 قراءات نقدية

المَرجعياتُ الثَّقافيَّةُ لشخصيَّاتِ ضَاري الغَضبانِ القَصصِيَّةِ: في نَادِي الحُفَاةِ

حين نستقرئ الفضاء السردي للقاصِّ والكاتب السينارست العراقي ضاري الغضبان، وُنديمُ النظرَ جليَّاً، إمعاناً في البحث عن تجلِّيات وأصول هذه المرجعيات الثقافية لشخصياته في مجموعته القصصية (نادي الحُفاة) الفائزة بجائزة الطيِّب صالح للقصَّة القصيرة، الدورة الحادية عَشرةَ، (2021م)، نفهم حقيقة أُسِ أنساقها الثقافية والفكرية والجمالية سواءٌ الظاهرة منها أو الخفيَّة، ونستعلم جذور مصادرها الوجودية. وهذا يُفضي إلى أنَّ اشتغالات الكاتب قد قسَّمت شخصياته في متون حكاياته على نوعين مُهمَّشينِ من المصادر والمرجعيات الشخصية المغيَّبة ثقافياً.

النوع الأوَّل منها يتحلَّى بطاقات حيوية وإيجابية ثقافيةٍ، ويتمتَّع بقدر كافٍ من مزايا العلم والتعلُّم والفهم والإدراك والوعي والحكمة والقيادة والمبادأة والجرأة والإقدام في رسم مستقبله؛ لكنه مُكَبَّل بقيود الراهن السياسي لفلسفة الغالب القامع على المغلوب المقموع. وهذا القسم من الشخصيات الارتكاسية التي تًعاني من سادية السلطة الحاكمة، هي التي يُعوّل على ثقافتهاَ المرجعية. وبالتالي فإن مرجعيات الغضبان ومصادره البشرية والفكرية لا تقف عند شخوصٍ معيَّنةٍ بذاتها من الفئات الثقافية المحدَّدة، بل تتعدَّد منابع روافدها ومصباتها الرئيسة في البنية القصصية للسرد الفنّي بتعدُّد حضورها وغيابها المُرِّ. أمَّا النوع الثَّاني، فهو على خلاف النوع الأول من حيثُ الحظوة والتعلُّم.

أ-المَرجعياتُ الثَّقافيَّةُ المُتعلِّمَةُ

هذا النوع من الشخصيات العلمية المثقَّفة المتحرِّرة فكريَّاً التي تشقى في النعيم بعقلها وتقدّمَ خدمات فكرها وعصارة جهدها الإنساني الكبير قليلٌ في المجتمع بالمقارنة مع نظائره الأخرى، وتأثيره ضئيل إنْ لم يكن معدوماً. لكنَّه في تجليات القص الحكائي السردي يعدُّ فنياً وفكريَّاً ونسقياً المصدر الحقيقي الشاخص واللَّبنة المرجعية الأساس التي تُبنى عليها دعائم أي مجتمعٍ واقعي أو افتراضي سليم متقدِّم يُنشِدُ رايات الحريَّة والرفاهية والرخاء العلمي. والكاتب على الرغم من أنه مصاب بعدوى الوجع والتألم من هذه الفئات المُتوجِّعة بالضرر، فإنَّه يقف على الحياد من هذه الشخصيات التي يرسم تصميم خريطة مرجعيتها وَيُلوِّن مثاباتِ مصادرها بألوان السُّخريةِ الصادمةِ للنفس.

ب- المَرجَعيَاتُ الثَّقافيَّةُ المُتًجَهِّلَةُ

أمَّا النوع الثَّاني من مصادر شخصياته الذي يوصف بالخصال السلبية والتجهيل والتعمية والغمور الواقعي، فهو ذلك السواد الأعظم من بسطاء الناس الذين يُشَكِّلُون قاعدةَ عريضةً وواسعة من أبناء الشعب الذين ينعمون بشقاوة الجهل والمرض الفكري، والانحراف والجريمة القسرية وشظف العيش المدقع؛ نتيجة قِلَّة تحصيلهم العلمي والعملي والمهني المتدني، وسيطرة ضغوط الواقع الجمعي الراهن على حياتهم المعيشي، مما أثَّرَ على تركيباتهم الحضارية. وبالناتج على الرغم من غلبة النوع الثاني من هذه المصادر على النوع الأول من حيث الكمية العددية لا النوعية الجودية، فإنًّ كلا الشخصيات الموازية في النوعين رغم تباين مصادرها ومؤهَّلاتها الفردية تَشعرُ بالدونية والإذلال والتصاغر ومازوشية الألم النفسي الكبير الذي صار جزءاً من تركيب حياتها اليومية الأمَّارة بالرغائب والتمنيات. هذا التباين الوجودي هو بؤرة العمل الفكري ونقطة الإضاءة التي اشتغل عليها الغضبان في تجسيد مصادر أنساقها.

ولَعلَّ هذا التصنيف الشخصي لثنائية مرجعياته ومصادره النسقية، يقودنا إلى الكشف عن صور شخصياته التي رمز إلى تعريف هويتها في سردياته، إمَّا بمسمياتها الاسمية التعريفية الصريحة، أو بصفاتها الاسمية والمهنية العلمية والفكرية التي ارتبطت بها هويتها الذاتية. ودليل هذا النوع ما يطلق على مؤهلات مثل(الدكتور، والمهندس، والموسوعي، والمحامي، والقاضي، والعالِم، والأستاذ المُشرف، والمُعَلِّم، ومدير المدرسة، وطالب الدراسات العُليا، والتلميذ، والصحافي، والفنَّان، والنَّحات، والكاهن، والصيرفيّ، والعوَّاد، والمايسترو، واليمين الديني المحافظ، واليسار الشيوعي المُتحرِّر)، وأسماء شخصية أخرى مثل، (نبيل، وباهرة، وناخي الحافي، وناطق، وسمير، ووجد، وواجد، وغالب، وأمّ غائبٍ، والسيِّدة، وراقصة بَاليهْ)، وأسماء كثيرة أخرى يتخطَّى حضورها الثلاثين اِسماً شخصياً.

أمَّا الصنف الثاني من المرجعيات الشخصيَّة ذات الأغلبية الشعبية المُتعدِّدة في أنساقها العملية والتي تشعر بقدر كبير من العدميَّة، فتكاد مصادر تمثُّلاتها تربو على الأربعين ونيِّفٍ من الشخصيات الاسمية التي توزَّعت مضامينها على قصص مجموعته (نَادِي الحُفَاةِ)، وسواءٌ أكانت أسماءَ أم صفاتٍ تعريفيةً عدَّةً. ونذكر منها على سبيل الحصر والتمثيل، (اللِّص، والكفيف، والعانس، والسيِّدة، والمُدَنَّسة، وجاسب المجنون، والزعيم، وكاسر، وجراح، وساهر، وعهود، والشيخ غدَار، وحارس المدرسة دِعبِل، والحرامي، والفلَّاح، وذاري، وهاني، وباسم، وابن صوفان، والصبيُّ المُنتَحِر، والفتاة، وكاسر، ومربيَّة الدجاج، والحرس، والبُستاني، وأم عقرب، وعصابة الخضر، والخيَّاط والمومس، ووَفيّ، والدكتور الدجَّال، والجُمهور، والموديل، وعبد الودود، ومالك، وروعة، ورعدة وميسم)وغيرهم.

وتكشف هذه الإحصائية الأسلوبية للتصنيفين الأول والثاني من الشخصيات بأنَّ مجموع مصادر هذه المرجعيات ذات الأثر الجمعي الفاعل وغير الفاعل، قد تجاوز السبعين مرجعاً من أصل أربع عشرة قصة التي تضمنها محتوى مجموعة (نادي الحُفاة)، أي بمعدل خمس شخصياتٍ مرجعيةٍ متنوِّعةٍ لكلِّ قصة من قصص هذه المتوالية القصصيَّة. كما تظهر تمثُّلات هذه الشخصيات القديرة ذات الطابع المرجعي التهميشي واضحةً في نصوصٍ كثيرةٍ من مدونته. ويمكن أن نستحضر بعضاً من مراجعها المهمَّة، ونترك بعضها الآخر لهيمنة فكر المتلقِّي وسلطة وعي حضوره.

1- مَرجعيَاتُ الطاَّقةِ الإيجابيَّةُ

3933 نادي الحفاةفالكاتب في متن قصته (مصنعُ السَّعادةِ) الذي لا سعادة غامرة لشخوصه وأبطاله الأُباة، يرسم لمصادر شخصياته المتنوِّعة الثلاث (الدكتور والمهندس والباحث الموسوعي) صورَ السَّعادةِ المعنويَّة المتشاكلةَ دلالياً بمعناها الفكري المنتصر على آثام الباطل الجاهل القاهر المُستبد، حين ينصرهم مُمثِّل العدالة الشرعية القاضي الحاكم بالقانون، ولم يبخس حقَّهم الشرعي في الحياة عندما فاجأ الجميع بمفارقة توقُّعيةٍ صادمةٍ أذهلت الطرفين (الحاكم والمحكوم) باصطفافه العلني مع هؤلاء النُّخب الثلاثة، انتصاراً لقيم العدالة الاجتماعية المغُيَّبة التي تفرضها عدالة السَّماء.ومثل هكذا أسلوب حكائي مِيتَا قصِّيٍ لافت ومثير يخرج فيه الكاتب بشخصياته عن مألوفه الجمعي يُحسب رهانٌ ماتعٌ له.

وبلغةٍ ذكيَّةٍ كتبها الكاتب، (فَقَدْ بَقِيَ كَبيرُ القُضَاةِ وَاقِفَاً كَتِمْثَالٍ، خِلَالَ فَترَةِ اِشتِبَاكِ المُحامينَ المُؤيِّدِينَ وَالمُناوئِينَ وَخِلالَ طُروحَاتِ المُدَّعِي العَامِ الَّتي بَدَتْ سَاخِرَةً وَغَامِضَةً عَلَى غَيرِ العَادَةِ، وَاسْتخدَام ُالوَاقفِ مِطْرَقَتهِ لِإسكَاتِ الأصواتِ المُؤيِّدةِ وَالمُعارضَةِ عَلَى حَدٍ سَوَاءٍ، حَتَّى تَلَا القَرَارَ الَّذي بَرَّأَ فِيهَ الثَّلاثةَ مِن التُّهَمِ المُوجهَةِ ضِدَّهُم وَطَالبَ لَهُم بِتعويضٍ معَنوِيٍ- كُلُّ هَذا مُتَوَقَّعٌ- أمَّا تَأكيدُهُ أنَّ هِذهِ الدَّائِرةَ المُسمَّاةَ بِدَارِ العَدَالةِ لمْ تُحقِّقْ العَدلَ مِثلَ الدَّارِ القَدِيْمَةِ المُخْتَلفِ عليها، ثُمَّ إعلانهُ الاِستقالةَ مِنْ القَضَاءِ وَالطلبُ مِنْ الثَّلاثةِ قُبولَهُ مَعَ الجُنودِ المَجْهولينَ لِلسَكَنِ فِي مَصنَعِ السَّعادَةِ). فهذه المفاجأة المرجعية الإدهاشية المفارقة الصادمة لتي رسمها الكاتب لقارئه توضِّح بجلاء أن القاضي قادر على المواجه والتحدِّي الكبير في صفِ الانحياز دون تسديد لفاتورة حساب الخسران الذاتي.

وإنَّ اللَّافت في مرجعيات هذا الأمر القضائي وتجليات شخوصه المُتَّهَمَةِ شعورُ الكاتب الغضبان بالحيرة، وتأثير هول الصدمة على نفسه أولاً قبل القارئ ثانياً من موقف كبير القضاة، المفاجئ وكأنَّه شاهد اثباتٍ عيان أو مُتَلقٍّ محايدٌ يَحضر جلسة الحكم النيابية، وليس الكاتب لبِنيَةِ النصِّ المغيَّب عنه وجودياً، والمُتَنَصِّل عنه قصديَّاً، إذ يقول معبِّراً عن هاجسه النفسي قارَّاً القول: (فَهَذَا حَيَرَنِي وَلَمْ يَكُنْ فِي فَضَاءِ تَوَقُّعِي)، (مصنع السعادة، ص 18). ودلالات هذا الأسلوب النوعي من الكتابة السردية تشير إلى أنَّ الغضبان يكتب سردياته القصصية بما بعد الحداثة.

2- مَرجعياتُ ثُنائيَّةِ (الإساءةِ والإحسَانِ)

وفي تمظهر آخر من تمظهرات مصادر شخصياته السلبية يُماهي الغضبان في مرجعياته الثقافية بين فعلي الاساءة والإحسان تماهياً فنيَّاً عجيباً فيه من بلاغة الدهشة الصادمة وفنّ المفارقة الحدثية ما يُثير الاستغراب شعوراً ونُبُلَاً وعاطفةً وجامعةً إنسانيةً تجمع ما بين الشخصيَّة المجتمعية السَّويَّة وضدَّها الفردية السالبة الأثر. فمرجعيات الإساءة الذاتية تجلَّت ظاهرةً في شخصية لصِّ الأبواب الموارِبة، في حين إمارات البِرِّ والإحسان التصقت بشخصية السيِّدة المُسِنَّة ذي الأساور العشرة التي تُلخصها انثيالات وقع هذه البنية النصية، (اِنذهَلَ اللِّصُّ، وَجَلَسَ القَرفصاءَ وَبَكَى بِحِرقَةٍ، تَعَاطَفَتِ السَّيدِّةُ مَعَ البَاكِي، وَنَهَضَتْ وَكَفْكَفَتْ دُمُوعَهُ بِيدِهَا المُرْتَجِفَة، فَأحَسَّ بِالخَجَلِ وَنَهَضَ وَهَرَبَ، وَصَوتُهَا يَتْبَعْهُ بِأنْ يَرْجِعَ كَي تَنْقِدَهُ بَعضَ المَالِ... كَانَ يَبْكِي وَهْوَ يَهْرِبُ بِاِتِّجَاهِ طَرَفَ الزُّقَاقِ، حِيَن اِستَوقَفَهُ رَجُلٌ يِرتَدِي بِرِنسِ النَّومِ، وِأمسَكَ بِهِ، وَتَطلَّعَ بِوَجْهِهِ مُتَعَجِّبَاً وَسَألَهُ: مَنْ أنْتَ ؟ - حَرَامِي. تَرَكَهُ الرَّجلُ بِحَيرَةٍ، بَينَمَا رَمَى اللِّصُ اللِّثَامَ وَابتعَدَ، وَهوَ يَرْكُضُ، وَغَابَ فِي الظَّلَامِ )، (لصُّ الأبوابِ المُوارِبَةِ، ص 24).

وحقيقةً لم أرَ في سرديات الأدب العربي الحديث، ربَّما الغربي كاتباً قاصَّاً أو روائيَّاً سارداً بارعاً يمنح بطل قصته اللَّصَّ السارق مثل هذا الشرف الإنساني الرفيع -وإنْ وجد فهو نادر قليل- إلَّا في أدبيات الغضبان القصصية التي تميل إلى تجديد موضوعاتها بجديد الحداثة النصية فنيَّاً وجماليَّاً. والغرابة الفنيَّة اللافتة في موطن الشاهد الحكائي للقصة الذي وظَّفه الكاتب في اشتغالاته، تكمن في عُرى التلاحم العفوي لواقعة العلاقة الحميمة التي تربط اللِّصَّ السَّارقَ بالمرأةِ المُسِنَّةِ المسروقةِ والرجلِ الذي يُمثلُ نبضَ الشارع العام، هي علاقة إنسانية عاطفية بامتياز.

3- مَرجعيَاتُ التَّضادِ والتَّلاقِي

إن ما يُثير الانتباه في مرجعيات ضاري السردية اختياراته الغرائبية لشخصياته البطولية في مدوناته القصصية من حيث فارق المقاربة وتباين خطوط المقاطعة والالتقاء والعدمية بين الشخصيات الاجتماعية التي تظنَّ كلَّ الظنَّ ألَّا تلاقياً يمكن أنْ يحدث نتيجة الفوارق البيئية الاجتماعية والثقافية والفكرية بينها وبين تركيبها المجتمعي الشاسع. وهذه المغامرة الأنساقية مما دفعت الكاتب إلى الإقدام في المقاربة المرجعية بين ثنائية (الثراء والفقر)، أي الجمع بين زوج فقير وزوجة غنية. فالثراء الذي يسعى الغضبان في اشتغالاته القصصية إلى تحقيق مرجعيته الإنسانية ونسج خيوطه الحريرية المتشابكة في أرض الواقع المعاش، جَسَّدَ نقاط إضاءاته الماتعة بوعيه الفنِّي في شخصية السيَّدة باهرة الثريَّة التي ترغب بزواجٍ من رجل فقير صالح. أمَّا الفقر الذي اتَّخذه صنواً مغايراً لذلك الثراء الشخصي الفاحش، فقد اختار له شخصية الرجل الحافي الذي لا يملك من الحياة شروى نقير ذلك هو ناخي الحافي.

وتشير سطور أنساق ذلك الرجل الحافي وقصة مصادره الثقافية التي جاءت متساوقة بلغة المتكلم الراوي العليم قوله:(لَيسَ أمامِي مِنْ خَيَارٍ؛ سِوَى تَحقيقِ رَغبةِ السَّيَّدةِ بَاهرةَ، رَغمَ أنَّ، زَوجَتِي -صَدِيقَتُها الأقربُ- ذُهِلَتْ عِنْدَمَا أَخبرتُهَا بِرغبةِ الثَّريَّةِ الرَّقيقَةِ بِالزواجِ مِن الرَّجلِ الحَافِي مِن كُلِّ شَّيءِ -عَلَى حَدِّ قَولِ زَوجَتِي- والعَائشِ كَمنبوذٍ وَتَائِهٍ فِي السَّوقِ الكَبيرةِ)، (ناخي الحافي، ص 38). وهذا ما جاء به تسريد الراوي الثاني على لسان محامي السيِّدة باهرة التي وجدت بالحافي كل الصفات الإنسانية النبيلة التي تقضي معه حياتها المستقبلية دون فوارقٍ طبقيةٍ.

والغريب في حبكة ذلك الزواج المُغري أن ناخياً رغم فقره وفاقته المعدمة وحاجته الشديدة لحياة زوجية قارَّةٍ، فقد رفضَ عرضّ هذا الزواج غير المتوازن؛ كونه يعتقد مبدئيَّاً بأن حاجة باهرة المرأة الثرية لخادمٍ مُطِيعٍ مثله أكثر من حاجتها لزوج آمِرٍ نَاهٍ. لكن حكمة الكاتب الفلسفية ورؤيته الفنيَّة في اقناع القارئ بالانسجام مع وقائع القصة وأحداثها الصادمة بالمفارقة قد أقنعت هذا المُعدم الحافي بالزواج منها تحقيقاً لذاته. فضلاً عن ذلك أن زواج ناخي الحافي من باهرة المرأة الغنية يبعث فيه الكاتب برسائل مفارقة إلى جمهور القرَّاء والمتلقِّين من أنْ معادلة هذا الزواج غير المتكافئ مادياً، وليس فكرياً أو معنوياً يخلق رغم متضاداته الكثيرة وفوارقه الطبقية المجتمعية حياةً جديدة وعالماً هجيناً من التوافق والألفة والمحبَّة والتقدير؛ كونه عالماً مبنياً على أُس كفاءة القدرة وأساس التكوين.

4- مَرجعيَّاتُ الجَواهِرِ لا المَظَاهرِ

وفي قصته الرائعة (استنتاجات) الدالة على رمزية عتبتها العنوانية الذهنية يُماهي الغضبان بإحدى مرجعياته الثقافية المهمَّة التي اسندها لطالب الماجستير تلك الكفاءة العلمية العليا هذه المرَّة بين ثنائيتي (المظاهر والجواهر). وأعني بصفة المظاهر النظرة الشكليَّة العارضة للأشياء المعنوية والمادية استنتاجاً، والبحث والتقصِّي عن لُباب الجواهر لا قشور المظاهر التي أوقعت عين هذا الباحث العليم في فخ الاستنتاج غير الفاحص الرصين، نتيجة النظرة الشكلانية القاصرة لبيت أحد الأشخاص المدعو(ناطق الأخرس) والكتابة التَّحَقُّقيَّة عن تجربة بيته المشبوهة حسيَّاً لا يَقينيَّاً. وهذا الأمر بحد ذاته يشكلُّ نقطةَ انطلاقٍ سرديَةٍ مُهمَّةٍ للولوج في مَسروداتٍ ذاتَ نكهةٍ وطعم ٍخاصٍّ.

ذُهِلَ الباحثُ من هذا الطلب الغريب الذي كلَّفهُ به أستاذه المُشرِف على بحثه، لأنَّ هذا الأخرس يُديرُ بيتاً غامضاً مجهولاً وسط المدينة مُتَّهَمَاً بالدعارة ظاهراً لا واقعاً جوهرياً قائماً فأورد السارد العليم على لسان هذا الباحث عن كنه الحقيقة المغيَّبة مَصدوماً، (نَقَلتُ الخَبَرَ المُؤسفَ لِخطيبَتِي - اِبنةِ مَثَلي الأعلَى أَخلاقيَّاً وَدينيَّاً- فَكَانتِ الصَّدمَةُ الجَديدةُ بِأنَّهَا مُتحمسةٌ لِفكرةِ أنْ أعايشَ وَاقعَ نَاطقِ الأَخرسِ، وَأكتُبُ عَنْ بَيتهِ المَشبوهِ، شَكوتُ الأمرَ لأَبيهَا الَّذِي صَدَّنِي هُوَ الآخرُ بِتَعضيدِ الاِقتِرَاحِ ! فَاهتزَتْ صُورتُهُ أمامي؛ لأنَّهُ يُريدُ زَجِّي فِي بَيتٍ مَشبُوهٍ مَثلُهُ مَثلَ أَساتذتِي وَخَطيبتِي، فَخَرَجتُ مُنزعِجَاً)، (استنتاجات، ص 47). فالاهتزاز والصدمة التي واجهها الباحث هما قوام الحكاية.

إنَّ ما يريد أن يوصله الكاتب إلى متلقيه في مرجعيات رسالته النصيَّة التي صدم بها بطله أولاً وهزَّ توقُّع أفق قارئه ثانياً، أنَّ ما تراه العين شيئاً ظاهراً قد لا يمتُّ بصلة إلى جوهر الحقيقة وعينها المغيَّبة، وما خَفِيَ عن مرأى العين شيء حقيقي آخر يُمثلُ مسكوت الواقع ومقموعه المستتر الذي هو هدف القصة ومبتغاها الفنِّي البعيد الماتع البديع. لذلك بعد أن اتَّضحت ضبابية الرؤية البصريَّة لمرجعيات بطله في استنتاجاته الخاطئة، أَذهلَ تَوَقُّعَ أفق قارئه مرَّةً أخرى عن فعل بطله في خاتمة قصته، حين طلب الأستاذ المُشرف من باحثه العليم أنْ يواصل مرَّةً أخرى سير بحثه عن الحقيقي.(فَتَبَسَّمَ بِحكمةٍ، وَطَلَبَ مِنِّي أَنْ أبحثَ عَنْ مَاخورٍ حَقيقيٍ وَأكملَ بَحثِي)، (استنتاجاتٌ، ص51). وبجماليات حسن هذا المختتم الفنِّي للمتن الحكائي يكون الغضبان في محاكاته قد منح قارئه شيئاً من ظلال الحكمة.

5- مَرجعيَّاتُ ثُنائيةِ التَّهمِيشِ الجَمْعِي بَينَ (العَقيدةِ والآيديولوجيَا)

وفي مقاربة حقيقية اُلتُقِطَتْ مرجعياتُ مَصادرِها من واقع الحال المكاني الممزوج بصور المخيال الأسطوري يُماهي الغضبان هذه المَرَّة في قصة (نادي الحفاة) المُعبِّرة عن دلالة التهميش بين العقيدة الدينية، والآيديولوجيا الحزبية. وبتعبيرٍ فنَّيٍ أدقٍّ بين جناح اليمين الديني المُتَطرِّف وجناح اليسار الاشتراكي المُتَفَتِّح على جميع الآخرين. (بِمَعنَى أخرَ وَدُونَ تَخطيطٍ، قُسِّمَتِ البَاحةُ لِجناحينِ، فَاليسارُ يَرتَادهُ اِشتراكيونَ بِالعادةِ، مَعَ بِعضِ أَصدقائِهم مِن الفَنانينَ والأُدباءِ الأقربِ لِلصعلكَةِ، بَينمَا الجَناحُ اليَمينَ يَتَّخذُ مِن أصحابِ الزِّيِّ الدِّيني وَالأفكَارِ الرُّوحانيَّةِ مُوقعَاً دَائِماً، وَلَا تَقاطعٌ بَينَ الفَريقينِ رَغمَ التَّناقِضِ الوَاضحِ فِي الأَفكارِ وَالرُّؤَى)، (نَادي الحُفَاةِ، ص80). إذن لا تقاطع.

وعلى الرغم من اختلاف الرؤيا الفلسفية والتباين الفكري بين الجناحين المختلفين عقيدةً وسلوكاً ومبدأً، فإنَّ فلسفة الكاتب ورؤيته الفنيَّة ارتأت أنْ توحدهما معاً للتعايش السِّلمي في بيئةٍ مكانيةٍ وزمانيةٍ واحدةٍ؛ لتعضيد هيبة القانون المؤسساتي لبناء الدولة الحقيقية، ومساعدة بعض أنظمته الحكومية كـ(الشرطة) التي تقوم بتقديم خِدماتٍ دفاعية وسياحية كثيرة لجمهور واسع من الناس، وأعني بذلك حقَّ المواطنة لأبناء المجتمع المحرومين كثيراً منها.

ولنصغي إلى ما يقوله الكاتب عن هذه المنظومة الفكرية المتحدة من أجل التعايش السلمي تحت خيمة الوطن: (لَمْ تُسَجَّلْ لَدَى أَجهزَةِ الشُّرطَةِ أيَةُ مُشكِلَةٍ بَينَ الطَرفينِ، ...حَتَّى إنَّ مَفرَزَةً الشُّرطةِ النَّهريَّةِ القَريبَةِ مِنْ شِبهِ الجِزيرَةِ هِذهِ، لَا تَتَدَخلُ مُطلقَاً فِي عَالمِهَا الخَاصِّ، لَكِنَّ رُوادَهَا كَانُوا دَومَاً يُشكِّلُونَ عَونَاً للشُرطَةِ النَّهريّةِ فِي اِنقاذِ الغَرقَى؛ كَونُ الجِسْر القِريب مَرتَعَاً لِلهاربينَ مِن كَابوس ِالحَياةِ، فَقَد اِشترَكَ المُلتحُونَ مَعَ الحَليقِينَ مَرَّاتٍ عَديدَةٍ فِي الإسراعِ نَحوَ مُنْتَحِرٍ عَلَى وَشَكِ الغَرَقِ، وَإنقاذهُ؛ لِأنَّ جُلَّهُم سَبَّاحونَ مَاهِرُونَ)، (نَادي الحُفّاةِ، ص 80).

ولعلَّ عبارة الهاربين من كابوس الحياة توريةٌ بلاغية دقيقة تحتمل في طيِّات مرجعياتها الثقافية أكثر من معنىً دلاليٍ كبير. فتحتمل دلالة الهاربين معنى ضغوط الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والبيئية، وحقَّ المواطن الشعور بالمظلومية الإنسانية. ويبدو لي أن الكاتب أراد من قصدية هذا التعاون الحميم بين أفاق المرجعيات المتمثِّل بطرفي (اليمين واليسار)، والمؤسَّسات المتمثَّلة بأجهزة (الشُّرطة)، أنَّ طرفي الفكر، وإنْ اختلفوا بينهم، وبين فلسفة الدولة تقع عليهم مسؤولية بناء الوطن، وتشخيص عواقبه السلبية. فهذه الإشارة تمثِّل موحيات النصِّ المرجعي ومرموزاته الفنيَّة الجمالية التي يسعى الغضبان دائماً إلى تجسيد صورتها الكليَّة. فهو يريد أنْ يقول لقارئه النابه كُلَّما طالَ اللَّيل الموحش علينا انبلج النهار بنوره المُشرق، ولا نسمح أبداً لهذ اللَّيل البهيم أنْ يتغشانا بسمادير الكدر.

6- مَرجعيَّاتُ ثُنائيَّةِ التَّهميشِ الزَّمنِي بَينَ (المَاضِي والحَاضرِ)

ويمضي الكاتب بعيداً في مقاربة مرجعياته الشخصية المتعدِّدة حتى وصل به التقارب القَصِّي الفنِّي إلى المقارنة الزمانية الرمزية بين حياة الماضي الجميل، وحياة الحاضر السقيم العليل، حين جعل ثيمة مصادر أنساقه الثقافية ومرجعياتها العقلية كِلاباً حيوانيةً تقود قطيعاً بشريَّاً -فاقداً لجميع حواسه الخمس إلا السَّمعَ- إلى مصير مجهولٍ في قصته (هجرة الحواس). ربَّما وفاءً لتراث ماضي أجدادنا وآبائنا الثقافي الأصيل، وربَّما لما آل إليه الواقع الحاضر من عَثَراتٍ وَشَتَاتٍ ظاهرٍ ألقى بظلاله الوارف على شُرفات حياتنا القلقة حيال هذا الواقع المتغيِّر.

(وَبعْدَ أُسبُوعٍ أَصبحَتِ الظَّاهرَةُ عَامَةً وَفقدنَا الحَوَاسَ كُلَّها تَقريبَاً إِلَّا السَّمعَ الَّذي يَتَصَدَّرُ المَشهَدَ؛ حَيثُ الكِلابُ نَسمعُهَا تَنبَحُ أَمامَ الأَبوابِ مُحَذِّرةً آنذاكَ، وَهَا هِيَ تَقودُ قَطيعَ الفَاقدينَ لَأربعَ مِن الحَوَاسِ الخَمسِ الأَساسيَّةِ نَحوَ المَجهولِ، إِضافَةً لِحواسِ الشُّعورِ بِالأَلمِ وَإدراكِ الحَركَةِ وَالشُّعورِ بِالوَقتِ وَعَدمِ تَحدِيدِ الاِتِّجِاهِ)، (هِجرةُ الحَوَاسِ، ص 93). ولم تكن هجرة الحواس من شخصياته إلَّا السمع – مصدرَ الالتفات والتنبُّه- هجرةً عبثيةً نحو مجهولٍ، بل كانت حكايتها رمزية قصديةً في أنساق الكاتب المُستترَة الخفيِّة. فموحيات دالة الحواس هيَ الناس، أمَّا الكلاب فتوريتها الأسطورية البعيدة، هي ظلُّ النظام القائم الذي يقودهم لمستقبل زمني مُعتمٍ غيرِ واضحِ الرؤيا الحُلمية. فالمجهول كناية عن تجلِّيات ضغوطات الحياة السياسية، وآلام الواقع القمعي الذي خلفته الأنظمة، وانعدام رؤيته.

والأخطر من تلك الإشارات الرمزية السيميائية موحيات الكاتب الفنيَّة التي مَاهَتْ مصدرياً بين انقطاع أصوات الكلاب الدالة على صوت النظام القمعي المتعالي، والحواس البشرية الصامتة المرهون عودتها تدريجياً بعودة الحياة، فكلَّما تعالت الأصوات، فُقِدَتْ الحواس وحريَّة المصير، والعكس هو الصحيح في لعبة الحضور والغياب الرمزي لمصادر شخصياته المرجعية. و(بَعدَ مَسيرٍ لَا نَعْلَمُ كَم اِستمَرَّ مِن الوَقتِ أو المَسافةِ، قَطَعَتْ عَلَينا الكِلَابُ طَريقَ المَشي؛ فَفَهمنَا بِإمكانِنَا التَّوقُّف، فَتَوقَّفنَا وَجَلسنَا نُحاولُ أنْ نَتحسَّسَ بَعضنَا بَعضَاً، حِينَهَا سَكَتتْ أصواتُ الكِلابِ، فَفرِحنَا لِعَودةِ حَاسَّةِ اللَّمسِ وَنِمنَا)، (هِجرةُ الحَوَاسِ، ص 93). وتوالت إثر ذلك حاسة الجوع والعطش.

7- مَرجعيَّاتُ ثُنائيَّةِ التَّهمِيشِ المُتَّضَادِ بَينَ عنصري (الخَيرِ والشَّرِ)

والمتتبعُ القارئ بمهمازٍ فنِّي واثبِ الخطوِ لقصصِ الغضبان سيتفاجأ حقَّاً- بالعجب العجيب والمثير الغريب على النفس في اختياراته الشخصية لمرجعيات قصصه التي تُحَفِّزُ في متلقيه قيم الإثارة والإدهاش والتفكير في التواصل مع بنية أحداثها الشائقة. كما هو شاخص في قصته المثيرة (عِصابَةُ الخُضرِ) الدَّالة على حقليتها اللُّونية الخضراء المبشرة بلون الجنة ولون الحياة. فهذه العصابة التي تتألف من زعيم وأربعة أشخاص. وأهميتها الفنيَّة والجمالية تكمن في أنها ليس كمثل العصابات الإجرامية الأخرى التي تعتدي على حقوق الناس وتغتصبها دون حقِّ شرعي لها، إنَّما تقوم بأعمال شبه جرمية، لها مسوغها الإنساني الاشتراكي الذي يمنحها غطاء الشرعية في المحافظة على حقوق الآخرين العامَّة، وعدم المساس بحرمتها. فهدف هذه العصابة العصرية يُذكِّرُنا تناصيَّاً بسلوك وقصدية أدب الشعراء الصعاليك في عصر ما قبل الإسلام. والقاسم الموضوعي المشترك بين الشعراء الصعاليك، وعصابة الخُضر عدم الانتماء لأيِّ طرف من أبناء القبيلة أو الدولة أو المجتمع، بل هم من بُناةِ المجتمع الذائدينَ عن فقرائِه.

وعندما نبحث عن الأسباب الحقيقية التي دفعت الكاتب إلى تدوين أحداث مرجعيات شخوص حكايتها، نجدها أسباباً رمزية وفنيةً مُهمةً. وإنْ كان ظاهرها الفعلي جُرماً قصدياً غيرَ مُقَنَّنٍ بقانون، فأنَّ باطنها الأخلاقي، قد يَشفعُ لها سلوكها الحامي والذائد عن حقوق الغير، ويُعطيها مُبرِّرَاً مقبولاً رغم أنها جريمة في نظر القانون؛ لكنَّها تجد ذاتها المُدافعَ البديلَ الذي نَصَّبَ نفسَ حاميَاً لصون الدولة وحقِّ مواطنيها بوجه قانوني أو غير قانوني. ومثل هذا السلوك الفردي ما هو إلَّا انعكاس نظير لواقع الحال العراقي الذي أسقط الغضبان مصادر شخصياته علية إسقاطاً رمزياً بإشارة موحياته. وكأن الغضبان هذه المرَّة في أسلوبه التسريدي يمنح الشرفاء من الناس وإن كانواً لصوصاً حقَّاً من حقوق وطنيتهم للإسهام بالعون في فرض القانون واحترامه، وهذا ما قامت به عصابة الخضر ذات التوجهات الإيجابية، والتي اِتَّخذت من اللُّون الأخضر شعاراً كفاحيَّاً تُدهنُ به واجهة كلِّ مَكانٍ مُخالفٍ لِسُننِ الحياة.

فلو تتبعنا زعيم هذه العصابة لوجدناه فعلاً (يُدِيرُ مَعهَدَاً مَجانِيَّاً لِتعليمِ العَزفِ عَلَى العُودِ... وَقَدْ تَعَرَّفَ عَلَى الرِّجَالِ مِنْهُم فِي السِّجنِ! حَيثُ كَانَ الأَربعَةُ مَحكومِينَ بِفَترَاتِ سِجنٍ لِبُضعِ سَنَواتٍ، وَإِنَّ سَبَبَ دُخولهِ هُوَ شُروعِهِ بِقَتلِ صِاحبِ مَعمَلِ طَابوقٍ يَقَعُ مَعملُهَ دَاخلِ حُدُودِ البَلديةِ وَينفُثُ دَخانَهُ الأسودَ نَحوَ البُيُوتِ وَالنَّاسِ! وَخَرَجَ مِن السِّجنِ بَعدَ أنْ، تَنازَلَ المُشتكِي عَن القَضيَةِ لِإصابتهِ بِالسَّرطَانِ. بَينَما ظَهَرَ بِأنَّ الثَّاني يَعمَلُ خَيَّاطَاً وَهوَ الَّذي يُخَيِّط ُلَهُم القُمصَانَ الخُضرَ، وَقَدْ دَخَلَ السِّجنَ بِجريمَةِ تَقليدِ عَلَامَةِ مَاركةِ مَلابِسَ عَالميَّةٍ؛ كَي يَتَأنقَ الفُقرَاءُ بِسعرٍ زَهِيدٍ، وَخَرجَ بَعدَ فَترةِ سِجنٍ لِثلاثِ سَنَواتِ تَعَرَّفَ خِلَالِها عَلَى العَوَّادِ)، (عِصابةُ الخُضرِ، ص110). فكاتب القصة يُبَرِّرُ بمصادره فعل الشخصيتين الأولى والثانية تبريراً منطقياً، حين يرمي الكرة بملعب المخالفين للقانون.

في حين تكشف مصادر القصَّة ومرجعياتها فعلي الشخصية الثالثة النجَّار، والرابعة العصَّار من العصابة الَّذينِ أشار إليهما الراوي العليم بضمير الفاعلية المُتكلَّم، (وَعَرِفتُ بَأنَّ ثَالثَ الرِّجَالِ يَعملُ نَجَّارَاً مُتَنَقِّلاً بَينَ البُيُوتِ وَهُوَ الآخرُ خَرَجَ بَعدَ فَترَةِ حُكْمِ خِمسِ سَنَوَاتٍ؛ بِتُهمةِ قَطعِ يَدِ سّيِّد ِعَمَلهِ فِي النِّجَارةِ عَنْ طَريقِ الخَطأِ، وَإنْ كَانْ قَدْ اِتَّهمَهُ بَعضُهُم بِقَطعِ اليَدِ عَمْدَاُ؛ لِأَنَّ المَجْنِي عَليهِ يِقَطعِ الأَشجارِ الخَضراءِ مِن المُواقعِ العَامَّةِ. بَينَمَا عَرِفْتُ مِهنَةِ رَابعِهِم، حَيثُ يَبيعُ العَصيرُ الطَّبيعي تَكفيرَاً عَنْ ذَنبهِ الَّذي سُجِنَ بَسببهَ؛ وَهوَ يَبيعُ العَصائِرَ الصِناعيةِ المَغشوشَةِ، وَهوَ الآخرُ تَعرَّفَ عَلَى العوَّادِ فِي السِّجنِ وَغَّيَّرَ تَفكيرَهُ وَتَبَعَهُ بَعدَ الخُرُوِج)، (عصابة الخُضر، ص 110). فالمقاربة بين مرجعيات هذه الشخصيات الأربع، وإنْ كانت افتراضية تمُّت بصلة إلى الواقع كثيراً فإنها قائمة على حجيةٍ مقبولية من الجميع بما فيهم المصادر نفسها التي ترى نفسها صاحبة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

بهذا النفس المُقنع للمُتلقِّي يُؤثِّث الغضبان سرديَّاً لدائرة مرجعياته الثقافية التالفة والمعطوبة، ويضفي عليها ظلالاً جمالياً وارفاً من هبات الواقعية السحرية الجديدة التي تسخر من كل مُناجزة تخالف القانون ولا تصبُّ بروافد نهره. فلنقرأ بهذا الصدد إقرار بطل قصته الصحافي الذي كُلِّفَ بمتابعة تجربة عصابة الخضر ولقائه بزعيمها العوَّاد الساخر بعد أن تجلَّت له حقيقتهم الفعلية الماثلة في الواقع، وممارستهم الحياة الطبيعية من غير زواج، (عَرِفتُ كُلَّ هَذَا َومَا لَمْ أعرفْهُ؛ سِرَّ كُونِهم جَمِيعَاً دُونَ زَوَاجٍ ! فَتَجَرَّأتُ وَسَألتُ الزَّعيمَ العَوادَ عَنْ هَذا السِّرِّ، فَرَدَّ بِحَزمٍ، وَهوَ يُشيرُ لِصَبِي يَدفعُ عربَةً: - لِمَاذَا نَتَزَوَّجُ وَنُخَلِّفُ، وَمِثلُ هَذهِ الطُّفولَةُ مَسروقَةً؟)، (عصابة الخضر، ص111).إذن الزواج في مرجعيات الغضبان يُعدُّ تابواً مُحَرَّماً أو غير مسموح به، حتَّى وإنْ كان مقصوراً رفضه فقط على ذاتهم الشخصية ؛ وذلك لكونِ الطفولةُ أضحتْ مُدَنَّسةً بفعل السرقة الذي يغتصب عذريتها وشرفها الإنساني الرفيع.

8- مَرجعيَّاتُ ثُنائيَّةِ التَّهميشِ (الإيجابيةِ والسِّلبيَّةِ)

وفي تجربة اجتماعية ثرية بعطاء المصادر والمرجعيات الثقافية لمجموعة كبيرة من الشخصيات السويَّة وغير السويَّة التي يحتفي بها الغضبان في مدونته الاجتماعية (ما بين السطور) التي قارب فيها بين الصيرفي الشاب سمير والفتاة الحالمة وَجْدٍ، والتي يرغب بالزواج منها. هذه التجربة الاجتماعية الثقافية الكبيرة التي مرَّ فيها سمير بلقاء كثير من الشخصيات التي بُنيت عليها مدخلات الحكاية ومخرجاتها الفنيَّة، والتي تكلَّلت بمفاجآتٍ من الأحداث والمفارقات المذهلة الصادمة التي لا تتوقعها حسابات العقل الظاهر إلَّا بعينِ التّدبُّرِ كشفاً عن عمق حفريات الغامر.

ولا أستغرب من القاص أن يُوَحِّد في طيات هذه القصة مجموعةً مُغايرةً من الشخصيات في الفكر والسلوك والتوجهات؛ لكن هدفها الإنساني ومرجعها الأخير واحد مملوء بعناصر الخير التي تحتاج إلى صبر وعقل واسع. (أُحرِجَ سَميرُ، وَهوَ يَتذكَّرُ بِأنَّ لَا نَزِيهَاً أو شَريفَاً قَدْ اِتَّهَمَ المُسمَّى بِالقاتلِ المَطلوبِ، وَلَمْ يَسمعْ فِعلَاً بِموتِ أَحدٍ بِسببهِ، وَتَذَكَّرَ أَنَّ زَائرَ اللَّيلةِ الثَّانيةِ، اللِّصُّ وَفِيٌّ، عَرِفَ مِنْهُ بِأَنَّهُ لا يَسرِقُ سِوَى الأَغنياءَ بِطُرِقٍ غَيرِ مَشروعَةٍ وَالبُخلاءَ، وَيَمنحُ الفُقراءَ، وَأنَّ المَجنونَ ضَيف اللَّيلةِ الأُولى مُثَقَّفٌ وَيُزَوِّدُ الشُّعراءَ بِقصائدهِ ! وَأنَّ الطبيبَ المُتهَمَ بِالتزويرِ، ضَحيةٌ لِسلبِ حَقِّهِ وَمنحهِ لاِبنَةِ العَميدِ الغَبيةِ، فَالمُتسوِّلاتُ يَجمعْنَ المَالَ بَدلَ تَبذيرهِ، فَتَساءَلَ عَنْ سِرِّ كوكبةِ المُتَسوِّلاتِ المُتشابهاتِ، فَأجابتْ وَجدُ: - لَسنَ مُتسوِّلاتٍ، بِلْ نِساءٌ مُتطوعاتٌ بِالعملِ عِندَ الفِراغِ؛ لِجمعِ المَالِ لِمَنْ يَحتاجَهُ فِعلاً، وَلَهُنَّ مُساهمةٌ ثَابتةٌ فِي إِدامَةِ عَمَلِ دَارِ رعَايةِ الأيْتامِ )، (ِبينَ السُّطورِ، ص130).

فمن هذا المنظور الحكائي للرائي الذي كشفت حقيقته ما يحدث ما بين السطور من الطرف الآخر المُهتم بالبحث عنه أن اللِّصَّ في فلسفة الغضبان الإبداعية، تصيَّر مبدؤُهُ الجمعي اشتراكياً؛كونه صعلوكاً وفياً للفقراء والمحتاجين، وأنَّ المجنون المُثَقَّف أصبح موئلاً للشُّعراء من مُدَّعي شعرَ النثر المتشاعرين، وأن الطبيب المسلوب حقَّة ظلماً وزوراً صار رمزاً وعنواناً علمياً للتضحية والفداء غير المشروع، وأنَّ جمعَ المتسوِّلات الغفير صار رمزاً للحاجة.

وبعد أن اتَّضح المُغَيَّب وانكشَفَ المَستور للصيرفيِّ سمير الباحث عن حقيقة تلك المصادر ما بين السطور، (قَرَرَ التَّقَرُّبَ مِنْ وَجْدِ مَعَ الاِعتذارِ عَنْ سُوءِ فَهمِهِ، فَتَقَدَّمَ أمامَهَا وَرَكَعَ عَلَى رُكبتيهِ، وَطَلَبَ يَدَهَا، ظَنَّهَا تَفْرَحُ؛ لَكنَّهَا تَبَسَّمَتْ بِحُزنٍ وَقَالتْ: -أَنتَ صَيرفيٌّ تَتعَاملَ مَعَ الواضِحِ والمَعلومُ أَمَّا نَحنُ - كَمَا تَرَى- فَنَنشَغِلُ بِمَا بَينَ السُّطورِ، وَحِينَ أَنوي الزَّواجَ ؛ سَأُوَافِقُ عَلَى وَاحدٍ مِنْ هَؤلاءِ المُهْتَمِّينَ بِمَا بَينَ السُّطُورِ)، (ما بَينَ السُّطورِ، ص 131).

فمثل هذه الحقيقة الصادمة بكسر جدار المألوف التوقُّعي لذهن القارئ، والتي ختم بها الغضبان أحداث قصته تُنبِئُ موحياتها الدلالية الإنسانية الخبيئة، خلافَ علاماتها الحسابية المادية الظاهرة، وأنَّ ما لم تكشفه رَجاحة البصيرة العقلية المضمرة، لم تكشفه حقيقة صورة الرؤية البصريَّة المتجلية. أي أنْ الواضح المعلوم للرائي قد لا يكشف دلالات أنساق ما بين السطور الخافي. وهذا الإيهام البصري لحقيقة الأشياء ما أحدث تخلخلاً واضطراباً وعدم توازنٍ في حسابات الصيرفيِّ الرقمية الذي فقد المرأة المهتمة بتفاصيل سطور الحياة، والتي كان ينوي الاقتران بها زوجة له. فهذه هي القصدية الفكرية التي يتخَفَّى وراءَها الكاتب، ويقتفي آثارها البعيدة وتجلِّيات مراجعها القريبة. وعليه أنْ يتوحى الحذر والدقة عندما يتوغَّل في غابة هذا الإيهام البصري الذي يودُّ معرفة عالمه.

***

د. جبَّار ماجد البهادلي

.........................

* من مخطوطةِ كتابي النقدي المُعدُّ تحتَ الطبعِ، (لُعبةُ الغِيابِ والحُضُورِ الفنِّي، وخِطابُ تِهميشِ الشَّخَصنَةِ،  دراسةٌ نقديَّةٌ في مجموعة ضَاري الغضبانِ القصصيةِ (نَادي الحُفُاةِ )

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5783 المصادف: 2022-07-06 11:19:43


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5822 المصادف: الاحد 14 - 08 - 2022م