قراءة في كتاب

الحرب البيولوجية والإرهاب

4095 الحرب البيولوجيةتأليف: فرانسيس بويل (Francis A. Boyle)

ترجمة: عزام محمد مكي

***

عن المؤلف

فرانسيس بويل أستاذ أمريكي بارز وممارس ومدافع عن القانون الدولي. كان مسؤولاً عن صياغة قانون مكافحة الإرهاب للأسلحة البيولوجية لعام 1989، وهو التشريع التنفيذي الأمريكي لاتفاقية الأسلحة البيولوجية لعام 1972. ويُدرس القانون الدولي في جامعة إيليونوا، مدينة شامبين، حاصل على دكتوراه في القانون بامتياز بدرجة الشرف وكذلك دكتوراه في العلوم السياسية، وكلاهما من جامعة هارفارد.              

عن الكتاب*

في هذا الكتاب يرسم المؤلف الخطوط العريضة عن بداية قيام حكومة الولايات المتحدة الامريكية بتأسيس صناعة الاسلحة البيولوجية ولماذا استمرت وبوتيرة متصاعدة ببناء ومراكمة هذه الاسلحة البيولوجية الغير قانونية وبشكل كبير.

ويلاحظ المؤلف كذلك الرابطة الوثيقة بين قيام حكومة الولايات المتحدة الامريكية بتطوير الاسلحة البيلوجية وهجوم (الجمرة الخبيثة) على الكونغرس الامريكي- الذي مثل الهجوم السياسي الاكثر اهمية على الديمقراطية الدستورية في الولايات المتحدة الامريكية في العصر الحديث- حيث يسلط ضوء جديد على دوافع هذا الهجوم- في الوقت الذي اختارت فيه الصحافة السقوط في ثقب الصمت الاسود- ولماذا قد لا يمكن ان يقوم مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) باعتقال مقترف هذه الجريمة ذات العواقب الوخيمة للقرن الحادي والعشرين.

مقدمة

بدءًا من أكتوبر من عام 2001، شهد العالم هجمات إرهابية بالجمرة الخبيثة على الحكومة الأمريكية والتي من الواضح أنها كانت تهدف إلى إغلاق الكونجرس الأمريكي في لحظة حرجة للغاية في تاريخ أمريكا كجمهورية، أي بعد هجمات 11 أيلول/سبتمبر الإرهابية مباشرة. خلال هذه اللحظة بالتحديد كان يجب أن يكون الكونغرس منعقدًا، من اجل اتخاذ قرارات حيوية، وممارسة رقابة صارمة على السلطة التنفيذية للحكومة، وبوجه خاص البيت الأبيض في عهد الرئيس جورج دبليو بوش، ووزارة العدل برئاسة المدعي العام جون أشكروفت، وزارة الدفاع في عهد وزير الدفاع دونالد رامسفيلد ووكالة المخابرات المركزية تحت إشراف المدير جورج تينيت. ولكن لم تحدث مثل هذه الرقابة من قبل الكونغرس الأمريكي بسبب هجمات الجمرة الخبيثة الإرهابية. والأسوأ من ذلك، أن الرئيس بوش والمدعي العام أشكروفت تلاعبوا بشكل خادع بهجمات الجمرة الخبيثة الإرهابية على الكونجرس من أجل خلق الذعر وحالة تدافع للشعب الامريكي والكونغرس الامريكي لاجل سن القانون الوطني الأمريكي الشمولي حتى بدون فعل حقيقي تقريبا من قبل الكونغرس.

سيناقش هذا الكتاب بعضًا من الخلفية التاريخية للقانون والسياسة والعلم وراء الأسلحة البيولوجية في الولايات المتحدة: كيف ولماذا أطلقت حكومة الولايات المتحدة، وواصلت، ثم وسعت بشكل كبير سباق تسلح بيولوجي غير قانوني يحتمل أن يكون له عواقب كارثية على الجنس البشري والمحيط الحيوي الداعم له على الارض هذا الكوكب الهش.

من خلال تحديد سياق البيئة السياسية والقانونية والعلمية التي وقع فيها هذا الهجوم الإرهابي التاريخي الأول من نوعه للحرب البيولوجية ضد حكومة الولايات المتحدة - هجمات الجمرة الخبيثة على الكونغرس في عام 2001 - يسعى هذا الكتاب أيضًا إلى إلقاء ضوء جديد على هذه الأسئلة المقلقة: لماذا يختفي هذا الحادث غير المسبوق وبسرعة كبيرة من مناقشة وسائل الإعلام العامة؟ لماذا فقد مكتب التحقيقات الفدرالي الزخم في البحث عن الجناة؟ لماذا فشل الكونغرس نفسه في متابعة هذا الحادث تحديدا وتداعيات هذا الهجوم الإرهابي عليه، والفشل في العثور على الجاني؟ لماذا لم يكن هناك احتجاج على هذا الفشل؟ ما هي الأسباب التي تجعل امكانية العثور على الجناة الحقيقيين غير موجودة تماما؟

في ضوء التوسع الأخير لإدارة بوش في تمويل أبحاث «الدفاع البيولوجي»، بما في ذلك الاختبارات المقترحة على الأشخاص، والتهديد الواضح والجلي الآن للحرب البيولوجية ليس فقط على الجمهور الأمريكي ولكن على البشرية جمعاء، يقدم هذا الكتاب دليلاً سياسياً حول كيفية إيقاف تصميم الإدارات الأمريكية المتعاقبة على فتح صندوق باندورا للحرب البيولوجية.

الفصل الأول: اتفاقية الأسلحة البيولوجية

جذور اتفاقية الأسلحة البيولوجية

كان لدى الولايات المتحدة برنامج حرب بيولوجي شديد العدوانية والهجوم يعود تاريخه إلى الحرب العالمية الثانية، ولن اقوم بذكر تاريخها الكامل هنا. ولإختصار القصة، قرر الرئيس ريتشارد نيكسون في عام 1969 إنهاء هذا البرنامج لأسباب تتعلق بـ السياسة الواقعية الميكافيلية. أولاً، كان هناك شعور بأن الأسلحة البيولوجية ذات نتائج عكسية عسكريًا لأنه كان من الصعب السيطرة عليها، وبالتالي سهولة حدوث "ارتدادات" على القوات المسلحة الأمريكية في الميدان وكذلك على السكان المدنيين الأمريكيين في الوطن. ثانيًا، تمتلك الولايات المتحدة بالفعل ترسانة ضخمة وهائلة من جميع فئات الأسلحة النووية وأنظمة إطلاقها ذات الصلة، في حين كان يُنظر إلى الأسلحة البيولوجية على أنها "القنبلة الذرية للرجل الفقير". لقد أراد نيكسون القضاء على هذه "الاسلحة البيولوجية" من أجل منع دول العالم الثالث من الحصول على أسلحة دمار شامل رخيصة الثمن نسبيًا. من شأن اتفاقية للأسلحة البيولوجية التي تحظر " الاسلحة البيولوجية " أن تمكن الدول الحائزة للأسلحة النووية في العالم من الحفاظ على وتقوية وتوسيع نطاق احتكارها شبه الكامل لأسلحة الدمار الشامل الذي تم تقنينه للتو بموجب معاهدة عام 1968 بشأن عدم انتشار الأسلحة النووية. ومن شأن نفس الحسابات الميكيافيلية الضارة أن تدفع فيما بعد هذه الدول الحائزة للأسلحة النووية نفسها إلى دعم المفاوضات وإبرام والتصديق على اتفاقية عام 1993 بشأن حظر تطوير وإنتاج وتخزين واستخدام الأسلحة الكيميائية وتدمير تلك الأسلحة.

ابتداءً من عام 1969، أمر الرئيس نيكسون ومن جانب واحد بتدمير العوامل البيولوجية والذخائر الأمريكية المضادة للأفراد، وهي عملية اكتملت ظاهريًا اعتبارًا من أوائل عام 1973. ومع ذلك، وعلى الرغم من أمر الرئيس، واصلت وكالة المخابرات المركزية البحوث وتطوير أسلحة بيولوجية. في نهاية المطاف، دعمت الولايات المتحدة التفاوض وإبرام وتصديق اتفاقية حظر استحداث وإنتاج وتخزين الأسلحة البكتريولوجية (البيولوجية) والسمية وتدمير تلك الأسلحة لعام 1972، التي دخلت حيز النفاذ في 26 آذار / مارس 1975 (التي سيشار إليها فيما يلي باسم اتفاقية الأسلحة البيولوجية-BWC)).

تُلزم المادة الأولى من اتفاقية الأسلحة البيولوجية الأطراف الحكومية المتعاقدة" بعدم القيام تحت أي ظرف من الظروف بتطوير أو إنتاج أو تخزين أو الحصول أو الاحتفاظ بأي طريقة أخرى:

(1) العوامل الجرثومية أو غيرها من العوامل البيولوجية، أو المواد السمية مهما كان مصدرها أو طريقة إنتاجها، من الأنواع والكميات التي لاتجد لها مبرر من ناحية استخدامها من اجل الوقاية أو الحماية أو الأغراض السلمية الأخرى ؛

(2) أسلحة أو معدات أو وسائل إيصال مصممة لاستخدام مثل هذه العوامل أو المواد السمية لأغراض عدائية أو في نزاع مسلح ".

لاحظ بان المادة الأولى لاتفاقية الأسلحة البيولوجية لا تحظر "البحوث" "لأغراض وقائية أو حمائية أو لأغراض سلمية أخرى". فأصبح هذا هو الاستثناء الذي استغلته حكومة الولايات المتحدة كمثال من اجل إلغاء القاعدة العامة لحظر "الاسلحة البيولوجية" الموجود في المادة الأولى من اتفاقية الأسلحة البيولوجية. لاحظ أيضًا أن اتفاقية الأسلحة البيولوجية لا تحظر حرفيا "استخدام" الأسلحة البيولوجية في الحرب. وقد سبق أن نص بروتوكول جنيف لعام 1925 على هذا الحظر. ومع ذلك، ووفقًا لديباجة اتفاقية الأسلحة البيولوجية، فإن الأطراف الحكومية المتعاقدة في الاتفاقية قد أندرجت أساسًا من خلال مرجعية بروتوكول الحظر على استخدام الأسلحة البيولوجية في الحرب:

إعادة تأكيد تمسكها بمبادئ وأهداف ذلك البروتوكول ودعوة جميع الدول إلى الامتثال الصارم لها.

في النهاية وخلال إدارة نيكسون انهت حكومة الولايات المتحدة، وهذا ما يحسب لها، برنامجها الهجومي للحرب البيولوجية. ولكن الأخطر من ذلك هو أن بقايا وحدة الحرب الكيميائية والبيولوجية القديمة كانت تكمن في أحشاء البنتاغون، في الانتظار والتمني والأمل من خلال التخطيط والتدبير بالعودة إلى الحياة مرة أخرى.

المحافظون الجدد الريغانيون

ثم في عام 1981، وصلت إدارة ريغان إلى السلطة، معززة بالكثير ممن يصفون انفسهم بالمحافظين الجدد، والذين كانوا مزروعين في البنتاغون. بعد عقدين من الزمان، عاد العديد من هؤلاء المحافظين الجدد إلى السلطة مع مجيء إدارة بوش الابن في عام 2001، لتتم ترقيتهم لاحقا بشكل بيروقراطي لخدماتهم الشائنة السابقة. اتخذ الريجانيون الموقف القائل بأن أمريكا ستستغل تفوقها التكنولوجي في جميع مجالات المساعي العلمية في جميع المجالات للأغراض المتعلقة بالحرب: النووية، والكيميائية، والبيولوجية، والفضائية، والليزر، وأجهزة الكمبيوتر، وما إلى ذلك.  لذلك بدأ الريغانيون في ضخ مبالغ ضخمة من المال في البحوث في العوامل البيولوجية وتطويرها لاغراض زعموا أنها "دفاعية".

على الرغم من المفاهيم الخاطئة الشائعة التي تشير إلى العكس، فإن المادة 1 من اتفاقية الأسلحة البيولوجية لا تستحدث استثناءً "للدفاع" أو "الردع"، ناهيك عن "الرد الانتقامي"، ولكن فقط من أجل "الأغراض الوقائية من الامراض أو الحمائية أو الأغراض السلمية الأخرى". أولئك الذين دعموااتفاقية الأسلحة البيولوجية كانوا وعي تام بأن "الدفاع" ليس بالضرورة "سلميًا". كما لو كان توضيحًا لتلك الحقيقة بالذات، فإن المحافظين الجدد الريغانيين، الذين يؤمنون بشدة بالمبدأ الميكافيلي بأن "الدفاع الافضل هو الهجوم الجيد"، شرعوا في التصرف وفقًا لذلك، من بين أمور أخرى، بشأن "الاسلحة البيولوجية". ينطبق نفس الحساب المكيافيلي على المحافظين الجدد في عهد بوش الابن فيما يتعلق بمبادئهم بشأن شن حروب عدوانية (يُزعم أنها وقائية) واستخدامهم الأول لأسلحة الدمار الشامل، بما في ذلك "الاسلحة البيولوجية"، والتي ستتم مناقشتها بمزيد من التفصيل لاحقا.

لو افترضنا القيمة الثابتة للدولار، أنفقت إدارة ريغان قدر من الأموال على أبحاث الحرب البيولوجية المزعومة "دفاعية"، هو نفسه الذي انفقته إدارة نيكسون عندما كان لدى حكومة الولايات المتحدة برنامج حرب بيولوجي هجومي بشكل علني وعدواني. على وجه الخصوص، سعى الريجانيون إلى استغلال التفوق التكنولوجي للولايات المتحدة في أبحاث الهندسة الوراثية للحامض النووي التي اضحت في صدارة ابحاث علوم الحياة، بعد إبرام اتفاقية الأسلحة البيولوجية، والتي لم تتم صياغتها وذلك اخذا بالحسبان الاستفادة من ظاهرة "الربط الجيني (gene-splicing)" لغرض تطوير أسلحة بيولوجية. من منظور اتفاقية الأسلحة البيولوجية، كانت المشكلة التي قدمتها الهندسة الوراثية للحامض النووي ولا تزال هي أنها ذات استخدام مزدوج بطبيعتها ولا يمكن تجنبه - يمكن وضعها للاستخدامات الهجومية والدفاعية في نفس الوقت. التكنولوجيا الحيوية هي نفسها تمامًا في كلتا الحالتين.

يتبع:

 الفصل الثاني: صنع الأسلحة البيولوجية

***

........................

* لا تشمل هذه الترجمة جميع فصول الكتاب وانما تقتصر على اربعة فصول، ستنشر تباع. يشمل هذا الجزء على نبذة عن المؤلف مع عرض بسيط للكتاب مع مقدمة يليها الفصل الاول.

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5820 المصادف: 2022-08-12 02:06:05


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5934 المصادف: الاحد 04 - 12 - 2022م