 قراءات نقدية

حين تكتب الشاعرة التونسية فايزة بنمسعود أشعارها

3580 فايزة بنمسعودبحبر الرّوح ودم القصيدة.. في زمن فقدنا فيه عبقَ الشعر..!

"قصائدي تستقرئ الذات والآخر.. ولا ترضيني سوى القصيدة المكتوبة بدمعي" (فايزة بنمسعود)

"الشعرعندي تدوين لحياة البشر، للألم وللخذلان، وللفرح المقبور منذ أزمنة بعيدة، ورثاء لحب مغتال.."(فايزة بنمسعود)

***

الوجه الآخر للمدينة*

في مكان ما

قد يكون معلقا

بين السماء والماء

وفي الزمن الفاصل بين

الأمل واليأس

وفي بقعة تتوسط

جهنم

رأيت الأحلام تحتضر

كصغار عصافير

أسقطت عشها العاصفة

أمام عملاق بشري

فداسها ومضى مختالا

يتطلع في قرص الشمش

حالما مهددا- يوما ما سأشتري

أشعة الشمس

مع نصف الكرة الأرضية

وأقيم عليه مساكن

للإيجار والتسويغ

(فايزة بنمسعود) (يتبع)

***

يتوهّج الإبداع مضيئا في سماء الشّعر العربي ليسافر عبر موسيقى القصيدة الجميلة إلى شاعرة تتنفّس الكلمة العذبة و الشّعر الجميل العابق بمواويل الحب المترامي بين أحضان القصيدة العربية..

ياقوت حرفها و زبرجد شعرها و سحر بيانها و قافية بوحها تستبي القارئ لفصاحة تعبيرها ولغتها الثّرية العذبة الموحية بملكة الإبداع الشّعري و موهبة الكتابة .

وإذن؟

-قد لا أجانب الصواب إذا قلت أنّ الكتّاب الحقيقيين يشتغلون بشكل دائم، في رؤوسهم وفي نصوصهم،  على آليات الكتابة التي يقيمون فيها كتأملات وتقطيعات خاصة للعالم.وهم بذلك الصنيع، يرقبون الحياة والوجود من نقطة دقيقة بمثابة فتحة بابهم المكتظ بالأسئلة والإشتغال الدؤوب.-

الشاعرة التونسية السامقة-فايزة بنمسعود-التي أنجبتها ولاية بنزرت المطلة بشموخ على الأبيض المتوسط، واحدة من هؤلاء، تشتغل بحرقة في الكتابة الشعرية، لتأسيس نفس وخيار جمالي، له تسويده وتقطيعه ونظره الخاص ليس للحياة فحسب، بل للنص الشعري نفسه الذي يغدو مرتعشا في يدها وزئبقيا وشفيف المرايا إلى حد الكسر في الرّوح..

هذه الشاعرة المتألقة تؤسس لمشهد شعري متميز، عبر استمرارية وصيرورة ذات قيمة انتمائية فذة، حيث تبيح لقلمها، لرؤاها ورؤياها، متعة التحليق في الآقاصي لتأثيث عوالم بعيدة، باحثة من خلالها عن ممرات دلالية وصورية ومديات بلاغية روحية لكونها الشعري اللامحدود، وخالقة عبر توظيفاتها متعة دلالية، ولذة تصويرية حركية، لتمارس فعلتها الكينونية الإبداعية، حالمة بولادة جديدة في رحم النص الشعري.

وأنا أضع يدي على بعض قصائدها أحسست، بعد تمحيص ونظر، أنّ الشاعرة-فايزة بنمسعود-تكتب وفق استراتيجية في الكتابة الشعرية.

ولذا وجب-في تقديري-لفت النظر بدقة لكل الآليات والتقنيات المستعملة وفق وعي جمالي ونقدي ملازم. وإذا حصل، سيتم تقليب صفحات قصائدها-الخصبة-، مثلما نقلب المواجع الرائية، لأنّ الألم في الكتابة، له بكل تأكيد، ينابيعه الخلاقة التي تغني نهر الإبداع الإنساني بالإضافات العميقة والجميلة.

وهذا يعني أنّ نجاح المبدعة التونسية فايزة بنمسعود (وهذا الرأي يخصني) في جل منجزاتها الشعرية متمثّلا في عدم سقوطها في الإرهاق اللغوي، فهي تملك لغتها وتعرف كيف تتلاعب بها ومعها، وتبدو رؤية الشاعرة واضحة، واعية تماما لطروحاتها كشاعرة احترقت بلهيب الحرف.. ففي قصائدها المنتقاة بحذق ومهارة تحاول الإنفلات من عقال ذاتها، والإنفصال عنها لصالح المحيط، والعبور من الخاص بإتجاه العام والإنساني.

حين سألتها عن آفاق وتجليات الكتابة الإبداعية في-زمن فقدنا فيه الطريق إلى الحكمة-إكتفت بالقول:

"الكتابة الإبداعية لا تنطلق إلا من دوافع خاصة، أو هذا ما أفترضه دائما، لكني لا أسأل نفسي في كل مرة وأبحث فيها عن دوافع الكتابة لدي، فالكتابة-في تقديري-شكل تعبيري مثل الرسم والموسيقى والنحت وغير ذلك، وتحتاج إلى وعي كبير بالذات، وإلى قدرات أخرى بطبيعة الحال، ثم تكون هي نفسها أداة تعبيرية عن ذلك الوعي وسبيلا لتطويره.

كما قد يكون أيُّ نتاج للكتابة بحثا عن ذات يُفترض أنها موجودة على نحو ما.

والشعرعندي تدوين لحياة البشر، للألم وللخذلان، وللفرح المقبور منذ أزمنة بعيدة، ورثاء لحب مغتال.."

وبسؤال مغاير سألتها : " لقد تمرسنا في صناعة الأمل، و لولاه لقضينا حزنا و كمدا"، كان قد أخذنا لنفس السياق الكاتب الروسي"دوستويفسكي"منذ أكثر من مائة عام ليؤكد أنه"أن تعيش بدون أمل هو أن تتوقف الحياة"، لماذا هذا الإجماع على قدرة الأمل في مجابهة واقع لطالما تساءلنا عن جنسيته ضمن حدود أحلامنا..؟

فأجابت محدثتي -(فايزة بنمسعود)"يبدو أنّه علينا أن نخلقَ معادلاً موضوعياً لأزماتنا، الأمل يشكّل هذا المعادل الموضوعي.هذا من جانب، من جانب آخر فإنّ الأمل يحمل في طياته بذور الأمل التي ستنبت يوماً ما في حقول الألم، وشيئا فشيئاً ستتمدد تلك النباتات وهي تطرد أمامها الأشواك حتى تنظّف الأرض منها، وتحولها من أرض يباب إلى أرض مفعمة بعطر الأزهار."

لو عدنا إلى زمن الكاتب الروسي الخالد دوستويفسكي:"أن تعيش بدون أمل هو أن تتوقف الحياة"، سنرى أنّه أطلق مقولته تلك بينما كانت بلاده تعيش أصعب ظروفها، وبعد ذلك بسنوات شهدت روسيا "الثورة البلشفية"عام 1917، تلك الثورة التي غيّرت وجه روسيا والعالم لعدة عقود."

ثم ختمت حديثها معي بالسؤال التالي: "في عالم الكتابة، إذا ما تطرّقنا لرأي الروائية الأمريكية "بيرل باك" بأن "سرّ الاستمتاع بالعمل يتلخّص في كلمة واحدة، الإجادة"، أين نجد الشاعرة" (فايزة بنمسعود)"بين الاستمتاع و الإجادة؟

وكانت إجابتها :"من الصعب عليّ أن أصدر أحكاماً على ما أكتب، وبالتالي تصبح الإجابة على هذا السؤال خالية من الحيادية.بالنسبة لي أنا لا أتعامل مع الكتابة الشعرية بالخصوص كشكل من أشكال الترف والتسلية، وإنما أتعامل معها بمنتهى الجدية، احتراما للكلمة، واحتراما للقارئ الكريم.

وفي المقابل لا بدّ وأن يرصدَ الشاعر ردود الأفعال على كتاباته علّ ذلك يساعده في ضبط اتجاه بوصلته.صحيح أنّ من حقِّ القارئ أن يحقّق قدراً من الاستمتاع أثناء قراءته، ولكنني لا أصرف جهداً في هذه المسألة، بل أصرف هذا الجهد في تطوير أدواتي الفنية، لتوصيل الرسالة التي أسعى إلى توصيلها للقارئ، مع التأكيد على ضرورة توفر الشروط الفنية بأعلى درجاتها الممكنة في النص الشعري."

للشاعرة  فايزة بنمسعود قدرة على استبطان اللغة وتشكيلها بحيث تعطي أقصى طاقتها في الدلالة على ماتريده وكأنما قد ألينت لها العربية..واللغة ليست صماء بكماء إلا حال استخدامها من قبل أصم أبكم أعمى فساعتها تجدها جامدة ..

وتظهر اللغة أسرارها حال الاجتماع والبناء إذ اللفظ في ذاته مجرد أداة ولا يظهر مكنونه ومعناه بغير اجتماع لذا كان اللفظ في مبني بحيث يكون لبنة من لبنات هذا البناء غيره في معجم..

قد لا أبالغ إذا قلت أنّي لست من الذين يتناولون القصائد الشعرية بأنامل الرّحمة ويفتحون أقلامهم أبواقا لمناصرة كلّ من ادّعى كتابة الشعر، إلاّ أنّي وجدت نفسي في تناغم خلاّق مع جل قصائد الشاعرة التونسية القديرة- فايزة بنمسعود-التي فيها-كما أشرت سابقا-كثير من التعبيرية وقليل من المباشرة والتجريد تغري متلقيها بجسور التواصل معها، مما يشجع على المزيد من التفاعل، ومعاودة القراءة والقول..

وإذ أسجّل إعجابي الكبير-بالإبداعات الشعرية-للشاعرة التونسية الفذة (فايزة بنمسعود) التي تطمح دوما عبر كتاباتها الإبداعية إلى التطوّر والتجاوز، فإنّي أؤكّد على أنّ النص الإبداعي لن يخترق الحدود إلا بقوته الذاتية، كما أنّ حضور القارئ، بل حلوله، في الماهية الإبداعية الملغزة، هو وضع طبيعي يعكس انفتاح المبدع كإنسان على أخيه الإنسان، ويعكس انفتاح الكتابة الإبداعية الجديدة على العالم الحسي المشترك، والوقائع والعلاقات المتبادلة، وأيضًا على الأحلام والهواجس والافتراضات والفضاء التخيّلي غير المقتصر على فئة نخبوية من البشر دون سواها..

ولنا عودة إلى المشهد الشعري للشاعرة التونسية فايزة بنمسعود عبر مقاربات مستفيضة.

***

محمد المحسن - ناقد تونسي

...........................

*اخترت بعض الأبيات فقط من القصيدة العذبة المشار إليها أعلاه.لأمر يقتضيه مسارالدراسة.

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5707 المصادف: 2022-04-21 03:32:53


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5784 المصادف: الخميس 07 - 07 - 2022م