قراءة في كتاب

رشيد الخيّون: الإمام الثَّالث عشر.. الفقيه بعينه!

ليس أكثر مِن الحديث عن المهديين أو المُخَلِّصين، في الأديان والمذاهب، ولدى المسلمين مهديٌّ وفق الرواية السّنية، ومهديّ وفق الرواية الشّيعية، وليس موضوعنا عن المهدي بذاته، الذي سيخرج مِن بين النّاس، ومشروط بكون اسمه واسم أبيه "محمد بن عبد الله" مثلما الخبر في كتب السّنة، وعند الشِّيعة "محمد بن الحسن" مثلما هي الحال في كتبهم أيضاً. قلنا ليس هذا موضوعنا، لكن الموضوع رماه أمامنا الباحث العراقيّ شاكر شاهين وعنوان كتابه "الإمام الثَّالث عشر العامة والعِمامة في الحقل الشّيعيّ" (دار مكتبة عدنان 2022). لم يتعرض شاهين إلى ما فكر به أو تخيله باحثون وكُتاب عمّا بعد الاثني عشر إماماً، وبذلك تنتهي فكرة التوقف عند هذا العدد، مثلما ورد: "الاثنا عشر إماماً من آل محمد كلُّهم محدث من ولد رسول الله صلى الله عليه وآله وولد علي بن أبي طالب - عليه السلام - فرسول الله - صلى الله عليه وآله - وعلي - عليه السَّلام - هما الوالدان" (الكُليني، كتاب الكافي).

كانت الفكرة المطروحة في الكتاب المذكور أنَّ الفقيه هو الإمام الثالث عشر، فالفقهاء وضعوا أنفسهم ورثة للأنبياء، وعلى هذا الأساس، كان لهم ما كان للنبي وورثته، من الأئمة، وعليه كانت نظرية "ولاية الفقيه" العامة (الخميني، الحكومة الإسلاميَّة)، فتأسست دول على روايات مختلف عليها، فقبل ولاية الفقيه الإيرانية ظهرت على فكرة المهديّ الدَّولة العبيديّة، حيث تونس اليوم، ثم امتدادها الفاطمي في مصر، والموحديّة في المغرب، ظهر المهدي نفسه وأسس الدّولة، أمّا في الحالة الإيرانيّة الراهنة، والصّفويّة من قِبل، فجرى الأمر بالنيابة عنه.

أوضح كتاب "الإمام الثّالث عشر..." هيمنة الفقيه على العامة، فلم يبق التقليد شأناً عبادياً، في صلاة وصوم، بل تحول إلى التقديس، حتّى أخطاء الفقيه وخطاياه، أو رجل الدين، يفهمها العامة على أنها الصّواب بعينه، لأنه بمثابة الإمام الثّالث عشر، من دون نسب بالإمام أو تصريح بذلك، وقد يكون هذا الفقيه مِن آل النّبي يعتمر العمامة السّوداء أو من بقية النّاس يعتمر العمامة البيضاء. لذا كان الخلاف، إلى حد العداء، بين الفقهاء أنفسهم على هذه المنزلة، فمنهم مَن ادعى المعصوميّة، عندما يقول: "ليس للخطأ إلى كلماتي سبيل لأنني تابع للأئمة"(الإمام الثالث عشر).

الرأي بالعامة

تكون العامة، أو العوام، من الأتباع عند الفقيه كالقطيع، الذي يحتاج إلى سائس، وهو السَّائس، فمَن شبههم بالأنعام، قال: "كالأنعام على الطَّريق العام مِن شريعة الإسلام"(نفسه)، لدى الفقيه فكرة أن يبقى متميزاً بالعلو والرِّفعة عن مقلديه، ليس بدرجة العلم فحسب، بل بالمستوى الاجتماعي، فلا يكثر مجالستهم، يغيب عنهم، خلف الحاشية، كأنه يحاكي الإمام المهدي نفسه في غيابه، ولا يلتقي به إلا الأصفياء مِن الفقهاء، وعندما يُقدم المُقلدون الأموال للفقيه يكون ضمن الواجب الإلهيّ، مثل الصّلاة والصّوم، وهو صاحب الفضل بقبولها، وربّما تظاهر برفضها إذا لم تُقدم بشكل لائق بمكانته.

أمّا مَن يخرج لتوضيح الصُّورة ويحاول توعية العوام عما هم به مِن جهل وتجهيل، فلا يكون الموقف منه بأقل مِن الموقف مِن محسن الأمين(تـ: 1954)، عندما هم بتشذيب عاشوراء مما لحق المناسبة مِن خرافة ومبالغة، استُغل فيها العوام أيما استغلال، وهنا يأتي مركز رجل الدّين، خطيباً كان أو صاحب مجلس عزاء، ويُحسب المركز الاجتماعيّ بعظمة المجلس أو الموكب، وقد تمادى سياسيو، بعد 2003 في العراق، بالتباهي بالمواكب. هذا وليس عنوان "الفقهاء حُكام على الملوك" لسعد الأنصاريّ، لم يتم في عهود الدّولة الإيرانيّة منذ العهد الصّفوي إلا بعد هيمنة الفقيه المطلقة على العامة، يحركها ضد الملوك متى يشاء وباسم الأئمة، فهو وريثهم "الثّالث عشر". ليست مشكلة إذا كان التقليد الأعمى بحدود العبادة، لكنه خرج إلى السياسة، وما حصل من توجيه للانتخابات العراقية الأولى (2005) مِن قبل بيوت المراجع كان واضحاً. 

لذا بوجود هذه الهيمنة على عقول العوام، فلا معنى لانتخابات وديموقراطيَّة مِن الأساس، وخصوصاً إذا كانت لا تحقق مقولة "الفقهاء حكام على الملوك". فمَن يدقق في الروايات التي تناولت طبيعة الأئمة والثاني عشر المهدي المنتظر، لا يستغرب مِن فكرة أنَّ الفقيه هو الإمام الثّالث عشر، أو البحث عن إمام ثالث عشر، وقد بعد زمن الغياب وطال. فهذا السّيد الحِميري (تـ: 173هـ) قالها قبل ظهور فكرة غياب الثاني عشر (260هـ) بأكثر مِن مئة عام، فكيف تكون الحال بعد ألف عام. قال الحِميريّ في مهديه محمد بن الحنفيّة (تـ: 81هـ): "يا شِعب رضوى ما لمَن بك لا يُرى/وبنا إليـك مـِن الصَّبابة أولقُ/ حتَّى مـتى وإلى مـتى وكم المدى/يا ابن الوصيّ وأنت حيّ ترزقُ"(ديوان السّيد الحميريّ).

المتنبي الثالث عشر

قبل ما صرح به شاكر شاهين، مِن العثور على الإمام الثالث عشر بشخصية الفقيه، من دون أن يقولها صراحة داخل كتابه، لفت آخرون، مِن قبل، الأنظار إلى أبي الطَّيب المتنبي (اغتيل: 354هـ)، أن يكون هو الإمام الثّالث عشر لأنه ابن الإمام الغائب. فما شاع عن أبيه أنه حُسين السقاء، فهو أحمد بن الحُسين، لكن أشعاره، وبحثه عن الإمارة والمنزلة، أوهمت الشك في أن يكون أبوه مجرد بائع ماء. 

درس حياة المتنبي المحقق محمود شاكر (تـ: 1997)، وأظهر أنه علويّ النَّسب، كان ذلك في مجموعة مقالات نُشرت في مجلة المقتطف (1936-1937)، ثم نُشرت كتاباً، مع التوسعة، تحت عنوان "المتنبيّ رسالة في الطّريق إلى ثقافتنا" (1977)، متهماً طه حسين بانتحال أفكاره وضمنها كتابه "مع المتنبيّ".

 التقط فكرة علوية أبي الطيب المتنبيّ الأديب والشّاعر البحريني إبراهيم العريض (تـ: 2002)، عندما أصدر كتابه "فن المتنبيّ بعد ألف عام"، وكان نشر مقالتين عن المتنبيّ في مجلة "البيان" الكويتيّة (العددان: 49 و50 السنة 1970)، فتوصل إلى أنَّ والد المتنبي هو الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن، وليس أي علوي آخر، فكانت ولادته، أي المتنبيّ، السّنة 303هـ، أي خلال ما عينه إخباريو الشيعة الإمامية بالغيبة الصُّغرى (260- 329هـ)، وظل المهدي الأب متوارياً حتّى (329هـ)، حين إعلان الغيبة الكبرى، بوفاة سفيره، أو وكيله الرابع عليّ بن محمّد السّمريّ، ومن ذلك اليوم انقطعت أخبار المنتظر، إلا على الفقهاء الأصفياء، فظل الاعتقاد أنهم يلتقونه (راجع التنكابني، قصص العلماء). 

بحسب ما أورد الأديب العريض أن المتنبي سيكون الثّالث عشر، وإذا كان ما زال حياً غائباً، فماذا عن ولده؟ الذي يرى العريض أن علويين متآمرين على الأب والابن قاموا بتدبير اغتيال المتنبي في الحادثة المشهورة (354هـ).

جاء بعد محمود شاكر وإبراهيم العريض الأديب العراقيّ عبد الغني الملاح (تـ:2001)، وكتابه "المتنبي يسترد أباه" (1974)، فأغراه نسب المتنبي المجهول، وبحث الباحثين عن أبيه، فاستخرج مِن شعره، وخصوصاً قصيدته في جدته نسباً له، وإذا كان قد صرح بأبوة المهدي المنتظر له، لكن يبقى لإبراهيم العريض الفضل والسّبق في هذا التَشخيص. فلا يكون قائل: "سيعلم الجمع ممَن ضم مجلسنا/بأنني خير مَنْ تسعى بـه قدم"، أو: "ولـو لم تكـوني بنت أكرم والد/ لكان أباك الضخم كونك لي أمّاً"، إلا صاحب نسب شريف، وليس ابن سقاء. وبهذا تجاوز العريض والملاح إلى القول بالإمام الثَّالث عشر، وجعل للمنتظر وريثاً، وأمراً دنيوياً خالياً مِن الخوارق!

قد لا يبدو التفكير باستمرار نسل الأئمة الاثني عشر، مِن عقب آخرهم المهدي المنتظر، غريباً بمكان، فالأئمة عند الإسماعيليّة، المستعليّة والنزارية، مستمرون بالتناسل، ولكلّ منهم تسلسله في تولي الإمامة، كذلك مِن الشِّيعة الاثني عشرية القدماء مَن اعتقد بوجود هذا العدد مِن الأئمة، أي تجاوز الاثني عشر إلى الثَّلاثة عشر، وصاحب هذا الرأي أبو نصر هبة الله أحمد بن محمّد الكاتب (تـ 400هـ) ابن بنت أُم كلثوم بنت أبي جعفر العمريّ (السّفير الثَّاني مِن سفراء المهديّ الأربعة) عن (الطوسيّ، كتاب الغيبة)، لما أدخل زيد بن عليّ بن الحسين (قُتل: 122هـ) ضمن الاثني عشر إماماً، وكان صاحب الفكرة أبو نصر معاصراً لشيخ الطَّائفة أبي جعفر الطُّوسيّ (تـ: 460هـ)، جاء في الرّواية: "وكان يتعاطى الكلام، ويحضر مجلس أبي الحسين بن الشبيه العلويّ الزيديّ المذهب، فعمل له كتاباً، وذكر أنّ الأئمة ثلاثة عشر مع زيد بن علي بن الحسين، واحتجّ بحديثٍ في كتاب سليم بن قيس الهلالي أنّ الأئمة اثنا عشر من ولد أمير المؤمنين" (مؤسسة بصائر، بحث للشيخ إبراهيم جواد عن رجال النَجاشي. جواد علي، المهدي المنتظر).

خصوبة الفكرة

مِن العادة، أنَّ الفكرة الدِّينيّة خصبة، تنشطر بسرعة كبرى، والثًّابت فيها أنْ تُحافظ على قُدسيتها، في أذهان العوام، وفكرة المهدويّة مستمرة بالانشطار، خصوصاً بتوظيفها السياسي المباشر، فكمْ مِن مهدي خرج، وادعى قيادة ثورة أو تمرد، وقلنا ان من الحركات المهدوية من أسست دولاً، قديماً الدولة العبيدية والفاطميّة، ودولة الموحدين، جماعة المهدي محمَّد بن تومرت بن عبد الله بالمغرب (تـ: 524هـ)، وفي العصر الحديث ظهرت دولة في السودان بقيادة محمّد بن أحمد ين عبد الله المهدي (تـ: 1885)، وكانت أصلاً لظهور الديانة البابيّة والبهائيّة في القرن التّاسع عشر، عندما أعلن عليّ محمد الشّيرازي المعروف بالباب (أعدم: 1850)، أنه باب المهدي ثم المهديّ، ثم تشكلت ديانة مستقلة عرفت بالبابيّة فالبهائيّة، وقبل الجميع بما يخص الثّورات، كان محمّد بن عبد الله النَّفس الزَّكيَّة (قتل: 145هـ) مهدياً، ثم قدم أبو جعفر المنصور ولده محمَّد بن عبد الله (تـ: 169هـ) مهدياً، ليلغي به مهدية النفس الزّكيّة، فجاء الحديث عن النّبي "المهَديُّ مِنْ وَلَد العَباس عَمِّي" (كنز العمال). غير أنَّ الحديث "المَهْدِيُّ يُوَطئ اسمُهُ اسمي، واسمُ أَبيهِ اسم أَبي"(كتاب الفتن) ثابتاً اسماً لكل مَن قُدم نفسه أنه المهدي، ما عدا مهدي الاثني عشرية الاسم يواطئ اسم النبي لكن اسم الأب "الحسن". كما كثر المهديون في العراق، بعد سقوط النّظام السابق (2003)، وما زال الانشطار مستمراً، فكلما اشتد الجهل تكاثر المهديون.

كل ما تقدم، مِن المهديين، توظيف لروايات الموضوعات أو المختلقات، مِن أجل العمل السّياسيّ، كتأسيس دولة أو قيادة ثورة، لكن مِن دون أن ينطقها الفقيه، ويدعيها صراحة، تجده يمارسها، نائباً للإمام، فلا الطّيب المتنبيّ ولا زيد بن عليّ الإمام الثّالث عشر إنما هو الفقيه المرجع بعينه، وما تأسيس نظام سياسيّ على روايات مختلف عليها إلا يأس في الوعي السّياسيّ، حيث نظام "ولاية الفقيه"، الممهد لظهور الغائب المنتظر. 

لا اعتراض إذا ما ظلت عقيدة، مثلما يؤمن بها المراجع، أن ظهور المهدي يكون أمراً إلهياً، فـ"كلُّ رايةٍ ترفع قبل قيام القائم فصاحبها طاغوت يعبد من دون الله عز وجل" (الكُليني، الكافي)، لذا وجدوا تخريجاً وقالوا بنيابة الإمام الممهدة لظهوره. فالفاجعة كلّ الفاجعة بالممهدين، واستغلال العقيدة لنيل السّلطة، كنوع مِن الحاكميّة الإلهيّة.

***

د. رشيد الخيّون

في المثقف اليوم