نصوص أدبية

عقرب الثواني / حسن البصام

يمتطي حصانا لا تستطيع تمييز انفراج فكيه، هل يصهل أم يبتسم أم يضحك عليك، ستحشر نفسك بين سنامين عندما تكون عند نقطة تحدبه العليا، ستتأرجح بين الاندفاع والتقهقر، السنام الأول الذي يتقدمك مكتنز يأمل الوصول إلى مدينة رملتها الحروب وأعياها فراق أحبتها، يفصلك عنها شريط صحراوي ممل .... والسنام الذي خلف ظهرك ممتلئ بالحنين إلى العودة ثانية حيث الشوارع التي حفظت نمو أصابع قدميك وأصدقاء سخنت دماءهم الحروب فتكاثف ضبابا احمر في حدقات العيون.. ربما يقفز إلى ذهنك سؤال: هل المدينة سبب آلامنا أم نحن سبب ترملها ؟ لكنك حتما سوف تظل ممسكا بالسنام الأول وأنت تغادر حضنا اعتدت وتآلفت مع كل شيء فيه، حتى ما هو سمج. سوف تمد رجليك وتسند ظهرك لتأخذ إغفاءة ربما لا تنعم بصور تخيلاتها.. ولكنني حين اعتلي ظهر الجسر ينتابني إحساس حاد غريب، ذلك أن أهلي يمكثون وسط مزابل المدينة، ونفايات المعامل الصناعية، والمياه الثقيلة القذرة التي ترميها سيارات البلدية، فاشعر بنفسي عربة نفايات تسير باتجاه حفرة عميقة، أو أتخيل نفسي أفعى تزحف ببطء... يلوح لي من بعيد لمعان صفائح (الجينكو)... منذ ثلاثة عشر عاما وأنا اسكن في هذا الحي عند تعييني في حقول النفط، دون أن أتمكن من ملامسة ما هرب من بين أصابعي النحيلة المتهالكة المنزوية في كفي، هاربة من ملازمة اللحظات.. يخيل لي أعمدة الكهرباء ذات الضغط العالي المنتشرة في المنطقة أشباحا، وأكداس النفايات ذئابا حين لا اعثر على سيارة تقلني إلى (الحي) اجلد رجلي المتعبتين رغما عنهما عند بدء حلول الظلام.... أربعون دقيقة من الجسر حتى مدخل (الحي السكني) أسير كأني تائه في صحراء، يبيض الخوف في قلبي وتفقس لتخرج أشباح سود تجلدني أو تتربص بي لتستفزني وتسحقني.

لا ينتهي الخوف عند مدخل (الحي السكني) يتحول هذا الخوف إلى مواجهة محتملة أكون فيها الطرف الضعيف مع (عبد الله)، ربما يقبع في ظلمة ما ليهوي بعصا أو حجر على رأسي فهو يرعبني حتى في لحظات تأملي وانفرادي مع حلم أو حزن اقلبه ويقلبني.

لا يعرف احد وجه الحقيقة، هل جن (عبد الله)، أم انه شخص آخر ؟ ذلك انه كان وديعا  ووسيما، ثم تغير حاله فجأة.. قال البعض أن (عبد الله) يكثر من التنزه عصرا منفردا، ويتوغل بعيدا على طريق مرور السيارات الرئيس ليعود بعد حلول الظلام، لكنه بدافع الفضول، انحرف نحو نفايات رميت على حافة الشارع حتى لامسته، وقد جذبت انتباهه صفيحة صغيرة براقة التقطها وحاول فتحها فتناثرت محتوياتها إلى انفه فاستنشقها. أغمي عليه فوق النفايات، وحين لم يرجع كعادته بعد حلول الظلام، خرجت زوجته وجيرانه بحثا عنه في الطريق الذي يسير فيه غالبا... وجدوه ملقى بلا حركة... ومنذ ذلك الوقت بدأت عليه علامات الاضطراب والهلوسة، والإسهاب في الكلام في أيما موضوع حتى وان كان تافها، وعلى الرغم من حثه المتواصل على مراجعة احد الأطباء إلا انه يرفض ذلك بشدة ناكرا إصابته بأي مرض... ثم بدأ مع مرور الوقت يفقد ذاكرته خلال لحظات ويستعيدها، ثم بدأ يفقد السيطرة على تصرفاته ليتحول إلى رجل عدواني خلال تلك اللحظات، وتصل ذروتها خلال ثواني معدودة، ولكونه يتمتع بقوة هائلة مخيفة لذلك من الممكن أن يقتل إنسانا بضربة واحدة في تلك اللحظات، وحين يستعيد عقله، لا يتذكر شيئا. وقال البعض أن سبب جنونه هو زوجته التي استعانت بصابئي فشربته ماء مسحورا كي لا يتزوج امرأة ثانية.. والأسوأ من كل هذا أن القدر قادني لان أكون جارا لـ (عبد الله) وقد أرعبني حين أطبق على رقبة احد أولاده فخر من بين يديه نحو الأرض ولم نتمكن من إسعافه. كان يمزح معه قبيل فورة جنونه، وكنت اسمع مزاحه، ثم أعقبها صرخة استغاثة وعويل زوجته... فلا يفصل بين (الكرفانين) المتلاصقين سوى حاجز خشبي رقيق وغرفتا نومنا متلاصقتان، لذلك كثيرا ما أثير ضجة مفتعلة حين يسهب (عبد الله) في تفاصيل أموره الشخصية التي لا يليق بنا سماعها لأثارة انتباهه، فيسكت أو يخفض صوته.

ذات ليلة انزل (عبد الله) الساعة الجدارية الضخمة، ساعة قديمة ذات إطار حديدي متين، ليمسح الأتربة العالقة على حافاتها , وفي تلك اللحظة، وحين استقرت الساعة الجدارية بين كفيه، داهمته لحظاته المروعة في وقت تجاوز منتصف الليل وبقوة جبارة ارجع الساعة إلى الخلف وقذفها الى الامام , فاستدارت لترتطم بالحاجز الرقيق.. اخترقته وتحطم زجاجها على رؤوسنا أنا وزوجتي وأطفالي. . تبللت أجسادنا بملمس لزج ساخن.

استجمعت ما بقى في رأسي من تركيز، قدت أطفالي إلى الخارج، تتبعنا زوجتي التي أربكتنا بالصياح.

ــ ما الذي حدث.. أين نحن، ما الذي حدث ؟

خرج الجيران جميعهم يتساءلون:

ــ ما الذي حدث.. ما الذي حدث؟ !

وحين أفاق (عبد الله) من جنونه، أربكه الصياح في الشارع، واستغرب من الفتحة التي حدثت في الجدار الفاصل بيننا .. خرج مسرعا يتساءل هو الآخر:

ــ ما الذي حدث.. ما الذي حدث؟

يتساءل بلوعة واسى، يستفهم منا عن الدم الذي لون وجوهنا وأجسادنا وملابسنا. كان أكثرنا استغرابا ودهشة. وحين دخلنا ثانية إلى (الكرفان) رأينا الحاجز متهشما. كان الجيران يتزاحمون في الدخول، والساعة التي تناثر زجاجها الملطخ بالدم وسط الغرفة وعقربي الساعات والدقائق منغمسين في دماء لازالت ساخنة... حاولنا إعادة العقارب المنزوعة بفعل قوة الاصطدام إلى وسطها فلم نستطيع باستثناء عقرب الثواني الذي ظل يدور في قلب الساعة، ساخنا ولونه احمر... وعلى الرغم من تناثر زجاج الساعة وإطارها الخارجي الضخم إلا إنها ظلت محتفظة بحركة ماكنتها.

 

تابع موضوعك على الفيس بوك  وفي   تويتر المثقف

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2216   الجمعة  31 / 08 / 2012)

في نصوص اليوم