قضايا وآراء

نقد النخبة السياسية في العراق (1-3) / ميثم الجنابي

إذ يرتقي هذا التلازم إلى مصاف الحتمية. وفيه تظهر ليس فقط حقيقة القدر بل وإمكانية البدائل للخروج من ربقته. فالقدر هو الوجه الآخر للقدرة. وعلى قدرها تتراكم حقيقة ما ندعوه بالمصير في عقل وضمير النخب الاجتماعية والفكرية والسياسية. كما انه يتراكم في مواقف المجتمعات والأمم بأشكال ومستويات شتى من الخنوع لكل ما يجري حتى المواجهة والتحدي والاستعداد للتضحية بالنفس من اجل ما يرتقي في عقلها وضميرها إلى مصاف المقدس، أي كل ما يرتقي في وعيها وضميرها إلى مستوى المجرد عن الابتذال. وفيما بين هاتين الحالتين، أي الخنوع حد العبودية السافرة والتوكل الزائف على قيم أكثر زيفا، والاستعداد الدائم للمواجهة والتحدي مهما كانت الظروف والقوى الخارجية، تكمن أيضا قيمة النخب والأمم على السواء. وهي حقيقة سبق وان سجلها الفكر الإسلامي في عبارة مأثورة تقول "الناس على دين ملوكها"! وهي فكرة يمكن تأويلها في ظروفنا المعاصرة على أن الأمم على دين نخبها بشكل عام والسياسية بشكل خاص. وذلك للدور الذي تلعبه النخب السياسية الآن في حياة المجتمع.

وهي حقيقة تدفع مهمة صياغة ما يمكن دعوته بفلسفة النخبة السياسية، باعتبارها إحدى أهم القضايا الجوهرية في ميدان الفكر والممارسة السياسية العراقية (والعربية عموما). وذلك لما للنخبة السياسية من دور حاسم في حسم الإشكاليات التي تواجهها الدولة والأمة. فعندما ترفع الجماهير شعارا بائسا فان ذلك مؤشر على بؤسها المادي والروحي، وعندما تكشف الجماهير عن بؤسها المادي والروحي فان ذلك دليل على بؤس النخبة بشكل عام والسياسية بشكل خاص. ولعل احد المصادر الكبرى لبؤس النخبة في ظروف العراق ما بعد التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية يقوم في آلية الحزبية الصلدة و"الحية" في رؤية النخب وسلوكها العملي. وهي آلية لا يمكنها إبداع رؤية وطنية عامة. بينما تشكل الرؤية الوطنية العامة صلب المضمون الفعلي للنخبة السياسية زمن الانقلابات الحادة والإشكاليات الكبرى التي تواجه الدولة والأمة. وذلك لما في هذه الرؤية العامة من استجابة لمستوى ونوعية وحجم التحديات. فالقضايا الكبرى التي تواجهها الدولة والأمة زمن الانقلابات الكبرى هي قضايا الجميع. بمعنى أن المشاكل القائمة مهما كان حجمها ونوعها يبدو في الظاهر منفردا أو معزولا أو جزئيا، فانه في الواقع مجرد عينة لمشاكل عامة ومترابطة وكلية. وهي حالة طبيعية تعكس ترابط الأشياء والظواهر، إلا أن خصوصيتها زمن الانقلابات الكبرى تقوم في قدرتها على إثارة سلسلة من التداعيات لا يمكن ترتيب الأوليات فيها. وذلك لان الانقلابات الكبرى والعاصفة تجعل من الممكن صعود مختلف الظواهر الراديكالية واللاعقلانية. وذلك بسبب الخلخلة الهائلة في بنية العلاقات الاجتماعية والاقتصادية، مع ما يترتب عليه من "ضياع إيديولوجي" وقلق روحي ومعنوي. وهي مكونات متناقضة من حيث تأثيرها على السلوك السياسي. فبالقدر الذي يمكنها أن تكون مقدمة لبدائل عقلانية من خلال شحذ فكرة الحرية والحقوق، فإنها تحتوي بالقدر نفسه على مختلف الاحتمالات غير العقلانية والدموية. وهما احتمالان يحددهما وجود أو غياب الرؤية الوطنية العامة في فكر وممارسة النخب السياسية.

وعندما نطبق هذا المدخل العام على واقع العراق الحالي الذي يمثل نموذجا كلاسيكيا لحالة الانتقال الحادة والعاصفة في تاريخ الدولة والأمة، فإننا نقف أمام الاحتمالين الأساسيين المذكورين أعلاه. واقصد بذلك إمكانية بناء أسس الدولة الشرعية والحقوق المدنية أو الانكفاء صوب مختلف أشكال الصراع غير العقلاني (حرب أو حروب قومية وطائفية وجهوية وغيرها). وعندما نفحص العينات المتناثرة لمختلف أشكال ومظاهر الصراع الحالي فإننا نتوصل إلى وجود براعم جميع هذه الأشكال المتخلفة من الصراع. وهو واقع يبرهن بعد مرور ثلاث سنوات على سقوط التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية، من أن النخب السياسية الجديدة لم ترتق بعد إلى مصاف الرؤية الوطنية. بمعنى أنها جميعا مازالت محكومة في رؤيتها وسلوكها العملي بآلية النفسية الحزبية. وهي آلية لا تتمتع في ظروف العراق الحالية بالقدر الضروري من العقلانية، كما أنها لم ترتق بعد إلى مصاف الرؤية الوطنية العامة. وهو أمر جلي أيضا عندما نحلل نوعية ومستوى خطابها والمطالب المتناثرة في برامجها الانتخابية في نهاية 2005 وما تلاها من تخبط مزري حول تشكيل الحكومة وكذلك مختلف حوادث الحرب الطائفية والأهلية والقومية. وهي وقائع تكشف أولا وقبل كل شيء عن ضعف أو انعدام الرؤية الوطنية.

إن حالة العراق الحالية وكمية ونوعية التحديات التي يواجهها تفترض من النخبة السياسية الارتقاء إلى مصاف الرؤية الوطنية العامة. وقد تبدو هذه الرؤية "خسارة" بمعايير الدعاية الفجة والمصالح الآنية بسبب مستوى التجزئة الفعلية في العراق وخراب النسيج الاجتماعي والوطني وتدني الثقافة بشكل عام والسياسية بشكل خاص، إلا أنها "مربحة" بمعايير المستقبل والتاريخ. والنخبة السياسية الحقيقية هي التي تعمل وتفكر بمعايير المستقبل والبدائل العقلانية وليس الانجرار وراء الرؤية الحزبية الضيقة ولا عقلانية الشعارات السياسية المحكومة بتدني المستوى الثقافي. ذلك يعني أن وجود وفاعلية النخبة السياسية الوطنية تفترض في ظروف العراق الحالية الارتقاء في مواقفها النظرية والعملية، أي في مشاريعها وسلوكها السياسي إلى مصاف التحقيق الفعلي للنسبة الضرورية بين الواقعية والعقلانية في رؤية المصالح الخاصة والعامة، أي الحزبية والوطنية. وهو ارتقاء ممكن وعملي فقط في حال تمثل وتمثيل مجموعة من المبادئ العامة التي تشكل بمجموعها منظومة المرجعيات الوطنية الكبرى. وهي مرجعيات لا يمكن تجزئتها، كما لا يمكن إرسائها دون توحيد الهموم الوطنية في الوسائل والغايات. وهذا بدوره يستحيل تحقيقه دون تأسيس فكرة الهوية الوطنية العامة.

إن توحيد الهموم الوطنية تصبح غاية زمن الانقلابات الحادة، لكنها مرجعية بالنسبة للبدائل. وفي هذا تكمن قدرتها على أن تكون وسيلة سياسية حالما يجري وضعها في منظومة الرؤية الوطنية تجاه المشاكل التي يعاني منها المجتمع والدولة. وإذا كان بلوغها يبدو أمرا غاية في التعقيد زمن الانقلابات الحادة واشتداد الصراع، فلأن النخب السياسية تعمل بمعايير الرؤية الحزبية وليس الوطنية. ومن ثم فان الرؤية الواقعية تفترض في هذه الحالة إدراك الحدود الذاتية للقوى المتصارعة والمختلفة. بمعنى البحث عن مساومة بمعايير الرؤية الوطنية. وهي حالة يجبر الصراع الحامي والدامي الجميع إلى الوصول إليها في حالة عدم إدراكها العقلاني استنادا إلى تأمل تجارب الأمم جميعا. ذلك يعني أن وحدة الرؤية الواقعية والعقلانية هي الملجأ الضروري لتوحيد الهموم الوطنية. ومهمة النخبة الحقيقة تقوم في استباق الصراع باسم الاستشراف العقلاني للمستقبل. وهو استشراف يفترض على الدوام البحث عن توازن واعتدال تجاه الإشكاليات الكبرى التي تواجهها الدولة والأمة. وهي حالة ممكنة في العلم والعمل، أو النظرية والتطبيق حالما تصبح المرجعية الوطنية المعيار النهائي للأحزاب والنخب السياسية.

غير أن المرجعية الوطنية، شأن كل مرجعية روحية كبرى تفترض وجود منظومة من المبادئ المتسامية والملموسة، أي منظومة من المبادئ القادرة على تفعيل الرؤية الواقعية والعقلانية عند الأحزاب والنخب السياسية. ففي ظروف العراق الحالية من الصعب تقديم رؤية واحدية أو إيديولوجية جامعة أو عقيدة مهما كانت عملية، تستطيع صنع إجماع في الرؤية ومن ثم توحيد الهموم المختلفة في مشاريع وطنية. وذلك بسبب طبيعة وعمق التجزئة القومية والعرقية والطائفية والجهوية والاجتماعية والاقتصادية المختلطة بقدر يصعب رسم حدوده من التخلف الثقافي والانحطاط المعنوي، مع استشراء فضيع للبنية التقليدية في كافة ميادين ومستويات الحياة الفردية والاجتماعية. وهو الأمر الذي يجعل حتى الماضي والحاضر والأديان والعقائد والقومية والطوائف مصدر الخلاف والشقاق. ومن الصعب إلغاء كافة هذه المصادر انطلاقا من أن وجود قومية واحدة أفضل من قوميات متعددة، ووجود دين واحد أفضل من تعدد أديان، ومذهب واحد أفضل من مذاهب. إلا أن التجربة التاريخية للعراق، وبالأخص في مجرى عقود التوتاليتارية البعثية قد كشف عن أن محاولة توحيد الجميع وصنع الكل بالقوة قد أدت إلى تخريب الكلّ. إضافة لذلك ليس التنوع في العراق هو مصدر الخلاف والشقاق، بل عدم توظيفه الواقعي والعقلاني. فالتنوع هو تاريخ العراق وفيه احد مكونات صيرورته التاريخية وكينونته الثقافية. والارتقاء إلى إدراكهما وتوظيفهما بما يخدم مشاريع النهضة الوطنية ينبغي أن يكون مضمون الفلسفة الوطنية للنخبة السياسية البديلة. بمعنى العمل من اجل إلغاء التنوع التقليدي والمغلق من خلال إلغاء زمن التوتاليتارية عبر بناء الوحدة الوطنية الثقافية. وهي وحدة ممكنة على أساس ما ادعوه بفلسفة الاستعراق، أو فلسفة الهوية الوطنية العراقية. وهي فلسفة مبنية على عشرة مبادئ كبرى وهي: أن العراق ليس تجمع أعراق، وانه هوية ثقافية سياسية، وأن العراق غير معقول ولا مقبول خارج وحدة مكوناته الرافيدينية العربية الإسلامية، وأن العربية الإسلامية هي جوهر ثقافي، وأن الهوية الثقافية المفترضة للعراق والعراقية هي الاستعراق، وأن الاستعراق ينبغي أن يكون الحد الأقصى للقومية في العراق، وهو البيت الذي تتعايش فيه جميع مكونات العراق بصورة متساوية ومنسجمة، كما انه هو ضمانة البقاء ضمن الهوية التاريخية الثقافية للعراق والاحتفاظ بالأصول الذاتية لمكوناته، وأن الخروج على الاستعراق هو رجوع إلى مختلف أشكال البنية التقليدية المتخلفة ومن ثم لا يعني من وجهة النظر الوطنية والمستقبلية سوى الخروج على منطق الهوية الثقافية للعراق والعراقية وعلى مكونات وجودهما الجوهرية, أما الخروج على الاستعراق فهو خروج على الحكمة الثقافية والسياسية لتاريخ العراق وبالتالي فهو خروج على القانون أيضا.

إن ارتقاء النخبة السياسية إلى مصاف الإدراك الفعلي لمنظومة المبادئ المكونة لفكرة المرجعية الوطنية العراقية هو الوحيد الذي يكفل لها المستقبل. وذلك لان هوية العراق الفعلية والواجبة هي هوية المستقبل فقط. وفكرة الاستعراق الآنفة الذكر تهدف أساسا إلى بناء هوية المستقبل بوصفها منظومة عملية للمعاصرة. فهي القاعدة الوحيدة لإرساء أسس الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي والمجتمع المدني، أي الأضلاع الوحيدة القادرة على إخراج العراق من مأزقه التاريخي. وهي غاية يستحيل تحقيقها دون وجود نخبة ترتقي إلى مستواها. بعبارة موجزة، إن العراق بحاجة إلى نخبة وطنية حقيقة، أي إلى نخبة المستقبل، أي إلى نخبة عقلانية قادرة على رسم وتنفيذ إستراتيجية التنمية الشاملة، لكي لا تكون مثل ذلك السلطان الذي اعترض مرة احد المتصوفة طريقه، فاقتاده حراسه إليه مربوط اليدين

- لماذا تقطع الطريق علي؟ ألا تعرفني؟! سأله السلطان

- بلى أعرفك!

- ومن أنا؟!

- إن أولك نطفة تافهة وآخرك جيفة نتنة! وما بينهما كيس يحمل الخراء!!

   

عندما نتأمل تجارب التاريخ والأمم، فإننا نقف أمام مجموعة من الحقائق تبدو في ظاهرها وباطنها اقرب إلى البديهة والحدس منها إلى "حقيقة صعبة"، أي حقائق لا تثير الجدل العقلي. لكنها يمكن أن تستثير مغالطات أنصاف المتعلمين وأشباه المثقفين من بين الساسة والمتسيسين. وهي مغالطات لا علاقة لها بالعقل والمنطق، بقدر ما أنها تختنق في دخان المغالطات المميزة للضمائر الخربة والقلوب الخائرة لتخرج في أنفاس المؤامرات الصغيرة والمغامرات الخطرة بالنسبة للدولة والمجتمع. وهي الحالة التي يقف أمامها العراق، بعد معارك الجدل والمغامرات العديدة التي سبقت "كتابة" "الدستور الدائم" و"الاستفتاء" والانتخابات المتكررة. فمن الناحية المنطقية كان ينبغي لهذه الحلقات الثلاثة المتراكمة في صنع الديمقراطية والنظام الشرعي أن تشكل بحد ذاتها مقدمة للاشتراك الفعال من جانب الأحزاب والنخب السياسية في إيجاد الصيغة الواقعية والعقلانية المشتركة لإخراج العراق من أزمته العميقة والعريقة والبنيوية. لكننا نقف أمام مفارقة مخزية، وهي أن الأسماء المعلنة للتيارات الكبرى من "الائتلاف" و"الاتفاق" و"الاتحاد" وما شابه ذلك تتعارض مع سلوكها تعارضا تاما. إذ لا يمكن للمرء أن يرى اتفاقا ولا ائتلافا ولا اتحادا، بل هيجانا اقرب ما يكون إلى صراع الثيران!! وهو وصف لا رمزية فيه. فالجميع تتمتع بتاريخ "ثوري". وهي كلمة جذرها من الثور، وحاملها لا يمكنه التحرر من "ثورة" الغضب حالما تتحرك أمام عينيه ألوان الدماء المتطايرة في شوارع المدن وأفنية المساجد وساحات الأئمة. إذ تكشف هذه الحالة النموذجية عن عمق الخلل الجوهري في النخب والأحزاب السياسية في ظروف العراق الحالية. وذلك لان مرور بضعة أشهر على خلفية إقرار الدستور الدائم والانتخابات دون الاتفاق على ابسط قواعد اللعبة الديمقراطية يكشف عن زيف وخلل الأحزاب والنخب السياسية وليس عن "لعبة المحتل" و"خلل الديمقراطية". وهي ظاهرة تستعيد في اغلب مكوناتها ومقوماتها ما يمكن دعوته بالصدامية الجديدة المتلبسة بلباس النزعة العرقية الضيقة (للقوى القومية الكردية) والطائفية السياسية (للأحزاب العربية الدينية منها والدنيوية).

 

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2005 الاربعاء 18 / 01 / 2012)

 

 

في المثقف اليوم