قراءات نقدية

شعرية المتخيل العلمي في رواية (كوكب الصفاء) لـ (سليم مطر) فحوى الرواية

تتشكل (رواية كوكب الصفاء) من متوالية سردية أو مجموعة حكايات مرجعها التاريخ والذاكرة وبنائها المتخيل السردي بحديه الغرائبي المتوقع والعجائبي الممتنع الحدوث. وهي قائمة على فكرة فلسفية يمكن اختصارها في: ان (تعاسة الانسان) تكمن في اضطراره الى الاخفاء والكتمان وخشية الآخرين. وان (السعادة) تكمن في (الشفافية والثقة المطلقة بين الجميع) .

 (كوكب الصفاء) واسمه (سيلام) شبيه بالارض وسكانه ايضا بشر مثلنا، لكنهم بلغوا علميا وروحيا (ثورة الصفاء) التي جوهرها: (القدرة على التخاطر وسماع افكار الجميع من قبل الجميع). وهذا الامر أدّى عمليا ومع مرور السنين وتجاوز المشاكل وردود الفعل السلبية، الى تعود الجميع على تفهم الجميع والعيش في (شفافية مطلقة) وغياب الاسرار الشخصية والجماعية. وهذا يعني بكل بساطة: تحقيق الثقة المطلقة بين الناس، افراد وجماعات، واستحالة الافعال السلبية والشريرة بسبب انعدام القدرة على الكتمان والتآمر الفردي والجماعي.

الفصول والحكايات

تتكون الرواية من 16 فصل، ومع ترابطها مع بعضها، فأن كل فصل ايضا قائم بذاته وله حكايته الخاصة به. التلوين الصوتي ظاهرة بارزة في هذه الرواية. حيث استخدمت تقنية (تعدد الاصوات السردية)، فالقصص تُحكى اما من قبل " آدما" نفسه لانه عايشها مباشرة، او يسردها لنا بصوت احدى الشخصيات التي عايشتها، وسمعها منها.

ان سارد الرواية (آدما) هو (كاتب) مبعوث في مهمة سرّية من (كوكب سيلام: الصفاء) الى كوكبنا، لكتابة تقارير (ادبية نفسية) عن (اشكالية الهوية والبحث عن الذات الفردية والجماعية لدى سكان الارض). يوضح لنا هذا (الراوي الكوكبي) في الفصل الاول (المدخل)، كيف انه منذ قرون حدثت (ثورة الصفاء) نتيجة التقدم العلمي والروحي. وهو لا يبعد عن كوكب الأرض إلا القليل من السنوات الضوئية: تسعة أعوام بقياس أهل الأرض وهي لدينا خمسة/9. وتتطابق أسماء وهيئة المخلوقات التي تعيش في "سيلام" مع البشر في كوكبنا، وبعضم يتزوج من اهل الأرض.

في اولى الحكايات (جزيرة الصفاء) نتعرف على كيفية حصول هذه (الثورة البدنية الروحية)، وتسردها لنا (انجلينا) وهي ممثلة فرنسية وعالمية تعيش ازمة وجودية في سن الاربعين تجعلها تعاني من حياة النجومية ومجتمع الشهرة والشكلانية. وقد تمت دعوتها من قبل صديقها لزيارة (جزيرة الصفاء) المجهولة من العالم، لتكتشف حقيقة تجربة (ثورة الصفاء والتخاطر) التي سبق وإن عاشتها الجزيرة: كان قد اكتسحها طوفان عظيم شبيه بطوفان نوح. وجد الناجون من الغرق في انفسهم القدرة على قراءة ما يجول في أذهان وخواطر بعضهم البعض. تعرف هذه الظاهرة علميا "التخاطر" وهي ظاهرة لها جوانب نفسية وأخرى فيزيائية تعبر عن قوة دماغ الانسان فوق الاعتيادية في قدرته على التراسل ونقل المعلومات عبر طاقة مجهولة. بعد سنوات من الصراعات النفسية التي عاشها السكان بسبب انكشاف دواخلهم وما يهجسون به عن بعضهم البعض، ركنوا اخيرا إلى السلام والتسامح وصاروا أقرب الى (الصفاء المثالي)، ليس على صعيد الافراد فحسب، بل حتى الدولة: (كل هذا أدى بالتدريج إلى أن تفقد الدولة حاجتها للقوة للسيطرة على الخصوم والمحتجين والمخالفين) /23، فقد أوصلت ثورة التخاطر والشفافية الناس إلى حالة التكامل المنشودة بين التقنية من جانب والوئام النفسي وتقبل الآخر من جانب آخر، حتى بلوغ تلك القفزة الروحية التي اساسها شعار: (المحبة والجمال)!

البحث الابدي عن الهوية

 (سؤال الهوية) هو محور قصص الرواية: من انا ونحن، في الماضي والحاضر والمستقبل؟ وهذا السؤال الاشكالي العصي، مسكون بالعديد من الهواجس المتداخلة: اسطورية وروحانية ومادية..

1ـ الهاجس الاسطوري والاصل المجهول:

ـ تبدأ رحلة الانسان بالسؤال عن اصله الاول. حكاية (جدّنا مايكل، أول قرد تحول إلى إنسان) تأخذنا إلى نظرية دارون الشهيرة عن (اصل الانواع). يستمع المبعوث الكوكبي في بداية رحلته الاستكشافية على شخصية "مايكل" التي يسردها احد الروحانيين في جلسة مع مريديه تناولوا فيها المسكرات والحشيش. حكى إنه سليل قبيلة القرود، وإن ارواح اجداده تحل في جسده ويتكلم بصرخاتهم على لسانه، وقد تحولت قبيلة القرود إلى بشر بمحض الصدفة وبعض التقلبات المناخية: (وأنا أتناول إفطاري الصباحي المتكون من 11 موزة وثلاث خنفسات وذيل برعص عملاق مشوي مع البصل، انقلب الجو وغابت الشمس واسودت السماء وانتشر الهرج والفوضى بين قرود وحيوانات غابتنا)/40

الحكاية بمجملها محاكاة ساخرة لنظرية أصل الأنواع فليس هنالك أكثر اضحاكا من سرد تفاصيل مراحل تطور القرود الحيوان إلى بشر وكيف تخلص الحيوان من ذيله ثم من كثافة شعره ثم من قبحه. تفاصيل كثيرة فيها مفارقة النكتة: (هنالك فرضية لم تحسم بعد تقول إن حرق شعر رأسي في هذه الحادثة يفسر حالات الصلع لدى الرجال)/24.

تؤسس المحاكاة الساخرة لضحك معرفي مصدره ملكة الادراك. فهو يكشف تناقضات النص الأصل ويعيد توليد دلالته بأخرى جديدة. يذهب السارد في سخريته إلى مدى بعيد، فعندما يتحدث " مايكل" عن ايجابيات الجنس الادمي لا يعلق بذاكرته سوى بعض الفوارق الضئيلة بين الحيوان والإنسان: (أود الحفاظ على امتياز بشري لا يمكنني أن استغني عنه، أن أعاشر زوجاتي وجها لوجه)/64.

ـ ينتقل السارد الى اشكالية لا تقل غمومضا واسطورية عن اصل الانسان، الا وهي (الهوية الجنسانية: ذكر، أنثى) والتنازع التكويني والثقافي بينهما. قصة (بلدة آدم، بلدة حواء) التي تسردها إمرأة، عن بلدة اسمها "انسان آباد" اختارت قيادتها الدينية، بسبب كثرة النزاعات بين الازواج، الفصل بين الجنسين، كل في بلدة خاصة. بلدة الإناث تدعى " حوا اباد" وبلدة الذكور " أداما آباد". أما البلدة الأصلية التي كان يعيش فيها الازواج والعوائل وأسمها " انسان آباد" فقد بقيت كما هي، مكان التقاء الجنسين يوما واحدا في الأسبوع. ثم في اليوم التالي يعود كل إلى بلدته/49. سجلت تجربة الفصل الجنسي بعض النجاحات، إذ وجد العديد من النساء والرجال أنفسهم في حالة ارتياح وتناغم مع اندادهم من الجنس نفسه. كما وعانت التجربة من بعض الاخفاقات لأن الكثير من الأزواج اخذوا يحنون للحياة المشتركة بينهما وأخذوا يحتالون على القوانين ليبقى كل منهما في بلدة الاخر. وبمرور الأعوام واضطرار الكثير من الأزواج المتمردين إلى هجر الوادي كله والرحيل إلى بلدات بعيدة ليعيشوا حياتهم الزوجية الطبيعية، بدأت تخفت حدة الرقابة والعقاب حتى عادت بالتدريج البلدة الأصلية بلدة كبيرة مختلطة تضم إناثا وذكور/25.

تبحث القصة في اشكالية العلاقة بين الجنسين، والحيرة الابدية في الحفاظ على التوافق والانسجام بين الطرفين. وهي اشكالية ايضا مرتبطة بسؤال الهوية الجنسانية: هل هي مثلية تقوم على ارتباط كل جنس بمثيله، أم هي علاقة غيرية تنزع نحو الآخر تؤسس هوية تشاركية وحياة متوازنة بين الجنسين؟ يبدو ان نهاية القصة تميل الى الانتصار للتوافق الحتمي بين النساء والرجال، بسبب الضرورات البدنية والحياتية وديمومة الجنس البشري التي فرضتها الطبيعة. ولكن في نفس الوقت تتسامح مع العلاقات المثلية وتترك لها حيزا طبيعيا لكن محدود نسبيا. فقد اختارت المرأة (ساردة القصة) الزواج من الرجل الذي تحبه وتسكن معه في البلدة الاصلية المختلطة" انسان آباد"، أما والدها فقد بقي مضطرا في " أدم آباد" الخاصة بالذكور، ليس لانه مثلي، بل العكس، لأنه كان محبا لزوجته ووفيا لها، لكنها رفضت الحياة الزوجية وفضلت البقاء في بلدة بنات جنسها.

أما الدور الذي قام به " آدما" في هذه القصة فهو كاهن البلدة الأكبر " ايتفار" الذي تمكن من اقناع مجمع الشيوخ بتبني تجربة الفصل بين الجنسين /54. تعد القصة دلالية تستمد شعريتها من حراجة مضمونها واختلافه وليس من تقنياتها الإيقاعية والشكلية.

2ـ الهاجس الروحي ودور الكاهن والخالق:

تظهر شخصية الكاهن والراهب في أكثر من قصة. وكما ذكرت فإن القضايا الكونية التي ناقشتها الرواية اقتضت الرجوع للأديان وتأثيرها الفاعل في سلوك البشر في كافة جهات الكوكب. بالرغم ما قيل ومنذ عصر الأنوار في أوروبا عن نهاية سلطة الدين وبدء الحياة في كنف التقدم العلمي والتقنيات، ما فتأت الأديان وما يرافقها من شعائر ومعتقدات تأخذ حيز الصدارة في حياة الإفراد والشعوب. ومع الإشارة لسلطة الدين والروحانيات في عديد حكايات الرواية، وفي تقمص " آدما" شخصية الكاهن في الحكاية السابقة وشخصية الراهب في حكاية "الراهب وأنا وحواء" استكمل فيها السارد مناقشة طبيعة العلاقة بين المرأة والرجل من الناحية النفسية والرمزية، بالتوازي مع جانب الهوية الجنسية في الحكاية السابقة. إذ تظل علاقة الحب لغزا ازليا حير العقول والالباب. يولد الحب في لحظة وينتهي بالسرعة ذاتها فيكتشف الشركاء أنهم عاشوا مع بعضهم سنوات بالعادة والسهو، وقد يظل الحب كامنا في النفس ينتظر الولادة والحياة مثل حكاية الملحد الذي صار راهبا والراهب الذي ترك حياة العبادة والسبب هو حُبّ نفس المرأة.

ـ أما في قصة " يوم ظهر الرب" فقد توغل السارد في (لغز وجود الرب) الذي لا زال مهيمنا على البشرية حتى في عصرنا الحديث. هل الحياة في ظل الثورة العلمية تقربنا من التدين ومحبة الاله أو تقصي البشرية عنهما؟ تبدأ الحكاية في (منطقة الفاتيكان) مركز التدين المسيحي. الساردة اسمها (لوريتا)، ذات صباح فتحت حاسوبها لتتفاجأ برؤية وجه الرّب على الشاشة، ثم عندما تفتح النافذة تشاهد نفس الوجه يملأ صفحة السماء. وقد انتشر نبأ هذا الظهور الالهي وأخذت الجماهير تتجمع لرؤية المشهد العجائبي التاريخي. الحشود تهلل وتكبر وتصرخ مهتاجة. صورة الرب كما تصفها الساردة: (وجه نوراني تطوف حوله ملايين الطيور التي كانت تتكاثر مع استمرار صعودها من الأرض). ثم استمر الظهور بصوت عجيب مزيج ضاحك وعطوف من أنوثة وذكورة وطفولة، وهو يبث رسالة للبشر من آمن به ومن لم يؤمن، مفادها: (يا مخلوقاتي السامية قد أصبحتم الان بما يكفي من النضج والادراك كي تتحروا من جميع هذه المواريث المقدسة، وها أنا أقول لكم أن جميع الأديان وتعاليمها أصبحت ملغاة وفقدت قيمتها، وأنتم أحرار لتتقيدوا بطقوسها لكنها لم تعد تمثلني ابدا)/76 . لقد ظهر الرّب بهيئته الجليلة لمخلوقاته ليعلن لهم عن نسخه لشرائع جميع الأديان لأنها لم تعد تمثل حقيقته، وإن آخر وصاياه لبني البشر التمسك بكلمتي: (المحبة والجمال)، ففيهما الحياة والنجاة.

من يتابع نتاج (سليم مطر) من ضمنها الكتابة الإبداعية والمنهجية معا يجده يكرر الدعوة للجوهر الفلسفي والروحاني والعرفاني في نظرته للدين والتدين. وجهة نظره هذه مبثوثة في أغلب كتاباته، فهو لا ينظر لوجود الاله والايمان به من زاوية المسميات والطقوس العبادية والشرائع الضيقة، وإنما من منظور فلسفي يمزج بين العلم المادي مع القلب والروح. جوهر هذه النظرة الانسجام بين الانسان وذاته بحيث لا تنقسم هويته بين هذا مؤمن وذلك كافر أو ملحد، مادام يفكر ويتصرف بشكل صائب ويوازن بين متطلبات الروح والجسد. بتكامل طبيعي بين محبة الذات ومحبة الناس.

ولقد قام المؤلف بأسلبة افكار الانسجام والمحبة في قصة " يوم ظهور الرب" إذ تستند على الدعابة المرحة التي تقرب مهابة المقدس من طرافة المعيش. وتتميز باللغة الشاعرية في توصيفها للرب واستثمار أدبيات النصوص الدينية في تجسيد الذات الالهية مثل قوله: (وجه نوراني يفوق حجم الشمس مئات المرات، تطوف حوله ملايين الطيور، بالتدريج تبين أن هذه الطيور رغم اجنحتها بشر يشبهون كثيرا صور الملائكة المتداولة في الرسوم الدينية)/65 صورة الرب قريبة جدا من متخيل الكتب المقدسة التي تصور الاله انه نور السماوات والأرض يحيط الملائكة به في حركة دائبة. لذلك فإن هذه القصة تعد محاكاة رومانسية للأدبيات الدينية ولا تمثل مروقا عنها أو تجديفا في الدين، لولا كلام المؤلف عن نقض جميع الاديان ونسبه للرب!!

تبلغ الحكمة ذورتها في خاتمة هذه الحكاية: بعد مرور فترة وجيزة من واقعة (ظهور الرب) وسيادة التقوى والايمان وتعاليم المحبة الانسانية، عاد الناس بالتدريج الى معتقداتهم الاولى وانقسامهم الى اديان وطوائف وجماعات متدينة وملحدة وغيرها. كذلك الغت الدول قراراتها الايمانية التاريخية وأعتذر الزعماء عن اعتذاراتهم السابقة، وعتقت الثياب التي تحمل صورة الرب، وعادت الأديان والطوائف كما كانت/72 .

3ـ هاجس التقدم والبحث عن الصفاء:

أعادت رواية "كوكب الصفاء" طرح السؤال القديم الحديث عن تهافت ميزان القوى بين التقدم العلمي من جهة مع القيم الروحية والانسانية والسلام النفسي للفرد والجماعة. ان العلاقة بينهما قائمة على التهافت: تقدم كبير في تقنية المعلومات والاتصالات. بالمقابل هنالك تباطؤ كبير في التقدم الروحي والثقافي والقيمي للبشر. أدى عدم التكافؤ هذا إلى ضياع أو تضييع معنى الحضارة الإنسانية التي تضم إلى جانب مجالات التقدم العلمي والتقني، مجال القيم الروحية وتوازن الانسان. وبسبب تدهور معيارية العلم أضحى متخيل الحضارة الكونية الراهنة أقرب للمحاكاة الساخرة أو هجاء عالم معاصر مرتهن للكراهية والعنف وفقدان العدالة. بناء على ذلك يظل كوكب الأرض بحاجة إلى ثورات معرفية ليست على شاكلة ثورات "غاليلو ونيوتن وآنشتاين" ذات البعد المعرفي الواحد، وإنما ثورة إنسانية روحية تسهم في بلورتها الفنون الأدبية والابداعية. يطالعنا مفهوم الثورات العلمية عند (توماس كوين) يعرفها بأنها " هي سلسلة الأحداث التطورية غير التراكمية التي يستبدل فيها نموذج ارشادي قديم باخر جديد متعارض معه" بنية الثورات العلمية/143.

في ثلاث حكايات هي " النسر والحمامة" و" أحفاد طرزان" و"جيوش الحضارات" يطرح السارد (موضوعة الحضارة) من زاوية انثروبولوجية وتاريخية. ودور عصر التكنولوجيا والمعلوماتية في تعميق الفصام النفسي وتصدع ذاكرة الأفراد والجماعات الاثنية، ودور الحضارة الغربية المادية في زيادة تخلخل نفوس الافراد واضطراب الشعوب.

ـ تتحدث قصة " النسر والحمامة" عن رجل سويسري هجر حياة الرفاهية والتجأ إلى كوخ خشبي في جبال الالب وسط اوربا، فيها مواصفات الأرض الرحم التي من الممكن أن يولد الانسان فيها من جديد: (أنا المعماري "امانوئيل" أسلافي قسس وتجار وصانعو ساعات، خلال قرون وقرون عمروا هذه السفوح والجبال بقرى ومدن تحميها قوانين وتغذيها مصارف، ها أنا أحطم الواحهم وأهجر حضارتهم لأعيش تمردي وحيد)/81.

ليست الهجرة من المدن الصناعية والتجارية واللجوء إلى أحضان الطبيعة رحلة للاستجمام فقط وإنما رحلة بحث واستقصاء عن ذاكرة جديدة بدلا من الذاكرة العشوائية قصيرة المدى التي فرضتها طفرات الصناعات الالكترونية وهيمنة ثقافة الاستهلاك. وهي رحلة بحث عن خيال ابداعي بدلا من الخيال التصويري للعالم الرقمي. يشير السارد في عنوان القصة لرمزية الحيوان في مسيرة الحضارة، إذ يتحدث عن صداقة الانسان والحمامة والدور الذي لعبته عبر التاريخ حتى صارت رمزا خالدا للمحبة والسلام: (النبي نوح أدرك نهاية الطوفان بعد أن جلبت له حمامة غصن زيتون، يوحنا المعمدان انشقت السماء فوقه لتهبط عليه الروح القدس بهيئة حمامة، النبي محمد أنقذته حمامة نسجت عشها عند باب غار)/83. الحمامة مؤنثة والمحبة مثلها والحضارة هي الأخرى مؤنثة ولها دور فاعل فيها، ولقد وجد "أمانوئيل" حمامته" أنثاه" وهي "المرأة" التي هذبت طباعه ونقلته من حياة العزلة والوحشية إلى رحاب (الشفافية والثقة الجماعية) في (جزيرة الصفاء).

تبدو قصص الحياة البدائية الآنفة وقد دونت بقلم الروائي (آدما) شبيهة بأفلام المغامرات وحكايات الأدغال التي تدور أحداثها في الغابات والأدغال بعيدا عن صخب المدينة والعلاقات بين سكانها.

ـ حكاية "أحفاد طرزان" الشخصية الاسطورية التي خلقها الادب الغربي (الكاتب الامريكي ادغار رايس: Edgar Rice Burroughs). وهي شخصية بطولية تعبّر بصورة واعية وغير واعية عن جبروت الانسان الغربي واحتقاره للشعوب الضعيفة المستعمرة. فان (طرزان) الطفل الانكليزي المرمي في ادغال افريقيا، ورغم تربيته من قبل القرود، فأن دمائه الانكليزية تجعله ينشأ ذكيا جبارا ومتفوقا بكثير على (الافارقة الوحوش!)، ويمضي حياته في مساعدة الحيوانات وفرض العدالة في ادغال افريقيا: (إنه اسطورة الحقبة الاستعمارية والممثل الأسمى لتفوق الرجل الأوربي بما يحمل من وسامة ورشاقة وشجاعة وذكاء خارق)/99. ترى كيف سيكون، في عصرنا الحالي، انتقام الافارقة من هذا الاستعماري الأبيض؟ تسرد لنا الحكاية مغامرة مجموعة من الغربيين، أزواج من رجال ونساء، يقومون برحلة كشفية في منطقة المستنقعات التي تحيط بنهر الكونغو. ظلّوا طريقهم بين الأحراش بتوريط خفي من " آدما" الذي يرافقهم الرحلة. خشيتهم من الحيوانات المفترسة جعلتهم يلجأون الى قفص حديدي مهجور من ايام الحقبة الاستعمارية حيث كان سجنا للأفارقة الذين يتم صيدهم وتصدريهم كعبيد الى امريكا. لكن الحيوانات المحيطة ابجرتهم على البقاء في هذا القفص. وبمرور الأيام والشهور ودوام العطش والجوع والرعب تغير شكلهم وتبدلت طباعهم، مسحت ذاكرتهم وفقدوا القدرة على الكلام وأصبحوا أكثر شبها بالوحوش التي أخذت تنظر إليهم نهارا وتتسلى: (تعودت الحيوانات أن تلقي إلينا بعضا من نتف طعامها لقاء قيامنا بالترفيه عنها بمختلف الحركات والأصوات التهريجية)/103، ثم في نهاية القصة انضم للحيوانات المتفرجة عليهم الافارقة من ابناء المنطقة. أخذوا يتفرجون ويضحكون ويرمون لهم فضلات طعامهم. والطريف انه حتى عندما حاولت القنصل الانكليزي انقاذهم من قفص عبوديتهم لوحوش الغابة وافارقتها، فأنهم رفضوا وفضلوا البقاء بعيدا عن (عبودية الحضارة).

الطريف في هذه القصة، اننا نكتشف ان الوضع العنصري في (كوكب سيلام) كان قبل (ثورة الصفااء) معاكسا لحال كوكبنا: السلطة والهيمنة كانت للجنس الاسود على القارات الأخرى، وهم الذي يحتقرون الأجناس الأخرى ومنهم الشقر خاصة. وقد اصنطعوا ايضا شخصيتهم الاسطورية الاستعمارية باسم مشابه لـ "طرزان": "كرزان Karzan" الذي كان طبعا أسود البشرة!

في ختام كل حكاية يعطي السارد الضمني " آدما" تبريرا وتفسيرا للحيثيات التي تختلف في بعض تفاصيليها عن الوضع في (كوكب سيلام)، وينطق بالحكمة والموعظة التي حملتها القصة . قال في ختام " أحفاد طرزان": (بينما أنا أتابع ما يجري في دواخل أصحابي استغربت أني مثلهم أشاركهم مشاعر الراحة، وكأننا عشنا ابدا في هذه الحياة البدائية. حينها أدركت مدى قوة أثر الطبيعة البدائية في ذاكرتنا المنسية بغاباتها ووحوشها. هي موطن أسلافنا وأمنا الأبدية)/11 يستبعد السارد الدلالة الأيديولوجية للقصة ليمنحها دلالة نفسية اسطورية عن حياة الطبيعة المختلفة عن حياة الحضارة المادية. تلك قراءة متضمنة في النص ولا تتقاطع مع تواجد دلالة هامشية حافة لها وجاهة عند المتلقي.

ـ في حكاية " جيوش الحضارة" هنالك تلخيص للحقب التاريخية التي مرت بكوكب الأرض ادت كل منها تمثيلها لمفهوم الحضارة. وليس منها من كان نظامه على المستوى القيمي والروحي متقدما بالتزامن مع المكتشفات العلمية. فجر التاريخ جاء بالوثنية، ومن بعدها حل عصر الأديان السماوية، وخلفهما عصر العلم. كل مرحلة دينية ثقافية، دمرت، بأسم الخلاص الروحي والتقدم الحضاري، بنيان المرحلة السالفة واستبدت وصادرت الحقوق: (شرعنا نحن القرويين المسيحيين البدائيين نركع وراء الجنود ونحن نحاول أن نردد تراتيل إله الحضارة الجديدة، أبانا الذي في المختبرات وأمنا التي في المصانع)/ 144. كل عصر من هذه العصور أعاد انتاج عصر العبودية والهيمنة والتسلط بأساليب متباينة.

سؤال الرواية وخاتمتها

هل يغادر " آدما" بعد رحلته الاستكشافية إلى كوكبه (سيلام) أم يبقى على الأرض؟ هل مسحت ذاكرته هو الاخر بعد اغترابه سنين طويله عن وطنه، أم يبقى لأنه أحب " انجلينا" الممثلة الحسناء؟ أم أن (كوكب الصفاء) ما هي إلا رواية استوطنت رأس هذا الإنسان الأرضي، فتخيلها ثم صدق خرافتها وقد جن جنونه بعد الإبحار في عوالمها ومتاهاتها؟

تظل نهاية الرواية منفتحة على تلك الأسئلة ولما يزل (لغز الهوية) والبحث عن (الصفاء) عصيا على الحل وبالرغم من جميع المكتشفات التقنية والعلمية وما حققته من تقدم مادي.

اخيرا نطرح هذا السؤال الذي قد يطرحه كل من يطالع هذه الرواية الممتعة، ولكن ايضاالمثيرة للتفكير: هل تبدو (ثورة الصفاء) مقنعة للقارئ؟ وهل (التخاطر والشفافية) هي الحل الوحيد لخلاص الإنسان من أزماته الكونية والنفسية؟ هل القاء حمولة "العقل الباطني" عن كاهل النفس يجعلها متسامحة، أم أن النفس بطبيعتها أمارة بالسوء، وان الشر صفة ملازمة مثلما الخير من طبيعته؟ قد تكون المشاعر السلبية المكبوتة تجاه الآخرين عاملا محبطا للتواصل والمحبة بين البشر وهي المسببة لحدوث الصراع بين الجماعات وبين الأفراد، طيلة التاريخ. لكنً اللاوعي والمشاعر المكبوتة تحفظ للشخصية حالة من التوازن بين الهو والأنا، والأنا العليا بالمفهوم النفسي والتي تحفظ للذات فرادتها. ان إشاعة تلك الهواجس عبر (التخاطر) قد يؤدي بالإنسان إلى مزيد من العصاب النفسي وكراهية الاخر بدلا من تحقيق الامن والسلام.

لكن يصح القول ان هذا (التخاطر) تبريرا قصصيا بما يحمله من مدلولات نفسية وعلمية وقيمية. وهو يؤطر خطاب الرواية في رحلة سردية أدبية وأنثروبولوجية تترامى حكمتها بين مجرات السماوية وقارات الأرض، بين مخلوقات الفضاء والإنسان ، بين اللاهوت الديني والناسوت الدنيوي، وبين خطابي الأيديولوجيا " التاريخ واليوتوبيا " المستقبل العلمي والأدبي".

اخيرا نشير الى (حضور العراق في الرواية) بصورة رمزية جدا، تزيد من القيمة الاسطورية للرواية. فالراوي الكوكبي اسمه " آدما"، أما والده الذي هو عالم مؤسس لـ" علم الارض" يدعى (سارگون)، وبعد ان يقرر البقاء في كوكبنا لانه تزوج من امرأة أرضية فرنسية، يقدم نفسه أمام السلطات انه (عراقي مغترب). كذلك ان (امّ آدما) تدعى (إينانا) اي (عشتار السومرية). تشير كل هذه الاسماء إلى العراق تاريخا واسطورة، لتنسج صورة للمستقبل من خيوط الذاكرة الدلالية لمكان البداية. هكذا إذن لا يظهر العراق في أحداث الرواية التي تدور في اصقاع أخرى من العالم إلا بوصفه نقشا على جسد النص أو حجر سنمار لبناء الرواية، حيث بدأ تاريخ البشرية من (النهرين) وإليه المنتهى.

***

د. عالية إبراهيم

...........................

رواية (كوكب الصفاء)/ سليم مطر / بيروت 2021/ 166 صفحة

لمزيد من المعلومات والمطالعة الكاملة:

https://www.salim.mesopot.com/hide-adab/32-%D9%83%D9%88%D9%83%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%81%D8%A7%D8%A1.html

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5846 المصادف: 2022-09-07 02:26:39


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5927 المصادف: الاحد 27 - 11 - 2022م