آراء

قاسم حسين صالح: طلبات الزائرين للأمام موسى الكاظم.. هل تحققت بعد 17 سنة؟

كنا تابعنا الزيارات المليونية منذ عام 2006 وكتبنا عنها تحليلا سيكولوجيا نشر في الصحف العراقية ووسائل التواصل الأجتماعي. ولمناسبة زيارة الأمام موسى الكاظم هذا العام (2024) نعيد ما كنا نشرناه بهدف الأجابة على تساؤل واحد:

ان الغالبية المطلقة من الزائرين.. يعرضون على الأمام الكاظم (ع) مظالم وطلبات.. فهل انتهت مظالمهم وتحققت طلباتهم عبر اكثر من عشر سنوات؟.

لنعد الى العام (2007) وتحديدا يوم 9 آب منه، فقد أفادت القنوات الفضائية التي واكبت المسيرة بأن عدد الزائرين كان بين مليونين إلى ثلاثة ملايين معظمهم جاء سيرا" على الأقدام برغم شدة الحر في آب اللهاب.

وتساءلنا في وقتها عن الأسباب وراء هذا العدد المذهل من الزائرين في ظروف الحر الشديد وعلمهم المسبق بأنهم قد يتعرضون إلى الموت بعبوات أو أحزمة ناسفة أو تفجير سيارات مفخخة أو قذائف من مدافع هاون وغيرها من وسائل الموت التي تعددت في حينه بما فيها تسميم مياه الشرب:

* هل فعلا" أن السبب كان دينيا" وأداء شعائر واجبة، أم أن ورائها أسبابا سياسية وإعلانا" تحذيريا" على لسان طائفة تريد أن تقول للخصوم والأعداء والمحايدين " مهما صار بنا فنحن ها هنا موجودون "؟.

وإن كان وراء هذا الحشد البشري الضخم " سياسة ".. اعني تعبئة سياسية من أحزاب دينية ـ سياسية فأنني اترك الأمر للمحللين السياسيين، فما يعنيني هنا هو الأسباب السيكولوجية ليس إلا.

لقد تابعت أيامهاعددا من المقابلات التي أجرتها قنوات فضائية مع زائرين وزائرات، فوجدت أن لديهم حاجات يأملون تحقيقها من هذه الزيارة حددوها في إجاباتهم على ألسنتهم بالأتي:

* نريد الأمان (أولادنا تكتلوا " قتلوا " واحنه عايشين بخوف والى متى نظل اليطلع من بيته ما يدري بروحه يرجع لو يموت.

* ونريد الكهرباء.. الله أكبر طكت أرواحنا.

* ونريد السياسيين يتصالحون ويديرون بالهم على الشعب مو يظلون يتعاركون على الكراسي والشعب حال الضيم حاله.. يزي عاد تره شبعنا تعب.

هذا يعني أن زيارة هذه الملايين لضريح الإمام موسى الكاظم كانت: عرض مظالم وتقديم طلبات لتحقيق حاجات عامة تتصدرها حاجتهم إلى الأمان.

ونسأل:

إن الذي أرعب الناس، في سنتها، وافقدهم الأمان هم: القاعدة وقوات الاحتلال والمليشيات وعصابات الجريمة، فما الذي يفعله الإمام بقتلة مجرمين نسفوا حتى أضرحة أحفاده من الأئمة الأطهار وقتلوا الآلاف من الناس المسالمين والنساء والأطفال الذين لا علاقة لهم بالسياسة وبالطائفية؟ !.

ربما سيكون جوابهم: إن للإمام جاها عظيما عند رب العالمين.. وجوابنا: وهل أن الله سبحانه غافل عما يفعلون؟!

وكانت حاجتهم الثانية: " نريد الكهرباء ".

ونسأل مرة أخرى: ما شأن الإمام " ع " بتوفير الكهرباء للناس؟. هل أن وزير الكهرباء " ظام " هذه النعمة عن الناس وان الإمام سيؤنبه ويأمره بتوفيرها إلى عباد الله. وإذا أجاب الوزير بأن قلبه " محترق " على الناس ولكن " ما بيدي حيله " فهل يأمر الإمام الحكومة بشراء المولدات العملاقة، وأنها ستستجيب لأمره فورا" فتنير العراق من زاخو إلى أم قصر؟ !

وكان الطلب الثالث للمسيرة المليونية هو " إصلاح حال السياسيين ".

لقد مضى على دعواتهم تلك، في يومها، أربع سنوات فحصل أن تغير حال السياسيين ولكن الى الأسوأ، فهل عجز الأمام عن اصلاح حالهم ام أنه تغاضى عن طلبهم لأنهم لا يستحقون؟!

الجواب لا علاقة له بالامام ولا بالدين ولا بالسياسة بل بالسيكولوجيا، خلاصته:

ان الانسان المحبط والمحدود الوعي الذي يتعذر عليه حلّ مشكلاته او يجد الواقع لا يقدم له الحلّ الذي يعالج أمور حياته ولا يخفف من حدّة ضغوطه ومعاناته فأنه يلجأ الى وسيلة روحية او خرافية تمنّيه بالفرج وتخفف عنه نفسيا.

ومن هذه الوسائل زيارة الأئمة والأولياء.. ولا نعني بها الزيارات التي يقوم بها الناس في اوقات استقرارهم النفسي، فهذه تكون للتبرّك والتقرّب من الامام وخالصة لشخصه الكريم، انما نعني بها زياراتهم للأئمة والأولياء بحشود في اوقات الأزمات القصد منها فك ازمة مأزوم.

ومع تنوع أزمات هذه الجماهير المليونية فانها تعمل في آليتين نفسيتين هما:

الأولى: شعور الانسان العاجز المحبط بقلّة الحيلة وانعدام الوسيلة،

والثانية: اسقاطه على الأمام او الولي القدرة على فك ازمته لتميزه بكرامة او جاه او رجاء اذا رفعه الى ربّ العالمين فانه لا يخيب رجاءه.

وينشط عمل هاتين الآليتين في اجواء الطقوس الروحية، لأن رؤية الفرد الواحد للجماهير المهمومة تخفف من همومه حين يرى ان الكارثة عامة وأن مصيبته قد تكون اهون من مصائب الآف. غير ان اقواها:تراجع العقل عن التفكير بحلول واقعية امام طوفان الانفعال الجمعي للجماهير المليونية، والتنفيس عن هموم محنة عامة والشكوى من سوء الحال بأدعية تشيع في نفوس الجموع نوعا من الاطمئنان والرجاء والأمل واقناع الذات بأن ثمة فرج آت.. بعد وقت اضافي من الصبر!.

ساتابع زيارة الأمام الكاظم يوم الثلاثاء (6 / 2 /24) لأرى ما اذا كانت مليونية ايضا، وما اذا كان الزائرون يكررون طلباتهم التي عرضوها على الأمام قبل 17 سنة، لاسيما طلبهم بتوفير الكهرباء (الله واكبر كتلنا البرد، بعد ان كانت كتلنا الحر)، ودعوتهم الى ان يتصالح السياسيون، ويعيد التيار الصدري للعملية السياسية..

وبعدها سيكون لنا تحليل سيكولوجي جديد.

***

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

في المثقف اليوم