علوم

كيف اكتشف العرب التخدير في العمليات الجراحية؟

محمود محمد عليكثيراً ما نجتمع حول الطبيب الجراح عند خروجه من غرفة العمليات بعد انتهائه من إجراء العمل الجراحي لأحد من ذوينا، لنسأله عن ِحال المريض، وهل نجحت العملية، وهل هو بخير أم لا؟. وذلك على الرغم من عدم خروج المريض من غرفة العمليات. لأنه ما يزال تحت تأثير التخدير العامِّ الذي أجري له، إذ يحتاج لبعض الوقت حتى يتمكن من الخروج من غرفة العمليات بصحة وعافية، وقلما نتوجه بالشكر إلي ذلك الشخص الذي قام بتخديره ومن ثم بإنعاشه، وذلك لعدم إدراكنا َ أهمية هذا الشخص الذي يقومُ به في غرفة العمليات.

ولو أدركنا جميعا أن حياة مريضنا الغالي في غرفة العمليات مرتبطة مبدى جناح عملية التخدير من ً عدمها، قياسا إلي مدى نجاح العمل الجراحي، لكنا اجتمعنا أكثر حول الطبيب المخدر الذي قام بتخديره، وشكرناه أضعاف ما شكرنا به الطبيب الجراح؟. فإذا كان عمل الجراحة وغايتها هي استئصال ورم ما، أو تصحيح مشكلة أو اضطراب أصاب جسمنا، وإذا كان هذا العمل الجراحي، على أهميته وسموه، يسبب لنا ً آلاما مبرحة، فيما لو أجري لنا ونحن بكامل وعينا، فإن غاية التخدير هي جَعْلنا نفقد الإحساس بالألم، وما ينتج عن هذا العمل الجراحي من نتائج على أجسامنا، فيما لو أجري لنا ونحن بوعينا الكامل، وخير مثال نسوقه في هذا المجال المثال الأتي: ماذا تشعر لو ِجُرحت جرحاً صغيراً ؟، وما هي تأثيراته عليك وعلى علاماتك الحيوية ؟ فما بالك بجرح كبريٍ كافٍ لاستئصال ورم أو ما شابه؟

إن وظيفة الطبيب الخدر هي جعل المريض لا يشعر بكل هذ التأثيرات، ومن ثمَّ مراقبتها لو طرأ عليها أي طارئ.

والتخدير هي المواد التي تستخدم لتخفيف الآلام أو انتاج حالة من تخدير بعض أو كل الحواس، وخاصة اللمس التي تتوقف عن العمل، ويعد اكتشاف التخدير أحد الإنجازات العظمى فى تاريخ الحضارة الإنسانية.. فقبله كانت الجراحة قاصرة على العمليات الصغيرة التى لا مفر منها مثل البتر أو نزع السهام وخلع الضروس. وكانت الوسيلة الوحيدة لتخفيف آلام المريض قبل العملية أن يضرب بالهراوة على رأسه فجأة فيفقد الوعى. ولكنها وسيلة غير آمنة وقد تحدث نزيفاً داخلياً فى الرأس. أما الطريقة الأكثر استعمالاً فكانت أن يسقى المريض كمية كبيرة من الخمر حتى يفقد الشعور والإحساس وينام.. ولكنها أيضاً طريقة غير مأمونة لأن بعض الناس كان يصاب بالهياج من كثرة السكر ولا يمكن السيطرة عليه وبعضهم لا يفقد الإحساس بالألم مهما سكر.

وكانت الجراحة فى العصور الوسطى مرتبطة فى أذهان الناس بصورة أربعة رجال غلاظ يمسكون بالمريض من يديه وقدميه حتى لا يتحرك من شدة الألم. وفى التاريخ العربى كان أطباء الجاهلية يستعملون الخمر كمخدر.. فلما نزل الإسلام بتحريمها جاءوا إلى الرسول يسألونه أن يأذن لهم باستعمالها فى الطب كدواء أو مخدر فأبى ذلك وقال.

"إنها دواء وليست دواء- وما جعل الله شفاء أمتى فيما حرمه عليهم" ومن هذه اللحظة اتجه الأطباء المسلمون إلى طب الأعشاب للتخدير. فتوصلوا إلى ما سموه (المرقد) أى الدواء الذى يجعل المريض ينام ويرقد.. (Sleepener) وهو كما وصفه ابن سينا عبارة عن اسفنجة تنقع فى محلول من الأعشاب المركبة (مثل القنب العربى والزؤبان- والخشخاش وست الحسن) ثم تترك لتجف وقبل العملية توضع الإسفنجة فى فم المريض فإذا امتصت الأغشية المخاطية تلك العصارة استسلم المريض لرقاد عميق لا يشعر معه بألم الجراحة. وفى شرح هذا التأثير يقول ابن سينا فى كتابه القانون والتخدير يزيل الوجع لأنه يذهب بحس الجسم وإنما يذهب بحسه لأحد سببين إما يفرط التبريد وإما يسميه مضادة لقوة الجسم وقد يكون التخدير بالنوم فإن النوم أحد أسباب سكون الوجع".

ولم يقتصر استعمال أطباء المسلمين للتخدير على طريقة الاسفنجة وحدها بل كانوا يستعملونه لبوساً من الشرج أو شراباً من الفم.. وفى ذلك يقول الرازى فى كتابه الحاوى (جـ31 ص 643) عن البنج أنه: "إن جعل فى المقعدة فتيلة أنامت وقد يعمل منه شراب يبطل الحس" ويسف الرازى مدة التخدير فيقول "إنه يسبت ويبقى سباته ثلاث أو أربع ساعات لا يحس بشئ ولا يعقل" كذلك عرف المسلمون التخدير بالاستنشاق وهو ما جاء ذكره كثيراً فى قصصهم مثل ألف ليلة وليلة.. وفى ذلك يقول ابن سينا عن البنج "من استنشق رائحته عرض له سبات عميق من ساعته".

وقد ابتكر المسلمون نوعاً آخر من الإسفنجة هو الإسفنجة المنبهة المشبعة بالخل لإزالة تأثير المخدر وإفاقة المريض بعد الجراحة.

وإلى جانب التخدير العام فقد برع المسلمون فى التخدير الموضعى وخاصة فى حالة آلام الأسنان والأذن والرأس وفى ذلك يقول ابن البيطار عن البنج "يدهن به الصدغان فيجلب النوم المعتدل وينفع فى وجع الأذن قطوراً" فكانوا يصنعون منه دخاناً يسلطونه خلال أنبوبة فوق الأضراس لتخديرها وإزالة الألم قبل الجراحة.

وعن التخدير بالتبريد يقول ابن سينا فى كتابه القانون "ومن حملة ما يخدر الماء المبرد بالثلج تبريداً بالغاً" ويصف استعمال التبريد كمخدر موضعى كما فى جراحة الأسنان فيقول "يؤخذ الماء بالثلج أخذاً بعد أخذ حتى يخدر السن فيسكن الوجع وإن كان ربما زاد فى الابتداء". ثم يتحدث عن التبريد كمخدر قبل عمليات البتر وتعتبره هذه أول إشارة فى تاريخ العلم إلى التخدير بالتبريد وقد أصبح هذا العلم اليوم من أهم عناصر الجراحة الكبيرة فى عصرنا الحديث واستعمل خاصة فى العمليات الصعبة مثل عمليات (القلب المفتوح) واستئصال الرئة وزرع الكلى.

وهكذا يعتبر اكتشاف التخدير الخطوة الأولى فى تقدم علم الجراحة عند المسلمين وفى أوربا فيما بعد.

وقد أقر للمسلمين بالسبق فى ميدان التخدير والفضل فى نقله إلى أوربا الكثير من المستشرقين وفى ذلك تقول سبجريد هونكه في كتابها ( شمس العرب تسطع على الغرب، ص279): "وللعرب على الطب فضل آخر كبير فى غاية الأهمية. ونعنى به استخدام المرقد (أى المخدر) العام قبل العمليات الجراحية.. والتخدير العربى يختلف كل الاختلاف عن المشروبات المسكرة التى كان الهنود واليونان والرومان يجبرون مرضاهم على تناولها قبل الجراحة" ثم تقول "وينسب هذا الكشف العلمى مرة أخرى إلى طبيب إيطالى فى حين أن الحقيقة تقول والتاريخ يشهد أن فن الإسفنجة المرقدة عربى بحت لم يعرف من قبلهم".

ويقول (جوستاف لوبون) فى كتابه حضارة العرب ص 523. "ومن فضل العرب استعمالهم البنج (المرقد) الذى ظن أنه من مبتكرات العصر الحاضر".

وهنالك قرائن تشير إلى أنّ علماء الطب الإسلامي هم الذين اكتشفوا الغول (الكحول)، ومن المحتمل أيضًا أنّهم وبصورة عفوية اكتشفوا جذر الأثير (-O-)، هنالك مصادر موثوقة تؤكد أنّ الكندي قد استقطر الغول من النبيذ، ومع أنّ كلمة الكحول عربية صرفة وهي تحريف للكلمة الأصل "الغول" من "الاغتيال" وهو روح الخمرة التي وصفها العرب بأنّها تغتال العقل، كما أنّها وردت في القرآن الكريم الذي يصف خمر الجنة بأنّها خالية من الغول ولا تتسبب في صداع من يتناولها وذلك في الآية الكريمة {لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ} [الصافات: 47] بالرغم من كل ذلك كانت هنالك محاولات لرد فضل هذه التسمية إلى مؤلفين من الغرب.

وهنالك دراسة أخرى عن تاريخ هذه المادة أجراها الأستاذ الدكتور محمد يحيى الهاشمي (1968) وأخذ فهيا بوجهة نظر هولميالرد، وذهب إلى أبعد من ذلك فذكر أنّ الكحول هو جمع الكحل، وكما سيتضح من هذا البحث فإنّ كلتا المطالعتين بعيدتان عن الصحة، فكلمة الكحول لا وجود لها في اللغة العربية طبقًا لجميع المعاجم والموسوعات والتراث الأدبي، وإنّما هنالك: الكحل: ما وضع في العين بمستشفي به، وهو اسم مادة ولا تجمع، وقد اعتاد العرب القول: "ناعم كالكحل" لوصف شدة نعومة المواد الصلبة، وهو قول أقرب إلى العامية منه إلى الفصحى.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط.

...............

1- التخدير في الطب الإسلامي وأثره على الحضارة الغربية.. مقال.

2-نزار مصطفي كحلة : التخدير والانعاش عبر التاريخ .. كتاب..

 

في المثقف اليوم