أقلام ثقافية

رحلة قصيرة إلى شفشاون الأميرة

في الحادية عشرة وخمس وأربعين دقيقة من صباح الثلاثاء 30 من غشت 2022م انطلقت بنا سيارة الأجرة الكبيرة من أصيلة إلى طنجة. لا أعرف أحدا من الراكبين. أنظر، طوال الرحلة، من نافذة السيارة إلى البحر وأتطلع إلى السماء..لقد تورات الشمسُ اليومَ، وأظلتنا سُحُبٌ تعلن قدومَ موسم جديد..الشاطئ بين أصيلة وطنجة شِبه خال، وحركة المرور بين المدينتين أيْسَرُ منها منذ أيام قليلة، فقد عاد أكثر الزائرين والسياح إلى مدنهم ليُعِدوا العُدّة لعام دراسي أو عملي جديد.

وهأنذا أعود إلى شفشاون ولم يبق لانطلاق الموسم الدراسي غيرُ أيام قلائلَ. ما أكثر ما زرتُ هذه المدينة! ولو أني سُئلتُ أي المدن لا تمل زيارتَها لذكرت مدنا تتصدّرها قديسة الجبل..مدينة ترعرع حبُّها في قلبي حتى غدا دوحة مباركة وافرة الظلال والثمار.

لم تنفك السُّحب عن مسيرنا، فأظلتنا مرة ثانية من طنجة إلى شفشاون، وجادت علينا بقطرات ونحن نقترب من حصن مولاي علي بن راشد ونمتع أبصارنا ونفوسنا بما حبا الله هذه البلاد من طبيعة خلابة.

في الثالثة بعد الزوال دخلنا شفشاون. استقللتُ سيارة أجرة واتجهت نحو فندق "دار ازمان" القريبِ من "باب الحَمّار". هنا بِتُّ لياليَ في زيارتي الأخيرة للمدينة، فراقني المكانُ بناية، وموقعا، وعمالا طيبين مَرِحين مُرَحّبين.4237 شفشاون

سررت بشغور غرفة في الفندق، غرفة "مْهاني" حيث أكتبُ الآن هذه الأسطر مستلقيا على فراشي. ليس للغرف هنا أرقام، بل أسماءٌ أصيلةٌ لنساء شفشاونيات وشماليات أصيلات.. "فامة"، "اعشوشة"، "اطويمة"....وأخريات تشعر معهن أنك في ضيافة أمهات شريفات أسهمن في تحرير أوطانهن وبنائها وتربية أبنائها في اقتدار كبير وصمتٍ نادر يعز نظيرُه في أزمنة تعلو فيها نداءات المرأة، وحقوق المرأة، ونضال المرأة، ومناصفة المرأة، وتمكين المرأة. يا حسرةً على المرأة...!!!

غادرتُ الفندق متجها نحو مطعم شعبي، فرنّ هاتفي بعد خطوات. إنه أخي العزيز الدكتور محمد أملال حفظه الله. كان اتصل بي منذ أيام ودعاني لزيارة المدينة، فوعدته أن أفعل، ولم أحدثه عن موعد الزيارة.

عَجِبْنا معاً لاتصاله اللحظة، وقلت بداخلي: سبحان الله! كأنه على علم بمجيئي اليوم ووصولي إلى المدينة، لكني انتقلت سريعا من الدهشة إلى الألفة وأنا أردد في أعماقي: قدّرَ الله وما شاء فعل، محمد أخي، ولعل تراسلا روحيا حدث بيننا، فكان اتصالُه موافقا للحظات قدومي إلى شفشاون.

تواعدنا على اللقاء بعد صلاة العصر، وتناولت وجبتي، ثم عدت إلى غرفة "مهاني" (لعل أصلها أمّ هانئ) كيما أستريح قليلا قبل لقاء أخي الحبيب.

حدثتني نفسي بالنوم، ووجدت في جسدي ارتخاء، لكني آثرت أن أُطِلّ من شرفة غرفتي على جانب من جبال المدينة وقد بلَّلتها قطراتٌ قليلة مباركة، أنظر إلى الجبال المبتلة وإلى عشقي لهذه المدينة فأذكر قول الشاعر:

وإني لتَعْروني لذِكراك هزة *** كما انتفضَ العصفورُ بلّلَه القَطْرُ

وأتساءل: هل أنا عصفور؟ هل أنا عاشق للمدينة؟ هل أمطرت السماءُ قليلا ليكتمل مشهد العصفور الذي انتفض وحرك جناحيه عند سقوط القطر وهو المعادل الشعري للعاشق الذي تنتفض نفسه وتنطلق عند ذكر حبيبته!؟

- "حسْبُك خيالا أبا الخير، واستجب قليلا لندائي!"

هكذا يناديني النومُ وهو يراودني عن نفسي، لكني أهبُّ واقفا، وألحُّ على النظر من شرفة الغرفة إلى الجبل وأنا أردد في أعماقي شطرا مما غنته أم كلثوم رحمها الله:

"فما أطال النومُ عمرا...................

وأبعدُ عن ذهني الشطر الثاني لأن وقت السهر لم يَحِن بعد!

-2-

بجوار "باب العين" كان لقائي وأخي محمدا أملال. صعدنا إلى ساحة وطاء الحمام تحت قطرات المطر التي تبارك خطانا. "اللهم لك الحمد على نعمة المطر"..أناجي نفسي ونحن نمضي في بطء مخافة أن أسقط بعدما اكتشفت أن حذائي غير مُحصِّنٍ إيّاي من الانزلاق.

يقول أخي محمد وقد خلفنا وراءنا ساحة الحمام ومشينا إلى رأس الماء:

- أخشى أن نُصاب بالزكام.

فأقول منتشيا:

- مرحبا بالزكام في سبيل شفشاون الحبيبة..

وأسأل الله أن يرزقنا بركة هذا الماء وأنا أستحضر قوله سبحانه: (ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحَبّ الحصيد).

ما أكثر الباعة الذين اصطفوا عن يمين الماشين وشمالهم والذين انتشروا في الدروب لعرض ما يملكون من بضائع أو لأخذ مقابل مالي كفاء ما يلتقطه زوار المدينة من صور في دروب صارت "استوديوهات" مفتوحة. منهم من يطلب عشرة دراهم للتصوير، ومنهم من يطلب أقل من ذلك!!Medina of Chefchaouen, Morocco. Chefchaouen or Chaouen is a city in northwest Morocco. It is the chief town of the province of the same name, and is noted for its buildings in shades of blue. (Medina of Chefchaouen, Morocco. Chefchaouen or Chaouen is

لا يختلف المشهد في "رأس الماء" عن نظيره في الطريق الموصل إليه من حيث كثرة الباعة وعارضي ملابس التصوير. ساءَني احتلال كل جزء جزء في المكان. وقالت نفسي في ضجر: "قد صار المكانُ سوقا غارقا في فوضى، والفوضى مؤذنة بخراب العمران، ومرض السكان".

وككل زيارة لهذا الركن الساكن في القلب اتجهت وأخي محمدا إلى مقهى التونسي. هنا أحب أن أجلس أمام الجبل، أتطلع إليه في صمته، وجماله، وهيبته، وأتأمل من خلاله عظمه الخالق سبحانه، وتَلوْتُ على مسمع من صديقي قوله عز وجل: (وإلى الجبال كيف نُصبَت) قبل أن نتجاذب أطراف الحديث في موضوعات شتى لم تغب عنها شفشاون وأعلامُها وأشعار شعرائها، وللحديث مع أخي محمد فوائد يغنمها من حادثوه في موضوع التراث الشعبي للمنطقة، وهو الموضوع الذي خبره وأنجز فيه أطروحة جادة مفيدة.

غادرنا المقهى قبيل صلاة العشاء، وعدنا إلى المدينة المعاصرة مرورا بمنطقة تسمى "ريف الأندلس". أثار انتباهنا مبنى "دار بوجَنّة" بطابعه التقليدي الأصيل، فانطلقنا، في دردشة مع شابة لطيفة في قاعة الاستقبال، نستطلع خصائص البناية، ثم سررنا بمحادثة صاحب الدار الذي أخبرنا أنها "فندق فالينسيا"، واستمتعنا وإياه بمحاورة حَضَرتْ فيها الذاتُ والموضوع، ذاتُ السيد المهدي بوجنة الذي عاش داخل الوطن وخارجه، ومارس العمل السياسي عضوا بالمجلس الجماعي للمدينة زمن رئاسة محمد سعد العلمي له، وموضوعُ الحالة السياسية والاقتصادية والاجتماعية للمدينة والوطن. لمسنا في لهجة بوجنة غيرةً على البلد جَلَّتْها مُوازَناتُه بين المغرب وبلجيكا، كما لمسنا غيرةً على شفشاون كشفتها موازنته بين ماضيها وحاضرها. تحدث الرجل في اعتدال وقدر من الموضوعية عن بعض أعلام المدينة في السياسة، ولم يُخْفِ تذمره من بعض مظاهر الاختلال، ومن أشكال الفوضى التي تكتسح قديسة الجبل.

جلنا قليلا في شوارع المدينة، وقالت بطوننا هل من عشاء، فسألني عزيزي محمد:

- ماذا تفضل أن تأكل؟

فقلت:

- البيصرة.

هل اشتقت حقا إلى أكلة الفقراء والمساكين والحال أنه لم يمض يومان على أكلي إياها بأصيلا؟ أم تُراني كنت أرنو، من خلال البيصرة، للاتصال، من بعيد، بجلسات جميلات مع الأصدقاء عبد السلام الشويخ، ويوسف بنجيد، وعبد الصمد مرون اجتمعنا فيها حول "موائد بيصرية" بساحة أنوال هذا الصيف؟ أم تراه شعار نضالي خفي يحفزني لإيثار هذا الطعام، وهو شعار تعالت به حناجرنا في مسيرات ووقفات احتحاجية بأصيلا صيف 2014م مطالبين بدخول حافلات النقل العمومي إلى المدينة لربطها بطنجة..كنا نصرخ يومئذ قائلين:

الله يْبليك بحُبّْ الشعب

حتى تاكُلْ العَدَسَ

عَدَسَة الفُقَرا

ما ياكُلها مَنْ والى

نعم، كنا نردد هذا الكلام، وكنا نذكر كلمة "العدس"، فهل أحللت في ذهني "البيصرة" محل العدس، واستجبت لشعار مُعبّر عن الانتصار للشعب بمطالبه وأكلاته وبؤسه؟

لعله لكل ذلك، أو لبعضه، اخترت "البيصرة"، لكني - للحقيقة - لم أفكر في شيء من ذلك كله عندما أجبت عن سؤال صديقي محمد.

ودخلنا مطعم بوذياب الشعبي لنلقى الطاهيَ اللبيب عبد اللطيف النادي الذي سررت كثيرا بلقائه ومعرفته..رجل لا يطعم بطنك بلذيذ البيصرة فحسب، ولكنه يسقي روحك بعيون الشعر المُغَنّى..سأله أخي محمد غِبَّ دخولنا أن يُسمعنا، عبر جهازه، شيئا من روائع فيروز أو أم كلثوم، فأمتعنا بالتحفة الرائعة "رباعيات الخيام" تغنيها أم كلثوم رحمها الله تعالى:

سمعتُ صوتا هاتفا في السَّحَر

نادى من الغيب غفاة البشر

هُبّوا املأوا كأسَ المنى

قبل أن تملأ كأسَ العمر كَفُّ القدَر

لا تشغل البال بماضي الزمان

ولا بآتي العيش قبل الأوان

واغنمْ من الحاضر لذاته

فليس في طبع الليالي الأمان

شاركتُ الرجلَ اللطيف المثقف ترديد مقاطع من الأغنية، وفرحت كثيرا وأنا أصغي إليه وهو يشرح معانيَ بعض ما نستمتع بغنائه معا..وضحكت كثيرا حينما قال لي وهو يقف على بعد أشبار من النار التي تلتهب تحت قدر البيصرة:

- عندما أستمع إلى مثل هذه الروائع (الكلثومية) أشعر أن هذه الحرارة تستحيل بردا وسلاما!

وجدت لبيصرة مطعم بوذياب لذة غير لذتها في أصيلة، والواقع أن نفسي صارت لحظتئذ ملتقى لَذّات منها لذة البيصرة، ولذة الحديث مع طباخ مثقف ذي ذوق موسيقي رفيع، ولذة رائعة عمر الخيام، وقبل ذلك وبعده لذة صحبة أخي الحبيب سيدي محمد.

من أجل ذلك شكل العشاء البطني الفني الثقافي موضوعَ حديثي وصديقي طوال الطريق الممتد من مطعم بوذياب حتى الساحة القريبة من المركب الثقافي، ووجدتني أوازن موازنة لا تصدق دائما بين صاحب فندق غاضب بعض الغضب وبين طباخ في مطعم شعبي راض كل الرضى، وأقول لأخي محمد: سبحان الله! صاحبُ الفندق مهمومٌ وصاحبُ البيصرة سعيد! ما أبعد السعادة عن الماديات! وانثال على ذهني بيت رددته عند استمتاعي بمحادثة البسطاء لحظة العشاء:

ما لذةُ العيش إلا صحبة الفقرا      همُ السلاطينُ والساداتُ والأُمَرا

وحدثتني نفسي قائلة: ليس في أمثال هؤلاء قيل هذا الشعر، لكني سارعتُ إلى زجرها قائلا: وما يُدريك أيتها المختالة الخداعة أن أمثال هؤلاء لا يصدق فيهم هذا الشعر!؟ فكم في الزوايا والقصور من خبثاء، وكم في الأسواق من أولياء! وصدق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إذ قال: "رُبَّ أشعثَ أغبرَ مدفوعٍ بالأبواب، لو أقسم على الله لأَبَرَّه".

- 3 -

صباح الأربعاء التحق بنا صديقنا العزيز الدكتور هشام بحيري. لقيته في ساحة وطاء الحمام، ثم جاء عزيزنا محمد، وكانت الوجهة "أقشور" الفاتنة على متن سيارة محمد.

ذكرتُ حين تراءى لنا "مدشرُ تَلَمْبوطْ" ما كان حدثني به محمد، في زيارة سابقة لأقشور، وهو قوله: "تَلَمْبوطْ القِنْطْ فيها مَرْبوطْ"، إشارةً إلى صغر المدشر وما يستشعره الناس فيه من قنوط، كما ذكرت كذلك قوله لي: "عامْ التّْبوناتْ عام اللّْبوناتْ، وعام الثّْلوجاتْ عامْ الفْجوجاتْ"، وهو من الأقوال السائرة في شفشاون ونواحيها يربطون فيه بين كثرة التِّبن وكثر اللَّبَن من جهة، وبين كثرة الثلج وجمال المشاهد الطبيعية من جهة ثانية.. وضحكنا جميعا وأنا أعيدُ على مسامع صديقيَّ هذه النُّتَف من كلام المنطقة.

عندما أشرفنا على "أقشور" فوجئتُ بكثرة السيارات..وتقدمنا نحو الداخل بعد سؤال المشرفين على موقف السيارات عن شغور أماكن بداخله، لكننا لم نجد موضعا للتوقف مع أدائنا المبلغ المخصص مقدَّما كما أرادوا، فاضطُّر محمد إلى مغادرة المكان إلى موقف آخر بعيد.

لاحظتُ ونحن نتقدم مشيا في اتجاه المقاهي والمطاعم الممتدة بمحاذاة الشلال أن أحدَهم كتب على لافتة إشهارية لمحله التجاري: "مقهى ومطعم ومسبح فلان". استغربتُ الكلمة "مسبح"، وتقدمت لأرى (مسبحه)، فإذا هو جزء من مَجْرى الشلال سَيَّجه الرجلُ وادَّعى امتلاكَه. تساءلت دون كلام: ما ضرَّه لو ترك ذاك المكان دون استيلاء عليه؟ أما كفاه نَصْبُ الطاولات والكراسي بمحاذاته من جهتين كما يصنع كثير من أرباب المقاهي والمطاعم هناك؟ قاتَلَ الله الجشَع لكم أفسد من أناس وأمكنة، ونشَر الفوضى، ونأى بالحياة البشرية عن طابعها الإنساني!!

بعد لحظات من المشي ألقينا أجسادنا على طاولات مطعم زرته مرتين صحبة صديقي محمد. حدقت قليلا في الجبال المنتصبة يمينا وشمالا.. ونظرت إلى الأشجار والمياه المنسابة المتدفقة.. واسْتَرَقْتُ نظراتٍ في وجوه الناس فإذا البِشْرُ يُرخي ظلاله على الجميع، هنا "الماء والخضرة والوجه الحسَن".

وزاد جلستنا لذةً ما أكلناه من لحم الجَدْي الذي طُهِيَ على نار الفحم.. لذة خاصة للحم داخل "الطجين" وهو محاط بالبطاطس، والجزر، واليقطين الأخضر، وقليل من البصل...مع كؤوس من الشاي الأخضر اللذيذ!

ثم اقترح صديقنا هشام أن نَسْبَحَ، فبحثنا عن موضع في مجرى الشلال اجتمع فيه كثير من الماء، وقلنا بلسان الحال: "حَيَّ على السباحة". هي المرة الأولى التي أسبح فيها داخل نهر، وقد ألفيت ماءَه مغايرا لماء البحر، ووجدت في نفسي سعادةً لفِعْلِ ما لم أفعله من قبل، ودفعني ضيقُ الحيز الذي نسبح فيه موازَنا بشساعة البحر واتساعه، إلى أن أستحضر مَواطنَ سباحتي في "بحر للا رحمة" أيام الطفولة ومنها "واد شلال"، و"السّْطارة الأولى"، و"السطارة الثانية"، و"السطارة الثالثة"، و"السطارة الرابعة"، و"الكَيْدار"..مواضعُ في كلٍّ منها مُرتفَعٌ صخري كنا نعلوه لنرتمي في الماء، وإذا بي أقف فوق أرضية من خشَب صنعها صاحبُ مقهى، وشرعت أرتمي نحو ماء النهر مَراتٍ وكأني أرتمي في بحر الطفولة البريئة السعيدة!!

طال مكوثُنا في أقشور، ولم نغادره إلا بعدما غابت الشمس، وغلَّفَ الظلامُ المكانَ دون أن يتسلل إلى نفوسنا التي أشرقت داخلها شمسُ الفرح والسعادة!

وإمعانا في القبض على أثر الطفولة في نفسي وذاكرتي توقفتُ أمام بائعة إسفنج، وخلتني طفلا صغيرا متحررا من قيود الرجولة، جاهلا ما كتبه الكاتبون عن خَوارم المروءة، ومنها الأكل في الشارع العام، واشتريت إسفنجة، وغَمَسْتُها في السُّكَّر الموضوع فوق قطعة من ورق، ومضيتُ ورفيقيَّ مُنتشِيا بقضم الإسفنجة مثل طفل صغير!!

واكتمل انتشائي وأنا أترنم بالأغنيات الجميلات الصادرة من جهاز السيارة التي كان العزيز محمد يقودها في اقتدار كبير في طريق العودة إلى شفشاون الأميرة النائمة في أحضان الجبال!

- 4 -

طاب المقام في شفشاون الجميلة، وسَقَتِ الجولاتُ الليلية والحواراتُ التلقائية مع محمد وهشام وردةَ السعادة في نفسي، فوددت أن تطول إقامتي في أحضان شفشاون صحبة أصدقائي الطيبين، لكن ما إلى ذلك مِنْ سَبيلٍ؛ فقد دنا موعدُ انطلاق الموسم الدراسي، ولا بد من الالتحاق بمقر العمل.

من أجل ذلك لم أستجب لرغبتي ورغبة أخي محمد في تأجيل الرجوع إلى أصيلا حتى حين.

أفطرنا معا في "مقهى الرحموني" صباحَ الخميس، وجُلنا قليلا في جانب من المدينة، ثم توادعنا عند محطة سيارات الأجرة، ووليت وجهي شطر تطوان.

كان صديقي مصطفى البعليش اتصل بي ساعة وجودي بأقشور، وسألني عن موعد عودتي، فاتفقنا على اللقاء بتطوان التي قدّرَ الله أن تكون وجهتَنا معا صباح الخميس!

التقيت ومصطفى قرب الموقع التاريخي "تمودة"، وانطلقنا بسيارته نحو "تعاونية أغصان تطوان للمنتوجات الفلاحية الطبيعية" تَحُفّنا الأشجارُ والأحجار والجبال، فتجعل من المسير تجوالا ممتعا، وتُحيل السفرَ إمتاعا للنفس وإيناسا.

دخلنا التعاونية التي تشتغل في حيوية لإنتاج العسل، وأنواع الزيت، والصابون، والأعشاب المجففة من نباتات المنطقة... واستفدنا من شروح الفاضلة فاطمة كرمون وهي تجول بنا في أرجاء المكان وبين آلاته موضِّحة مبيّنةً مفيدة.

واستمتعت غاية المتعة وأنا أصاحب مصطفى في جولة بمغرس التعاونية، وأتعرف، من خلال خبرته، على ما كنت أجهله من أعشاب ونباتات..وأحرص، في الآن نفسه، على التقاط صور لي بين أحضان الجبال والأشجار كأنما سعيا للقبض على لحظات سعيدة واصطحابها معي إلى أصيلا لتجديد السعادة والمتعة بالنظر إلى جمال الصور!!

اقتنى مصطفى من التعاونية ما رغب في اقتنائه من منتجاتها، واتجهنا إلى "عين الزرقاء"، فإذا المكان أختٌ صغرى لأقشور الفاتنة..شلال يتدفق من الجبال، فيجتمع ماؤه في بركة أولى، تليها بركة ثانية، لإشباع رغبة السابحين والسابحات..ثم ينساب الماءُ انسيابا في مجراه الذي نُصبت على جانبيْه طاولاتُ المطاعم والمقاهي التي تشكل مُستراحا لزائري المكان يستظلون فيه بظلال الأشجار، ويمتعون النفس بعذب الأحاديث أو بالإنصات إلى خرير الماء الذي أحسستُه يواصل ما بدأه شلال أقشور من غسل لأعماق نفسي، وتحرير لها مما أطبق عليها طَوال شهور أو أعوام...

طلبت طجين كفتة (لحم مفروم)، وطلب مصطفى طجين سمك، وشربنا كؤوسَ شاي وماءَ عين، وانتشينا بأحاديث في الوضع السياسي والثقافي بأصيلا، وكأنها باتخاذنا إياها موضوعا للحوار تدعونا دعوة للعودة، وتستعجل رجوعَنا إلى حضنها الكبير جدا إذا قيس بقياس ما نجده فيها من راحة وسكينة، لا بمقياس ما يجده فيها بعضُ الناس من ضيق واختناق، وسبحان من يجعل المكانَ الواحدَ نعمةً لشخص ونقمة لشخص ثان!!

شبعنا أكلا، وما شبعت نفوسنا من جمال "الزرقاء"، ولكنَّ اقترابَ المغيب داع للرحيل. دعوتُ مصطفى إلى شرب قهوة في مقهى قريب من "فندق بريستيج" بتطوان، واستحضرتُ وأنا أختار المكان أمسية ثقافية داخل الفندق نظمها نادي عبد القادر الشمشام بتطوان، و شاركت فيها بتقديم قراءة في كتاب للأديب والعالم الدكتور قطب الريسوني حفظه الله. وسألت نفسي ونحن جلوس بالمقهى: هل أشرب الآن قهوة أم أشرب لحظة ثقافية متميزة جمعتني بأستاذي الدكتور عبد اللطيف شهبون، وبالسادة الأساتذة حسن اليملاحي، ومحمد الفهري، والطاهر الطويل، والعزيزة الشمشام، وسعيد يفلح العمراني، وجلال راغون، وبدر العمراني، والبراء الوراكلي، وحليمة المرابط، ومحمد نور بنحساين وآخرين!؟

بعد قهوة مُحَلاة بلذة اللقاء الثقافي وبمجالسة صديقي مصطفى انطلقنا نطوي المسافات إلى أصيلا التي دخلناها ليلا فرحين بلقائها وبما عشناه خارجها من ساعات سعيدة، ولله الحمد والشكر.

***

أبو الخير الناصري

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5849 المصادف: 2022-09-10 02:18:21


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5926 المصادف: السبت 26 - 11 - 2022م