أقلام ثقافية

فاطمة الزهراء بولعراس: الوجه الآخر لمأساة الشباب المهاجر في رواية الأديبة بلطي عطوي

علي مدى يومين متتالين استمعت بقراءة رواية الكاتبة جميلة بلطي عطوي وهي روايتها الأولى بعد إصدارات أخرى في الشعر أهدتني منها مشكورة ديوانها أحلام ومراكب

تحكي الرواية عن السيدة (تونس) وهي أم لثلاثة أبناء (ولدان وبنت) هاجروا كلهم إلي أوروبا (الحلم ) وتركوا لها الوحدة و أمراض الشيخوخة تنخر جسدها الضعيف .الأم كانت تسكن شقة صغيرة انتقلت إليها بعد أن باعت منزلها الكبير كي تساعد الابناء في دراستهم (خارج الوطن) لكن الأبناء استقروا ثلاثتهم هناك وأخذتهم مشاغلهم ومشاكلهم حتي أنهم لم يعودوا يتصلوا بها إلا نادرا فضلا عن أن يزوروها

لكن فجاة أصابتها موجة من فرح قادم عندما اتصل بها ابنها البكر سمير وأخبرها عن نيته في العودة إلي بلده والاستقرار فيه بعد أن فتح له مشروعا اقتصاديًا ناجحا أخذت الأم تعد شقتها الصغيرة لاستقباله وعائلته الصغيرة المكونة من طفليه وزوجته كاترين، تخلت لابنها وزوجته عن غرفتها ولجأت لغرفة (المعينة) التي كانت تساعدها في شغل البيت بعد أن تخلت عنها منذ مدة وخصصت غرفة للطفلين وهيأت كل ما يريحهم في اعتقادها

وحل اليوم الموعود و(تونس) لا تصدق أن ابنها وأسرته سيعمرون بيتها وحياتها من جديد وأنها أخيرا ستتخلص من الوحدة القاتلة والموت البطيء لكن الصدمة جاءتها مباشرة عندما فتحت لهم الباب حيث فوجئت بجفاء كنتها وبرودتها عندما اندفعت لتحضنها فاكتفت الكنة بأن مدت يدها لها مصافحة، أما المفاجأة الثانية فعندما أخبرها ابنها بأنه سيعيش في بيت مستقل مع أسرته وليطمئنها قال أنها اشترى بيتا قريبا من الحي الذي تسكن فيه الوالدة لكن والدته من شدة صدمتها قررت أن تلجأ إلي دار المسنين التي قبلتها على مضض لان حالتها الاجتماعية كانت جيدة ولا تحتاج اللجوء إلى الدار وهنا اكتشفت (تونس) معاناة المسنين مع الإهمال وسوء المعاملة وتعرفت علي مآسي كثيرة لأناس آخرين فظهرت مشكلتها أمام ما رأت وسمعت بسيطة لأن ولدها كان بارا بها ولكنه أراد فقط تجنب الصدام بينها وبين زوجته خاصة وأن والدتها (حماته) كانت تملأ رأسها بالكثير من الحكايات عن تخلف (العرب) وسوء معاملتهم للمرأة كما أنها لم تكن راضية عن هذا الزواج أصلا لكن كاترين زوجته تحدت والدتها وتزوجت سمير الذي أحبته بصدق والأكثر من هذا جاءت لتعيش معه في بلده بعد ما وعدها بالحياة الجميلة التي سيوفرها لها هنا.

لكن سوء التفاهم الذي وقع بين والدته وزوجته جعله يقسو عليها وهذا جعل الوساوس تسيطر عليها ودخلت في دوامة الشكوك ومن ناحية أخرى كانت والدته تتألم لسوء تصرف ابنها وحاولت الإصلاح بكل ما استطاعت كما استعانت بجارتها نجاة وبرؤي الفتاة الشابة التي كانت مترجمة لكل ما تقوله كاترين أو تونس أونجاة.

وبعد صراع طويل ومشاكل كثيرة توصلت إلى رأب الصدع وعودة المياه إلى مجاريها ، كما عملت على تحقيق حلمها بأن تنشئ ناديا لتعليم المسنين وتكون أول طالباته لأن عقدتها المستحكمة هي الأمية وذلك بمساعدة مديرة دار المسنين والاخصائية الاجتماعية وغيرها من شخوص الرواية الدين كان يتحاورون بشكل راق جدا

وبعد لأي تحقق حلمها وانضمت إلى النادي تلميذة تحلم بالطباشير والألوان وآلت على نفسها أن تتعلم وتتخلص من الأمية التي لازمتها حيث حرمها عمها من التعليم لأنها يتيمة وظلت في بيته خادمة لزوجته وأولاده إلى أن أنعم الله عليها بالزوج الصالح فتزوجت وعاشت ترعى بيتها وزوجها حتى وفاة الزوج وهجرة الأبناء لقد قررت أن تعمل على إسعاد الآخرين نكاية في المعاناة التي تعرضت لها في طفولتها وذلك بكل ما أوتيت من قوة ومال

وهكذا أزهرت وأشرقت من جديد (عند غروبها) وراحت تعطي وتنفع بلا حدود حتى أحبها الجميع فانحلت كل عقدها الماضية وتحررت من نفسها وعواطفها كما تحرر ولدها من الشعور بالذنب وربما (الواجب) في اتجاهها.

فكرة نبيلة جدا لا تخطر على بال الكثيرين من الآباء والأمهات الذين تراهم (يسيطرون) على أبنائهم عاطفيا فلا يجدون أنفسهم إلا وهم يخسرونهم أو يخسرون أسرهم

وإن كانت (تونس) قد وجدت حلا لمشكلة ابنها فإن الكثير من الأمهات لازلن يعانين من ألم البعاد و(الخلافات) والأدهى والأمر أن أبناءنا في الضفة الأخرى يعانون كثيرا من (الزواج المختلط) وعدم تقبل زوجاتهم لأية مبادرة من الأزواج محتميات بقوانينهم التي تقف كلها إلى جانب المرأة وخاصة (النسويات) اللواتي يتسلطن على الأزواج ويضغطن بواسطة الأطفال على الآباء وهكذا تجد هذا النوع من الأزواج بين سندان الأبناء ومطرقة الآباء والأمهات دون أن ننسى اختلاف العادات والتقاليد وأشياء أخرى تعيق نجاح هذا الزواج وهذه هي مأساة شبابنا المغاربي والوجه المأساوي الآخر لكل أحداث هذه الرواية

هذا ما خرجت به من انطباع بعد قراءتي لرواية الكاتبة الكبيرة جميلة بلطي عطوي التي أتمنى أن يرى لها الجزء الثاني قريبا ولم لا رواية أخرى في موضوع اجتماعي آخر كما فعلت مع هجرة الشباب.

***

فاطمة الزهراء بولعراس

في المثقف اليوم