دراسات وبحوث

عالم الأساطير في كتابات د. خزعل الماجدي ومزاعم التناص في قصة الطوفان (1-3)

اياد الزهيريكما ذكرنا في حلقات سابقه عن مفهوم التناص، وهو بالأصل مفهوم أدبي ظهر في منتصف ستينات القرن الماضي على لسان الناقدة اللسانية الفرنسية (جوليا كريستيفا)، والذي يُعرف في أبسط أشكاله هو " مجموعة من النصوص التي تتداخل في نص معطىً) (التناص النظرية والممارسة) . لقد وظف هذا المفهوم من قبل بعض المؤرخين كأداة أركيلوجية لأكتشاف أصل النصوص المتداولة في كتابات مختلفة العنوان والمكان، ومن هؤلاء الدكتور خزعل الماجدي، الذي حاول أن يستخدم هذا المفهوم لأسباب أيديولوجية الغرض وليس علمية بحته من أجل الطعن في أصل الأديان، وهو يمثل نموذج للعلمانية المتطرفة، حيث يعتبرها على حد زعمه بأن حادثة الطوفان ذات أصل غير ألهي، بل أن مرجعيتها هو الأساطير القديمه، وخاصة أساطير الحضارات القديمه من سومرية وبابلية، وفرعونية، وآشورية، والذي يقول رأيه فيها، بأنها (ومعروف أن حكاية نوح والطوفان هي أعادة صياغةٍ عبرية متأخرة لحكاية زيوسودرا السومرية والطوفان) (كتاب- أنبياء سومريون 344 خزعل الماجدي)، وهو القائل في مقدمة كتابه (أنبياء سومريون ص15) (أن المصدر المقدس للكتب المقدسة لم يكن المقدس نفسه بل كان نصوص الماضي الدينية وغير الدينية التي سبقت النصوص، أو ما كانوا يطلقون عليها بالنصوص الوثنية، وهي نصوص أديان الحضارات التي سبقت التوحيد... وهذا يعني ببساطة أن تلك النصوص موضوعة وليست منزلة من المقدس نفسه).

أنا أعتبر النص واحد من أهم الآثار والأدوات التي يمكن أستثمارها في معرفة مجرى التاريخ، والتعرف على مسار الأنسانية في تطورها المعرفي والديني، ولكن هناك الكثير من الألواح الطينية التالفة والمفقودة، كما أن أكتشاف الكتابة بشكل متأخر قد أضاع الكثير من الحقائق، وفقدت الكثير من الحلقات التي أستغلها البعض ومنهم الدكتور خزعل في تمرير ما يحلو له من أفكار هو مسبقاً يعتقد بها، حتى وقع الكثير من دارسي الأنثربولوجي بنفس ما وقع فيه دارون في كتابه أصل الأنواع، والذي يعترف فيه الرجل بأن هناك الكثير من الحلقات المفقوده في سلسلة تطور الكائنات الحية، حتى أصبحت نظرية أصل الأنواع من المسلمات التي لا يمكن الشك بأصل الأنسان القرد بالرغم من الكثير من الأنتقادات العلمية التي وجهت لها، والأمر نفسه حدث مع أصل الأديان الذي تعرض لعثرات البعض، ولسوء أستخدام البعض الآخر، والأمر نفسه تعرضت له الدراسات التاريخية من حالات تزيف وأدعاءات ينفثها البعض من مستشرقين وعلمانيين متطرفين، يحاولون لوي عنق التاريخ جرياً وراء مقاصدهم السياسية والآيدلوجية، لذا تكون دراسة التاريخ والغوص في ثناياه والسير في مغاراته لأستجلاء ما خفي من الحقائق الدارسة في بحاره العميقة من الأمور الصعبة والخطرة، والتي تحتاج الى الكثير من الفطنه والذكاء، كما تحتاج الى الشجاعة، لأنك قد تصطدم بحقائق تجبرك على أتخاذ موقف تغير به قناعة سابقة طالما أتكأت عليها ومثلت لك حجر الزاوية في عقيدتك . فهذه مهمة تحتاج الى فرسان فكر لأنهم يحاربون أوهام تحولت عبر الزمن الى حقائق في عقول الكثيرين وترسخت في نفوسهم، وبنوا عليها قناعاتهم التي رسموا عليها طريق حياتهم، وأقاموا عليها آمالهم .

من المهم قبل الخوض في الموضوع أن نعرف أن الأسطورة لم تكن كلها منسوجه من الخيال، بل هي تتأسس على حقيقة واقعية، وبعد طول زمن وأنتقالها عبر أجيال وأمكنة بعيدة يُضاف لها من خيال الشعوب والأفراد، كل وحسب بيئته الثقافية والأجتماعية والدينية. والأسطورة دائماً تقف على حدث واقعي كبير وهائل، مثل قائد كبير خارق القوة أو حدث مثل الطوفان والزلازل، فيبنون للأشخاص أسطورة، مثل أسطورة هرقل في الملاحم الرومانية وأسطورة كاكا الحداد في الأدب الكردي وهكذا . فالأسطورة تبدأ بذرة، أي حدث حقيقي، فمثلاً هناك آراء تقول بحقيقة جلجامش وأنه شخصية حقيقية، وكما يقول الدكتور منذر الحايك في كتابه (الفكر الديني في الملاحم الرافدينية ص 21) (كان جلجامش لزمن بعيد يُعد شخصية أسطورية لكن الآن يوجد أتفاق بين الباحثين على أن جلجامش وجدَ حقيقة، وأنه كان ملك "أوروك" في جنوب بلاد الرافدين التي كانت واحدة من دويلات المدن السومرية في زمن عُرف بفجر السلالات عام 2600 ق.م تقريباً) . فجلجامش ملك لمملكة أوروك، ويتصف بالقوة والنفوذ،فأقرن أسمه بحادثة الطوفان الشهيرة والتي أصقعت أهل البلاد التي وقعت بها هذه الحادثة، وهذا الحدث سيعطي لشخصية جلجامس صورة أسطورية وموقع مهم، فنسج الأديب الذي كتب ملحمة جلجامش هذه الملحمة وجعل من جلجامش بطل لها، وهذا أحد أسباب شهرت جلجامش لهذا اليوم، فملحمة جلجامش نُظمت في عام 1700 ق .م، كما جاء بالنسخه الآشورية (ملحمة أتراحاسيس)، في حين أن تداولها سبق هذا الزمن لسنيين طويله قد يُعد بالآلاف، ومن المعروف أن السرد القصصي الشفوي كلما طال الزمن به يتعرض للأضافة والطرح، فكيف بأسطورة تناقلتها الأجيال آلاف السنين . فحادثة الطوفان أثبتها كثير من الجيلوجين والمؤرخين وأن هناك طوفاناً كبير حدث في جنوب العراق، وفي نينوى (مدخل الى نصوص الشرق القديم ص238) وهناك من يقول في شبه الجزيرة العربية كما جاء في كتاب (طوفان نوح بين الحقيقة والأوهام). كما يمكننا الأشارة الى ما كتبه المؤرخ بيروسوس الذي عاش بالقرن الثالث قبل الميلاد، والذي يؤكد حدوث الطوفان، حيث يذكر (أن وابل من المطر المتساقط على جبال أرمينيا سبب بفيضان دجلة والفرات في حدود 3200 ق.م في حين يذكر فريق من الأمريكان أنهم عثروا على أخشاب السفينة في متحجرة ترجع الى عام 1500 ق.م (الأساطير بين المعتقدات القديمة والتوراة- علي الشوك)، كما هناك الكثير من البحوث العلمية التي تؤكد حدوث قصة الطوفان، ومنها ما يذكره الأستاذ علي الشوك في كتابه المذكور أعلاه ص 152، حيث يذكر أن ممن ناقشوا حادثة الطوفان من منطلق علمي هو أليكساندر كوندراتوف، والذي يؤكد (أن قصص الطوفان ليست مقصورة على شعب من الشعوب، فهي متداولة بين سكان الجزر الشرقية في المحيط الهادي، واليابانيين، والصينيين، والبورميين والهنود، والهنود الحمر، فضلاً عن شعوب البحر المتوسط)، بالأضافة الى أن هناك كتاب علمي باللغة الأنكليزية صدر عام (1999) لمؤلفيه العالمين الجيوفيزيائيين (وليم ريان) و(والتريتمان) في صفحة 320، وقد تُرجم للعربية عام 2005 في بغداد عن حقيقة هذه الحادثة (جريدة الزمان ص14 في يوم 25 يوليو 2014 م، وقد تسنى للباحثين أستكشاف الأدلة الآثارية واللغوية المثيرة التي أفضت الى أن الفيضان قد تسبب في حدوث تشتت بشري سريع امتد الى غرب أوربا، وآسيا الوسطى والصين ومصر والخليج العربي. فحادثة الطوفان ذُكرت في سرديات مختلفة سواء كانت سومرية أم بابلية أم قرآنية أم توراتية، كما ذُكرت في حضارات عديدة ولكن الفرق هو في الشخوص والسيناريو.فمثلاً في الميثلوجيا الأغريقية والرومانية تم ذكر قصة الطوفان، وكانت شخصياتها تتمثل ب (ديوكاليون وبيهرا) الذين أنقذوا أولادهم وأما في الأساطير الأيرلنديه تكون بطلة الحادث الملكة (ساسير وبلاطها) عن (أسطورة الطوفان والنظرية العلمية – سامي المنصوري -الحوار المتمدن العدد 4405)، كما جا ذكر الطوفان في كتاب المجوس (أَستا)، وجا في كتاب (تاريخ الأدب الهندي) (شاتاباتا برهمانا) أن مانو يقوم بدور نوح، كما أن هناك الكثير من التنقيبات التي تدل على هذا الحدث العظيم، والتي هي كثيرة ولا يسع المقام الى ذكرها جميعا، ولكن لعل أحدها هو ما قام به عالم الآثار (ليونارد وولي) المولود عام 1880 م في بريطانيا حيث أكتشف خلال تنقيباته في موقع أور السومرية طبقة سميكة من الرواسب الطينية تتراوح بين (1.5-2) متر، وهذه لا تتشكل الا من خلال الفيضانات، ولكن لا يمكنني أن أكتفي بما أستشهد به الغربيون فقط من دون ذكر عالم الآثار العراقي الدكتور طه باقر الذي يذكر في كتابه (ملحمة كلكامش) (أن منطقة طوفان نوح كانت في السهل الرسوبي في جنوب العراق، حيث كان يسكن النبي نوح، وان الطوفان حادثة واقعية تاريخية حدثت في طيات الماضي البعيد من تاريخ العراق القديم، ولفداحتها تركت تأثيراً بليغاً في عقول الأجيال المختلفة فتناقلتها بالروايات الشفوية، ونظراً للشبه الكبير في رواية الطوفان بين ملحمة كلكامش وبين رواية نوح في التوراة، فأننا نعتقد أن كلتا الروايتين ترجعان لحادثة واحدة) وهذا ما أرجحه بأن هناك حادثة سبقت ملحمة جلجامش بزمن طويل، وعليها بُنيت أسطورة جلجامش التي يدعي الدكتور خزعل الماجدي بأنها هي الأصل والمصدر لأسطورة الطوفان كما يسميها هو. ويعتقد الدكتور طه باقر (أن الطوفان حدث في السهل الرسوبي لجنوب العراق في نهاية جمدة نصر في حدود 3200 ق،م والى نهاية عهد فجر السلالات في بداية الألف  الثالث ق.م ولم يكن الطوفان العظيم حادثاً معزولاً ومحلياً، بل عالمياً وهذا سبب مهم ما يؤهل للكارثة ان تكون معروفة في جميع أنحاء العالم ليتم تسميتها بالطوفان العظيم)، وأنا لا أرجح عالمية الطوفان لأسباب علمية ذكرها البعض بسبب أستحالتها علمياً نسبة لكمية المياه المطلوبة أذا طبقوا نظرية الأواني المستطرقة، ولكن هذا لا ينفي حجم المساحة الكبيرة التي شملتها الحادثة ولكن لا يسعني لتبيان شهرة حادثة الطوفان ومدى أنتشارها بالآفاق الا أن أذكر ما كتبه الكاتب أحمد عزمي في مقالته (الطوفان) والمنشورة في صفحة رصيف الألكترونية بتاريخ 25/11/2016 (ربما لا توجد رواية أو حكاية أو أسطورة أكثر شيوعاً في الثقافات والحضارات والأديان المختلفة مثل رواية الطوفان، فعلى سبيل المثال أحصى الباحث والمؤلف النمساوي (هانز شيندلر بيلامي1901-1982) أكثر من 500 أسطورة عن الطوفان في جميع أنحا العالم .... وكان لمعظم الحضارات القديمة، كما في الصين وبابل وويلز وروسيا والهند وأمريكا وهاواي والدول الأسكندنافية وسومطرة وبيرو نسختها الخاصة من قصة الطوفان الهائل الذي أغرق الأرض)، فمن كل ذلك هل يمكن أن تصمد نظرية دكتور خزعل الماجدي في أن قصة الطوفان عبارة عن أسطورة سومرية أختلقها الخيال السومري.

 يتبع

***

أياد الزهيري

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5767 المصادف: 2022-06-20 09:22:42


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5869 المصادف: الجمعة 30 - 09 - 2022م