شهادات ومذكرات
بولص آدم: حارس الذاكرة: 18 عامًا على وفاة جنكيز أيتماتوف
قال الشاعر الداغستاني الكبير رسول حمزاتوف ذات مرة:
"لو سُئلت عن هويتك، أعلن بفخر: أنا من قيرغيزستان، موطن جنكيز أيتماتوف."
لم تكن هذه العبارة مجرد مجاملة أدبية لصديق أو زميل في الكتابة، بل كانت اعترافًا بمكانة كاتب استطاع أن يجعل من وطن صغير في آسيا الوسطى جزءًا من الخريطة الثقافية للعالم. فمن خلال أعماله تعرف ملايين القراء إلى قيرغيزستان وسهوبها وأساطيرها وشعبها، كما تعرفوا إلى واحد من أكثر الأصوات الأدبية صدقًا وعمقًا في القرن العشرين.
تمر ثمانية عشر عامًا على رحيل جنكيز أيتماتوف، الذي غادر العالم في العاشر من حزيران/يونيو 2008، لكن حضوره الأدبي لم يتراجع. فما تزال رواياته تُقرأ بلغات عديدة، وما تزال شخصياته تعيش في ذاكرة أجيال متعاقبة من القراء، وكأن الزمن لم ينجح في إبعادها عن الوجدان الإنساني.
ولد أيتماتوف عام 1928 في قرية شكر بمنطقة طلاس في قيرغيزستان. عايش منذ طفولته المآسي التي تركتها الحقبة الستالينية، بعد إعدام والده توره قول أيتماتوف. وفي المقابل وجد في جدته آيقمان مصدرًا غنيًا للحكايات والأساطير الشعبية، فشبّ بين عالمين: عالم التاريخ القاسي، وعالم المخيلة الشعبية. وسوف يرافقه هذان العالمان في مجمل مشروعه الأدبي.
حين بدأ الكتابة كان الاتحاد السوفييتي يعيش ذروة حضوره الثقافي والسياسي، وكانت الواقعية الاشتراكية تمثل الإطار الرسمي للأدب. وقد ظهرت بعض ملامح هذا المناخ في أعماله المبكرة التي انشغلت بالإنسان العامل، والتعليم، والتحولات الاجتماعية، كما في "المعلم الأول" وغيرها من النصوص الأولى.
غير أن أيتماتوف لم يبقَ أسير هذا الإطار. فمع تطور تجربته أخذ يبتعد تدريجيًا عن النماذج التوجيهية والأيديولوجية المباشرة، متجهًا نحو أسئلة أكثر عمقًا واتساعًا. لم يعد اهتمامه منصبًا على المجتمع وحده، بل على الإنسان نفسه؛ على ذاكرته، وحريته، ومصيره، وعلاقته بالطبيعة، والزمن، والموت، والحب.
ولهذا يصعب اختزال تجربته كلها في توصيف نقدي واحد. فكاتب "جميلة" ليس هو تمامًا كاتب "الكلب الأبلق الراكض عند حافة البحر"، وكاتب "وداعًا يا غولساري" ليس هو نفسه كاتب "يوم يمتد أكثر من قرن". كانت تجربته تتطور باستمرار، وكانت رؤيته للعالم تتسع مع الزمن لتستوعب التاريخ والأسطورة والفلسفة والأسئلة الوجودية الكبرى. ومن هنا جاءت فرادته.
لقد كتب عن السهوب القيرغيزية، لكنه كتب في الوقت نفسه عن الإنسان في كل مكان. كتب عن الرعاة والخيول والقرى النائية، لكنه كان يكتب أيضًا عن الحرية، والكرامة، والذاكرة، والحب. ولهذا وجد قراؤه أنفسهم في أعماله، سواء كانوا في آسيا الوسطى أم في أوروبا أم في العالم العربي.
وتبقى الذاكرة الموضوع الأكثر رسوخًا في عالمه الروائي. فالذاكرة عند أيتماتوف ليست أرشيفًا للماضي، بل هي جوهر الهوية الإنسانية. وفي رواية "يوم يمتد أكثر من قرن" ابتكر شخصية "المانقورت"، التي تحولت إلى رمز عالمي للإنسان المقتلع من تاريخه ووعيه وذاكرته. لقد أدرك أن أخطر أشكال الاستلاب ليست السيطرة على الجسد، وإنما السيطرة على الوعي. ولهذا يستحق أن يُوصف بحارس الذاكرة.
كان يقاوم النسيان في أكثر من مستوى: نسيان التاريخ، ونسيان الجذور، ونسيان القيم الإنسانية التي تمنح الحياة معناها. وكانت رواياته أشبه بمحاولة دائمة لإنقاذ الإنسان من التحول إلى كائن بلا ماضٍ ولا معنى.
ولعل أبلغ ما يلخص فلسفته تلك العبارة الشهيرة المنسوبة إليه:
"أصعب شيء على الإنسان هو أن يكون إنسانًا كل يوم."
في هذه الجملة القصيرة يكمن جوهر مشروعه الأدبي كله. فشخصياته تواجه باستمرار امتحان الإنسانية: كيف تبقى وفيًا للخير وسط الشر؟ كيف تحافظ على كرامتك وسط القسوة؟ كيف تصون ذاكرتك وسط محاولات المحو؟ وكيف تحب دون أن تفقد حريتك أو حرية الآخر؟
ولم يكن تأثير أيتماتوف في العالم العربي أقل من تأثيره في موطنه أو في أوروبا. فقد وصلت أعماله إلى القارئ العربي مبكرًا عبر الترجمات المتميزة التي قدمها مترجمون كبار، وعبر إصدارات دور النشر السوفييتية التي انتشرت في العواصم العربية خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.
غير أن سر حضوره العربي لا يكمن في الترجمة وحدها. فقد وجد القارئ العربي في أعماله عالمًا قريبًا من وجدانه؛ عالم القرية والأسرة والأرض، والأسطورة، والوفاء، والحنين. ووجد فيه أيضًا أديبًا شرقيًا استطاع أن يمنح التجربة المحلية أفقًا إنسانيًا عالميًا. لهذا لم يكن أيتماتوف مجرد كاتب سوفييتي تُرجمت أعماله إلى العربية، بل أصبح جزءًا من التكوين الثقافي لأجيال كاملة من القراء العرب.
واليوم، بعد ثمانية عشر عامًا على رحيله، ما تزال رواياته تُقرأ بالحب نفسه تقريبًا. وما تزال شخصياته تتحرك في الذاكرة الإنسانية. وربما تنطبق عليه أكثر من أي وقت مضى العبارة التي آمن بها وكرّس أدبه للدفاع عنها:
"لا يموت الإنسان طالما هناك من يتذكره."
وهكذا يظل جنكيز أيتماتوف حاضرًا؛ ليس بوصفه روائيًا كبيرًا فحسب، بل بوصفه حارسًا للذاكرة، وحارسًا للإنسان أيضًا.
***
بولص آدم







