أقلام ثقافية

فوزية بن حورية: اعترافات كاتب

في قاعة محمد العروسي المطوي باتحاد الكتاب التونسيين يوم 16 فيفري 2024 وقعت جلسة ادبية موضوعها "السردية في النص" تراسها الأستاذ الشاعر لطفي الشابي مدير نادي القصاصين وقد حضرها جمع محترم من الروائيين والقصاصين والشعراء والنقاد.. وكان لنا لقاء مع الكاتبة "روضة قعلول" التي امتعتنا بحديثها عن تجربتها وعن مجموعتها القصصية التي تحمل عنوان "امراة بنصف وجه" وبصراحتها التي يندر مثلها في الوسط الادبي والثقافي التونسي الذي اختلط فيه الحابل بالنابل ما بعد الثورة.. تقول الكاتبة ان الكتابة ظهرت لديها فجاة ولا تدري كيف.. كما كان لنا لقاء ثانيا مع الكاتب "لسعد بن حسين" الغني عن التعريف

إلا ان هذا اللقاء كان استثائيا بكل المقاييس، ومختلفا تماما، قد كان حديثه شيقا ومتسما بالهدوء والرصانة.. رغم انه لا يخلو من السخرية المبطنة.. اثناء قراءته لأقصوصة من مجموعة يستعدّ لنشرها بدا وكانه في حالة مخاض لما يجتره ويخفيه داخل نفسه،.. فوضع ساقا فوق اخرى وكانه يبحث عن التوازن ثم اخذ يفضي بتان وبصوت فيه شحنة من شجن الحزن رغم ابتسامته الصفراء التي تبدو مغتصبة، من بين الانين.. عما خزن ويخزن بداخله من امور اقل ما يقال عنها شخصية.. ومن خلال سرده الذاتي عرفت انه في هذا النص لا يتحدث من فراغ.. او من خيال بل كان يروي او يقص احداثا ملموسة ومعيشية بحته ربما لا يعرفها إلا هو او بطل الاقصوصة.. لا تمت الى المخيال او التهيآت بشيء لا من بعيد ولا من قريب بل هي احداث واقعية صرفة حدثت في حياة البطل الخاصة والخاصة جدا.. كان من الممكن الاحتفاظ بها لنفسه.. إلا انه راى ان يطلع الناس عليها.. من هنا نستنتج لماذا قصص الكاتب "لسعد بن حسين" لا تزال تلاقي رواجا كبيرا.. وحظوة لدى المترجمين والمخرجين السينمائيين التونسيين لانه كاتب واقعي يستمد نصوصه من واقعه الحياتي، المعاش ومن تجاربه الشخصية، لا يلجا الى الخيال مثل اغلب الكتاب.. كما عرفنا انه يكسب درجة عالية من العناد النفسي او كما يقال بالعامية "صحة الراس" الذي يسكنه ويتصارع معه.. حيث ان هذا العناد يظهر جليا في قوله انه ذهب الى الطبيب وكيف نبهه بظهور خط برتقالي فجاة منبها ان بينه وبين الاصابة بمرض.. مسافة قصيرة جدا.. إلا انه ظل يدخن السجائر الى اليوم.. ورغم مقاطعته للبضائع الامريكية بقي يدخن كل صباح سيجارة اماريكية لانها خفيفة!.. أما بقية اليوم يدخن سجائر محلية لانها ثقيلة.. هنا تتجلى نفسه الماردة التي تتصارع بداخله.. والمسيطرة عليه فتظهر في التناقض مع ما يريد وما لا يريد.. وصراحته الجريئة التي طفت على السطح رغم اننا في زمن مقاطعة السلع الامريكية والاسرائيلية يمكن ان تنتج عنها مضايقات قد لا تحمد عقباها!..

بالرغم من مظهره الذي يعطي للوهلة الأولى انطباعا بانه متواضع جدا وبسيط للغاية.. ويوحي بانه انسان ثابت ورزين.. إلا انه لا يثبت في جلسته ورجلاه متشابكتان الواحدة فوق الاخرى وهو دائم التقلب تارة يميل الى اليمين وتارة الى اليسار.. إلا ان خلف هذا المظهر تختفي شخصية عنيدة.. قليلة الكلام.. وربما المغرورة المبطنة بالبساطة في هيئته.. إلا ان الكاتب حين يتكلم لا يترك مجال الكلام لغيره.. ولا المشاركة مع انه يرى الطرف المقابل يحاول مناقشته إلا انه يتجاهل الاصبع المرفوعة ويواصل حتى ينتهي من الكلام.. هنا نفهم انه من النوع الذي يستولي على مساحة الحديث.. او لنقل وقت الحديث.. وقد يكون من الذين لا يقبلون الحوار البتة او النقاش وهذا يعد نوعا من السلوك الدكتاتوري.. او الاستبداد الحواري.. وحتى لا نقول حب السيطرة على الموقف.. يذكرك بالرجل السيد الرجعي القديم الذي يمسك العصا ولا يتحكم بها سواه..

ان الكاتب في الحقيقة كان يبث في اقصوصته لواعج نفسه للسان القلم ثم للورقة ويشرّك القراء سيرته الذاتية وما يتفاعل ويتعامل بداخله.. وعله في نفس الوقت اراد ان يسدي نصائح للقراء.. فاخذ من نفسه انموذجا ومثالا حتى لا يقعوا في الخطا الذي وقع فيه.. حيث ان الكاتب اعترف اعترافات ضمنية مصحوبة بنقد ذاتي فيه صرامة مخفية لسيرته الحياتية في اسلوب خفيف فيه نوع من السخرية.. لقد برهن من خلال الاقصوصة انه كان موبخا لنفسه في قالب نقدي ذاتي.. كما انه ناقم عليها بل لنقل ساخط عليها وعلى تصرفاته، مقرا بانه انسان عنيد جدا وعصبي من خلال رفضه الاقلاع عن التدخين.. وهذا ظاهر جليا في اعترافه بانه " رغم مقاطعته للسلع الامريكية إلا انه كل صباح يدخن سجارة اماريكية لانها خفيفة" وبوصفها نعرف انه كان يبحث عن تعلة واهية يرضي بها نفسه لتدخين السجائر الامريكية رغم المقاطعة التي اصرها.. كما اننا من خلال الاقصوصة ايضا نجد الكاتب غير راض على تصرفاته فهو يوبخها ويؤنبها وذلك في تصريحه الذي قال فيه انه تزوج ثلاث مرات وطلق ثلاث مرات، وكانه متعجبا من حاله تلك.. إلا ان المرة الثالثة كانت مغايرة تماما لان زوجته الثالثة كانت حامل في شهرها الثالث حين طلقها.. وهنا يبدو جليا انه من الرجال الذين يخلون بواجباتهم الاسرية وإلا هل يعقل ثلاث زوجات لم يجد مع احداهن الانسجام والتفاهم!.. والراحة!.. والهناء!.. والدفء العائلي والحب!.. والسعادة الاسرية!.. والاستقرار!.. وهنا نتساءل هل كان يبحث عن زوجة سي السيد التي ترضي عناده.. ونفهم ايضا انه كان متفرغا تفرغا لا نقل كليا بل شبه كلي لحياته الشخصية المتمثلة في انغماسه في الكتابة،.. ربما يدري وربما لا!.. وربما يشعر انها ميدان حياته وعالمه الرحب الفريد المزروع والمغروس،.. والمطرز بالحروف.. والنقاط،.. والفواصل،.. والكلمات.. عالمه الخاص والخاص به جدا.. كما اننا من هذا السلوك ندرك انه كان زوجا مهملا لحياته الاسرية.. ولابوته وتاكد لنا هذا حين صرح في فضفضته التي اعترف فيها اعترافا صريحا بانه كان مهملا لنفسه واخطا في حقها خطا جسيما تمثل في طلاقه لزوجته الثالثة وهي حامل في شهرها الثالث ومع ذلك لم يسال عنها!.. ولا عن مصير الجنين الذي في بطنها!.. والمعروف علميا ان الجنين في مثل هذه الفترة الحساسة يكون عرضة للاخطار منها الاجهاض وهذا ليس بالخفي إلا انه ظل مهملا لها ولجنينها الذي هو في الاصل ابنه الوحيد والبكر.. حتى انه لم يحضر ساعة ولادته!.. ولا لحظة ختانه!.. لذا نستخلص من كل هذه الاحداث والاعترافات انه نادم شديد الندم خاصة حين يقول بكل اسف وعبارات تقطر حزنا «انه لم يتعجب من عدم حب ابنه له» وذلك عائد لعدم وجود الروابط العائلية!.. والابوية!.. والمحبة المتبادلة بين الاب وابنه الوحيد!.. والدفئ العائلي الرابط بينهما!.. واكتشف ان لا شيء يربطهما سوى الدم واللقب واسم الاب.. انه يوبخ نفسه بل يعذبها لانه ادرك تمام الادراك انه اخطا في حق نفسه.. وفي حق ابوته لابنه!.. وبذلك ضيع اجمل الفرص التي يتمناه كل انسان في حياته.. لذا لم ينعم بالحياة المستقرة!.. وفرط في الحياة الاسرية باستهتاره واهماله لها وبعدم اعطاء الاولوية لها وجعلها في الدرجة الثانية وربما الثالثة وربما الاخيرة وربما لم يكن لها اعتبارا ولا معنى في حياته اصلا وهذا ما انجر عنه الانفصال عن ثلاث زوجات!.. ومازاد اقراراه بانه اب مهمل.. يظهر هذا الندم والتوبيخ والتحسر الخفي في اقراره بانه فاشل.. ليس هذا وحسب بل هو ايضا انسان متناقض مع نفسه حين يقول انه لا يعد نفسه كاتبا إلا انه يحب ان يقدم نفسه للطرف المقابل بانه كاتب!.. متناقض حتى مع ما يريد وما لا يريد ويسمي نفسه فاشلا لانه لم ينجح في حياته الاجتماعية وذلك بتحطيمه لحياته الاسرية واخطا في حق ابنه في الابوة والتمتع بها.. احساس بالذنب الفضيع يطارده كنفسه المصارعة له..

***

الكاتبة: فوزية بن حورية

 

في المثقف اليوم