قراءة في كتاب

نبيل الربيعي: معايير التفاوض عند الإمام علي بن أبي طالب (2)

كان السبب الرئيسي في اصدار كتابي هذا (معايير التفاوض عند الإمام علي بن أبي طالب) هو اطلاعي على كتاب القيادي الفلسطيني د. صائب عريقات (عناصر التفاوض بين علي وروجر فيشر) الصادر عن دار النصر في بيروت، مما ساعد على دراسة عناصر التفاوض لدى الأمريكي روجر فيشر، وما اضاف السيد عريقات من عناصر أخرى؛ لتسليط الضوء على معايير التفاوض للإمام علي بن أبي طالب.

وقد سلطت الضوء على الكتاب من خلال المعايير أو (العناصر) التي اعتمدها الدكتور عريقات في مفاوضات الإمام علي الإثنى عشر، كما جاء في صفحة (26/27) من كتابه، وكان الفصل الثالث من كتابي هو التوسع في المفاهيم الفلسفية والإدارية لكل معيار من تلك المعايير المعتمدة في المفاوضات، فالإمام علي لهُ السبق في تحديد العقد بين السلطات والفرد، ومفهوم الدستور والحريات على أساس الدستور. فقد حدد الإمام معايير المفاوضات التي بلغت اثنى عشر معياراً، وسنبين هذه المعايير في هذا الفصل، ونبين تحديداتها وتعريفاتها. كانت قوة الإمام هي بالتمسك بحقوقه وليس بالتنازل عنها.

فمعايير التفاوض الأثنى عشر التي تتمثل بالمصالح والشرعية والاتصال، والالتزام، والعلاقات، والخيارات، والبدائل، والعلم والمعرفة، والقيادة والمسؤولية، والمتغيرات، والصبر والثبات، والعدل. وإن كانت المقارنة لا تستقيم بين إنسان مهما كان وبين الإمام علي بن أبي طالب، وجدت لزاماً أن أُبين ما كان قد أرسى الإمام على اثنى عشر معياراً في التفاوض مع خصومه ومع الآخرين، ولا ننسى الراحل الدكتور صائب عريقات كبير المفاوضين الفلسطينيين وعضو اللجنة المركزية لحركة فتح، وكتابه الجديد معايير التفاوض بين علي بن أبي طالب وروجر فيشر، فكان كتاباً مهماً لتوضيح معايير التفاوض، وهو الكتاب الريادي في هذا المجال.3585 معايير التفاوض عند الامام علي

بشكل مفصل شرحاً حول آليات تطبيق المعايير أعلاه، وهي معايير مهمة لمكونات المفاوضات كما ارتأيت من خلال متابعتي لمراحل التأريخي الإسلامي وخلال خِلَافَةُ عَلي بنُ أَبِي طَالِب، هي امتدادٌ للخلافة الراشدة عَقِبَ مقتل ثالثِ خُلفاءِ المُسلمين عثمان بن عفان في يوم الجمعة الموافق لـــ 18 من شهر ذي الحجة سنة 35هـ. بايعهُ في اليوم التالي لقتلِ عُثمان كل من بقي من أصحاب الرسول محمد بن عبد الله في المدينة المنورة لإيمانهم بأحقيتهِ في الخلافة. ولم يكن أبو السبطين ليقبل بالخلافة لولا خشيته على الدين وحرصهِ على درء الفتن وتوحيد صفوف المسلمين. انتقل علي إلى الكوفة ونقل عاصمة الخلافة إليها وحكم في حِقبةٍ عُرِفَت بعدم الاستقرار السياسي وبالأحداث والمواقف الصعبة والمعقدة التي احتاجت إلى الحِكمة والدراية الفقهية التي كان هو أهلاً لها. استمرت مدة خلافته خمس سنوات، (من السّنة الخامسة والثّلاثين للهجرة إلى العام الأربعين للهجرة.

البحث في أسس ركائز السلوك التفاوضي لدى الإمام علي نتيجة تجاربه العظيمة عندما دخل الإسلام غلاماً، وكان في مدرسة الرسول محمد، ومستشاراً للخلفاء، ثم أميراً للمؤمنين في ظروف عصيبة، عصفت بالدولة الإسلامية ووحدتها، قد حدد مجموعة من المعايير التفاوضية، وهي اثنى عشر معياراً. وهي معايير لصناعة القرارات وإدارة الأزمة والمفاوضات لدى الإمام، من خلال تطبيقاتها وفقاً لهذه المعايير.

أما عملية التفاوض، فهي عملية يتفاعل فيها طرفان أو أكثر نتيجة لوجود مصالح مشتركة بينهم يتعذر تحقيقها دون الحوار حول الموضوعات المرتبطة بها، وقد يكون ذلك بمناقشة الأهداف والآراء تعبيرياً أو سلوكياً أو حوارياً لتقديم الحجج والأدلة من كل طرف للتوصّل الى اتفاق نهائي يُحقق المصالح المشتركة والتخلص من النزاع.

إذن يُلاحظ أنَّ التفاوض يتسّم بالموقف النزاعي والصراع، والعملية الحركية المستمرة لكل طرف يهدف لمصلحته، والطرفان المتصارعان، والسلوك الطبيعي لدى الفرد أو الجماعة، والحل الأمثل لحل الصراع والتوصل لاتفاقٍ مُرضٍ، وأداة الحوار لحل المشكلات.

أما أُسس عملية التفاوض؛ فمن الضروري وجود طرفين أو أكثر لديهم حاجة حقيقية للتفاعل فيما بينهم لتحقيق ما ينفعهم، منها؛ وجود هدف لدى كل طرف يهتم بتحقيقه من خلال تضحيات الآخر وتفهّمه، ووجود مصالح مشتركة رغم اختلاف وجهات النظر حول قضايا الآخر، وتوفر القدرات لدى كل طرف لإقناع الآخر بتعديل موقفه إذا لزم الأمر، فضلاً عن الاستعداد بتعديل المواقف الأصلية إذا ظهر دليل يؤيد حُجَجْ الطرف الآخر، وتوفر الوعي بأن عملية التفاوض فطرية وليست مكتسبة، وإنما تُنمّى مهاراتها وإن اختلفت الأهداف والأساليب والأدوات.

وعملية التفاوض تعتمد على مبادئ عملية في المفاوضات بين الطرفين، منها: أن يكون المفاوض على استعداد دائم للتفاوض في أي وقت، وألا يتفاوض أبداً دون أن يكون مستعداً، فضلاً عن عدم الاستهانة بالطرف المفاوض معه، وعدم التسرع في اتخاذ القرار، وأن يكسب وقتاً للتفكير، وأن يستمع أكثر مما يتكلم، وعند الكلام لا يقل شيئاً له قيمة خلال التفاوضات التمهيدية. ويجب أن يتحلّى المفاوض بالمظهر الأنيق، والوقور، والمحترم في جميع عمليات التفاوض وفي الجلسات الرسمية كافة، وكثيراً ما يحدث أن يتردّد المفاوض في اتخاذ القرار لأسباب شتى منها: حداثة المفاوض بالعمل: مما يجعله ميالاً لتأجيل القرار الناتج عن التفاوض عسى أن تستجد ظروف قد تعفيه نهائياً من هذا العبء، وعدم كفاءة المفاوض ونقص تدريبه، مما يجعله عاجزاً عن معرفة البدائل أو تقييمها ومعرفة العيوب والمزايا لكل بديل، وعدم وضوح النصوص المنظمة لسلطات التفاوض وحدودها، بما يترتب عليها من الاهتمام عند اتخاذ قرار أو التردد فيه، والخوف من اتخاذ القرار النهائي حتى لا يتحمّل تبعات المسؤولية وحده، فضلاً عن ضيق الوقت اللازم لإتمام التفاوض، فلا يستطيع الإحاطة بالبيانات اللازمة لعملية بدء وإنهاء التفاوض، ومن ثم اتخاذ القرار الإداري المناسب لأنه يصبح غير مدروس بشكل يتيح له تقييم البدائل المطروحة واختيار أنسبها.

أما أهم أركان التفاوض فهي تعتمد على التفاعل والتأثير النفسي والإقناع والحث من خلال تبادل وجهات النظر الهادفة والحوار الفعّال بين طرفين أو أكثر يعانون من تباين الآراء والأهداف والتي تتعلق بقضية أو خلاف أو صراع مسألة معينة ترتبط بها المصالح المشتركة بينهما بفرض التوصل لحل أو اتفاق مقبول ومُرضٍ لجميع الأطراف.

وتتضّح أركان التفاوض من خلال الموقف التفاوضي، فالتفاوض يُعدّ موقفاً ديناميكياً يقوم على الحركة والفعل ورد الفعل ايجاباً وسلباً وتأثراً وتأثيراً، وهو موقف مرن يتطلب قدرات عالية للتكيف السريع والمستمر والمواءمة مع التغيرات المحيطة بالتفاوض وتتمثل معايير الموقف التفاوضي بالترابط؛ بحيث يصبح الموقف التفاوضي كلٍ مترابط وإن كان يسهل الوصول لجزئياته، والتركيب؛ حيث يتركب الموقف التفاوضي من جزئيات يسهل تناولها في اطارها الجزئي ويسهل أيضاً تناولها في اطارها الكلي، وامكانية التمييز؛ أي يمكن التعرّف على الموقف التفاوضي وتمييزه دون غموض أو دون فقد لبعد من أبعاده أو معالمه، والاتساع المكاني والزماني؛ ونقصد بذلك المرحلة التاريخية التي يتم فيها التفاوض والمكان الجغرافي الذي تشمله قضية التفاوض، والتعقيد؛ فالموقف التفاوضي معقد حيث تتفاعل عوامله الداخلية بحيث يتشكل منها الموقف التفاوضي، والغموض: ونقصد به الشك، حيث يُحيط بالموقف التفاوضي ظلال من الشك والغموض النسبي الذي يدفع المفاوض إلى تقليل دائرة عدم التأكّد، والشك دائماً يرتبط بنوايا ودوافع واتجاهات الطرف الآخر.

أما أطراف التفاوض؛ فيتم التفاوض عادة بين طرفين وقد يتسع ليشمل أكثر من طرفين، نظراً لتشابك المصالح وتعارضها بين الأطراف المتفاوضة، ومن هنا فإن أطراف التفاوض يمكن تقسيمها أيضاً إلى أطراف مباشرة وهي التي تجلس وتمارس فعلاً عملية التفاوض، وأطراف غير مباشرة وهي التي تُشكّل قوة ضاغطة لاعتبارات المصلحة أو التي لها علاقة بعملية التفاوض.

أما القضية التفاوضية فلا بد أن يدور التفاوض حول قضية معينة تُمثّل محور العملية التفاوضية وميدانها الذي يدور حوله التفاوض، وقد تكون قضية إنسانية عامة، أو قضية شخصية خاصة، أو اجتماعية، أو سياسية أو تربوية وما إلى ذلك، ومن خلال ذلك يتحدّد الهدف التفاوضي وغرض كل مرحلة من مراحل التفاوض، وكذلك النقاط والمعايير التي يتعيّن تناولها في كل مرحلة والأدوات المستخدمة في ذلك.

ومن المعروف أن أي تفاوض لا يتم بدون هدف أساس يسعى لتحقيقه أو الوصول إليه وتوضع من أجله الخطط والسياسات، وبالتالي في ضوء هذا الهدف يتم قياس مدة تقدّم الجهود التفاوضية في جلسات التفاوض، ويتم تقسيم الهدف التفاوضي العام أو النهائي إلى أهداف مرحلية وفقاً لمدى أهمية كل منها، ومدى اتصالها بتحقيق الهدف الاجمالي أو النهائي. وفي ضوء ما تقدّم نرى أن أي نوع من أنواع التفاوض لابد وأن تتوافر فيه الأركان الآتية: وجود طرفين على الأقل، ووجود قضية أو نزاع حدث بالفعل بين الأطراف المتفاوضة، ولا يُفرض التفاوض وإنما يقنع الأطراف بأنه نابع منهم، والاعتقاد بأن التفاوض هو أفضل الوسائل المتاحة للتوصل لحل مقبول حول مسألة النزاع أو الخلاف، والحوار الهادف بحيث يتم الحث المتبادل على التوصّل لاتفاقات مقبولة ومُرضية للطرفين.

ويمكن إظهار شروط العملية التفاوضية بالقوة التفاوضية، وترتبط بحدود أو حديّ السلطة والتفويض الذي يتم منحه للفرد للتفاوض واطار الحركة المسموح له بالتحرك فيها، وعدم اختراقها فيما يتصل بالموضوع أو القضية المتفاوض بشأنها، ولذلك يجب أن يتمتع المفاوض بمجوعة سمات شخصية. فضلاً عن الحصول على المعلومات التفاوضية، وتلك المعلومات تتيح لفريق التفاوض الاجابة على الأسئلة التالية: من نحن الذين نتفاوض؟ من الطرف الآخر الذي نعتبره خصماً لنا؟ ما البرنامج المقترح قبل وبعد التفاوض للحصول على وثيقة نهائية مضمونة التحقيق؟ ما وسائل الدعم المتاحة والأفراد المدربون للوصول لتلك الأهداف؟ ما الأهداف المرحلية التي ستسير عليها وكيفية استغلالها؟ هل تستطيع أن تُحقق ما نُريده جملةً واحدةً أم على مراحل؟ كيف تستطيع ان تُحقق ما تريده من التفاوض من الطرف الآخر؟ ماذا تُريد من عملية التفاوض من الطرف الآخر أن يُحققه لنا؟

أما ما يخص القدرة التفاوضية، فيجب على الفريق التفاوضي أن يتمتع بمدى براعتهم ومهاراتهم، وتتأتى في عملية الاهتمام بالقدرة التفاوضية على الاختيار الجيد لفريق التفاوض، وتحقيق الانسجام والتوافق والتلاؤم والتكيّف المستمر بين أعضاء فريق التفاوض، وتحفيز وإعداد فريق التفاوض تحفيزاً عالياً، والمتابعة الدقيقة لأداء فريق التفاوض، وعدم الاستهانة بما سيحققونه من عملية التفاوض والاشادة بها.

ويوجد في عملية التفاوض غالباً طرفين لديهما نيّة حقيقية قبل الدخول في التفاوض لتحقيق المصلحة المشتركة والمنفعة المتبادلة وحلّ القضية التي من أجلها سيتفاوضون، وبالتالي يجب أن تكون لديهما قناعة بأن الاتصال المباشر والتفاعل الملائم مع الطرف الآخر هو الوسيلة الفعّالة لتحقيق نتائج مُرضِية، وتوازن المصالح والقوى بين الأطراف المتفاوضة حتى يأخذ التفاوض دوره وتكون نتائجه أكثر استقراراً وتقبلاً وعدالة واحتراماً بين هذه الأطراف، وإذا لم يتحقق هذا التوازن فقد يفقد التفاوض معناه وسيضحى استسلاماً وتسليماً وظلماً لأحد الأطراف الذين لا يملكون القوة اللازمة للتدليل على حقهم وإجبار الآخر على تقبّله.

أما أهم معوقات التفاوض؛ فهناك محظورات يجب أن يتجنبها المفاوض وتظهر في المبالغة في الحديث والاسترسال، واخفاء جوانب الضعف، والأسلوب الصعب والمُعقّد، وعدم الاهتمام بسماع الطرف الآخر، والمُكابرة في الخطأ، وفقدان الأعصاب والتوتّر، والقصور في مهارة التحدث والتفكير المنطقي، وتشويه المعلومات بقصد أو بدون قصد، وسوء العلاقات بين المفاوض وجماعته وبين الأطراف الأخرى.

***

نبيل عبد الأمير الربيعي

في المثقف اليوم