قراءة في كتاب

الرواية وإشكال التاريخ من خلال كتاب: الرواية وتأويل التاريخ

نظرية الرواية والرواية العربية لفيصل دراج

يعمل الباحث الفلسطيني فيصل دراج من خلال مؤلفه "الرواية وتأويل التاريخ"على التنظير للرواية بصفة عامة وللرواية العربية بصفة خاصة منطلقا من العوامل التي ساهمت في ظهور الرواية العربية وتطورها  فبنظره"جاءت بداية الرواية العربية مع بداية القرن العشرين، دون أن يزامنها صعود في علم التاريخ أو في غيره من العلوم، انطوت البداية الروائية العربية على مفارقة ظاهرة، ذلك أنها ولدت في شرط غير روائي "لم تنجز فيه البرجوازية العربية ثورتها ولم يعرف الواقع العربي فيه ثورات جذرية، كأن هذه الرواية ولدت معوقة وافدة، شديدة التلعثم لحظة ومليئة بالوهم ترهن المقامة لحظة أخرى وهي في الحالين بعيدة البعد كله عن الشرط الأروبي الذي سوى روايته "1. ويرى الباحث فيصل دراج على أن سبب هيمنة وسيطرة التاريخ في الرواية العربية المتنامية راجع إلى الفرق بين زمن أروبي ينتج رواية مسيطرة وزمن عربي لا يسائل الأصول، فقد استدعى الروائي العربي المؤرخ إلى روايته وطرده لأكثر من سبب وهذا راجع إلى كون المؤرخ لا يتقصى الصحيح ويعمل على تهميش المستضعفين بل أكثر من ذلك يرى الباحث بأن المؤرخ  يعمل على اعدام الحقيقة ولهذا يقوم الروائي العربي بتصحيح ما جاء به المؤرخ وبذكر ما امتنع قوله مؤكدا بأن الرواية علم التاريخ الوحيد أو كتابة موضوعية تسائل ما جرى، دون حذف أوإضافة" 2. فالكتابة الروائية العربية أعادت كتابة التاريخ المعاصر الذي لم يكتبه المؤرخون متطلعة إلى تاريخ سوي محتمل دون أن يعلل الباحث سبب هذا الإهمال تاركا للمتلقي فرصة البحث عن الإجابة بين ثنايا مؤلفه. وقد قام فيصل دراج  بتقسيم مؤلفه إلى ثلاثة أقسام: الفصل الأول وسمه بالرواية في التاريخ موضوعه التاريخ وصعود الرواية، وقد قسمه إلى عدة محاور رئيسة منها رواية التقدم وتقدم الرواية، الرواية وتداعي الأصول.الرواية والمتخيل الحديث، الرواية واليوتوبيا المضمرة، الرواية ومجتمعية القراءة، الرواية واللغة القومية، الرواية العربية في زمن اجتماعي متغير. حيث يرى الباحث على أن الرواية تسائل الحاضر والتاريخ يسائل الماضي لكنهما معا ينتهيان إلى عبرة وحكاية.كماأن الباحث لم ينكر العلاقة بين التاريخ والرواية والإبداع الأدبي، واستشهد بموقف المؤرخ الانجليزي الشهير ج-كولنجود "حين وزع في ثلاثينيات القرن الماضي الخيال الجبار على الروائيين والمؤرخين معا "3 كما استشهد بتعريف جورج لوكاتش 1885- 1971 وهويعرف الرواية بالقول "يعبر جوهر العمل الروائي الأكثر عمقا عن ذاته في السؤال التالي ماهو الإنسان يقول الروائي نظريا ما يقول به المؤرخ "4. وفي محور رواية التقدم وتقدم الرواية يتابع الباحث عبر التاريخ تطورالرواية انطلاقا من التحولات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية حيث اتفقت الرواية مع التاريخ التقدمي واختلفت عنه في آن "اتفقت معه وهي تقاسمه وحدة الواقعي والمتخيل والذهاب من الحاضر إلى المستقبل، واعتبار القرن التاسع عشر زمنا مرجعيا والقطع مع التصور اللاهوتي للعالم واختلفت عنه مبتعدة عن الكليات المجردة، ومحتفية بالتفاصيل وذلك في نص معتم متعدد المستويات "يتأمل التاريخ في طبيعة انسانية مثقلة بالتناقض"5.

 بحيث يرى الباحث بأن الرواية وقعت على إنسان أرضي مزود بأسئلة جديدة حيث نقض الإنسان الدنيوي الإنسان اللاهوتي وفي محور الرواية وتداعي الأصول يرى الباحث بأن الانسان النهضوي بعد أن عثر على أصله في ذاته واستغنى عن الأصول جعل من الأصل سؤالا مفتوحا متعدد الاتجاهات، حيث صدر عن علاقات الزمن والإنتاج والآلة زمن إنساني مغاير للزمن الديني، الذي يعالج الأرواح المجردة بأدوات لا تقبل التحديد والقياس، وفي محور الرواية والمتخيل الحديث يرى الباحث بأن المتخيل رافق الإنسان منذ أن أدرك أن وراء الواقع المعيش واقعا آخر أكثر جمالا أوأقل قبحا. حيث أخذت الرواية بالمعطيات المختلفة للمجتمع البرجوازي ودفعتها إلى حدودها الأخيرة، مبرهنة أن الفضاء الروائي مزيج من المعرفة والبصيرة، أو لقاء محسوب بين الواقعي والمتخيل"6.

ويخلص الباحث في هذا الفصل إلى القول بأن "الرواية العربية تنتمي إلى مستوى الكتابة إلى زمن حداثي كوني، وتنتسب على مستوى القراءة إلى زمن تقليدي أو هجين الحداثة كأنها رغم بطولة المتخيل والكتابة تنتظر جمهورا محتملا لم يأت بعد"7 وفي القسم الثاني المعنون بالرواية العربية الولادة المعوقة في التاريخ المقيد يسلط الباحث الضوء على ستة من الرواد وهم عبدالرحمن الكواكبي، محمد عبده، فرح انطوان طه حسين، عبدالسلام العجيلي، عادل كامل باعتبار رواياتهم تساهم في الوقوف على علاقة الرواية بالمجتمع، والتاريخ حيث يرى الباحث بأن الرواية لها صلة بالمجتمع والتاريخ، ذلك أن للرواية صلة وعلاقات اجتماعية أنتجتها برجوازية منتصرة، وهي تنتج ذاتها طبقة قائدة مسيطرة مهيمنة .ويرى الباحث على أن زمن العربي بخلاف الزمن الأروبي أضاع فرصة الانتصار وبقي مكانه يبحث عن أفق أضاعه أو عن أفق لم يلتق به بعد، لذلك لم تظفر الرواية العربية في زمن ولادتها الأولى بمرجع خارجي يصيرها رواية ولم تتمتع بمرجع داخلي يعلج باتساق داخلي وهكذا"ولدت الرواية مزودة باعاقة مزدوجة فهي اثر متأخر للأدب العالمي(...) وهي كتابة وافدة إلى حقل  اجتماعي لم يعرف "نثر المجتمع البرجوازي ".ويخلص الباحث من خلال هذا الفصل إلى القول بأن الروايات الست السابقة تضيء بأشكال مختلفة لا متكافئة، علاقة الجمالي بالاجتماعي والتقني بالكتابي، سواء كانت الكتابة الروائية متقدمة على شروطها الاجتماعية كما هو الحال يحيى حقي على سبيل المثال أم امتدادامقنعا للاجتماعي واستطالة له"8.

وبنظر الباحث فإن إخفاق الرواية العربية راجع إلى المواضيع الراكدة التي عالجتها بأساليب متعددة وفي القارئ الذي لم تظفر به، بعد مائة عام إلا بشكل مجزوء، " يحدد هذان العنصران، على الأقل الرواية جنسا إبداعيا حداثيا يسائل مجتمعا أخطأ حداثثه التاريخية، بل يمكن القول إن تاريخ الرواية العربية هو تاريخ تحققها الذاتي واخفاقها الاجتماعي "9. وفي القسم الثاني  الموسوم بالكتابة الروائية وتاريخ المقموعين نرصد عدة محاور بعناوين مختلفة منها تكامل المعنى في النصر الروائي، تنافي المعنى في النص بين التاريخي السلطة ومجاز المقموعين - الروائي والمؤرخ . ويستهل هذا القسم بتعريف للتاريخ ومقارنته بالأسطوري حيث يرى بأن المؤرخ يتعامل مع إنسان متبدل الأحوال وسيتولد النقد التاريخي مع تمييز الأزمنة المتغيرة، فلا معرفة إلا بالمتغير(..) وما المعرفة التاريخية إلا مقارنة عارفة تفصل الأسطوري والتاريخي، وبين الماضي والحاضر المختلف عنه ولهذا يصبح نفس الماضي في الوعي التاريخي وعيا بالحاضر على خلاف الوعي الاسطوري إن التاريخ غالبا علم سلطوي، وعن السلطة يدور حول مقولتين سلطويتين، هما الانتصار والهزيمة، ينتج ويعاد انتاجه في مؤسسات سلطوية، لا تقتصر في الرقابة حاذفة ما لا تريد ومبرزة ما تشاء وترغب، وبداهة فإن ثنائية النصر والهزيمة هي سلطوية المنظور والغايات، تقضي لزوما إلى تاريخين متعالقين متنافيين، يحدث أحدهما عن منتصر جدير بنصره ويسرد ثانيهما سيرة مهزوم لا يليق النصر به، يساوي المؤرخ السلطوي الانتصار بالحقيقة، والحقيقة بالمنفعة، والسلطة بالحقيقة والمنفعة، فالعلم الصائب ما يسهم في توطيد السلطة يتناول الباحث بالدراسة رواية السفينة لجبرا ابراهيم جبرا التي يخلص من خلال دراستها إلى القول بأن الرواية التي جاء بها فلسطين من جامعة بريطانيا إلى بغداد، جاءت من زمن أروبي تزامن فيه نهوض العلم والرواية، وعلم التاريخ والفردية المستقلة هذا التزامن الذي يوحد بين المعارف ويفصل بينها وضع في الرواية تصورات من العلم والتاريخ وشروط الفردية الحرة ". 10وفي محور" تنافي المعنى في النص التاريخي يعرف الباحث الرواية بالقول بأنها تمثل "قولا مختلفا، يحتضن عناصر من العلم والتاريخ وعلم الاجتماع وعلم النفس، ينقد المعيش بنسق من القيم مضمرة ويوحي بيوتوبيا عصية على الكتابة لن يراها أحد، والرواية في ما تقول دنيوية تماما، أنتجتها التاريخ ذات مرة، وتركها تقتات بمنتجات زمانها من مفهوم الانسان جاءت، وبشروط الانسان المتبدلة تتطور وتتغير"11.

يتقمص الروائي دور المؤرخ، يسجل ما يرى في الحاضر ويرى إلى المستقبل الذي يفضي الحاضر الفاسد إليه، مذكر بالمقريزي والجبرتي وابن إياس وذلك في تناص مضمر، تحتشد فيه الوقائع والرؤية والمعرفة، والفنتازيا، كأن الروائي سيتقدم المؤرخ ويستعبده .ويخلص الباحث في هذا الفصل إلى القول بأن كتابات نجيب محفوظ وعبدالرحمن منيف، وبهاء طاهر وإلياس خوري تهتم بالتاريخ الآخر، الذي تكتبه الرواية ويرغب عنه الآخرون.وفي المحور المعنون "بالتاريخ في الرواية نجيب محفوظ الرواية التاريخية خفة التاريخ وسطوة المصادفة" يرى الباحث بأن نجيب محفوظ يلتقي بالتاريخ ويلتقي الأخير به غيرة مرة، يلتقي الأول بالثاني وهو يعطي الرواية العربية ولادة واضحة، ويؤكدها مشروعا متوالدا، فما سبق روايته كان كتابة مضطربة متعثرة الخطأ، ويوطد اللقاء به وهويبرهن عن مبدع جلود يضع روايته المتجددة في أشكال متعددة فغيره أسرف في الكتابة الروائية وقيدها إلى شكل ساكن"12 فالجنس الروائي يحيل على التاريخ، والتاريخ كثيف الحضور في الوقائع التي زامنها الروائي، فقد مال محفوظ وهو في شبابه إلى التاريخ وكرس له وقتا طويلا، وحين سأل رجاء النقاش نجيب محفوظ عن العلاقة بين الرواية والتاريخ أجاب الثاني "في رأيي أن العلاقة وطيدة فالرواية عبارة عن استعراض للحياة اليومية بكل مشاكلها وقضاياها وأشخاصها هذا جزء من التاريخ لم يكتبه المؤرخون، ثم أن التاريخ عبارة عن أحداث وأشخاص وتفسير ورؤية والرواية كذلك . يستدرك الروائي قصور المؤرخ مرتين مرة أولى حين يكتب عن المخلوقات المسكينة التي زهد بها المؤرخ، ومرة ثانية يتكئ على معرفة تاريخية واسعة ويذيبها في رؤية روائية"13. تبدأ الرواية بالتاريخ وتستبقي شظاياه، ذلك أن وهو شظية عابرة لا يذكرماكان إلا بعد فوات الأوان، يقول  نجيب محفوظ "بطلي هو الزمن " مكثفا معنى التاريخ والإنسان، يمحو الزمن الإنسان الذي يمحو ذاكرته التاريخ، وتتأمل الرواية محوا مزدوجا، مستبقية الزمن ومأساة مخادعة، تخلق ذاكرة الإنسان وتزيلها في آن حين يتذكر محفوظ، زمنا مضى شده إلى المرحلة الفرعونية يقول كنت يقول كنت قد قرأت في تاريخ مصر، قررت أن أكرس حياتي لكتابة تاريخ مصر بشكل روائي"14. وفي محور التاريخ البعيد وعبث الأصول أراد محفوظ في مطلع حياته الأدبية أن يضع تاريخ مصر في رواية متعددة الأجزاء تبدأ من زمن الفراعنة وتنتهي إلى ثورة 1919م ذلك أن محفوظ كان يكتشف في روايته التاريخية، منظوره للعالم ومعنى الرواية، التي ترحل إلى أزمنة مختلفة وتتمسك ب "مأساة الإنسان " ولعل الاكتشاف المزدوج وقد بلغ مداه في كفاح طيبة وهي رواية وطنية تحريضية وهو ما جعل "التاريخ يموت الحكاية، والتاريخ في مدن الملح مدخل أول حين تركنا الجسر في البدء جاءت الهزيمة .مدخل ثان النهايات في البدء كانت السلطة .كل الطرق تؤدي الى مدن الملح الحكاية والراوي. يتأمل منيف مدن الملح اكتشاف النفط، الواقعة الأكثر خطرا في التاريخ العربي الحديث، يعطي وجهة نظر في التاريخ ولا يكتب التاريخ، ويكتب مارأى بصيغة الجمع لا بصيغة المفرد . شاء منيف أن يكتب أن يواجه رواية السلطة برواية أخرى تسرد أحوال المغلوبين وتخفف من أوهامهم"15. ثم يتحدث في مناقشته الثالثة عن الكتابة الروائية وتاريخ المقموعين عبر عدة محاور منها تكامل المعنى في النص الروائي، تنافي المعنى في النص التاريخي، السلطة ومجاز المقموعين، تنافي المعنى في النص التاريخي، السلطة ومجاز المقموعين، عسف المعرفة ومنطق الحرية. وأما في القسم الثاني الذي يحمل عنوان التاريخ في الرواية فيقدم دراسته عن علمين من أعلام الرواية العربية، نجيب محفوظ وعبدالرحمن منيف، ويتناول في دراسته عن محفوظ موضوعات اهتم بها نجيب محفوظ،  واشتغل عليها من قبيل الرواية التاريخية .خفة التاريخ وسطوة المصادفة، التاريخ البعيد وعبث الأصول.. ثم يتطرق إلى الثلاثية التي يبحث فيها محفوظ عبر إشارات خمسة موضوعات وهي علاقة التاريخ وسيطرة الكابوس، الحياة النكتة الشر والولوج، الزمن والوجود، المتعدد واللايقين وينتقل بعد ذلك إلى مقاربة المختلف والمؤتلف بين أولاد حارتنا، يتطرق دراج في مقاربته لعوالم عبدالرحمن منيف إلى الحكاية والتاريخ في مدن الملح ثم حين تركنا الجسر، النهايات. وفي القسم الأخير يعالج المؤلف، موضوعة الرواية والتاريخ في مرايا ثلاث، عبر دراسة ومقاربة أعمال ثلاثة روائيين وهم هدى بركات، ربيع جابر وممدوح عزام وذلك ليخلص في النهاية إلى الحديث عن موضوع أثير لديه وهودورالرواية في إعادة كتابة التاريخ على اعتبار أن هناك ملامح وخصائص تحب لبها الرواية وتصلح كعناصر أساسية لكتابة التاريخ العربي زاوية جديدة غير رسمية.

***

عبد الرزاق اسطيطو

..........................

هوامش:

1- فيصل دراج "الرواية وتاويل التاريخ   نظرية الرواية والرواية العربية "،  ط1، سنة 2004 المركز الثقافي العربي، الدارالبيضاء، ص5.

 2- نفس المصدر ص6.

 3- نفس المصدر ص 6.

 4- نفس المصدر ص 4

 5- نفس المصدر ص 18

 6- نفس المصدر ص18.

 7-  نفس المصدر ص36

 8- نفس المصدر ص 40.

 9- نفس المصدر صص78.

 10-  نفس المصدر 80.

 11- نفس المصدر ص 83.

 12 - نفس المصدر ص91.

 13- نفس المصدر ص 131.

 14- نفس المصدر 132.

 15 - نفس المصدر ص 133.