دراسات وبحوث

عمر بن الخطاب: بداية الدولة والسلطة (1-3)

ميثم الجنابيالتحليل التاريخي الثقافي والنقد الفلسفي لفكرة الخلافة  (على مثال خلافة الراشدين)

كان بلوغ فكرة الرشاد مضمونها السياسي الأول بصدد إدارة شئون الدولة والأمة، المقدمة الضرورية لما أسميته بنهاية الوحي وبداية الدولة. فهي المرحلة التي أخذ فيها المسار الطبيعي للدولة طابع العملية التاريخية السياسية. مما جعل من مسار الدولة والسلطة خليطا من دراما التأويل والنفعية السياسية. وكلاهما كانا الأسلوب الضروري الملازم لتلازم الدولة والسلطة. كما أنها العملية التي تؤسس أكثر فأكثر لفكرة الاجتهاد السياسي، بوصفه أحد آليات وجود الدولة والسلطة والأفراد والقيم والحقائق. ومن خلالها يمكن للتأويل السياسي أن يرتقي إلى مصاف العقيدة، وهبوط العقيدة من علياء اللاهوت إلى مصاف السياسة. خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار، أن وحدة الدين والدنيا هي الصيغة التي كانت تعادل من حيث قيمتها المادية والمعنوية تجانس الوجود والمثال بالنسبة لأولئك الذين شكلوا شخصيات الإسلام الأول وعماد أفكاره العملية.

وليس مصادفة أن ترتقي شخصية عمر بن الخطاب في الخطاب الديني التقليدي (السنّي) إلى مصاف ما سمي أحيانا بموافقة القرآن لرأي عمر. والمقصود بذلك ما هو مشهور من مواقفه العملية التي دعا إليها وتحولت إلى فكرة قرآنية، مثل قوله للنبي محمد "يا رسول الله، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى"، فظهرت الآية (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى)[1]، وكذلك قوله: يا رسول الله، إن نساءك يدخل عليهن البرّ والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن، فظهرت آية الحجاب (وإذا سألتموهن متاعًا فسألوهن من وراء حجاب)[2]، وكذلك قوله لنساء النبي وقد اجتمعن عليه في الغيرة كلمات ظهرت كما هي في الآية (عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن)[3]. وقد جعلت هذه الوقائع والحقائق النبي محمد يقول مرة "جعل الله الحق على لسان عمر وقلبه". وفي هذا كانت تكمن إحدى مقدمات الأفكار الجليلة والمبجلة لشخصيته التي جرى وضع أحاديث لا يخلو اغلبها من أثر الصراع السياسي اللاحق. لكنها كانت تعكس بقدر واحد تمازج الخيال الديني والمنفعة السياسية الضيقة. كما هو الحال في الأحاديث الموضوعة (الكاذبة) مثل "ما من نبي إلا له وزيران من أهل السماء ووزيران من أهل الأرض، فأما وزيراي من أهل السماء ‏‏فجبريل‏ ‏وميكائيل،‏ ‏وأما وزيراي من أهل الأرض فأبو بكر وعمر". وكذلك الحديث الذي توج الصورة المسرحية التي تصور كيف أن النبي محمد ‏خرج ذات يوم فدخل المسجد ‏‏وأبو بكر ‏وعمر ‏أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله وهو آخذ بأيديهما، ثم قال: ‏"هكذا نبعث يوم القيامة!"، أو التصوير القائل، بأن النبي محمد ‏‏كان ‏‏يخرج على أصحابه من ‏المهاجرين ‏‏والأنصار ‏‏وهم جلوس، ‏‏فلا يرفع إليه أحد منهم بصره إلا ‏أبو بكر وعمر، ‏‏فإنهما كانا ينظران إليه وينظر إليهما ويتبسمان إليه ويتبسم إليهما.

إننا نقف هنا أمام صورة تحاول جعلهما ظل النبي وأجنحته الطائرة في حواره وجواره. كما تسعى لإعطائهما بعدا روحيا إضافيا، هو الصيغة الدينية والعقائدية الموازية لما أسميته بدراما التأويل والنفعية السياسية التي لازمت مسار الدولة والسلطة. ولا تخلو هذه الصيغة من دراما الانضمام لجوقة الإسلام الأولى، وبالأخص من جانب عمر بن الخطاب. فمن المعروف عنه كونه أحد أشد المعادين والمعارضين لمحمد قبل أن يعتنق الإسلام. فقد ظل على معاداته وصراعه وعنفه ضد النبي محمد والمسلمين عموما حتى الهجرة الأولى إلى الحبشة. وأسلم في السنة السادسة من بدء الدعوة الإسلامية. حيث كان يبلغ آنذاك من العمر حوالي ست وعشرين سنة. وكان انتقاله للإسلام عنيفا كما كان الحال بالنسبة لمعارضته إياه. وتروي كتب التاريخ والسير حادثة إعلانه الإسلام نتيجة الحمية العنيفة التي أوقفته عند حدود الإقدام على قتل محمد. فقد ثارت به حمية الجاهلية مرة بحيث شهر سيفه وصرخ "أريد أن أقتل محمدًا!". وعندما قيل له لم تقتل محمد على إسلامه وهناك من بني بيتك من اسلم؟! وكانوا يقصدون بذلك كل من أخته فاطمة وزوجها سعيد بن زيد. وعندما أسرع إليهما وجدهما في الدار وكان عندهما خّباب يقرئهما سورة (طه). فدخل وهو في ثورة عارمة ورغبة فاحشة بالانتقام. فوثب على سعيد فضربه، ولطم أخته فأدمى وجهها. لكنه حالما رأى الصحيفة وأخذ يقرأ ما فيها، فإنه لان و"شرح الله صدره للإسلام". عندها سار إلى النبي محمد. فلما دخل عليه وعلى أصحابه، خرج إليه النبي، فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل السيف وقال له:

أما أنت منتهيا يا عمر حتى ينزل الله بك من الخزي والنكال ما نزل بالوليد بن المغيرة؟!

يا رسول الله! جئتك لأومن بالله ورسوله، وبما جاء من عند الله!

إننا نقف هنا أمام رواية يقترن فيها الخيال بالواقع، لكنها تعكس وتعبر عن طبيعة التحول العاصف، الذي عادة ما يميز أولئك الذين تختمر في أعماقهم وحدة الوجدان والعقل في حمية الفعل وهمّة الروح. وقد ظل عمر بن الخطاب أمينا لههذ الصفات مدى الحياة. لهذا رفع من شأن الهمّة بحيث نسمعه يقول:"أجهد أن لا تكون دنيء الهمة. فإني ما رأيت شيئا اسقط لقدر الإنسان من تواني همته"[4]. وصنع هذا التحول شخصيته التي رسم الأصفهاني في (حلية الأولياء) معالمها الروحية وخطها البياني الواقعي في عبارات أخاذة تقول، بأنه ثاني القوم الذي "أعلن الله به دعوة الصادق المصدوق، وفرّق به بين الفصل والهزل، وأيد بما قوّاه به من لوامع الطول، ومّهد له من منائح الفضل شواهد التوحيد وبّدد به مواد التنديد، فظهرت الدعوة، ورسخت الكلمة، فجمع الله بما منحه من الصولة ما نشأت لهم من الدولة. فعلت بالتوحيد أصواتهم بعدما تخافت، وتثبّتوا في أحوالهم بعد تهافت. غلب كيد المشركين بما ألزم قلبه من حق اليقين. لا يلتفت إلى كثرتهم وتواطيهم، ولا يكترث لممانعتهم وتعاطيهم، محتملا لما احتمل الرسول، ومصطبرا على المكاره لما يؤمل من الوصول، ومفارقا لمن اختار التنعم والترفيه، ومعانقا لما كلّف من التشمر والتوجيه. السكينة تنكلّ على لسانه. والحق يجري الحكمة عن بيانه. كان للحق مائلا، وبالحق صائلا، وللأثقال حاملا، ولم يخف دون الله طائلا"[5].

وليس مصادفة أن نراه يخاطب قريشا عندما قرر الهجرة إلى المدينة قائلا:"من أراد أن يثكل أمه، أو ييتم ولده، أو يرمل زوجته، فليلقني وراء هذا الوادي!". وتعكس هذه الصورة شخصيته الواقعية في مواجهة الأحداث. بمعنى الانتقال المباشر والسريع دون الالتفات إلى الماضي و"قداسة" إي شيء فيه. فكما نراه يتقد بحمية الرغبة الجاهلية في قتل محمدا، نراه يعلن ولاءه للدين الجديد. بحيث يطالب النبي محمد قائلا: إذا كنا نحن (المسلمون) على الحق سواء كنا أحياء أو أموات فلماذا نخفيه؟ وعندما سمع الجواب بأنه لا معنى لإخفائه، عندها طلب بإخراج المسلمين للدخول علنا في المسجد. وهو فعل كان من الناحية الرمزية والواقعية أول ظهور علني وبصورة دعائية ومتحدية من جانب المسلمين في مكة. وعادة ما يربط اسم الفاروق بهذه الحادثة، استنادا إلى الرواية القائلة، بأن النبي محمد دعاه آنذاك بالفاروق لأنه كان يفرّق بين الحق والباطل ولا يخاف في الله لومة لائم. ومهما يكن من أمر هذه الرواية، فإن تفرقة الحق عن الباطل لا علاقة جوهرية لها بشخصية عمر بن الخطاب، لكنها تطابقت مع شخصيته في العرف الإسلامي بفعل الدور الذي مّيزه بوصفه "رجل الساعة". وليس اعتباطا أن تظهر آنذاك وبعدها عبارة "مازلنا أعزة منذ أسلم‏ ‏عمر"، و"استبشر أهل السماء بإسلام عمر". ذلك يعني أنه ربط في ذاته سمات العزة والاستبشار، بوصفها المكونات التي تعني من حيث الرمز والواقع وحدة الحاضر والمستقبل، والمادة والروح. وليس مصادفة أن يظهر الحديث النبوي القائل في مخاطبته لعمر:"والذي نفسي بيده ‏‏ما لقيك الشيطان قط سالكا ‏فجا ‏إلا سلك ‏فجا ‏غير ‏فجك".

لقد انتقل عمر في "أطوار الولاية"، وتمثل في شخصيته وذاته المسار المعقد للانتقال من الجاهلية إلى الإسلام، ومما قبل الدولة إلى الدولة. ووجد هذا التحول صداه أيضا في التعبير الذي عادة ما يلازم الحكمة المتألمة من وجع الوجود، عندما ترسم على ملامح رجالها خطوط البكاء وملامح العيون الدامعة. وعندما أرادت الثقافة التقية لاحقا إدراجه ضمن كوكبة حكماءها، فإنها اختارت له صورة رسمتها بعبارة تقول:"كان في وجه عمر خطان أسودان من البكاء". ومن الممكن تأويل هذا الرسم على تلازم دموع الفرح والحزن، بأنه الوحدة المتناقضة لكل ثنائيات الحياة الضرورية من حياة وموت، وجميل وقبيح، وخير وشر. وهو تأويل يمكن القبول به حالما نطبقه على حياة عمر بن الخطاب بوصفه تاريخ الانتقال من سرّ الغيب الإسلامي إلى عالم الوجود الثقافي للدولة. وقد شحذ هذا الانتقال وهذّب حقيقة ما فيه. وفي مجراه تكشفت حقيقة الأبعاد الكبرى للتحول العاصف في صيرورة الإسلام والدولة والسلطة، أي كل ما كان يلازم وحدة الدولة والسلطة، والدين والدنيا. (يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

............................

[1] القرآن: سورة البقرة، الآية 125.

[2] القرآن: سورة الأحزاب، الآية 53

[3] القرآن: سورة التحريم، الآية 5.

[4] الغزالي: التبرك المسبوك في نصيحة الملوك، ص291.

[5] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج1، ص38.

 

 

في المثقف اليوم