قراءات نقدية

منذ ر فالح الغزالي: الأنساق البنيوية في ثلاثيات (مراوغة حلم) للكاتبة لين هاجر الأشعل

أولاً- بنية العنوان: الملفت في عنوان الكتاب هو العنوان الثاني، الذي يقع تحت العنوان الرئيس (مراوغة حلم)، يدلّ عادةً على جنس الكتاب، الجنس الأدبي الذي كتب تحته مضمون الكتاب. نقرأ في العناوين الفرعية مثلاً: رواية، قصص، شعر، قصص قصيرة جداً، قصص وجيزة... إلخ، وغيرها من العناوين الفرعية التي تشير إلى الجنس الأدبي؛ لكنها المرة الأولى التي يُعنون فيها كتاب بهذا العنوان الملفت: (ثلاثيات)، منقطعة عن الإضافة، أو النعت، أو أي تتمّة تعطي إشارة ما إلى جنسٍ أدبي من الأجناس الأدبية المعروفة؛ فهل أصبحت الثلاثيات جنساً أدبيّاً معروفاً ومكتفياً بذاته؟

أول من كتب القصص القصيرة جداً على شكل ثلاثيات هو الأديب الدكتور حامد حجي، ودرج على منواله العديد من الكتاب، ولعلّ أكثر من أجادت توظيف الثلاثيات هي الأديبة لين هاجر الأشعل، إلى حدّ تأليف كتاب كامل من هذه الثلاثيات.

الملاحظة الثانية: هل القصة القصيرة جداً، أو القصة الوجيزة تحتاج إلى ثنائيات، أو ثلاثيات تساند بعضها بعضاً لتعميق المعنى وإيصال المضمون للمتلقي؟

ألا تكفي قصة وجيزة واحدة كتبت بأسلوب فني رفيع، وبتكثيف شديد يشحن الكلمات بالدلالات، بعنوان وقفلة مناسبة، ألا تكفي لتعطي لأيّ موضوع معناه الكامل، وعمقه المطلوب للوصول إلى الهدف والقصد من النص؟

أم هي زوايا موشور ثلاثية ترى الموضوع من جميع جهاته لتوسيع المعنى وتأكيد الهدف؟

وأخيراً، عنوان ثلاثيات يذكّرنا بعنو ان (رباعيات) أحد دواوين الشاعر صلاح جاهين، وهو الذي اشتهر برباعياته الشعرية.

 ثانياً- البنية المعمارية للكتاب:

اختارت الكاتبة لين هاجر الأشعل أن تبني مجموعتها القصصية الوجيزة، أو ثلاثياتها، كما شاءت أن تعنون كتابها، إلى ثلاثة فصول، وكل فصل له عنوان خاص، يتألف من نصوص تنضوي تحت هذا العنوان، بحيث تكمل الفصول بعضها لتكتمل الصورة الشاملة للإنسان؛ هذه الفصول جاءت بالترتيب التالي:

الفصل الأول- أفراد.

الفصل الثاني- مجتمعات.

الفصل الثالث- أوطان.

الفصل الرابع- وطن أخير.

وابتدأت كل ثلاثية بومضةٍ قصصية، هي عبارة عن جملتين تختصر مضمون الثلاثية، وتمثل الهدف والقصد منها؛ بحيث أصبح للكتاب بنيةٌ معمارية متماسكة ومتناسقة جمالياً، قبل الولوج إلى النصوص، وجمالياتها اللغوية والأدبية.

بعض هذه الومضات جاءت جميلة ومكتملة الشروط، مثل الومضة التالية، عبارة عن طباق ومفارقة بين شطريها:

"الانعكاس

تصاعدت الشعارات، انخفضت الرايات".

أو الموضة التالية، التي احتوت على تورية جميلة وخطيرة:

"إرهاب

ضعف إسلامهم، كثر تكبيرهم"

أو جناس بين الشطرين، مثل:

"لجوء

تسلّقت الهوى، رأسها هوى".

كذلك:

"إقلاع

لحق ركب الثراء، داس أهل الثرى".

لكنّ، من ناحيةٍ أخرى، هذه التقنية المتبعة في البناء الشكلي لنصوص الكتاب جعلت الكاتبة أحياناً تلزم نفسها بما لا يلزم، فجاءت الومضات أقلّ جودةً، وبعضها خالياً من أيّ أدبيّة، سواء بالبلاغة أو المفارقة. نأخذ مثالاً على ذلك الومضة التالية:

"تحرّش

أغواها، صدّته".

أو

"فكر الزعيم

استدرجهم إلى الوراء، أمسوا أسوأ الورى".

ثالثاً- البنية الداخلية للنصوص، البنية البلاغية:

من مراجعتي لنصوص المجموعة لفت نظري أنّ القفلة، في معظم النصوص، هي حامل النص، وتكاد تكون عماد النص كله، وبقية عناصر النص هي تمهيد الطريق للوصول إلى القفلة، فجاءت القفلات متنوعة الأسلوب، بين القفلة البلاغية الموحية، كقفلة النص التالي:

"بسرعة البرق تجمعوا حولها، حاولت آسية جاهدةً فكّ تلافيف الحبل... قرروا قطعه ليرقد المولود في سكون وسلام؛ بنفس وحيد أطلق الكائن الهشّ صيحتين...".

أو قفلة مباغتة صادمة، اعتمدت على الأنسنة لتختزل من خلالها حالةً إنسانيةً عميقة التأثير، مثل نص (جدب):

"احتضنتها، قبّلتها، دسّت حلمتها في فمها... انتظرت أن يجود الثدي بقطرة لبأ؛ تفاجأت الدمية بإدرار دموع."

أو القفلة البلاغية، التي اعتمدت فيها على الكناية التي تشير من بعيد بأسلوبٍ أدبيٍّ جميل، مثل القفلة في نص (وهم):

"مرّت بقربه مبتسمةً، تسلّل رحيقها إلى ثناياه... تعقّب الزهرة، توصّل إلى منبتها، ما إن جمع شجاعته ليطلبها، صدّته الأشواك؛ تلطّخت أحلامه بالأحمر".

نلاحظ أيضاً كمية البلاغة في النصّ كله، يكاد يكون كله تشبيهات بليغة واستعارات ... بالإضافة إلى القفلة البليغة.

مثل هذه النصوص ذات البنية البلاغية العالية نذكر نص (لحن أسطوري):

"قاومت روحاهما جاهدتين، حتى أبطل عشقهما سمّاً زعافاً؛ عزفت قيثارة الجنة أنغام ولعهما... نفث فيهما القصيد حباً سرمدياً؛ فيما ضخّم الحسد رؤوس الأحياء...".

أو القفلة الشاعرية المحمّلة بالدلالات والإيحاءات الكثيرة، في نصّ (انتظار) على سبيل المثال:

"رفعت عينيها الحالمتين إلى السماء تتأمل أشكال السحب الصامتة، كانت تقترب من ناظريها على عجل ، حالت دموعها دون وجهه ودونها!".

ونجد القفلة المشهدية، تصوّر الحالة لتعطي للنص أبعاده وتفتح ، من خلال القفلة، حكايات مماثلة مطمورة في ذاكرتنا عن الوفاء والإخلاص، ونقيضهما، الجحود والنكران. نجد تلك المشهدية في نص (والشيء من مأتاه):

"رأت "سان برنار" كلبها شاخ ولم يعد قادراً على حمايتها، طردته. في زحمة سوق الكلاب منشغلة باقتناء جرو جديد، دنا منها شاب فكان على بعد قاب قوسين أو أدنى، مدّ يده لحقيبتها، إثر عضّةٍ من الخلف، أغمي على اللص".

رابعاً- بنية النصوص:

استفادت الكاتبة، كما أسلفنا، من طاقة البلاغة في التكثيف، تركيز الجملة لتوسيع الدلالة، واستفادت أيضاً من الرموز، دون غموضٍ أو إغراق في التشفير وفك الشفرات، بل لتعميق الدلالة، ولتستفيد من دلالة الرمز وتجييره لصالح النص، بهدف الوصول إلى دلالة محدّدة تسعى إليها الكاتبة للوصول إلى قصدها بأقصر الطرق وأجملها. من تلك الرموز، الرموز الأسطورية، والفلسفية، أو حتى المشاهير...

ورأينا أيضاً كيف استفادت من التناصّ، فطوّعت طاقته الأسلوبية من ناجيتين:

أولاً- من حيث تحسين جمالية النص، ورفع سويّته الفنية

ثانياً- وكذلك للاستفادة من طاقة التناص الدلالية في تكثيف النص وتركيزه.

في قصة (مستحيل)، بنت الكاتبة نصها على مارد المصباح، في تناصّ ٍ مع قصة علاء الدين الشهيرة ، إحدى قصص ألف ليلة وليلة، بحيث جاءت القفلة مفارقة تجعل حتى مارد المصباح يعجز عن تلبية أمنية بطلة النص التي تبدو بسيطة في بلاد الله الواسعة، عدا بلاد العرب.

"انبلج أمامها مارد المصباح، طالبها بثلاث أمنيات، حداها أمل، أشرق وجهها ونطقت:

الأولى- أن أتساوى مع الرجل.

الثانية- ألّا يحكم عليّ المجتمع من خلال مشيتي.

الثالثة- أن أصير مالكة قراراتي.

جحظت عينا الجنّي، فرّ مردّداً: "كم عسير عليّ هذا الأمر! لن أعاود التردد على بلاد العرب...!".

وفي قصة (طعم جديد) تأتي القفلة توريةً ذكية:

"بنخوة عصفور يفرّ من القفص، يتسابق التلاميذ للتجمهر حول عربة بائع الحلوى".

حين انتشاء كلّ مراهق؛ يغادر مروّجها على متن طائرته الخاصة وفي حوزته محاصيل القنّب".

ونجد أكثر من تناصّ مع القرآن الكريم، كما في نصّ (انفصام): "قد تبين الرشد من الغي".

ونص (شهاب آفل): "أنقض ظهري التأليف".

وفي نص (محاسبة) النص الأخير في المجموعة، نجد تناصاً قرآنياً آخر: "هل يستوي الأعمى والبصير؟"، هو قفلة النص، وقفلة المجموعة كلها.

أخيراً

كانت هذه نظرة سريعة إلى مجموعة ثلاثيات الكاتبة لين هاجر الأشعل (مراوغة حلم)، عرّجنا فيها على البنية الشكلية للكتاب، وجوانب من البنية اللغوية والبلاغية للنصوص، رأينا فيها أنّ الكاتبة اشتغلت بشكل جيد على البنية المعمارية لمحتويات الكتاب، وترتيب النصوص، وكذلك اهتمامها بالبلاغة والتناصّ في إغناء البنية الدلالية للنصوص، والاعتناء بشكل خاص بالقفلات، التي جاءت متنوعة، حملت معنى النص، وقصد الكاتبة.

***

منذر فالح الغزالي

بون 20/01/2024

 

في المثقف اليوم