نصوص أدبية

عبد الرزاق اسطيطو: الطفل وقفص العصفور

وقف الطفل أمام أقفاص العصافير وبدأ يتفرج عليها ويتابع حركاتها، ويلاعبها بأصابعه الصغيرة، مستمتعا بزقزقاتها وألوانها الجميلة، فيما كان والده منشغلا بمساومة صاحب المحل على ثمن  بعض العصافير وقطة صغيرة رمادية اللون عيونها مازالت مغمضة، وكان مواؤها أشبه بالأنين مما دفعه لإنقاذها من القفص...كانت عادته كلما زار السوق الكبير للمدينة من أجل شراء مؤونة البيت، أن يمر على بائعي الطيور والحيوانات الأليفة فيشتري بعضها ويطلق سراحها بسعادة غامرة.. الطفل وهو يلاعب العصافير المختلفة أشكالها وألوانها طلب من والده أن يشتري له قفصا به عصفور الحسون، وعندما صار القفص بين يديه رفض أن يطلق سراح العصفور كما طلب منه والده، وعلا صوته في السوق بالبكاء والصراخ والاحتجاج حتى اجتمع عليهم كل المتسوقين لاستطلاع الأمر وانقسموا بعد أن علموا بالموضوع إلى فريقين، فريق مع فكرة الوالد وفريق مع براءة الطفل وتربية العصافير، ورضخ والد الطفل في النهاية للأمر الواقع بعد أن خطرت بباله حيلة ترضيه وترضي طفله، فأدى ثمن القفص والعصفور وأخذ بيد ابنه وقصد حديقة غناء بجانب السوق أشجارها وارفة... عندما جلسا على كرسي طويل من كراسيها الخشبية المتناثرة في أرجائها وهدأ بال الطفل بدأ يحكي له قصته مع العصافير قائلا  :"كنت طفلا مثلك يا بني وكان حبي للعصافير والفراشات  مثل حبك هذا أو أكثر، كنت أول من ينهض من أسرتي ساعة آذان الفجر حتى ولو كان الجو ممطرا...بعد الصلاة وطلوع النهار أحمل قفصي وبه عصفور الحسون وأخرج قاصدا البساتين والحقول المخضرة والأشجار المثمرة المجاورة لحيينا حيث تتدفق  مياه النهر مضمخة برائحة البرتقال، كنت أعود إلى البيت بعد آذان الظهر سعيدا بما اصطدت من العصافير خاصة أيام فصل الصيف حيث يكثر صغار الحسون، كنت أبيع جلهم لأصحاب محلات بيع العصافير وأحواض الأسماك واحتفظ  بأجملهم وأعذبهم صوتا من أجل تربيتهم وتعليمهم أصول التغريد ...لكن عندما كبرت قليلا وبدأت أعشق قراءة القصص والروايات إلى جانب تربية الطيور والحمائم، سقطت بين يدي من حيث لا أعرف رواية أيام من حياتي لزينب الغزالي وبعدها رواية شرق المتوسط لعبدالرحمن منيف...فالعريس لصلاح الوديع.. وخلف  القضبان... والفراشة لهنري شاريير.. فبدأت يا بني أطلق سراح العصافير وأكسر الأقفاص الواحدة تلو الأخرى نادما على سجنها طوال هذه السنين، كنت  أفعل ذلك كما لو أني كنت أحرر أبطال تلك الروايات من عذاب السجن وذله، وظل والدي فترة طويلة مستغربا باحثا عن سبب انقلابي وتحولي هذا، وازداد كرهي للأقفاص عندما سجنت بسجن العقارب وذقت عذاب الجلاد وظلمة الزنزانة وجحيمها في قلب صحراء مترامية الأطراف حيث البرد وسم العقارب والأفاعي والحشرات والقمل والأمراض والتعذيب بالليل والجوع والحر والألم بالنهار ...كنت آنذاك يا بني مازلت طالبا بالجامعة أدرس الأدب والفنون عاشقا للحرية حالما بالمدينة الفاضلة حيث العدل والمساواة بين الناس ..قبضوا علي رفقة مجموعة من الطلبة العرب والأجانب واتهمونا بالانتماء لحزب  يساري محظور وبالعمالة وخيانة الوطن وحكموا علينا جميعا بالسجن لمدة عشرين سنة وهناك يا بني عرفت قيمة الحرية ومعنى أن تكون سجينا سياسيا " التفت الأب إلى طفله بعد أن أكمل سرد الحكاية، وكان عصفور الحسون مازال خائفا مرعوبا لا يتوقف عن الحركة والزقزقة وعد أسلاك القفص بمنقاره من غير كلل ولا ملل مثل le papillon بطل فيلم الفراشة يبحث سلكا سلكا عن منفذ للحرية،  وربت على شعره بحنو قائلا: "جرب يا بني بنفسك أن تفتح باب القفص للعصفور فإذا طار فله حريته وإذا ظل في القفص فهو لك إضافة إلى ذلك سوف أعود رفقتك من جديد إلى السوق واشتري لك عصفورا آخر يؤنسه "الطفل أعجبه الاقتراح وطمع في العصفور الثاني، وبمجرد ما فتح باب القفص أطلق الحسون بخفة البرق جناحيه للريح تاركا عيني الطفل في دهشة وحسرة تراقبانه إلى أن غابت ألوانه الزاهية بين أغصان وأوراق شجرة الكالبتوس التي كانت تتوسط الحديقة، وشرع الحسون بعد أن استرد حريته في التغريد بكل ما يملك من قوة ومهارة ورقة مما جعل الكل ينصت إليه بإعجاب شديد وأولهم الطفل الذي كان يمني النفس وهو على شرفة البيت بامتلاك هذا التغريد الشجي لوحده.

***

عبد الرزاق اسطيطو

في نصوص اليوم