نصوص أدبية

نضال البدري: التِّمثال

كنّا ننتظر بفارغ الصبر ارتفاع صوت شخير جدتي، وانشغال والدتي بأعمال المنزل كي نتسلل خلسة إلى صالة الضيوف، وهي أكبر غرف المنزل مساحة، متشوقين إلى الدخول إليها، للّعب والاختباء خلف طقم كراسيها الفارهة والمزيّنة بتيجان طليت باللون الذهبي، ونقوش حفرت بدقة عالية. حذرين من الاقتراب منها والجلوس عليها، تجنباً لغضب والدتي وتحذيراتها المستمرة وتوبيخها لنا، وهي تردد قائلة: إنه طقمٌ (أسيوطي) نادر. لم يكن وحده نادراً فحسب، بل كانت هناك تحف ثمينة من الكريستال حُفظت داخل (فاترينة)، وهي خزانة من الزجاج لها أربعة أرجل من خشب الصاج، يمنحك شكلها وأنت تقف أمامها شعوراً بأنك داخل أحد المتاحف، لا ينقصها لتبدو كذلك سوى لوحة تحذير تُوضع بجانبها ويُكتب عليها ممنوع اللمس. كما تحتوي الصالة أيضاً على صورة كبيرة لجدّي تتوسّط إحدى جدرانها، وهو يعتلي صهوة جواد أبيض بزيه العربي وكأنه أحد رجال ثورة العشرين. وأكثر ما كان يجذبنا في هذه الصالة هو تمثال مصنوع من الجبس يقف منتصباً في إحدى زوايا الصالة لامرأة تحمل فوق رأسها جرّة من الخزف، نُحت جسدها بشكل أبرز جمال صدرها النافر وخصرها النحيل وانسيابيتة،  تقف ممسكة بيدها أحد طرفي ثوبها الطويل ليكشف عن جمال ساقين ممتلئتين مبرومتين بعناية، وحين تنظر إلى وجهها ترى عينين رُسمتا بدقة عالية تحدّقان في كلّ من ينظر إليها طويلاً. ربطت والدتي تمثال المرأة بشريط ٍ لفّته حول خصرها بجانبِ أحد الكراسي، خوفاً عليها من الكسرِ! أو ربما خوفاً من أن تتسلل إلى غرفة والدي وتضاجعه ليلاً!! كنت أنا وأخي طوال الوقت نرقب باب الصالة، كي نقوم بالاقتراب منها ولمس ثدييها وساقها المكشوف المثير، والنشوة تغمرنا. (ما هو غير ذي حاجة عند غيرك قد يكون ذا حاجة مهمة عندك)، كانت نظرتها الصامتة تجذبنا، بل تغوينا وكأنها تدعونا إلى الرقص معها، كان ذلك حلمَ كلّ واحد فينا، فكرتُ في ذلك كثيراً، وقررتُ حلّ الوثاق المربوط حول خصرها، فربما يتحقق حلمي وتقوم بالرقص معي أنا فحسب. كانت تلك الرغبة ملحة لدي، ربما لأنني أكبر من أخي سناً، لكن فجأة تلاشى ذلك الحلم وتبخّر سريعاً، حين قدِمت عمّتي وحلّت ضيفة عندنا، وشغلت صالة الضيوف طوال الوقت تقريباً، إذ كانت تقضي نهارها في الصلاة والتسبيح محوّلة تلك الصالة إلى صومعةٍ للعبادة، وفي الليل تنام في الصالة فوق فراش وضعته لها والدتي وتريح جسدها النحيل.

تبادلنا أنا وأخي نظراتٍ حيرى بعد أن طال مكوث عمّتي، وارتفعت مناسيب الكآبة عندنا، متمنّين مغادرتها في أقرب وقت ممكن، كي نتسلل كالسابق إلى الصالة ونكون بالقرب من ذلك التمثال. وفي أحد الأيام وقد أثقل الأرقّ نومي وبقيتُ مستيقظاً حتى وقت متأخر، تناهى إلى سمعي صوت صرخة آتية من صالة الضيوف!! وكأنه صوت عمّتي، نهضتُ وهرعتُ مذعوراً نحو غرفة والدتي بالكاد تحملني قدماي، طرقت الباب طرقاً خفيفاً، فتحت والدتي الباب ورأت الخوف في عيني، تقدّمت نحوي كي تضمّني إليها محاولة تهدئتي!! قبل أن تسألني، سبقتها بالقول: اطمئني أنا بخير، حينها سمعنا صوت صرخةٍ آتية من غرفة الضيوف، أظنّ أن الصوت صوت عمّتي. أسرعت ووالدتي إلى الغرفة لنجد عمّتي فاغرة فاها مشدوهة لا تقوى على الحراك والكلام ولا حتّى الصراخ، صدمني ما رأيت! تراجعت عدّة خطوات إلى الخلف حتّى التصق جسدي بالجدار وأنا مصدوم ممّا رأيت، وقع نظري فوق التمثال، كانت نظرات عمّتي صامتة لكنها تحمل صخب الدنيا وما فيها، أسرت خوفاً في جسدي على إثره، وأسرعت إلى غرفتي، وأنا أرتعد فوق سريري من الخوف متكوراً كجنين تحت غطائي، ولم أعلم ما حصل لعمّتي فأنا لم أغادر غرفتي حتى الصباح. نهضتُ متجهاً إلى غرفة عمّتي للاطمئنان عليها بعد أن سمعت صوت أمّي وهي تتحدّث إليها. كنت واقفاً أنظر فحسب، منتظراً ما سترويه عمّتي بعد أن تحسّن حالها بعض الشيء. بدأت بالتحدّث بنبرة غير مستقرة، قائلة: بدأ قدم التمثال يتحرّك ويتقدّم نحوي، فركت عينيّ لاستيعاب أنّي لم أكن أحلم، لكن ما أكّد ذلك بأن تمثال المرأة اقترب أكثر مني، ومالت بجرّتها نحوي وسكبت الماء على وجهي، صرختُ، وشعرتُ بأني أغرق، على إثرها غبتُ عن الوعي ولم أشعر بشيء. صمتت والدتي بعض الوقت ثم أسرعت إلى غرفة الضيوف وكأنها تتفقد شيئاً قد نسيته، ثم عادت وأمارات الغضب تعلو وجهها قائلة بصوت مرتفع وهي تكرر: مَن حلّ الرباط الموضوع حول خصر ذلك التمثال؟ مَن؟

مِن يومها وذلك الحدث يتردّد في مخيلتي باستمرار، ويعود بي إلى وعي طفوليٍّ غابرٍ يتساءل ولا يجد جواباً عن سؤاله.

***

نضال البدري / العراق

في نصوص اليوم