أقلام ثقافية

صديقي المخادع (1)

عمار عبدالكريم البغداديشهرزاد: سالتك في المرة السابقة فقلت: ليس شرطا أن يكون إختلاف وجهات النظر، وتغيّر التصورات، وتباين الأهداف والأحلام سببا طبيعيا لانتهاء صداقات وثيقة إستمرت لعقد او عقدين من الزمن، ألا ترى ذلك؟.

شهريار: نعم الآن ستختلف الإجابة تماما، فلكل مقام مقال كما يقال، إن ما ترمين إليه من أوصاف الخيانة والخذلان ياشهرزاد أسباب جوهرية لإنتهاء علاقات الصداقة، ولعلي لا أكون مخطأ أنْ حمّلتُ الطرف الذي يتعرض للخيانة مسؤولية ماحصل له، ولو أخذنا بنظر الإعتبار ماتقدم من صفات الصديق الصدوق لفكرنا ألف مرة قبل نطلق هذه الكلمة على مئات الأشخاص الذين نعرفهم .

ومع أن الناس جميعا يدركون أن الصديق الوفي يحفظ الأسرار، ويكون عونا في السراء والضراء، لكن عقولهم الباطنة تستقبل هذه الكلمة التي يتسرعون في إطلاقها على فلان من الناس، فيبدأون بكشف أسرارهم، ويطلبون النصح والإرشاد للتخلص من نقاط ضعفهم التي لا يعرفها معظم المقربين إليهم،وكل ذلك لأنهم أطلقوا كلمة صديق على شخص لم يحصل بينهم وبينه تجاذب نفسي، ومن غير أن يلمسوا في ذواتهم إحساس المعرفة القديمة والمحبة المسبقة (عالم الغيبيات)، فيقع المحظور، وقد يطول الأمر لسنوات قبل أن نشعر بمرارة الخيانة، فبعض من نطلق عليهم صفة (صديق) يتحلون بمهارات تعامل رشيدة الى حد ما، ولا يجدون سببا وجيها لكشف أسرارنا التي تراودهم،بين الحين والآخر، وتكاد تخرج من أفواههم لأنها ببساطة لم تلامس أعماقهم، وكيف لها أن تخزن في مكان أمين ونحن بالنسبة إليهم مجرد زملاء دراسة او عمل او أبناء حي واحد، او أقرباء مفروضين عليهم ولسنا من اختيارهم؟، لكنهم بطريقة ما يحافظون على تلك الأسرار، ويغدقون علينا بنصح الرشيد ردا لمعروف ما، او لأنهم يلبسون قبعة الخبير ويشعرون بنجاح ذواتهم إنْ لمسوا نجاحا متحققا من ذلك الإرشاد، وهكذ نزداد تعلقا بهم، ونبيح لهم ما تبقى في جعبتنا من أسرار وخفايا عن نفوسنا المطمئنة بصداقتهم المنشودة الى الأبد .

شهرزاد: مهلا بالله عليك يا شهريار قبل أن تصدمني بالنتائج .. ما الذي يجعلنا نخادع أنفسنا ونتخذ هؤلاء الزملاء او الأقارب أو أبناء الحي أصدقاء صدوقين وهم لا يبادلوننا ذلك الشعور؟!.

شهريار: أسباب عدة أبرزها الجهل بمعاني الصداقة وقد يحصل ذلك كثيرا في سن المراهقة أو قبلها،وفي مراحل الشباب الأولى، وليس بغريب أن يَخدع الإنسان الراشد نفسه بقرار إنفعالي ويتخذ شخصا ما صديقا مقربا بأسرع وقت ممكن لتعويض صديق صدوق فارقه لظروف قاهرة.

 إن أحدنا لا يستطيع العيش طويلا من غير أن يلقي بهمومه وأسراره وأحلامه في صدر كتوم، وكأننا نبحث عن سجل أمين نوثق فيه تاريخنا بأخفاقاته ونجاحاته، وننشد بوصلة دقيقة ترشدنا نحو الأمام من غير ان ندفع الثمن، وقلّما نجد تلك الصفات في حبيب او أخ، أو قريب مقرب، لكننا بكل تاكيد نحظى بها في حضرة الصديق المخلص.

تلك القرارت الإنفعالية أو الخطوات المستعجلة الناتجة عن حاجة ملحة قد تسقطنا في شباك ما أسميه بـ(الصداقة المفتعلة)، وكما أسلفنا قد يطول الأمر قبل أن نكتشف سوء اختيارنا لمن نعتبره خزنة منيعة لكنز أسرارنا، وعادة ماتكون الصدمة أسرع كلما بُنيت الصداقة في العقود الأولى من حياتنا .

في صباي تعرضت لخديعة أستطيع أنْ اصفها بالمزدوجة، فقد كان لي جارٌ، وهو زميلي في الدراسة، أوده وأقضي معه ساعات طوال في المدرسة وبعدها، وعلى قدر فهمي البسيط لمعاني الصداقة وأنا في العاشرة من عمري، كنت أشاطره كل ما يحدث في بيتنا، بل أنني أقاسمه ألعابي وأحلامي الصغيرة، كنّا من ديانتين وجنسيتين مختلفتين،لكن ذلك لم يكن يعني شيئا ونحن نعيش أحلى حالات الصداقة الممزوجة ببراءة الأطفال، وكثيرا ما كنت أعجب من قدرته على المراوغة لإستعطاف المعلمة وتجنب التوبيخ على مشاكسة مدرسية أو تقصير في الواجب البيتي، لم يبادلني أسراره يوما كما كنت أفعل معه، وكان يلتزم الصمت حينما أساله عن سبب صراخ أمه عند دخولي الى حديقة منزلهم في كثير من الأحيان، لكنني كنت أشعر بسعادة كاملة معه، فهو يجيد صناعة الطائرات الورقية، ويرسم لي رسوما مبهجة، وتسعدني دائما ضحكته العريضة وأنا اقص عليه موقفا محرجا حصل في بيتنا .

لم يدم الأمر طويلا حتى تفاجأت في صبيحة مدرسية بإستدعاء مستعجل من مديرة المدرسة لكلينا .. في طريقنا الى الإدارة أخبرني بضرورة أن أبلغ المديرة بأن جهاز الراديو الصغير الذي وجدوه في حقيبته المدرسية يعود لي، وإنني منحته أياه كهدية مني .

كنت أرتعد وأنا أقطع آخر خطوات نحو غرفة مديرة المدرسة، ويالها من مديرة قاسية كانت تجد متعة كبيرة باستخدام كفها الأيمن في صفع الخدود الرقيقة لأتفه الأسباب، بينما تحمل في كفها الأيسر مسطرة خشبية عملاقة تحدّها من الجانبين صفيحتان معدنيتان مغروستان في الخشب بإتقان، وهي أشبه بسيوف المغول والتتار، لكنني بعزيمة الصديق البريء الذي لا يخذل صاحبه أزلتُ من أمام ناظري تلك الهيئة المرعبة للحظات قبل أن تصبح واقعا يداهمني من كل جانب، قالت بصوتها الجهوري المرعب: هل أعطيت زميلك جهاز الراديو؟

بصوت مرتجف قلت: نعم وأومأت برأسي موافقا .

- ماشكل الجهاز.. ما لونه ؟

- أنا .. هو.. أبيض، وشكله مدور، و..

قبل أن أكمل كلامي المشحون بالعبارات المخالفة للحقيقة بادرتني بصفعة مازالت ترن في أذني حتى ساعتنا هذه،قبل أن تصرخ في وجهي: لماذا تكذب؟.. ماالذي حملك على ذلك؟ .

قلتُ والدموع تسيل بغزارة من عينَيَّ: أنه صديقي وأخاف عليه من العقاب .

ربما رقَ قلبها القاسي للمعاني العظيمة التي انطلقت من جسدي الصغير المرتجف في تلك اللحظات، ولا أظنها أشفقت لحالي قبل أن تطلب مني العودة الى الصف .

في المرة المقبلة سأكمل لك بقية القصة التي مازالت تدور في رأسي كلما تحدثت عن معاني الصداقة .

مقتبسات من مؤلفي: شهريار من بغداد وشهرزاد من القاهرة.

***

بقلم: عمار عبد الكريم البغدادي

.................................

* من وحي شهريار وشهرزاد (54)

مقتبسات من مؤلفي: شهريار من بغداد وشهرزاد من القاهرة

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5735 المصادف: 2022-05-19 02:19:36


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5938 المصادف: الخميس 08 - 12 - 2022م