قراءة في كتاب

معروف الرصافي في كتابه (الشخصية المحمدية).. ملحد ام مجدد في فهم الرسالة السماوية (1)

يعدّ كتاب ( الشخصية المحمدية او حل اللغز المقدس) أجرأ ماكتب باللغة العربية عن النبي محمد. وقد اثارت هذه الجرأة مواقف متضادة، اذ يرى فريق من العلماء ان الرصافي في كتابه هذا يرفض الدين والنبوة وأنه يعلن عن ألحاده.. فكفروه، فيما رأى فريق آخر ان الرجل استخدم المنهج الشكّي في مناقشة المعتقدات، والأسلوب النقدي في المقاربات ليمنح العقل الأنساني حق مناقشة ما هو محرّم اومقدس، والتعامل مع ما حصل لمحمد بوصفه حدثا او تجربة بشرية ينبغي تفكيكها ومعرفة أسرارها، وأرجع فريق ثالث سبب كتابة هذا الكتاب الى ايمان الرصافي بعقيدة وحدة الوجود الصوفية، واعجب آخرون بأن الرصافي صدم الأيمان التقليدي ويقينهم بأن القرآن هو كتاب الله المنزل، فيما اقترح فريق خامس ان يقرأ كتاب (الشخصية المحمدية) قراءة علمية نقدية وليس قراءة دينية تضع القاريء بين خيارين: الألحاد او الأيمان.

في هذه الحلقة نتناول الآتي:

الصفات الأيجابية في شخصية محمد

جبل العرب زمن الدعوة النبوية على القسوة في التعامل والسلوك، حتى انه كان يعاب على الرجل أن يقبّل ابنه. وكانت اسماء الرجال انعكاسا لتلك القسوة من قبيل (حرب، صخر، سيف.. ).. فضلا عن تاثير البيئة الصحراوية التي عاشوا فيها والعصبية حتى بين افراد القبيلة الواحدة.

وكان يفترض ان يكون محمدا بهذه الصفات، لأنه من ذلك المجتمع وواحدا منهم، لكنه كان النقيض الايجابي النوعي، اذ تؤكد كتب السير أن محمدا كان مسالما ودائم التفكير في حال قومه، ما يعني انه كان منشغلا في الكيفية التي ينقل بها مجتمعه من حال وجده متخلفا الى حال أفضل.

وفي كتابه (الشخصية المحمدية).. يبدأ الرصافي تشخيص الصفات الأيجابية في شخصية النبي محمد بالقول بأنه يريد ان يتكلم عن عقلية ممتازة فاقت العقلية العربية في ذلك الزمان (ص 76). ويستشهد بكتب السير بانه كان (دائم الفكر متواصل الأحزان)، وانه كان يحب الخلوة ويقضي الايام والليالي في غاره بجبل حراء. وانه كان حر التفكير بعقلية مطلقة جعلته يشعر بالنقائص الكائنة في محيطه الحاصلة من القيود التي تقيدت بها عقول مجتمعه، وانه كلما زاد تفكيرا زاد شعورا بتلك القيود واحساسا فدفعه عزمه الماضي وارادته القوية الى كسر تلك القيود وتحطيمها لكي يصل الى الغاية التي عزم الوصول اليها.

ولدى الرصافي تفسير سيكولوجي لطيف بان العقل البشري يكون بصنفين: ظاهر يكون فعالا عند انتباه الحواس الظاهرة ويتعطل متى ما تعطلت، وباطن يكون فعّالا عند تعطّل الحواس لا سيما في حالة النوم. ويعتقد الرصافي اعتقادا جازما بأن اقوى باطن ظهرت آثاره في البشر هو العقل الباطن الذي كان لمحمد، الذي استمد منه الكثير من اقواله وأفعاله.. وتحديدا في حالات الوحي وما كان يعتريه فيها من الأغماء ( ص 77). ويضيف بان العقلية المحمدية مهما كانت ممتازة فان امتيازها انما كان بالتفكير بسبب تغلبها على العقلية المكتسبة وان محمدا كان ذا عقل كبير الا ان ذكاءه كان اكبر من عقله.

عبقرية محمد

يشيد الرصافي بعبقرية محمد بعد ان اعلن النبوة، ويرى أن اعظم عبقرياته انه قرن اسمه باسم الله (ولم يجعل الايمان شهادة واحدة بل شهادتين "لا اله الا الله محمد رسول الله".. فجعل اسمه رديفا لاسم الله ليكون مقدسا مطاعا – ص 28).

ولتعميق هذه القدسية وجعلها أبدية فان عبقريته دفعته الى ان يأمر المسلمين والمؤذنين ان يذكروه مع الله عند كل تشهد في صلاتهم اليومية، مع ان القرآن خص الصلاة بالله (وأقم الصلاة لذكري- سورة طه، آية 14).

ويرى الرصافي ان النبي محمد لم يرد لنفسه ملكا ولا سلطانا، بل كل ما اراده هو الذكر المقدس الخالد لنفسه، فيما الملك والسلطان أرادهما لقومه قريش الذين يفضلهم وخصوصا لذوي قرابته الأدنين منه.ولم يجعل الملك عاما في قريش مطلقا بل مقيدا بالشورى واجتماع الرأي على واحد منهم بطريق البيعة.

ومن جانبنا نرى ان الدعوة التي جاء بها النبي محمد لم تكن اسلامية خالصة ولا محلية تخص العرب مع ان هدفه كان توحيد العرب واعلاء شأنهم، بل كانت دعوة سياسية وعالمية.

عزم محمد

يرى الرصافي ان عزم محمد كان من اكبر عوامل نجاحه في الدعوى الى الاسلام (كان لعمري امضى من السيف واقوى من الفولاذ لا يرده راد ولا يثنيه ثان – ص 85).

يؤكد ما قاله الرصافي، ان النبي محمد استمر ثلاث سنين يدعو الى الاسلام خفية ولم تضعضع عزيمته مقاومة شرسة، ولم يضعف يوم قال له عمه ابو طالب (يا ابن اخي ان قومك جاءوني وقالوا لي كذا كذا، فابق عليّ وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا اطيق)، وجوابه (يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على ان اترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله او اهلك فيه). فضلا عن انه تحمّل اهانات سادات قريش وردودهم المنكرة وقول احدهم له (أما وجد الله أحدا يرسله غيرك)، بل انهم طردوه وقالوا له اخرج من بلدنا، وأغروا سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به ويرمونه بالحجارة حتى ادموا قدميه.. ومع كل هذه التهديدات والأهانات والأعتداءات والأغراءات فان عزم محمدا كان اٌقوى وامضى.. ولولا عزمه هذا وحزمه لما كان هناك نبي اسمه محمد ولا دين اسمه الأسلام.

***

أ.د. قاسم حسين صالح

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5883 المصادف: 2022-10-14 04:43:37


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5991 المصادف: الاثنين 30 - 01 - 2023م