نصوص أدبية

عبد القهّار الحَجّاري: عطر الموتى

كانت البنت قد خرجت خلسة، لا أحد يحفل بالأم وهي تتوحم، هي وحدها أحست بها، أو هكذا بدا لها، هي لا تريد فاكهة، ولا لحما ولا خضراوات نادرة، ولا أي شيء تأكله، قد لاحظت البنت أنها لم تكف منذ الصباح عن الحديث عن الروائح، قالت لها وهي تتشمم الهواء:

- عطر.. عطر غريب.. ساحر يا ابنتي!

دلفت البنت يمنة في زقاق طويل، بسوق زحفت عليه العتمة سريعا، تريد أن تجد قارورة العطر تلك. عشرة دراهم في كفها، تمسك بها بقوة. تذكر أنها في وقت ما كانت قد رأت تلك القارورة الصغيرة العجيبة، في محل غير بعيد بهذا السوق، لا بد أن تجدها، ولا بد أن تقنع البائع بمساومتها، ستحصل على هذا العطر الذي تتوحم به أمها وتأتيها به.

الليل اجتاح المدينة، البنت تبحث عن قارورة العطر، يخبرها صوت بداخلها أنها ستجد ذلك العطر خائفة حائرة.. لكنها مصرة على إيجاد المحل، لا تزال قطعة النقد في كفها المطبقة، تسير بسرعة.. تتوغل في درب مظلم.. تسير وقلبها الصغير يدق.. هناك في عمق الظلام ضوء، تسير نحوه.. هناك، ربما يوجد ذلك المحل.. تسرع الخطى.. ستجد ذلك المحل، لا محالة.. والقارورة الساحرة الصغيرة لا بد انها تتربع على رف بالواجهة الزجاجية للمحل، إنها في شكل قلب فاتن أحمر، يلف جيدها خيط حرير رفيع ذو لون زهري ورأسها الصغير يحمل طربوشا أحمر.. تسير بإصرار، متوجسة، مسرعة.. استدار الدرب.. بلغت بقعة الضوء، وجدت بابا خشبيا مهترئا، به فجوات وشقوق يتسلل منها الضوء، كما تسللت هي من البيت لتحضر ذلك العطر الساحر لأمها، توقفت قليلا، ترهف السمع.. سكينة مطبقة.. تقدمت نحو الباب المهترئ.. قلبها لا يزال يدق بقوة.. دفعت دفة الباب بحذر.. أصدر صريرا مخيفا.. تردد صداه في الزقاق.. اقشعر جسدها الصغير.. فكرت أن تعود أدراجها.. لكن الأم تتوحم بالعطر، تلك القارورة لا بد أن تحصل عليها، نزلت في درج معشوشب مضاء بمصباح معلق في الجدار، كان هناك مدخل.. سمعت خرير الماء.. دخلت.. رأت شموعا تضيء غرفة، دخلت الغرفة.. رأت حوضا ونافورة ماء.. رأت قارورات عطر فارغة، وأخرى بها أنصاف، في كل مكان من الغرفة، في وسط الحوض ثقب صغير كمجرى للماء، سمعت أصواتا رجالية خلف الجدار، هرعت خارج الغرفة، صعدت الدرج، رأت رجلا ملتحيا، يتبعها ويناديها:

- تعالي يا ابنتي!... لماذا دخلت حمام الموتى؟

توقفت قليلا، أجابته حائرة :

- حمام الموتى؟!.. لكنني أريد قارورة العطر الصغيرة الجميلة.

عندما كاد يقترب منها، توجست منه، قال لها في تودد:

- أنت قارورة العطر!

تحسست جسدها ورأسها

- أنا؟ لا!

- تعالي!.. أعطيك عطرا ساحرا

- لكنه عطر موتى!!

خافت منه كثيرا.. كان قد بدأ يصعد الدرجات.. لمحت في عينيه بريقا لم يعجبها.. جرت في الزقاق الطويل المظلم.. كانت تعدو وتصرخ.. وكان هو خلفها، يمسك تلابيب جلبابه بأسنانه وهو يلاحقها.. وكان النور يلوح في أفق الزقاق شيئا فشيئا...

***

قصة

عبد القهّار الحَجّاري

 

 

في نصوص اليوم