أقلام فكرية

الأم.. مريم العذراء (6)

سامي عبد العالشكلّت مريم العذراء نموذجاً إنسانياً لم يكن مألوفاً في المجتمعات البشرية. وبطبيعة الحال كان نموذجاً أساسه المرأة وصورها المختلفة. المرأة كطبيعةٍ، المرأة كفكرةٍ، المرأة كحقيقةٍ، المرأة كمعنى، المرأة كرمزٍ، المرأة كفعل، المرأة ككيانٍ، المرأة كحلم، المرأة كفاعل، المرأة كأصل لا فرع، المرأة كوجود مقدس، المرأة كمصدر إلهي، المرأة كنوع من الإلهام، المرأة كغاية. إذ على خلفية دلالة مريم العذراء ومركزيتها، ظهرت النسوية المسيحية تخصيصاً، ثم تشكلت عبرها المعرفة اللاهوتية النسوية feminist theology إجمالاً. وسواء أكان الموقفُ من الأديان سلبياً أم إيجابياً، فإن توجهات النزعة النسوية على الجانبين أصبحت بالغة الأهمية في الفلسفة المعاصرة.

ليست النسوية المسيحية اتجاهاً فكرياً واحداً، لكنها عدة اتجاهات فلسفية لاهوتية نشأت في الثقافة المسيحية التي تشبعت بالرموز الأنثوية والأمومية للسيدة العذراء. ثقافة أفرزت تفسيرات مختلفة للعالم والحياة ولثنائية الذكر والأنثى وما يمكن أنْ يترتب عليها من تاريخ مغاير. وليس هذا فقط، بل وضعت سرديةً مزدوجة (دنيوية – ميتافيزيقية) يطمئن إليها الإنسان بالنظر إلى نفسه. لم يعد يرى فيها انعكاساً بيئياً أبوياً بقدر ما يجدُ تحولاً في المنطلقات والآفاق والقضايا. وهذا لم يكن أمراً سهلاً على إنسان المسيحية أو أنه أمر يمس حياته مساً خفيفاً من الخارج. لكن على أي حال بات تراث التمييز بين المرأة والرجل موضوعاً للشك والتساؤل، منذ أن جاءت العذراء مركزاً للمسيحية، وربما منذ أنْ كانت بذرة واعدة ضمن هذا التراث إلى أن اصبحت شجرةً عملاقةً.

أخذت النسوية المسيحية طريقاً مختلفاً (غير أبوي non patriarchal) لتعزيز مكانة المرأة وتغيير الذهنية البشرية المتشبعة بالإقصاء والاستبعاد تجاه الأنوثة. وطرحت أفكاراً إنسانية مفتوحة open human ideas لتحليل مواقع النساء والتأكيد على المساواة بين الرجل والمرأة روحياً وأخلاقياً واجتماعياً وإبراز موقفهن على صعيد المكانة من المنظور المسيحي. فلئن كانت هناك (سلطة دينية) من نوعٍ ما، فليست المرأةُ بحال من الأحوال هدفاً لها، بل علي السلطة أن تفسح المجال لوجودها الروحي الحر بالضبط مثل الرجل.

خاصةً وأنَّ الأساس هو وجود العذراء كفعل أنثوي بالضرورة في الديانة المسيحية. لم تكن المرأة في شخصية العذراء حدثاً عارضاً، مثل نساء الأنبياء والصالحين والحكام من قبل أو من بعد، لكنها كانت إمرأة مقصودة لذاتها ولوجودها الروحي والميتافيزيقي والطبيعي جنباً إلى جنب. إنَّها المرأة الرمز بكامل المعنى. وهو ما جسد حركة مختلفة للثقافة الإنسانية مبعثها اللاهوت أو هكذا يجب أنْ تكون. صحيح أنَّ مريم العذراء كانت إنساناً محدود القدرات أمام الثقافات الذكورية، غير أنها بعد أن مثلت أصلاً لاهوتياً لم تعد كذلك كياناً مقيداً. لأن جانباً رمزياً طاغياً فيها قد غيَّر وجه المرأة دون رجعةٍ، فلم تعد جندراً قابلاً للمقايضة مع جندر آخر، ولم تعد عنصراً مفرداً يزيح العنصر الآخر لأخذ مكان صغير بجواره.

منذ واقعة مريم العذراء وهي في طريقها إلى أنْ تكون مرجعاً لنمط جديد من التفكير الفلسفي. ولذلك لم تكن الأنثى مجرد مودة طارئة على أعتاب ما بعد الحداثة حين بدأت تنتشر ظاهرة النسوية في ربوع الفلسفة والأديان والفكر السياسي وأخلاقيات البيئة والعلوم والدراسات الثقافية والفلكولورية، لكنها انتقلت من الهامش إلى المركز[1]. ثمة تأسيس لاهوتي بفضل مريم العذراء كان محطة مفصلية في تحول النسوية إلى تلك المجالات، وكانت (نقطة مكثفة) لتقنين ماذا يراد من المرأة في هذا العصر، وبأية قوى يمكن لها أن تعبر عن الحياة والمجتمع. لأن العذراء جاءت من المصدر الديني الذي يتحاشاه تاريخ الحداثة حتى الآن، حين تتنكر الأخيرة لوضعية الايمان المتعال وحين تنظر إلى تجليات التاريخ كحقيقة أولى ليس أكثر.

كانت رمزية العذراء أكثر (تأثيراً فلسفياً) من تلك الزاوية المجهولة، لأن (العذرية والبراءة والأنوثة) مثلت منطلقاً لفهم الواقع من جديد، وذهب البعض إلى أنها أعادت حتى فهم التراث اليهودي الأبوي في تقديم الذكر على الأنثى مثل موضوع (الذبيح الإبراهيمي) الشهير. حين أمر الله أبو الأنبياء ابراهيم بذبح ولده اسماعيل، ولم يتوان إبراهيم عن تنفيذ أمر ربه، وكان موضوع الذبح في تلك القصة هو الإبن الذكر، ولم يكن أنثى كما هو معروف. فهل كان ذلك مصادفة تاريخية أم أمراً له طبيعة خاصة؟ ثم جاءت مريم العذراء وكان ابنها المسيح قد صلب كفداء للبشرية مثلما عبر عن ذلك لاهوت الصلب والفداء في تاريخ المسيحية. حتى أن هناك ما اعتبر العذراء مصدراً لخلاص مرتبط بالمرأة[2].

هذا التفسير يمس طبيعة الجندر(النوع  gender) الضارب بجذوره في الأديان حتى اللحظة. فالنسب والأصل بين الناس يظهران الجوانب الاجتماعية القائمة على المسألة، إذ تؤدي دوراً خطيراً وعاماً لا دوراً ثانوياً. لدرجة أن نانسي جاي  Nancy Jay قالت بأن الدوافع وراء عملية التضحية في قصة الذبيح كانت مرتبطة بتحديد الفروق بين الجنسين كما فهمت المجتمعات واتجهت دلالتها في النهاية لصالح الذكور لتدعيم دستور الأب the constitution of a patriline [3].

وجود العذراء يعني أنَّ الأنوثة مرجعيةٌ مفتوحة على الآخر باستمرار، فقد كانت سبباً في ميلاد المسيح الابن، وكذلك كانت متفردة لدفع العلاقة بالحياة والناس، لأنها أتاحت النعمة الإلهية – الإنسانية لكل البشر. هي لون جديد من إتاحة الضيافة hospitality إنْ صح التعبير لمن ضل طريقه في جوانب الواقع. وإذا كانت اليهودية ترحب بالأبناء الذكور البكر تحديداً، فالمسيحية المستندة إلى مريم كانت علامة لجرعات من العطاء الوافر للجميع، وبخاصة أن المرأة لا توجد إلاَّ بوجود المزيد من الحياة سواء في شخص الأبناء أم في شخص المجتمعات[4].

من ثمَّ، تجادل الفلسفات النسوية المسيحية بأن اسهام النساء والإقرار بقيمة المرأة في المجتمع يُعد شيئًا ضرورياً لفهم الوجود الإنساني فهماً حيقياً.  فالأنثى أحد تجليات الوجود المحيط بنا، وما لم تُؤخذ في الاعتبار، فلن يكون هناك أيُّ فهم ولا أي إثراء لهذا الوجود. ويعد إهمالها بمثابة إسقاط لجانب أكثر حيوية من حقيقتنا المشتركة نحن البشر. كذلك تعتقد فلسفات النسوية المسيحية أن الله لم يميز بين البشر (ذكراً وأنثى ..) على أساس الخصائص المحددة بيولوجياً، مثل الجنس والعرق واللون والتكوين الفسيولوجي، بل خلق جميع البشر ليحيوا في عدالة وئام ومساواة وحرية، بقطع النظر عن اعراقهم أو نوعهم الجنسي.

دعت النسوية باختلافها، على نحو عام، إلى مناهضة النزعة التأصيلية رجوعاً إلى الهوية الجنسية كجزء من أنظمة المجتمعات القائمة على تشغيل الفوارق بين الجنسين. وإذا كان ذلك صحيحاً، فإن الهويات الجنسية لا تستلزم بالضرورة وجود مجموعة معينة من السمات الشخصية التي تحدد كيفية التعامل مع أصحابها. أي ترفض تلك الفلسفات بناء الجندر الإجتماعيsocial gender كغطاء يحدد: كيف يتم تعامل الناس مع النساء أو الرجال، مما يترتب عليه انتشار العنف الجمعي والثقافي طويل الأمد ضد المرأة.

ولم تكن تفرق النسويات المسيحية في مقاومة العنف ضد النساء بين مجال وآخر، بين فكرة وغيرها، بين عصر وعصر آخر. وهذا كان تحولاً فلسفياً جديراً بالاهتمام، ففي كل المجالات أظهرت تلك الفلسفات أنواعاً متباينة وعميقة الجذور من إقصاء المرأة وكشفت عن وجوه متباينة من تلك القضية. ليس أوضحها التعامل المباشر مع النساء، بل قد يكون هناك إقصاء رمزي وسردي يقعن في حبائله. لأن استعمال اللغة والخطابات بطريقة التقليل من شأن المرأة يمثل أداة عنف بالدرجة الأولى. وربما يمثل الأداة الرئيسة التي ترسم صورتهم على نطاق واسع ومتوارث من جيل إلى آخر.

هناك قضايا أساسية في الفلسفة النسوية المسيحية منذ أن ظهرت فكرتها، مثل إعطاء المرأة مكانتها اللائقة في الرتب الدينية المهمة في إقامة العبادة والطقوس. وكذلك مناقشة المساواة المسيحية في الزواج والعلاقات بين الجنسين والأسرة وتربية الأبناء والمسئوليات المشتركة. وتباعاً طرحت مسألة الاعتراف بالمساواة في القدرات الروحية والأخلاقية والحقوق الإنجابية التي تهم المرأة والرجل معاً. وناقشت الفلسفة النسوية في هذا الباب إدراج القيم والوجوه المحايدة بين الذكر والأنثى ضمن قراءات الكتاب المقدس[5].

ولإحداث توازن أمام الصورة الطاغية للذكر، أخذت بعض اتجاهات النسوية في البحث عن ألوهية أنثوية أو عن ألوهية متعالية جنسانياً، لا تنتمي إلى هذه الصورة ولا تلك. وتستند النسوية المسيحية، في غالب الأحيان، إلى تعاليم وشرائع الديانات والأيديولوجيات الأخرى التي تخدم هذه الأهداف والتحليلات، بالإضافة إلى الإفادة من تفسيرات الكتاب المقدس وغيرها من النصوص المسيحية المؤثرة على مر التاريخ والتي تدعو إلى حقوق المرأة.

لقد شهدت النسويات المسيحية ولادة صور روحية جديدة وخطابات المقاومة التي تمكّن المرأة من الحياة الحرة. نشأت الموجة الأولى من الدراسات النسوية في الدين في محاولات النساء في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي لتحدي التمييز على أساس الجنس في المجالات الدينية والأكاديمية التي طالما هيمن عليها الرجال. لأن المعركة ضد المواقف والممارسات الأبوية في التقاليد المسيحية أصبحت عاملاً محددًا مبكرًا إستناداً إلى شروح ورؤى حول حياة السيدة العذراء[6].

على أثر ذلك، نشأ ما يسمى باللاهوت النسوي  feminist theologyفي عمق المسيحية والأديان الأخرى، ولم يكن سهلاً أن يكون الأمر متاحاً لتجارب فلسفية لها أبعادها السياسية والمعرفية والاجتماعية. لقد كانت اللاهوتيات النسوية على دراية كبيرة بالصراع منذ الثمانينيات من القرن الماضي مع تقاليد المجتمع والمعرفة والفكر. بدأ نظام المعرفة الجديد يختبر الاختلافات الداخلية الخاصة به من ناحية والاختلافات الخارجية عن باقي جوانب المعرفة والفكر من ناحية أخرى. مما أدى إلى أنه لم يعد بإمكان المرء ببساطة أن يقول "علم اللاهوت النسوي "، بحيث يعني جهازاً موحدًا من المفاهيم والمصطلحات إلى حد الاعتماد على افتراض فكرة موحدة تقف بشكل معارض للنظام الأبوي. ولكن بدأ حالياً التعرف على اللاهوت النسوي المسيحي بشكل متزايد بخلاف الماضي. لقد غدا مجالاً علمياً وفلسفياً تسهم فيه رموز الحركات النسوية وبعض الفيلسوفات الأوروبيات والأمريكيات. بالإضافة إلى غيرهن من اللاهوتيات النسوية اللاتي كن يعملن بسرعة على تطوير خطاباتهن وأفكارهن ومشاركاتهن في أنشطة المجتمعات المتباينة[7].

وهكذا، فإن اللاهوت النسوي ظهر بمكانة مؤسساتية جديدة نسبياً في مجال اللاهوت المسيحي. ولقد تنوع وأغنى- من وجهة نظري – بواسطة اختلاف منطلقاته وأهدافه عن نظام المعارف والفلسفات القائمة. وكانت سردية السيدة العذراء قد أمدته برصيد وافرٍ من التميز والتأملات التي مازال يتغذى منها انطلاقاً نحو المستقبل.

***

د. سامي عبد العال

.....................

[1]- Bell Hooks, Feminist theory : From Margin to Center, Routledge: New York, 2015, pp 1-9.

[2] - Tina Beattie , God's Mother, Eve's Advocate , A Marian Narrative of Women's Salvation , Continuum :London -New York, 2002, pp 56-60, 181- 83.

[3]- Nancy Jay, Throughout Your Generations Forever: Sacrifice, Religion and Paternity, Chicago: University of Chicago Press, 1992, P125.

[4] - Cleo McNelly Kearns, The Virgin Mary, Monotheism, and Sacrifice, Cambridge University Press, 2008, P305.

[5] - Silvia Schroer & Sophia Bietenhard(Editors), Feminist Interpretation of the Bible and the Hermeneutics of Liberation, Sheffield Academic Press Ltd, London. 2003.

[6] - Margaret D. Kamitsuka, Feminist Theology and the Challenge of Difference, Oxford University Press, Oxford- New York, 2007,  p 3.

[7] - Margaret D. Kamitsuka , Feminist Theology and the Challenge of Difference, pp 3-6.

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5824 المصادف: 2022-08-16 01:37:35


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5876 المصادف: الجمعة 07 - 10 - 2022م