عبد الامير العباديالقرى التي أنهارت أعمِدتُها

جمعنا لها سيقان البحر

أوتاد الجبال

أمست شهبا قتلته أفراح الوهم

*

أنتفخت كروش الضباع

حينما خرجت عن أصول

الغاب

*

لو عٌمدت  ارواح الكواسر

بمياه البحار

 لتنازلت هذه البحار

عن قيعانها

*

غدا نشطب السواد

نجمع آيات نذورنا

لكن ايا من الانبياء يصنع نصرنا

*

يا اموات العالم اتحدوا

أما آن لكم أن تتحرروا

مُستعمرة الارض

لن تقلدكم اكاليل غار

*

ما أن تنتهي الفصول

من التعاقب

حتى يتحرر نساك الغباء

*

حبيبتي المنضوية في أحضان

الغريب

وحدي صرختك بالرفض

تجدينني فانوسا سحريا

يهدم قضبان الدنيا

يلبي اماني كل جاريات الخلق

***

عبدالامير العبادي

 

رند الربيعيمثلُ حَبّاتِ سكرٍ...

ذابت آمالُنا في بحرِ الغيابِ

ولأنكَ لم تأتِ؛

يوم ولادتي...

تاريخ خيبتي!

ولَمّا طَعَنتَني...  ذاتَ مساء

مدَّ الفراتُ كفّيهِ، يجفّفَ الندى

وخلعتُ ثوبَ الهزيمةِ

أقراطَ المواعيدِ الزائفةِ

سَيدي...

في ليلِ الضياعِ،

أصابعي ما زالت تشيرُ إلى

مائدةِ  غيابكَ

خائبةٌ نبضاتي

ستائري...

نوافذي....

المطلّةُ على قَسماتِ

وجهِكَ الغامضةِ

أقلامُ الزينةِ

عطري...

شاهداتٌ على غيابكَ

وألغيتُ مواعيدي،

مع ظلي

مع قصائدٍ خديجة

وفراشاتٍ أسيرةٍ في جَنّتِكَ

عصافيرٍ جائعةٍ

وغيماتٍ تتوسّلُ

آلِهةَ الامطارِ!

***

رند الربيعي

 

احمد بلقاسموهو يسلمها نسخة من مخطوط مجموعته القصصية الجديدة؛ سألته سكرتيرة المطبعة بعدما تصفحت أوراق المخطوط بنظرة شاملة، تروم من خلالها معرفة عدد الصفحات إجمالا.

- أستاذ هل تسمح لي أن أسألك سؤالا؟

- تفضلي.

- لماذا تكتب؟

- سؤال كبير؛ والإجابة عنه تختلف من كاتب لآخر، لكن لا بأس من أن أدلي بدلوي لأجيب عنه؛ وأرجو أن أوفق في ذلك، ببساطة فأنا أكتب لأساهم في اقتصاد البلاد فقط.

- تساهم في اقتصاد البلاد بالكتابة ههه..

- لم تضحكين؟

- لأنك بجوابك هذا، تذكرني بعبارة إشهارية قديمة على صفحة علبة عود الثقاب وجدتها مؤخرا بين التحف النادرة التي يحتفظ بها أبي في دولابه إلى جانب ساعته اليدوية دوغما.

- أجل؛ بالكتابة سأحرك من جانبي عجلة التنمية في هذا البلد.

- لو تفضلت بشيء من التفصيل..

- ما علينا سأشرح لك هذا..

- شكرا أستاذ.

- عندما أطبع الكتاب، سأوزعه على المكتبات أليس كذلك؟

- طبعا طبعا.

- طيب؛ آنستي تذهبين إلى المكتبة؟

- مسألة مفروغ منها.

- جميل.

- الله يجمل أيامك.

- العفو؛ عندما يسرق نظرك عنوان كتاب من المحتمل أنك ستقتنيه، أليس كذلك؟

- طبعا طبعا سأشتريه.

- جميل؛ وعندما تأخذينه ستقرئينه أليس كذلك آنستي؟

- طبعا طبعا سأقرؤه.

- حسنا؛ من هنا سيبدأ دوري في المساهمة في اقتصاد البلاد،وستكونين أنت ومجموعة من الأشخاص ضمن هذا المشروع..

- طبعا طبعا..لكن هلا شرحت لي كيف؟

- طبعا طبعا..لكن ليس قبل أن تصحبيني إلى السيد غارسيا ماركيز لننتزع منه جوابا على سؤالك هذا، مارأيك؟

- طبعا طبعا؛ أوافقك الرأي..

- هيا بنا؛ لعله يكون الآن قد استفاق من قيلولته، فهو يقيل كل يوم تحت شجرتي التوت العملاقتين الوارفتي الظلال على سريره الهزاز..

- سرير هزاز!

- طبعا طبعا لا؛ لنقل سرير أرجوحة.

- أرجوحة!

- طبعا طبعا لا؛ لنقل قطعة قماش مشدودة من طرفيها إلى جذعي شجرتين، هل فهمت؟

- طبعا طبعا لا..

- لا!

- بل نعم.

- ها قد وصلنا إنه مستيقظ ومستغرق في القراءة، يمكنك أن تسأليه بنفسك..

- طبعا طبعا سأسأله بنفسي، لكن أخشى أن أزعجه وهو مستغرق في القراءة..

- لا عليك؛ ليس الحال كما لو كان منهمكا في الكتابة.

- عمت مساء سيدي.

- مرحبا؛ تفضلا هل من خدمة؟

- أريد فقط أن أعرف لماذا تكتب؟

- أكتب لكي أنال المزيد من حب أصدقائي.

***

أحمد بلقاسم - المغرب

بركان، يونيو 2017 .

 

 

سوف عبيدعَمِّ الطيّب

اليومَ أيضا

مَرّ تحتَ النّافذةِ قائلًا

أينكمْ…أينكُم…؟

دَقّ الجرسَ

وقَبل أن أفتحَ البابَ

وضعَ السلّةَ

*

فيهَا ما فيهَا

فيها اليومَ من تِينِ وعنبِ حديقتهِ

ورجعَ مُسرعًا

عمِّ الطيِّبْ

تَجاوز الثّمانينَ

لكنَّ خُطاهُ أسرعُ

مِنْ فتَى الثّامنةَ عَشْرةَ

وعَمِّ الطيّبْ

كسْبُهُ مِن يديه

وما لديهِ… ليس إليهِ…!

*

كلُّ ما غَنِمَ عمِّ الطيّب من الدّنيا

– ربحٌ –

أمُّنا – ربح – هيَ زوجتُه

أنجبتْ له تسعَة بَنينَ وبناتٍ

ضَحِك عمِّ الطيّب مرّة وقال لي:

ـ وهيَ في السّبعينَ كالمُهرةِ

ما تزالُ قادرةً وزيادةً

قلتُ:

ـ بفضل بَركاتِكَ يا عمِّ الطيّب!

***

سُوف عبيد

رادس خريف 2018

 

داود السلمانهي الوحيدة من بين بقية النادلات اللواتي يعملن في نادي (هوازن) والتي ترتدي ملابس قصيرة وشفافة، ملابس تظهر كل مفاتنها، ما يجعل من عيون رواد النادي تريد أن تلتهمها كفريسة سهلة.

وانا كنت الوحيد من بين جميع الحاضرين لا اعير لمنظرها أي اهتمام يذكر، بالرغم من أنها، كما بدأ منها بعض ما اسميه تحرش من نوع آخر، تحرشها هو عبارة عن لفت انتباهي لها كي اعطيها البغشيش، والشخص الذي يفعل معها ذلك تعود له في كل لحظة فتلاطفه وتطبع قبلة على خده، عربونا عن مودتها له، ويبادر هو الآخر بطبع قبلة حارة مماثلة على خدها فيها ايحاءً منه بالجنس.

وكنت بين الفينة والاخرى استجمع نظراتي فأصوبها تجاه مفاتنها الجميلة الموحية للإثارة، فكنت استلذ بعض الشيء بهذا، لكن من دون أن اشعرها بذلك.

ومرة حظيت بيّ وانا أفعل ذلك، فضحكت ضحكة غير معهودة وقالت، بنوع من المزاح:

-  (وين تباوع مو زين على عيونك).

فضحكت ضحكة عالية، سمعها جل رواد النادي. ومن يومها صارت تلاطفني وتسمعني بعض النكات والكلام المعسول، وكنت بدوري اسمعها كلام ناعم يوحي للإثارة، فلا تزعل، بل تبادلني الضحك والابتسام، وحتى في اليوم الذي لا أأتي به للنادي تسئلني لماذا هذه الغيبة والجفاء؟. فأتعذر بأعذار واهية.

وكنت اسمعهم ينادون عليها بـ (أروى)!، اذن هي اسمها اروى، ما أجملها من اروى، انها فاكهة ناضجة، وكنت أمني نفسي متى منها اروى؟، أروى غليلي الملتهب بمعاشرتها بإطفاء جحيمي في بحر انوثتها العذب.

أروى، متوسطة القامة ممشوقة القوام، بشرتها تميل الى البياض قليلاً، مطلية بسمار فاتح، وجهها مدور كأنه وجه طفولي يشع براءة، اسنانها كأنه حبات لؤلؤ، وثغرها صغير كأنه حلقة خاتم يلبس في اصبع الخنصر، كثيرة الابتسام، الا أن انفها قصير بعض الشيء فارش على الجهتين، واما صدرها فتعلوه قبتان عاليتان تريدان أن تفلتا من حمالة الصدر المكشوف، والذي يثير رغبة الانظار بالتحديق فيه والتمتع بلمس سنام تلك القبتين الشامختين.

في اكثر من مرة كنت اسأل نفسي: ترى من الذي رمى بهذه الفتاة- كما يرمى عقب السيكار في المكان المخصص له؟- فأكيد أنها ضحية مجتمع، ضحية خيانة عاطفية، نزوة، أحبها واحبته، وعدها بالزواج، حلف لها بأغلظ الايمان، وفي نزوة منها، نزوة اعتبرتها عابرة، قرر أن يفض عذريتها فنجح. ولما بان عليها الحمل تركها ولاذ بالفرار الى جهة غير معلومة. اما هي فظلت تندب حظها العاثر، وتلوم نفسها على ما فعلت بنفسها وصدقت بذلك الحبيب المخادع، ولم تشعر بنفسها الا وهي متشردة في الشوارع، وبين الملاهي والحانات والاماكن المشبوهة.

وكلما احدق في عين اروى، وادقق النظر أقرأ في عينيها ملامح تلك المأساة التي جرت على تلك الفتاة، أو قل بالأحرى ما فعل بها الحبيب المزعوم والذي فعل تلك الفعلة، فما اشبه الحالتين.

ومرة سألتها: من الذي حتف بك الى هذا المكان المشبوه يا أروى؟. فأجابتني من خلال نظرة الم طويلة مصحوبة بحسرة، تصورت أن روحها قد خرجت من تلك الحسرة.

وتركتني اتصارع مع ظنوني كصراع خصمين على حلبة، لأن أحد الزبائن نادى عليها وطلب منها أن تأتيه ببطل من البيرة المثلجة.

***

قصة قصيرة

داود السلمان

 

عبد الامير العباديمن الألف ليلة

الأمير  له الجريدة

مناديا الدرابين والأزقة والحسبة

له ما تيسر من سور الله

واحاديث الوعاظ والمتملقين

الجواري والحراس

له كرسي يغازلُ اطراف السماء

منصة خطبه تسبح مع الريح

ألأمير

له المقصلة والشرطي

وكل سيوف البلاد

الجدران والقضبان

مراسيم الاحياء والاموات

وأوامر اخصاء  العبيد

وقطع الأيادي  التي لا تجيد

 التصفيق

لذا قرر الثوار  قتل الامير

دون اقامة الحداد

جاء الأمراء

صارت الجريدة  صحائف

المنادي منادين

السورة سوراُ

الكرسي كراسي

المنصة  منصات

المقصلة مقاصل

الشرطي شرطة

ألعبيد حشودا

صار في البلادِ الف رب ونبي

اليوم

اختلطت الأوراق

صاحب اليد الطولى بموتنا

التالي

وقفوا في حلبةِ صراع الثيران

نحنُ نزغردُ لِموتهم

حيث ماتوا دون شهادة وفاة

***

عبدالامير العبادي

 

عبد الامير العباديقررتُ أن أشتري بندقية

اجعلْ  اصابتي دقيقة

اضعها في منتصفِ جبينك

ايها الوطن الاسير

حتى  تبقى بكارتكَ

غير مدنسة بلوثةِ العابثين

*

سوف اكفنك بكل سعف

نخيلك المتبقي من بساتينك

واضمك بصدور جياعك

ثم افتعل الاحلام

علني احلم انك فراشة

عادت فولاذة تهز

عروش القوادين

حتى ازاحة عهرهم

*

عجبي كم لنا من الاحجارِ

وكم لنا من المحنطات

تجاور المنصات

تقول اعبدوني انا الواحد الاحد

*

في بلدي (كيشوانية)

يحفظون الاحذية القذرة

في اجمل الرفوف

يجمعونها قلادة

تعلق على صدور سراق وطني

*

اعتقدوا انهم امراء

توزعوا كالنحل

يحكمون خلايا من الخيال

ماتوا كمدا

حين اكتشفوا ان الدفانين

صاروا طوابير

ينتظرون دفنهم

 ***

عبدالامير العبادي

 

محمد نوحيديباجة

سقطت سهوا:

لكم حرية الإبداع

ولنا حق المصادرة.

*

لوحة

بِطلاء السَّراب

ترسم جداريات العذاب

كل يوم... على بوابات الحدود.

*

قصة غار

الرسول يَتَعَبَّد في الغار

تُشْرق الأنوار

شحاذ يَتَرَصَّدُ ضَبّا في جُحْر

تلدغه أفعى.

***

الدكتور محمد نوحي

 

محمد العباسيربما كنتُ مخطئاً

حين عبّرتُ بالكتابة

عن كل شيء

*

ربما كنتُ للناظر أبدو

أني في غرامي

ليس لي رأي

*

ربما كنت كالغريق

متعلقاً بآخر قشةٍ

كالميت الحي

*

لكنني اليوم

ألوذ بسكوتي

حفاظاً على ذاتي

لبعض كرامةٍ مما لدي !

***

البحرين

25/9/2016

 

حيدر الهاشميكانت جدتي تخفي دموعها، في كيسٍ صغير، حتى لا يراها أحد .

كانت توفي نذورها كلها، حين يعود أبي من الجبهة سالماً .

وقبل أن يبدأ بالحديث مع رفاقه عن القتال والجنود الضائعة احلامهم.

كانت تضعنا في علبٍ صغيرة، مثل قطع الحلوى، وكانت تغلق الباب جيداً، حتى لا يتسلل إلينا الموت .

وفي صلاتها، كانت ترفع يديها نحو السماء، حتى نرى في عينيها دموع الإله .

انتهت الحرب وعاد الجميع إلى اهله إلا أبي

قال أحدهم: نبتت في صدره شجرة  من الرصاص .

وقال آخر: شاهدنا في خوذته أصابع رفاقه المبتورة، تنمو وتخضر على شكل مزهريات !!

حينها علمنا أن الأمطار التي تأتي في غير موسمها، هي دموع جدتي التي كانت تحبسها في الاكياس، وأن قطع الفحم الصغيرة، هي أحلامها التي ضربها الحزن فجأة .

كانت تقول لنا، لاتضعوا الستائر في بيوت الشهداء، هناك صغيراً أخبروه، أن والده ذهب إلى السماء، صار كلما يشتاق إليه يتحدث مع النجوم .

ومنذ ذلك الحين وهي تجلس خلف الباب، تراقب النافذة ، تمسك صورته جيداً، تخاف من هبوب العاصفة، تخشى أن يسقط على الأرض مرتين .

***

حيدر الهاشمي

 

صحيفة المثقففي الحرب؛ ليس هناك نصر،

سوی فتك الانسان وهدم صرح الحضارة"

علی غرار الموت الضرير

أسير حافيا

في أدغال محروقة

أجمع حطام الهزائم.

و أوقد منها نارا

تحرق لهيبها:

تأريخ الطواطم.

کتبت بدماء

جنود بواسل!

ما عرفوا

لعبة الشطرنج

و لغة البهائم.

*

أهب مع ريح صفراء

لخريف غاضب

علی وديان الاشلاء

والغنائم

فأواري:

جثث وريقات صامتة

ما تنبهت اليها

قساوة حر شمس حارقة

ولا رأفة دموع الغمائم

*

علی الادغال

والوديان المهجورة،

تحلق غيوما حمراء،

و أرضا: تنزف دما -

جرح أجنحة الحمائم.

*

هنالك أتحدق

في عين ندی تائهة

تسأل عن اخبار موطنها؟

وأصلها نبع دائم!

- فيشير القلم بسبابته

الی انبوب ممتد

علی جسم لضميرٍ نائم..

***

سوران محمد

 

نادية المحمداويفي ساعة متأخر من الليل دقت صفارات الإنذار تعلن حالة الطوارئ في البيت الكبير ذي الأسوار الخضراء وهاجت الحيوانات وعلا الصياح والارتباك بين أفراد العائلة. كانت ساعة الجدار تشير إلى الثانية صباحا .....

الدخان الرطب يغطي سماء بارادايس التي تقع على مقربة من مدينة سان فرانسيسكو ذات الجسور المعلقة. الأم كلوديا رغم تخطيها الخامسة والخمسين عاما لم يعيقها تقدم العمر فنهضت بخفة وعزيمة منقطعة النظير وايقضت زوجها أنطوان الذي يكبرها بسنتين فقط  ونزلوا سلالم الدار مسرعين وفتحوا الأبواب ليجدوا النار تحاصر منزلهما وقد التهمت الأسوار الخارجية للبيت وكل ما يحيط به والحيوانات هائجة وتتدافع بجزع من شدة الحرارة وكأنها تعرف حجم الخطر الذي يتهددها الآن. ركضت كلوديا وزوجها وفتحوا أبواب الحظائر على مصراعيها وساعدوا الحيوانات على الانطلاق والابتعاد عن النار ما أمكن. ابنتهم سارا وابنهم ديفيد رغم صراخ الأم ونداءاتها المتكررة نزلوا متأخرين قليلا بعد أن ارتدوا ملابسهم واعدوا حقائب صغيرة للطوارئ. حاولوا أول الأمر بإطفاء للحريق في المخزن ولكن النار تسربت لداخل البيت وأفشلت محاولتهم فتراجعوا إلى مرآب المنزل ثم انفجرت أنابيب الغاز في البيت وانهار جزء كبير من سقف المنزل وتسربت النار إلى بقية الغرف واحدة تلو الأخرى .....

استقل الأبوان وابناهما سيارة واحدة وغادروا المرآب بأقصى ما يمكنهم من سرعة بعد أن بدأت النار تجتاح بقية السيارات المركونة فيه.

النار تحاصر المخارج وتمنعهم من المغادرة، تقذف في طريقهم كرات من النار وكأنها بفعل فاعل. والدخان يحجب الرؤية ورائحة شواء أجساد الحيوانات. أدركت السيدة كلوديا أنهم أفاقوا من نومهم متأخرين وعليها أن تناضل من اجل أولادها وزوجها فاقتحمت النار بسيارتها ونفذت بأعجوبة إلى خارج محيط اللهب الذي ظل يتصاعد خلف سيارتها المسرعة والجميع ينظرون إلى رماد البيت والمزرعة وحياة عمرها أكثر من نصف قرن تلاشت من الوجود في طرفة عين....

 

نادية المحمداوي

 

حيدر الهاشميالضجة التي تحدثها الطيور على أشجار المنازل و أسلاك الهاتف، قبل حلول المساء، هي أشبه بفكرة مجنونة، لا تعرف بأي مكان تستقر، وأنت كقطعة خشبية متسمراً أمام مرآة دكان حلاقة قديم، تحدق بها طويلاً، تبحث عن ابتسامتك المفقودة، وتجمع أوراق ما تبقى من ذكرياتٍ واغنياتٍ قديمة .

يقترب منك الليل ويلتهم الظلام، ما تبقى من ملامح النهار، بينما ترتفع أصوات الموسيقى، وتزين المصابيح الملونة الحدائق العامة، البارات والأزقة الضيقة . ثم يتلاشى ظل المارة وتختفي أصواتهم ويتحول المكان إلى رصيف قاحل، لا تزال تراوح مكانك، تبحث عن شجرة كبيرة، لغرض التبول، تشعل ناراً من الأوراق التي جمعتها من القمامة، تقاوم البرد، لكن هذا الدفء لن يستمر، تمسك عربتك وقبل أن تفكر بالانصراف، تسمع صوتاً يناديك من الخلف، أنه تاجر داهمه الليل هو الآخر .

التاجر: أيها الحمال قف مكانك، هل بإمكانك إيصالي إلى نهاية الشارع ؟

الحمال: نعم، لكن هذه البضاعة ثقيلة الوزن، كيف سأستطيع حملها؟

التاجر يقهقه ثم يضربه على قفاه:

 هيا، لا وقت لدي، أنت جرب فقط، ستكون في المستقبل حمالاً جيداً.

سار الحمال والتاجر يراقبه، تصفع وجهه الرياح الباردة، تتساقط دموعه كالمطر، يتوقف قليلاً، يخرج من جيبه منديلاً يمسح عينيه، يصرخ به التاجر .

: لمَ توقفت أيها الأبله، ألم أقل لك، لا وقت لدي .

الحمال: لا شيء، تذكرت موت أبي .

التاجر: كلنا سنموت، أما بالحمى أو بالكوليرا، لا تحزن هكذا هي الحياة .

الحمال: لقد ذهب للحرب ولم يعد إلينا كاملاً، ومنذ ذلك الحين وانا اصنع له رأساً من طين، أضعه بجوار قبره، كلما زرته، لعله يعود إلينا سالماً من جديد .

  التاجر: انتم الفقراء تتوارثون البؤس، خذ هذا ألف دينار وأنزل البضاعة هنا .

الحمال: هذا المبلغ قليل جداً يا سيدي، الأجرة خمسة آلاف، أخوتي جياع وأمي مرهقة، وهذا الألف لا استطيع أن أشتري به خبزاً .

التاجر: كم أنتم مزعجون، لا فرق بينكم وبين الحيوانات المفترسة، خذ ثلاثة آلاف وأنصرف، لا أريد أن أراك مجدداً .

ومنذ ذلك الحين وأنا أتذكر هذا المكان جيداً، لقد مضى ثلاثون عاماً على تلك الحادثة، فعلا حين يموت الضمير، تكون حياة الغابة والحيوانات أرحم بكثير من تلك الإنسانية المزيفة .

 

حيدر الهاشمي / العراق

 

خلود الحسناويتهرب الكلمات سراً ساعة ألقاك

ويقتلني الشوق عمداً عند غيابك

ياذنباً ألوذ به،

اطلْ بقاءكَ بين انفاسي ..

واطلْ بقاءكَ مع لحن خافقي

*

يالحناً يعزفهُ الزمان بكل شدوٍ

ياورداً يحمل العطر شذاً

ياترنيمة حبٍ، ردَدَها العاشون

*

ايها القادم من وراء الظلام

تنَبـَــــهْ .. قد لايبوح الفؤاد

ولا يضيءُ لهُ سراج بعد الأربعين

*

سأحرقُ ما تبقى من اوراقي …

وسأرتشفُ نبيذي مع ظلكَ البعيد

ذقتُ مرارة كأسي …

وغرقتْ اشرعتي

*

سأستسلم للطغاة .. وسأجثو على ركبتيَّ

لا ركوعاً ولا ذلاً

بل ..

حباً ..

وهياماً ..

وشكراً ..

لمن بعثكً من خلف الظلام ..

قداســاً ارتـــلهُ في كل حيــن .

***

خلود الحسناوي

 

عبد الامير العباديلماذ تعبد الطرق

بالاسفلت الأسود

لماذا لا يكون لونه أبيض

لماذا يافطات الحزن

تكتب بالأسود

ألم يكن الأزرق أجمل

ولئن الأرواح تصعد للسماء

وهي زرقاء

لماذا نسوتنا يتباهين

بالسواد و لون  الشفاه الأحمر

جاذبا للرجال

لماذا منابرنا سوداء

ملابس أناقتنا سوداء

وجنات الله كلها خضراء

وبحار الدنيا بلون عيون

الجميلات

العيون السود

(أجمل من سواها)

لكن الشرقي

يعشق خضار العيون

وطني لقبوه أرض السواد

حتى لا نحلم بالبياض

لو كان مانديلا هنا

ما زوجناه امرأة من قريتنا

لأنه أسود

عبدالامير العبادي

 

نادية المحمداويحينما تفقد الذاكرة ياصديقي..

 تأكد انني باقية

لا تسل حينما يدور الحديث ...

 وتعلن الأسئلة

وعندما تغفو  ..

تذكرني لأنني أنا المساء

وعندما تفكر ..

 أن تمضي بعيدا تذكرني

لانني المسافة تتضوع اقمارا  بين يديك

يا..أنت لاتزعل ..

لأنني  غادرت أحضانك

 ونويت الاختباء بغير قلب .

قلبك الذي داهمني ذات ذات يوم ..

 ذهب

أذن قل لي ؟

هل لنكهة النارنج أكثر ..

 انني انتظر

ستبدأ ذاكرتي بالرجوع الى المطر .

....حينما تفقد الذاكرة ياصديقي..

 تأكد انني باقية

لا تسل حينما يدور الحديث ...

 وتعلن الأسئلة

وعندما تغفو  ..

تذكرني لأنني أنا المساء

وعندما تفكر ..

 أن تمضي بعيدا تذكرني

لانني المسافة تتضوع اقمارا  بين يديك

يا..أنت لاتزعل ..

لأنني  غادرت أحضانك

 ونويت الاختباء بغير قلب .

قلبك الذي داهمني ذات ذات يوم ..

 ذهب

أذن قل لي؟

هل لنكهة النارنج أكثر ..

 انني انتظر

ستبدأ ذاكرتي بالرجوع الى المطر .

***

نادية المحمداوي

 

سميرة بنصرلمن يتداعى النبض.. ياحرف هل بقى

                     جنون بهذا الكون في داخلي استقى

لقد غار في كل الجهاتِ منابعٌ

                     وعندي حقولٌ حسنها في دمي رقا

اتأتين يا أطياف من خارج الأنا؟

                         لتخضرّ أحلامي نجوما وتورقا

أمِن ذكرياتِ الأمسِ تُبنَى مواقعي؟

                               وتمتدُّ ظلاٌّ في دِمانا مُوَثَّقاَ

لِروحِكَ روحٌ يمشُطُ الحُبَّ نبضَها

                        لتخضَلَ فوق الماءِ وردًا وتُغدِقاَ

تماهت بنا الأسفارُ ياحرفُ مَن أنا؟

                         لأبحرَ في عينِ الزمانِ وأَشرقاَ

وأنهل ياقوتاً وتِبراً ولؤلؤاً

                     على جَنباتِ الأرضِ.. انداحُ رَونَقاَ

لتونسَ في قلبي حقولٌ نقيةٌ

                           يسافرُ فيها البوحُ ورساً مُؤنَّقاَ

زرعتُ لها في خافِقي ألفَ نبتةِ

                    من الحبِّ يٌذكي ضوعٌها كلَّ مُرتقَى

لها في ضلوعِ الأرضِ عشقٌ مُعَمَّدٌ

                         تجذَّر من أزمانِ تأريخِها.. النّقا

مواويلُها تهتزُّ كالرعدِ في دمي

                        إليها بروقُ الأرضِ تأتي لتسبُقاَ                         

وتسبقني فيها العيونُ كريمةً

                                 كأن لروحِ اللهِ فيها ترفُّقاَ

إذاهاجَ بي نهرُ المحبَّةِ خلتُني

                        أرُشُّ َعلى الأكوانِ.. ورداً معتَّقاً

واُهمي على أفيائها عطرَ جنّتي

                         لترقصَ أوجاعُ الجمالِ وتصفُقا

أناجيكَ إلهاماً ..وحبي.مجزَّأ

                          ولي في سماء الدّنيا قلبٌ تمزَّقا

ورُوحُ تجلى كلَّما لذَّ لي هوًى

                           تصدَّعَ فيَّ الشوقُ بُعداً وأخفقاً

***

سميرة بنصر

 

 

حيدر الهاشميأغلق باب غرفته، وراح يتجول في باحة المنزل، ذهاباً وإياباً، يتكرر ذلك المشهد عدة مرات من دون توقف، تتسارع خطوات أقدامه، يحيط به الخوف من كل جانب، يشعل سيجارة ثم يطلقها كتلة دخان في الهواء، ينتزع من ذاكرته ابتسامتها العريضة، كما يفعل الفلاح حين ينتزع من حذائه البؤس والروث والطين، عندما يعود من الحقل.

 يغني، يبكي، يصرخ بصوت عال، يحاول أن يكون شخصا آخر، لكنه لم يستطع أن يخرج من تلك الدوامة، سمع صوت هاتفها يرن، دخل مسرعاً، لا زال المكان  يحتفظ بأجوائه الرومانسية الهادئة، رغم كل ما حدث، الإنارة الخافتة، كؤوس النبيذ، أغاني السيدة، كان الهاتف مرمياً تحت المنضدة، فتح السماعة وبصوت غاضب: أجب أيها التافه .. أجب ..هيا أجب .. أيها المنحرف الحقير .

ثم ضربه في الحائط، لكنه لازال يرن ويرن ويرن ولا زال هو يطلق النار على كل مصباح يرى فيه صورتها . ثلاث رصاصات فقط، هي من أردتها قتيلة، ومنذ أن قتلها وهي تلاحقه كالشبح الذي يظهر له فجأة في كل مكان، يسمع صوتا من الحشد المظلم وكأنه صوته، لكن بوجه آخر: أيها المجنون لمَ قتلتها !؟

هو: وما شأنك أنت، اكتشفت أنها كانت تخونني !

الصوت: أنت قتلتها بثلاث رصا صات، لكنك لم تقتل الشك ابدا، الشك الذي سيقضي عليك عاجلاً أم آجلا، ههههه .. هههه .. هههه!!؟

هو: اغرب عن وجهي أيها الحقير وإلا قتلتك !!

الصوت: لا يمكنك قتلي، فانا في داخلك . لكني سأتركك تأخذ قسطا من الراحة .

دخل غرفة الطعام، صنع له فنجان قهوة، بعد أن نفذت ذخيرته من الجعة والشراب، جلس على كرسيه الهزاز، أخذ يتمتم مع نفسه:

آه دارين، القهوة هذه الليلة تحمل في طعمها كل مرارة الحياة، التي تشبه مرارة الموت، لا أعرف كيف صنعتها، لكنها سيئة المذاق، أفتقدك هذه الليلة كثيرا، ليتني أعرف من هو غريمي ؟

دق منبه هاتفه مع الساعة السابعة صباحاً، فز مرعوباً من نومه، نظر إلى يديه، إلى المكان، لا شيء يدل على الفوضى، لا شيء يدل على الجريمة، كان الباب مفتوحاً قليلاً، سمعها تضحك على الهاتف مع شخص ما في الصالة، حين ذهب إليها مسرعاً، التفت إليه مع ابتسامة هادئة وقالت:

أخي يبلغك السلام، أخيرا عاد إلى أرض الوطن .

 

حيدر الهاشمي  / العراق

 

نادية المحمداويكان الليل هادئا هنا. والمرفأ القصي رغم الضجيج المنبعث من ارجاء الحانة الساحلية ظل يسوده صمت وقور. 

كانت هي وصديقها الحميم يجلسنا  قرب نافذة الحانة المشرعة للنسيم الوافد من عرض البحر يحتسون كأس المساء المعتاد سويا كما في كل يوم وتطل بين الحين والاخر برأسها من تلك النافذة على اضواء المرفأ الترفيهي مستمتعة بمنظر القوارب الشراعية تتمايل مع الموج الى الجانبين   

اوحى سكون المرفأ الوقور ونشوة الكأس لصديقها بهاجس القصيدة فخط بقلمه السوفت الازرق على باطن كفها الرخص انشودة المساء:

لم اركِ من قبل 

كما انت هذا المساء

جميلة كنجمة تضيء

تشاكسين العيون

وتسحرين وقار الندامى

كأنك كنت ترقصين .....

***

قصة قصيرة جدا: نادية المحمداوي

بتول شاملالعيدُ لم يكن سعيداً هذا العام

فأمِّي لم تملأ بدفء امومتها البيت

وأنا لم أستطع التحديق الى قدميهـا

لأرى موضع الجنـة ..

وأبي الذي ذهَبَ قبـل عامين في

رحلةِ اللاعـودةِ

لم يعُدْ فأُقبّل رأسه ..

حرارةُ الصيف وبرودةُ الشتـاء

مَنَعَتا أطفالَ العمارة

من التحليقِ بطائراتهـم الورقيّة

في الأزقة

والخروج الى حيثُ الأراجيحُ

ودواليب الهواء ..

*

العيدُ لم يكن سعيداً هذا العام

الزوارقُ مُلقاةٌ على ضفافِ دجلـة

تنتظرُ عودةَ الموجِ ..

وقصبُ البـرديّ يشكو العطش

وأنا منذ أعوامٍ أنتظرُ عيداً سعيداً

يُلبِسُني ثوب فرحٍ سومريّ

***

بتول شامل