قراءات نقدية

علاء حمد: الأثر والمأثور في المنطقة النصّية

عندما نطرق أبواب منطقة الأثر(1) النصّي، سنكون أمام اتجاهين، الاتجاه الحاضر للأثر النصّي (ومن الأثر بمعنى العلامة)، والاتجاه الغائب، فالنصّ الحاضر يكون متأثراً في حضوره ويحاور أدوات وعناصر النصّ الداخلية، جالباً التأثيرات والمؤثرات التي يمتاز بها حضوره، فيدخلنا معها من خلال التأثر وتحضير الأثر المنجز، وذلك لأنّ الآثار النصّية حول الذات الحقيقية تسبح كالنجوم في الفضاء، وكلّ نجمة تحمل أثراً فعلياً تتجانس مع أدوات النصّ الفعلية، مثلاً: أثر الحدث الذي يُرمى تلتقطه العين لتوظيفه في الذات العاملة، ولكن هناك الأثر الباقي الذي لا يلتقط، ولكن من الممكن جداً أن يكون مستهدفاً من أهداف المحسوس الذاتي، فهو الأثر اللامرئي الذي يتناوله الباث في منظور التماسك الدلالي الفعلي؛ فالمستوى الأول منظور تجريبي، والمستوى الثاني يقع ضمن التجريب الاندفاعي، لذلك سنتطرق إلى ثلاث مناطق في منظور الأثر والمأثور، منطقة الأثر في التجريب الأوّل، ومنطقة الأثر في التجريب الاندفاعي والمثير الجامع لحيثيات الأثر لكي يكون المتلقي أوّل من يدخل منطقة المأثور باعتبار أنّ هذه الرسالة موجهة له.

منطقة الأثر في التجريب الأوّل: إنّ سياق التجريب لا ينفصل عن سياق الأثر، وكلاهما يشكّلان منطقة ناضجة مهيأة لتلتقطها الذات، فهي القريبة منها، وعلى اتصال شمولي؛ لذلك عندما تنضج المعاني في الذات الحقيقية ينضج القسم الأعلى من النصّ المنظور، ويكون للعلامات اللغوية تحقيقات قائمة تتبعها العلاقات النحوية.

منطقة الأثر في التجريب الاندفاعي: يندفع الأثر بذاته من أجل ذاته، لذلك يتم توظيفه بشكل محدّد، وذلك بما يخصّ المعنى أوّلا وما يخصّ النصّ ثانياً، ويشكّل دالة حركية بين الدوال التي تتعلق في النصّ المكتوب، وبعض المتعلقات هي عبارة عن علامات وتبادلات دلالية من الممكن أن تحلّ الواحدة محلّ الأخرى. وتعد تجميع أثر الأشياء المتفاعلة صيغة من صيغ النصّ التي يبحث عنها لكي تكون مندمجة في المعنى، فالمعاني النصّية غير محدّدة لذلك تترقب المزيد في الاندماج النصّي.

منطقة المأثور: في هذه المنطقة بالذات لكونها مختلفة لذاتها، يكون الكاتب قد تجاوز الصعوبات الكتابية وراح يبحث عن التصوّرات ومخططاتها لكي يدمج البعد الكتابي بالفعل الآني، وهي قابلة للدمج والتفاعل من خلال العرفانية لدى الباث عندما يكون النضج مع الشخصيات (في الرواية) وعندما يكون فعل المتخيل قد أسّس مساحة يستطيع (الكاتب أو المؤلف) أن يتعامل من خلالها مع الخيال الخلاق بأبعاد ابتكارية أوّلاً وبالضغط على الذات الحقيقية لرسم ما تحويه محفظتها من أبعاد تخييلية – كتابية ثانياً.

وإذا أخذنا النصّ، فإنّه واحد من المأثورات الإنتاجية، فبدايته يراوغ بين الطول والقصر، وبين البقاء والنسف، فالنصّ التركيبي لا يختلف عن النصّ النهائي، فالأوّل في القول التشييدي التركيبي، والثاني قد تجاوز منطقة المأثور ويكون في المقام الإنتاجي.

السلطة النصّية

من خلال السلطة النصّية يظهر المثلث الإبداعي، فالنصّ المكتوب يتجاوز مرحلة عميقة من خلال مراحل عديدة تحدّدها الآليات النصّية من جهة ومميزات النصّ من جهة أخرى، فيكون للغة (هناك أنواع عديدة للغة ومنها مثلاً: اللغة السردية، اللغة الشعرية، اللغة الأدائية، اللغة الرمزية واللغة السريالية) تعدّدية فنّية من الممكن بواسطتها أن نحاجج جنس على جنسٍ آخر، أي (أنّ النصّ لا يكتفي بذاته أو حاضر في ذاته، كما يقول جوزيف ريدل)، أو أن تكون إمكانية الحوار الحِجاجي باعتبار أن محور الحجة الجانب الغامض في المعنى، ولكن هذا لا يسلب سلطته النصّية وذلك لنفوذ العلاقات النصّية من جهة، وعمل العناصر وانسجامها من جهة أخرى.

محور الحِجاج:

لا يختصّ مبدأ الحوار بجنس معيّن من أجناس الأدب، فهو شمولي – فنّي ويؤدّي إلى انسجامات نصّية، مثلا؛ الانسجام اللغوي؛ فاللغة السريالية تتزاوج مع اللغة الرمزية، واللغة الشعرية تغازل اللغة السردية، هذه الخصوصيات الحوارية والتزاوج الفنّي بين اللغات، يعتبر مفهوم القوّة (force) التي تتدخّل في الحوار الحجاجي، ذات دلائل حِجاجية.

من خلال المحور الحجاجي تقودنا التوجهات والاتجاهات إلى بنى ومعايير عديدة ومنها؛ المعيار الوظيفي والبنية اللغوية ومدى توظيفها كمعيار يضمن الربط الدلالي والربط الاستدلالي.

إنّ (الأصل في وسائل الحِجاجية الفلسفية الاستدلال أي الحِجة المنطقية، ولا قيمة للحجة الواقعية أي الدليل إلا في سياق الاستدلال"2")، إذن يكون الاستدلال المنطقي هو المهيمن على السياق الحِجاجي.

محور التسلط النصّي:

إنّ التحوّلات التي تجري في النصّ الوحدوي، هي تلك التحوّلات التي تتمّ من الطبيعة إلى الذات الحقيقية، فالمعاني التي نريدها، تبقى مرسّخة دون تفريط، مثلا التحوّلات الإشارية عندما نكون مع توظيف الأشياء، ستكون هذه الأشياء مصدر محاججة نصّي، وذلك؛ بما آلت لنا وتفضيل هذا الشيء على غيره، وبما تمّ من توظيف بعض الأشياء غير المرئية، ويكون التأويل سبباً من أسباب المحاججة السببية، وكذلك حدّة النصّ التأثيري، حيث يكون مؤطراً بالمؤثرات السياقية، والتي تعمل على جذب الآخر وإن كان عن بعد. وأهمّ السياقات التي تظهر؛ هو السياق الأسلوبي؛ فالقيمة الجمالية والبنى اللغوية التي تعتمد التركيب الجمالي، والاستعارات، والتشبيه، والتصوّرات منها الاستعارية ومنها الذهنية، كلّها تخصّ النصّ وسلطته التفرّدية.

جلّ ما يبحث عنه الكاتب – الشاعر؛ هو ذلك المتلقي النموذجي، حيث يعتبر النموذج الخاص الضمني، وفي الوقت نفسه، المساحة المؤطرة في تلقي الرسالة وحفظها، وقد قال ريفاتير عن مفهوم "القارئ النموذجي" (هو ذلك التفاوت الحاصل بين واقع النصّ الثابت واختلاف وتباين القراء في قراءته بفعل تطوّر السنن وما يحصل تعارض بينه وبين سنن النصّ، وفي جميع الحالات يكون الأسلوب غير واقع على النصّ، ولكنّه موجود في سياق تفاعل القارئ مع النصّ"3").

***

كتابة: علاء حمد

....................

المصادر:

1- قال ابن منظور: " الأَثر بقية الشيء والجمع آثار وأُثور ... والأَثْرُ مصدر قولك أَثَرْتُ الحديث آثُرُه إِذا ذكرته عن غيرك.

2- دروس في الحِجاج الفلسفي – ص 13 – إيمان سعد.

3- معايير تحليل الأسلوب – ص 7 – ميكائيل ريفاتير – ترجمة: د. حميد لحمداني

في المثقف اليوم