نصوص أدبية

ناجي ظاهر: أبي والكردي

أحب أبي رحمه الله بائع الخردة الكردي حبًا ملك عليه مشاعره، فقد كان يحييه بحرارة ويحسن ملقاه له، ويدعوه لمشاركتنا أكلنا البسيط في حال تيسره، الامر الذي جعله يشعر نفسه واحدًا منّا، فكان كلّما مرّ من باب بيتنا، وما أكثر ما كان يمرّ، يُميّل علينا لشرب فنجان قهوة.. إذا توفّر أو فنجان شاي.. وإذا لم يتوفّر لا هذا ولا ذاك.. فإن فنجان زوفا من الوعر القريب يقوم بالواجب، وكنت أتابع ذلك الضيف المُرحّب به دائمًا وأبدًا، وهو يتحرّك على مقعده في غرفتنا الكشافية الوحيدة، فأشعر بسرّ ما يقف وراءه.. ووراء ترحيب أبي الشديد به. ترى مِن أين جاء هذا الرجل الذي يرتدي البدلة العتيقة الرسمية، ولماذا هو يبدو قلقًا إلى ذلك الحدّ الذي بدا عليه؟. وإذا كان قريبًا منّا إلى هذا الحدّ لماذا هو يُصرّ على أن يأخذ ثمن ما نشتريه منه من ملابس قديمة ومستعملة على داير بارة؟.. فهمت مبكرًا.. باجتهادي الطفولي المتواضع حينها، أنه مشرّد مثلنا وأن أيدي نكبة أخرى تشبه نكبتنا قذفت به من سوريا مثلما قذفت بنا من قريتنا سيرين، لنستقر في جبل سيخ المتربّع على كتف الناصرة، لهذا كثيرًا ما كنت أرى في عينيه أسى عميقًا.. لا يخفى، وما زلت اتذكّر كيف كان دائمَ التلفّت في كل مكان تقع عليه عيناه وكأنما هو خائف من مجهول يوشك أن ينقضّ عليه. ترى ممَ كان يخشى ذلك الرجل؟.. هذا ما أقلقني في تلكك الفترة وحاولت أن أجد الاجابة عليه دون أن أحظى بإجابة مقنعة.

دخل علينا هذا الكردي ذات يوم شتوى ماطر بارد شديد البرودة، من أيام الستينيات، وهو يحمل عددًا وفيرًا من البدلات العتيقة، وراح كعادته يعرض على أبي ما حمله من "متاع غالي الثمن ويحمي البدن"، كما ردد دائمًا حين عرضه حمولته.. تفحّص أبي البدلات كلها، دون أن تلفت نظره واحدة منها، ورغم إيغال صديقنا البائع في الشرح والتوضيح الممزوج بالترغيب حينًا باللون الاسود المحبّب لدى أبي، وآخر بجودة القماش.. الجوخ، فقد أصرّ أبي على أنه ليس بحاجة اليوم إلى أية ملابس، ولاحظت يومها أن أبي يبحث عن طريقة للتخلّص من الحاح صديقه وأنه سرعان ما عثر على بغيته، أرسل نظرة إلى بنطلون الكردي وقال وهو يؤشّر إليه:

-مثل هذا أريد.

مرّر الكردي يده على بنطلونه:

-هذا برتشز.. غالي الثمن.. إنه أغلى قليلًا من غيره. 

لمعت عينا أبي:

-معك واحد منها؟

ردّ الكردي:

-الآن لا يوجد معي.. سأدبّر لك واحدًا منها قريبًا.

ابتسم ابي لا أعرف السبب، هل لأنه تخلّص من الاحراج بسهولة، ام لأنه تخلص من زيادة دَينه لدى زائرنا التاجر الكردي؟.. كان هذا في ساعات ما قبل المساء.

غادر الكردي بيتنا حينها ليعود إليه بعد ساعتين وهو يرتجف من شدّة البرد:

-لقد عثرت على بغيتك.. قال وهو يقدّم لأبي بنطلون البريتشز.. تناول أبي البنطلون من يده، تفحّصه للتأكد من أنه ملائم له ولائق، وغاب لحظة وراء ستارة علّقها في أقصى غرفتنا الوحيدة في الكشاف.. غاب لحظة وعاد يرتدي البرتشز.. كان يتقافز مثل فارس بريطاني عن حق وحقيق، الامر الذي نشر الفرحة في البيت، خاصة لدى زائرنا الكردي. توقف أبي عن تقمّزه بصورة مفاجئة وتوجّه إلى صديقه:

-كم تطلب به.. أرجو أن تخفّف يدك علينا.. أنت تعرف البير وغطاه.

ابتسم الكدري:

-يكفّي ما لديّ عليك من دين.. اعتبره هدية مني.

ما إن سمعنا ، أبي وأنا، ما قاله الكردي، حتى انتابتنا حالة من الاستغراب، فما الدي يجعل تاجرًا متجولًا وبخيلًا إلى حدّ بعيد، يتكرّم على أبي كل ذلك الكرم؟ ولماذا هو أصر على أن يأخذ دائمًا ما لديه من دين علينا بكل قوة.. وها هو الآن يقدّم بنطلون البريتشز هدية صافية إلى أبي؟

سهر الكردي عندنا حتى ساعة متقدمة من الليل، وكان أبي كلّما فرغ إبريق الشاي يطلب من أمي أن تملأه مجددًا، ليشربا، الكردي وهو، الشاي ماءً زلالًا، احتفاًء بتلك اللحظة الفريدة التي جمعت بينهما، لحظة البريتشز. أعترف أنني افتعلت النوم وبقيت مفتح العينين ساهرًا، وفي خاطري أن أعرف سبب تكرّم الكردي في ذلك المساء وإهدائه البنطلون لأبي. وبقيت ساهرًا إلى أن استمعت إلى الحديث التالي:

الكردي: هل تعتقد أنني سأتمكن من العودة إلى أهلي وبيتي في سوريا؟

أبي: الشوق يكاد يقتلني لأهلي وقريتي.. آخ لو أن العمر يطول ونعود إلى بيوتنا واراضينا.

الكردي: لا يوجد أغلى من الوطن..

سهر الاثنان يومها حتى ساعة متقدمة.. تجاوزت منتصف الليل، وداعب الوسن جفوني، فخرجت من ذلك الواقع المرّ.. إلى الحلم الجميل.. رأيت الاثنين.. أبي وصديقه الكردي.. ينطلقان في ذلك الليل.. كل منهما ببنطلونه البريتشز، ويمتطي كلٌ منهما فرسه المطهّمة الاصيلة.. وينطلقان كلٌ باتجاه.. الكردي باتجاه سوريا وأبي باتجاه سيرين.. كانت تلك من أجمل ليالي الطفولة المعذبة.. وما زلت أعيشها بشوق يُشبه نارًا في راس الجبل.. تشتعل و.. لا يخبو لها اوار.

***

قصة: ناجي ظاهر

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5848 المصادف: 2022-09-09 04:14:00


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5930 المصادف: الاربعاء 30 - 11 - 2022م