته النظرية في موضوعي المخاطر المالية وسوق المنافسة الاحتكارية. كما كان واحدا من اعضاء الفريق الذي حاز على جائزة نوبل لعام 2007 على الدراسات التي اهتمت بموضوع البيئة وتغير المناخ.

واضافة الى عمله في التدريس والبحث في عدة جامعات منها هارڤرد وپرنستن وستانفورد وييل وكمبرج الانگليزية،  فقدانتدب للعمل كعضو اولاً،  ثم رئيسا لمجلس المستشارين الاقتصاديين في البيت الابيض لدى ادارة الرئيس بِل كلنتن.  كما عمل نائبا لرئيس منظمة البنگ الدولي والاقتصادي الاقدم فيها، لكنه سرعان ما اكتشف حقيقة سياسات البنك وصندوق النقد الدولي الضارة بالبلدان النامية فانتقدها ! ونتيجة لذلك أُجبر على الاستقالة.   وله مناصب وعضويات ونشاطات اخرى منها تأسيسه لمبادرة حوار السياسات Initiative for Policy Dialogue  في جامعة كولومبيا كمركز للدراسات في شؤون التنمية الدولية. كما انه انتدب للعمل كمستشار للرئيس أوباما ايضا لكنه انتقد سياسة الانقاذ المالي للشركات الكبرى والبنوك التي كانت على وشك اغلاق ابوابها واعلان حالة الافلاس.  كما انتقد عمل وكالات المعايير المالية Financial Rating Agencies  التي اعتبرها تعمل بشكل مشبوه مع البنوك. كما انه حصل على 40  شهادة فخرية من مختلف الجامعات، ونال تكريما دوليا رسميا من فرنسا وكوريا الجنوبية وبوليفيا وكولومبيا والاكوادور.

ولد جوزيف ستگـلتز عام 1943 في مدينة گـَري - انديانا لعائلة يهودية، حيث كان والده بائعا لبوليصات التأمين وكانت والدته معلمة في احدى المدارس الابتدائية في المدينة. اجتهد في المدرسة فذهب الى كلية أمهرست في ماسچوستس. وقبل ان يكمل السنة الرابعة ساعده  بعض اساستذته في الحصول على قبول في الدراسات العليا في MIT عام 1964.

-  في صيف 1965 التحق بجامعة شيكاغو كباحث مساعد للبروفسور هيروفومي أوزاوا.

-  في خريف 1965 ذهب الى جامعة كمبرج الانگليزية بمنحة فلبرايت. وهناك حصل على  منحة بحث.

-  أكمل الدكتوراه في MIT عام 1967 وتعين كاستاذ مساعد في نفس القسم حال نيله الشهادة .

-  في عام 1970 حصل على عمل كاستاذ في جامعة ييل.

-  في عام 1976 نشر دراسة مع  مايكل روثجايلد عن سوق التأمين الصحي كشفت ان شركات التأمين توفر خيارين للمستهلكين: الخيار الاول يستلزم دفع مقدمة اولية عالية وقسط  شهري منخفض، والخيار الثاني يطلب مقدمة اولية قليلة وقسط شهري عالي. وهذا النظام أدى الى انفصال المستهلكين الى مجموعتين:  مجموعة الذين يتمتعون بصحة جيدة  ودخل عالي هي التي اخذت الخيار الاول، ومجموعة الذين يحتاجون الى رعاية صحية واغلبهم من اصحاب الدخول الواطئة.  فلم تجد هذه المجموعة امامها غير الخيار الثاني. كانت هذه الدراسة هي التي شكلت بداية اهتمام ستگلتز باقتصاديات المعلومات التي تبعتها دراسات اخرى ، ليس فقط في قطاع التأمين انما في قطاعات اخرى تلعب فيها المعلومات بين المنتج والمستهلك دورا كبيرا كقطاع الائتمان وهيكل اجور العمل والبطالة والضرائب، وجميعها هي التي شكلت مساهمته المتميزة التي اوصلته الى الفوز بجائزة نوبل.

-  في عام 1979 نال جائزة جون بيتس كلارك التي تُمنح للاقتصاديين المتفوقين قبل سن الاربعين.

-  في عام 2002 نشر كتابه الشهير Globalization and its Discontents الذي ترجم الى 30 لغة وبيع منه اكثر من مليوني نسخة.

-  في عام 2005 ترأس معهد بروكس الدولي التابع لجامعة مانچستر البريطانية.

-  في عام 2008 دعته حكومة ساركوزي الفرنسية لرئاسة لجنة تقييس الاداء الاقتصادي والتقدم الاجتماعي.

-  في عام 2009 دعاه الامين العام  للجمعية العامة في الامم المتحدة لرئاسة لجنة الخبراء لاصلاح النظام النقدي والمالي العالمي، والتي اختتمت اعمالها باصدار ما سمي بـ Stiglitz Report.

-  في عام 2010 عمل مستشارا اقتصاديا وماليا للحكومة اليونانية.

-  في عام 2011 سمته مجلة تايم الامريكية كواحد من 100 شخص لهم التأثير الاكثر في العالم. وبين عامي 2011 و2014 اصبح رئيسا للجمعية الاقتصادية الدولية.

-  في عام 2015 التحق كعضو في لجنة المستشارين الاقتصاديين لحزب العمل البريطاني.

-  اصبح احد مؤسسي معهد الفكر الاقتصادي الجديد الذي انبثق بعد الازمة المالية العامة لعام 2008 بهدف تطوير دراسة الاقتصاد باتجاه حل المشاكل الاقتصادية الحقيقية التي يواجهها العالم في القرن الواحد والعشرين.

في ملخص سيرته الذاتية التي قدمها الى لجنة جائزة نوبل، يتساءل ستگلتز عن مسقط رأسه  فيقول:

يبدو ان هناك شيئا ما في هواء مدينة گري – انديانا يقود الشباب لدراسة الاقتصاد!  فقد انجبت هذه المدينة پول سامولسن ونخبة من الاقتصاديين المعروفين.  ويجيب عن ذلك فيقول لابد لعوامل مثل الفقر والتمييز العنصري  والبطالة المزمنة هي التي  تدفع الطلاب المجتهدين لتأمل تلك المشاكل والتفكير باسبابها الاقتصادية ومعالجاتها.  يقول انه نشأ  في عائلة كانت غالبا ما تناقش السياسة والاقتصاد والمشاكل الاجتماعية من منطلقات فكرية مختلفة. فبينما كانت والدته تنحدر من اسرة تنتمي لديمقراطيي العقد الجديد المواليين بحماس لروزفلت، كان والده مؤمنا بديمقراطية جيفرسن ومعتزا بنفسه كرجل اعمال صغير يريد ان يكون سيدا لنفسه في العمل.  يعي المسؤولية الشخصية ويقدس الاعتماد على الذات والسعي المخلص لرفع مستوى معيشة عائلته قدر المستطاع. كما كان مواليا ومدافعا حقيقيا عن الحقوق المدنية،عامةً، وللاقليات خاصة.ً

يواصل بأنه كان محظوظا لان ينال تعليما جيدا في المدارس العامة التي تميزت بتفوق برامجها وكادرها التعليمي واحتضانها لكل الطلاب بمختلف انحداراتهم الطبقية والأثنية. ويذكر بأن المدرسة  في مدينته اتاحت الفرصة للطلاب بممارسة هواياتهم المختلفة،  فكانت هوايته النقاش والمناظرة الثقافية والسياسية ضمن الفريق الخاص بذلك.  ويذكر ان من الموضوعات التي طُرحت للمناقشة كانت  حول المساعدات التي تمنحها الحكومة للقطاع الزراعي، وهو الموضوع الذي شغله بعد ذلك لفترة طويلة حتى انه حاز على اهتمامه بشكل رسمي كجزء من عمله الاستشاري في ادارة كلنتن.

يشيد ستكلتز بتجربة تعليمه في كلية أمهرست ويعتبرها المحطة الاولى في مسيرة صياغة تعليمه وثقافته التي بدأ منها انحيازه الى دراسة الاقتصاد كموضوع للتخصص الاعلى، لاعتقاده ان هذا الحقل يوفر له الجمع بين رغبته وقابليته في الرياضيات وبين دراسة التاريخ والكتابة الادبية. وهكذا فقد حصل على منحة دراسية من MIT لاكمال دراسته العليا في الاقتصاد بظروف حد الكفاف، حيث لم توفر له المنحة الدراسية سوى دولار واحد في اليوم اضافة الى دفع ايجار غرفة سكنه وتكاليف الكتب واللوازم الدراسية.

يقول ان كلية امهرست اتاحت له الفرصة ان يمارس رغبته في النشاط المدني والاهتمام بالمواضيع السياسية والاوضاع الاجتماعية والمدنية للطلاب. ولنشاطه الواضح في هذا المجال فقد انتُخب رئيسا للمجلس الطلابي في الكلية.   يقول ان هذا الموقع وفر له ان يفهم مباشرة تأثير النفوذ والسلطة التي ينبغي ان تؤخذ كمؤشر لثقة الناخبين وكعهد للالتزام بخدمة مصالحهم. ويروي انه بدأ عمله في رئاسة المجلس الطلابي باطلاق حملة عامة لحل جمعيات الاخاء الطلابية Fraternities التي اعتقد وزملاؤه في المجلس انها تضر اكثر مما تنفع! حيث انها تنمي الشعور بالانفصال الطبقي والعنصري وتؤول الى عزلة الطلاب من الاقليات. وهذا مناف لروح التعليم العالي الذي ينبغي ان يتصف بالانفتاح والتحرر والتكاتف. ويعترف ان ذلك الموقف وتلك الحملة قوبلا بمعارضة شديدة لكن عمل الزملاء الجاد والحثيث استطاع ان يجعل المجلس يخطو خطواته الواثقة ضد النزعة الانفصالية ومع تنمية ومساندة حركات الحقوق المدنية اعلن المجلس اننا كأمة لايمكننا ان نقبل أي مظهر من مظاهر التمييز العنصري كما قبلت الاجيال التي قبلنا العبودية والاستعمار.  وبذلك يؤكد  ان الكلية اصبحت افضل بكثير بدون تلك الجمعيات. ومن نشاطاته المدنية انه ذهب مع مجموعة من الطلاب الى واشنطن العاصمة للاشتراك في المسيرة التاريخية التي القى فيها مارتن لوثر كنگ خطابه I have a Dream.  کما استطاع ستگلتز ، من خلال عمل المجلس،  تنظيم برنامج التبادل الثقافي مع جامعة صغيرة في الجنوب خاصة بالطلاب السود. وهو يعتقد ان الوقوف بحزم للدفاع عن الحقوق المدنية هو الطريق القويم رغم انه محفوف بالمخاطر ومثقل بالتضحيات، خاصة بعد تعرض عدد من نشطاء الحقوق المدنية في البلاد الى الاغتيال.

يواصل ستگلتز وصف مسيرة تعليمه فيقول:  اذا كانت كلية أمهرست قد حفزت في داخلي الفطنة الفكرية، فان سنوات دراستي العليا في MIT  قد طورت عندي روح الاقتصادي المحترف.  وذلك بفضل نخبة من ألمع الاقتصاديين في تاريخ الفكر الاقتصادي الذين شكلوا الهيئة التدريسية في قسم الاقتصاد أمثال سامولسن وموديلياني وسولو وأررو وكثير غيرهم. ويقول نفس الكلام بالنسبة لزملائه الطلاب المتفوقين امثال جورج أكرلوف الذي اختص باختصاص مشابه لاختصاصه وشاركه الفوز بجائزة نوبل فيما بعد.  ولا ينسى ان يذكر فضائل منهج التدريس وملائمة المناخ الاجتماعي والسياسي لشخصيته.   فهو يصف طريقة التدريس في MIT  بانها تقوم على اساس كشف ومناقشة موديل واضح ودقيق ومباشر، وتهتم باثارة الاسئلة المهمة حول القضايا الاقتصادية. أما المناخ السياسي والاجتماعي فيصفه بالليبرالية والانفتاح ويتساءل: " لا ادري ماذا كان سيحدث لي لو اني ذهبت الى قسم آخر، كشيكاغو مثلا ، حيث طريقة التدريس لاتلائم نمط تعلّمي وكذلك المناخ السياسي المعروف بكونه محافظا".

وعطفا على طريقة التدريس التي اوضحها وامتدحها فقد بقيت مسألة التناقض بين الموديل النظري والواقع العملي تشغله، فأولى لها فيما بعد اهتماما جادا خاصة خلال الثمانينات من القرن الماضي.

وفي هذا الصدد كان يطرح للبحث السؤال : مالذي تقوم المؤسسة الاقتصادية بتعظيمه؟  ويبين انه بينما يؤسس الموديل النظري لفكرة ان المخاطر الوحيدة التي تواجهها المؤسسة هي عدم التوافق بين احتمالات الربح واحوال السوق، يأتي الواقع العملي ليثبت ان المؤسسة تواجه في الحقيقة مخاطر احتمالات فشلها بموجب مايجري في داخلها وليس ما يجري خارجها في السوق. وهذا نتيجة لتناقض آخر متجذر في افتراض الموديل النظري بان عناصر المؤسسة الداخلية منسجمة مع بعضها ولصانعي القرار فيها نفس المنهج والرأي! في حين ان الواقع العملي اثبت مرارا وتكرارا بان لأي مؤسسة مشاكل داخلية عويصة ومعقدة مفادها الصراع على السطوة والمال والمنافع الذي غالبا ما ينشب بين الاقطاب المتعارضة مصالحهم.

ان مساهمة ستگلتز المهمة في موضوع المعلومات غير الكاملة وغير المتوافقة وتأثيرها على الاداء الاقتصادي للافراد والمؤسسات بدأ عند بدء تساؤلاته عن موضوعة عدم التأكد Uncertainty حيث ان الموديل النظري النيوكلاسيكي افترض ان المعلومات التي يهتدي بها صناع القرار الاقتصادي، افرادا ومؤسسات، هي معلومات تامة Perfect information والحقيقة ابعد من ذلك بكثير.  يذكر بعض العوامل التي ساعدته على الاهتداء للبحث في مسألة المعلومات وصياغة منهجه فيها، منها:

- دراسته النظرية في كلية أمهرست و MIT وخاصة في مواضيع الاحصاء- نظرية الاحتمال والاستنتاج والاستقراء وكذلك في موضوع المالية.

- السفرة التي قام بها الى كينيا في افريقيا التي كان لها الاثر الكبير لتعلقه بموضوع المعلومات حيث انه واجه مجتمعا واقتصادا يختلفان تماما عما عاش ونشأ فيه.

- كونه عاش في أوج سنين الحرب الباردة التي عرف من خلالها بأن النظام الاشتراكي كان يقود اقتصادا ناجحا ولكن على حساب حرية الافراد والمؤسسات. أما النظام الرأسمالي الفخور بحرية الافراد والمؤسسات فانه يعاني من امراض مزمنة ليس لها شفاء كالبطالة والتضخم والكساد الدوري. أما بقية بلدان العالم النامية المتأرجحة بين النظامين والتي كان اغلبها يعيش تحت نير الاستعمار، لم تشهد لا نموا اقتصاديا ولا حرية. ان ادراك ذلك دفعه للتساؤل حول امكانية ايجاد النظام البديل! ولكن كيف يمكن لمثل هذا النظام ان ينشأ ويتطور في ظل المعلومات المتوفرة غير الكاملة وغير المتوافقة.

تميز ستگلتز عن زملائه الاقتصاديين الكبار بصراحته وعدم تردده في انتقاد المعالجات الاقتصادية التي يراها غير مناسبة. ولعل اشهر انتقاداته تلك التي كلفته منصب نائب رئيس البنك الدولي.  لقد صرح وهو في منصبه بان البنك الدولي لم يحقق النتائج المرجوة في تحفيز النشاط وتصعيد النمو الاقتصادي! بل اتبع سياسة صندوق النقد الدولي التقليدية التي تقوض المساعي الديمقراطية في البلدان النامية وتشجع قطاعات وجماعات مختارة على ارتقاء سلم التجارة واستلام المفاتيح الاساسية للنشاط الاقتصادي، جنبا الى جنب مع معارضة وتقليص المشاريع الحكومية العامة التي ينتفع منها السواد الاعظم من الناس. ومع حلول أزمة شرق آسيا استعر خلافه مع مسؤولي صندوق النقد ليصل الى أوجه ويجبره على الاستقالة نتيجة للضغوط التي وضعتها ادارة الصندوق على مسؤولي وزارة الخزانة المالية في واشنطن.

وحيال ذلك، قال ستگلتز:

لقد كانت تجربة مذهلة ادركت فيها ان حكومة الولايات المتحدة تقف في طريق تطبيق مبادئ الديمقراطية والاستقلال والشفافية التي نشأنا مؤمنين بها. وقد اعطتني هذه التجربة الحافز للعمل باتجاه آخر. فاضافة الى عودتي للتدريس قمت باطلاق المشروع الذي اسميته مبادرة حوار السياسات بدعم من مؤسسات كبيرة مهمة مثل فورد وركفلر ومكارثر وموت وحكومات مثل السويد وكندا بهدف طرح سياسات بديلة لدعم العملية الديمقراطية وتحفيز النمو الاقتصادي في البلدان النامية. تقوم هذه المبادرة على اشراك الحكومة مع الاكاديميين وقادة المنظمات العمالية والصحفيين وممثلي المجتمع المدني في مناقشة السياسات الاقتصادية المطروحة وصياغة ما يكون الاجماع عليه كاكثرها فعالية وفائدة للمجتمع. وقد حققنا من خلال ذلك نجاحات ملموسة في بلدان مثل نايجيريا وڤيتنام وصربيا والفلبين.

ومن انتقاداته الاخرى كانت حول  نظرية التوقعات العقلانية Rational Expectations Theory التي لمع نجمها في الثمانينات. يقول: لم أجد أي عقلانية في توقعات ان البطالة سوف لن تكون مشكلة كبيرة وان السياسات الاقتصادية الحكومية لن تكون فعالة. يرّد على ذلك في بحثه المشترك مع پيتر نيرلي الذي أثبتا فيه العكس تماما حیث ان مشكلة البطالة ستلازم حياتنا وبالتالي فلابد من تدخل الحكومة  في كل مرة لمعالجة الازمة المزمنة التي تتفاقم مرارا وتكرارا. واقرب مثال على ضرورة التدخل الحکومي  هو ماشهدناه مؤخرا والمتمثل بزيادة الانفاق الحكومي التي انتجت تأثيرات جانبية كزيادة الادخار التي تعني زيادة الدخل في الفترة القادمة وبالتالي زيادة الاستهلاك التي تدفع الي زيادة الانتاج التي ستمتص البطالة.

وحول انهيار المنظومة الاشتراكية واندفاع انظمتها السريع والمرتبك نحو اللامركزية واقتصاد السوق، يقول ستگلتز: كنت واثقا ان الامر يتطلب فهم نظام اقتصاد السوق وادراك متغيراته التي تفرض ان يكون التحول اليه  تدريجيا ومتوازنا، مع الحفاظ بالدور الفعال للحكومة، جنبا الى جنب مع تهيئة الهياكل المؤسسية اللازمة والبناء التحتي القانوني! وإلا سيصبح التحول فوضويا، وهذا ما حدث! كما انني اختلفت مع نظرية العلاج بالصدمة Shock Therapy  اسوة بطرق صندوق النقد الدولي، حيث اثبت الواقع فشلهما.

من آخر الحوارات مع ستگلتز، ذلك الذي اجراه معه أليُت سمث    Eliot Smithلموقع CNBC الالكتروني  بتاريخ الاول من أيلول 2023 .  وكان جُله حول التضخم الذي حصل بعد نهوض الاقتصاد في اعقاب تراجع وباء الكرونا.  يقول ستگلتز:

في ديسمبر 2020 كان معدل التضخم السنوي يساوي  1.2% وقد قفز الى 9.1 % في حزيران 2022، اي خلال ستة اشهر فقط، وهي أعلى قفزة خلال عدة عقود.  يقول ان البنگ الاحتياطي الفدرالي أخطأ الهدف حيث أصرّ جيروم پاول رئيس البنگ على ان هذا التضخم عبارة عن تضخم انتقالي Transitory ومن السهولة السيطرة عليه! لكن البنگ لم يراجع دروسه حيث  اعتقد السيد پاول ان سبب ذلك الجموح هو الزيادة الحاصلة في الطلب بعد ان افاق الاقتصاد من سباته! لكن الاسعار غالبا ما ترتفع لاسباب اخرى، وقد كان احد هذه الاسباب المهمة هذه المرة هو النقص الكبير في عرض نوع خاص من الرقائق تسمى  Semiconductor Chips التي تعتمد عليها كل الاتصالات الالكترونية.  كما ان البنك قام برفع سعر الفائدة 11 مرة ليوصله الى  5.5% وهو اعلى معدل خلال 22 عاما ، وذلك من اجل الحد من جموح التضخم. وكنتيجة فقد انخفض معدل سعر المستهلك القياسي CPI الى 3.2%. وقد اعقب ذلك حالة من القلق وعدم الاطمئنان لحالة الاقتصاد بعد الوباء مما جعل الشركات والمستهلكين يترددون في اطلاق انفاقاتهم كما كانوا قبل الوباء. وبهذا فقد سارعت الحكومة  بتمرير وتنفيذ "تشريع تقليص التضخم" Inflation Reduction Act لتجنب الوقوع في الكساد. وهو التشريع الذي استهدف حقول استثمارية هامة مثل البنى التحتية وتغير المناخ والصناعات الاساسية مما قاد الى استثمار اكثر من 500 بليون دولار في اقل من سنة. ومن المقرر ان ترتفع الى ترليون دولار بعد فترة قصيرة. ان هذه المعالجة هي التي انقذت الاقتصاد من الآثار الانكماشية التي كانت تسببها السياسة النقدية للبنگ الفدرالي.

بعد هذا التصريح الجرئ والخطير حول فشل السياسة الاقتصادية التي يتبعها البنگ الفدرالي، احجم مسؤولو البنگ عن الرد.

Information Asymmetry

يراد بهذا المصطلح عدم توازن المعلومات واختلاف اهميتها بين اطراف اي صفقة اقتصادية كأن تكون بين بائع السلعة او الخدمة ومشتريها، أو بين شركتين تعقدان صفقة تجارية، أو بين الدائن والمديون. فهذه الحالة من عدم التكافؤ في المعلومات تخالف ما افترضته النظرية النيوكلاسيكية بأن كل طرف من الاطراف يمتلك المعلومات الكاملة Perfect Information Assumption

ونظرية تباين المعلومات تبحث في اسس الوصول الى قرار الصفقة بين الطرفين اذا كان معلوما ان هناك اختلال في توازن المعلومات. وما استنبطه ستگلتز خلال دراسته لسوق التأمين هو التكنيك الذي سمي بغربلة المعلومات Screening من اجل تقليل آثار هذه الحالة على الطرفين . حيث ان شركات التأمين وبنوك الاعتماد تعتمد بشكل رئيسي على تصنيف العملاء بموجب مديات المخاطر التي تترتب على منحهم بوليصات التأمين أو القروض. والمثال الاكثر وضوحا هو تصنيف طالبي كارد الاعتماد Credit Card بموجب الدرجات التي تعطى لهم من قبل وكالات المعايير المالية المثبتة في تقارير تلك الوكالات Credit Report  عن كل مستهلك، فرد أو شركة.   ودرجات الاعتماد هذه  Credit Scores   هي التي تعوّل عليها شركات الاعتماد وتعتبرها مقياسا معتمدا لمدى ثقتها بالمستهلك.   وهكذا، فكم ونوعية المعلومات ستقرر لأي طرف ستترجح الكفة. فمثلا قد تكون الكفة لغير صالح شركة التأمين الصحي أو التأمين ضد العوق والعطل حين تنفق مبالغ طائلة في حالة عدم معرفتها الكثير عن مشتري التأمين الذي قد يدعي انه يعاني من مرض عضال او انه تعرض لحادث سيجعله  معوقا وعاطلا عن العمل. ويصح الامر كذلك حين تنشب الحرب بين دولتين نتيجة لسوء او نقص في معلومات طرف عن طرف آخر. وقد يسئ احد القادة التقدير حول امكانية الدولة الاخرى في طاقة البلاد لامتصاص ظروف الحرب او كمية ونوعية التسليح او استعداد جنوده للقتال او طاقة الاستخبارات وطبيعة الجغرافية والمناخ! وقد ويندفع لاشعال فتيل الحرب التي سيضمن خسرانها مدى كم ونوع المعلومات التي اعتمد عليها ذلك القائد.

Moral Hazard

بالرغم من ان هذا المصطلح قديم الا انه تجلى اكثر وضوحا في دراسات ستگلتز عن عدم توافق المعلومات. ففي ظل اختلاف المعلومات بين طرفين مشتركين في صفقة ما، قد يكون من الممكن للطرف الذي يمتلك المعلومات الافضل ان ينتهز الفرصة ويخاطر بجانب ما منها لمنفعته ولعلمه ان الطرف الآخر الذي افتقد لتلك المعلومات سيتحمل النتائج التي ستأتي لغير صالحه . وبهذا فان ذلك الطرف الاول سيرتكب مجازفة غير مناسبة اخلاقيا.

Adverse Selection

وهذا مصطلح مشابه لسابقه ويعني:  اذا قام طرف واحد (البائع مثلا) باستغلال فرصة ان الطرف الآخر (المشتري) لايعلم بجزء ما من الصفقة قد تكون متعلقة بنوعية او صلاحية السلعة التي يشتريها معتمدا على ثقته بالبائع. وهنا فان كل الاضرار التي يتحملها المشتري نتيجة لذلك ستكون مترتبة على ما  يسمى بالخيار المناوئ.

Monopolistic Competition

اكمالا لاهتمامه بموضوعة المنافسة الكا ملة في الموديل النيوكلاسيكي، عمل ستگلتز مع زميله أفينش دكست Avinash Dixit على صياغة موديل بديل في نظرية التوازن العام. وكان قد اظهر هذا الموديل تطبيقيا حالة الـ Increasing Return to Scale التي تحد من دخول المنتجين الجدد للسوق. ولكن عندما يفضل المستهلكون التنوع  في المنتوج سيكون الدخول الى السوق متاحا.

والمعروف ان المنافسة الاحتكارية تمثل نوعا من الاسواق التي يعمل فيها عدد من المنتجين الذين ينتجون سلعة مشابهة عموما لكنها متميزة نوعا ما، ولهذا فلا يستطيع اي منتج منهم ان يدعي احتكار انتاج تلك السلعة.

Shapiro-Stiglitz Efficiency Wage Model

في عام 1984 تعاون ستگلتز مع زميله كارل شبيرو Carl Shapiro لصياغة موديل رياضي يوضح السبب لعدم انخفاض الاجور للحد الذي يتوفر فيه عمل ما لكل من يبحث عن عمل. كما يوضح الموديل كيف ولماذا يشهد سوق العمل ما سمي بالبطالة القسريةInvoluntary Unemployment   حتى اذا كان سوق العمل في حالة التوازن العام.

Henry George Theorem

من ضمن مساهمته في نظرية المالية العامة، اقترح ستگلتز بأن أي منطقة تستطيع ان توفر ماتحتاجه من السلع العامة عن طريق فرض ضريبة خاصة على ريع الاراضي الواقعة ضمن حدودها الجغرافية. وكان قد سمى هذا الاقتراح احياءً لذكرى الاقتصادي الامريكي الكلاسيكي هنري جورج  (1839-1897) الذي كتب عن ضرورة فرض ضريبة محلية على قيمة الاراضي Land Value Tax في القرن التاسع عشر. وكان تبرير ستگلتز هو ان زيادة استخدام واستهلاك السلع العامة سيرفع من قيمة الاراضي وبالتالي زيادة اسعار ايجاراتها.

***

ا. د. مصدق الحبيب

 

في المثقف اليوم