قضايا

محمد حبش: 7 ديسمبر اليوم العالمي لكرامة العلم والعلماء

في أقسى إساءة للعلم وللمرأة في آن واحد قام الكونغرس الأمريكي بالتدخل بشكل سافر، وأمر بإقالة أعظم ثلاث سيدات في العالم مرة واحدة!!!

كلودين جاي رئيسة جامعة هارفارد، وليز ماجيل رئيسة معهد ماساشوستس، وسالي كورنبلوث رئيسة جامعة بنسلفانيا... وبعد جلسة استدعاء في الكونغرس 7 ديسمبر أمر بإقالة الثلاثة، والسبب واحد وهو التعاطف مع الفلسطينيين ومعاداة السامية!!

والقصة متشابهة وهي تصريحات أدلت بها هذه السيدات في مناسبات مختلفة، تؤكد حق الطلبة في التعاطف مع المظلومين في غزة، ورفض السلوك الأمريكي المشين في تأييد إسرائيل تأييداً أعمى، حيث أظهرت الرئيسات الثلاثة على غير تنسيق بينهن مواقف متشابهة تفرضها عليهن الموضوعية والكرامة والإنسانية في نصرة المظلوم، وتأييد حق الطلبة في الصراخ ضد الظلم، وهو ما تفرضه كرامة العلم وحياده، والعلم رحم بين أهله والحكمة رحم بين أهلها، والشرف الأكاديمي رحم بين أهله، وقد أثبتت هؤلاء السيدات أن الفائض الحضاري ينتج فائضاً أخلاقياً، وأن المثقف لا يمكنه أن يقف على الحياد عندما تسحق الكرامة الإنسانية، وأنه لن ينحاز للأسطورة الميثولوجية على حساب مبادئه في حقوق الإنسان والقانون الدولي، ولا يمكنه أبداً أن يلزم الصمت وهو  يشاهد التغول السياسي الفاجر، حين يجلس الوحش على العرش ويذهب الجميل إلى المقصلة.

لا يمكن للمثقف أن يقف على الحياد حين يكون الصراع بين توجه كهنوتي يلعن العقل والمنطق والقانون، وبين بشر يطالبون بحقهم الإنساني في الحياة، في مواجهة ميثولوجيا عمياء تقسم الناس إلى شعب مختار، وشعوب غوييم. فالشعب المختار لا يسأل عما يفعل، وتبرر جرائمه وفظائعه بأنها إرادة الله، أما الغوييم فقد فصلت الكهنوتيات الدينية الزائفة مكانهم في خدمة الشعب المختار، وقرأ نتنياهو علناً نصوص سفر أشعيا الآمرة بالانتقام منهم ومن أطفالهم ونسائهم بدون رحمة، وقال بوضوح إنكم أيها الأشاوس امتداد لجيش أشعيا!!.

إنها أمانة أن تحافظ على كرامة العلم والمعرفة في مواجهة تغول كهذا، وأن تتحمل مسؤولياتك، فلا يجوز أن يسجل في التاريخ أن هارفارد وماساشوسيتس وبنسلفانيا كانت خرساء صامتة في مواجهة أسوأ انتهاك لحقوق الإنسان في الأرض.

إنهن رموز أعظم مؤسسات تعليمية في العالم، وفي تصنيف أعظم 500 جامعة في العالم عام 2023 حلت جامعة هارفارد في المركز الأول، ومعهد ماساشوستس في المركز الرابع، وجامعة بنسلفانيا في المركز السادس... ولعلها المرة الأولى التي تصل فيها النساء في وقت واحد لهذه المناصب العظيمة في الأكاديميا والعلم.

لا مبالغة مهما قلناه في كفاءة هؤلاء السيدات الثلاثة، والمعايير التي تفرضها هارفارد وبنسلفانيا وماساشوستس على الطلبة للالتحاق بهذه الجامعات تجعل الوصول إليها مقتصراً على العباقرة، فما بالك بالأستاذية فيها، والعبور في مدارج الترقيات التي تفرض أشد المعايير العلمية المتصورة حياداً ونزاهة وموضوعية، وما بالك بالوصول إلى رئاسة هذه الجامعات الأعرق والأعلى في العالم....

ولكن هذا المجد الأكاديمي المذهل وهذا النجاح الأسطوري، لم يشفع لهن في طاحونة السياسة، وانكشف المجتمع الأمريكي عن انحسار فاضح لمنزلة العلم والأكاديميا في مواجهة السياسة، واستطاع اللوبي المستفرس في الكونغرس أن يسحق قيم الحضارة الحديثة بالضربة الفنية القاضية، فأسقط كرامة العلم الأكاديمي، وأسقط مكاسب المرأة الحرة، وأسقط قيم الإنسانية في التعاطف مع المظلومين، وأشبع نهمة واحدة هي نهمة الحقد الأعمى ضد كل ما هو جميل.

في جامعة هارفارد على سبيل المثال فإن حصاد هارفارد من جوائز نوبل خلال 129 عاماً قد بلغ 161 فائزاً من أصل 900 جائزة منحتها هارفارد خلال مائة وعشرين عاماً، وهو الرقم الأعلى في العالم، وكان فيهم 78 عضواً في الهيئة التدريسية لهارفارد، و55 محاضرًا فيها، و80 خريجاً منها، وقد جمع هؤلاء 43 من جوائز نوبل في الفيزياء، و 55 في الكيمياء، و51 في الطب، و46 في الاقتصاد، و 8 في الآداب، و10 في السلام، ولا شك أن نوبل تقدم فقط للشخص الأهم في العالم وفق تقييم لجنة عريضة من أكبر الشخصيات العلمية والأكاديمية في العالم.

ولن تتأخر ماساشوستس وبنسلفانيا عن المراكز العشرة الأولى حتماً، وهذا كله يجعل منزلة هذه الجامعات هي الأعلى في العالم على المستوى العلمي والأكاديمي.

وإضافة إلى اغتيال العلم والمعرفة، فإن هذا السلوك الهمجي هو أيضاً بطش بجهود المرأة في التمكين، واعتداء سافر على مكتسباتها، وربما أستطيع الجزم بأنها المرة الأولى التي تصل فيها النساء في وقت واحد إلى هذه المواقع القيادية على المستوى الأكاديمي في العالم، وبذلك صرن أمثولة ملهمة للنساء في العالم، وبات حضورهن في الحقل الأكاديمي أوضح الأدلة على قدرات النساء ومواهبهن، وحقهن في قيادة الحياة.

وقناعتي أن خروج هذه السيدات القادة عن مواقعهن المتقدمة ليس نهاية الطريق بل من المؤكد أنهن سيتعرضن لمضايقات وملاحقات وتشويه سيرة، وهذا قد بدأ بالفعل، ويسعى أولئك الذين اغتالوا العلم والمعرفة أن يمارسوا نهمتهم في الانتقام من رموز العلم بالأساليب الرخيصة إياها، واختراع فضائح، وهو ما تقوم به هذه الكيانات الجاقدة ضد كل ما هو مختلف في الفكر والسلوك.

إنها اللحظة المناسبة لتنطلق حملة دولية للدفاع عن كرامة العلم والعلماء، والدفاع عن سمعة الجامعات العريقة وما قدمته للبشرية من إنجازات علمية وعملية، وتوفير حصانة للعلماء القادة من مكر السياسيين ومؤامراتهم وكيدهم الرخيص في العبث بقيم الحضارة وأخلاقها.

هل ستعلن الأمم المتحدة يوم السابع من ديسمبر يوماً عالمياً للدفاع عن العلم والعلماء، أو اليوم العالمي لكرامة الأكاديميا، بحيث تصل الرسالة واضحة أن أولى السلطات الخمسة بالاستقلال والكرامة هي السلطة الأكاديمية، وإن أي تغول تمارسه سلطة من السلطات الأربعة ضد الأكاديميا هو انهيار كامل في القيم الديمقراطية والحضارية.

وهو يوم يستحق أن يعلن من جانب آخر كيوم عالمي للدفاع عن المراة الناجحة، وتقدير كفاءاتها ومعارفها ومواهبها، ووجوب حماية هذه المكتسبات والحفاظ على الدور الإلهامي للمرأة الناجحة في العالم بعيداً عن صخب السلاح ومكر السياسة.

***

ا. د. محمد حبش

في المثقف اليوم