أقلام فكرية

نجم السراجي: مفهوم الظل

يتجه الظل لصفات الحركة حسيا ولصفات البقاء والوجد معنويا ليحتل مكانة متباينة في نفوس الناس على اختلاف ثقافاتهم وميولهم الوجدانية لتنعكس على خيالهم وتصوراتهم وإلهامهم ليبدعوا في مجالات كثيرة ثقافية وفنية وأدبية وعلمية وأقيمت على أساس ذلك المعارض الفنية والحركات المسرحية القديمة والحديثة وقيلت في وصفه عشرات القصائد الشعرية وقد لا تخلو رواية من ذكره إلا ما ندر لأننا حين نتأمله سنجده يوائم بشكل ما مزاجنا التأملي ويلازم خيالنا فنجد في مساحات الظل الرمادية أو المعتمة شيء من الوجد وتأمل في الوجود وكأنها صدى لهذا الوجود .

رغم أن الظل كائن متغير تابع بطبيعته فلا وجود له قبل وجود مصدر الضوء ويتكون بحجب الضوء عن منطقة معينة فتتباين شدة الإضاءة بين منطقتين ويكون الضوء والظل.

قد يفتقد الظل مقومات الحياة المادية التي تختص بها جميع الكائنات الحية إلا أن بعده المعنوي يتمتع وبشكل قطعي بمقومات هذه الحياة ورغم انه لا يرى إلا من خلال العين حيث أن مستقبلات الحواس الخاصة عند الإنسان كالسمع والشم والذوق واللمس لم تستطع من إثبات وجوده إلا أن العين انفردت بهذه الوظيفة والمسؤولية والشرف وتميزت بقدرتها على إدراك وجوده وخلق هذا الشعور بالانسجام والاتِّفاق والتفاهم بين الظل والعين كما أشار الى ذلك العالم والفنان الإيطالي ليوراندو دافنتشي صاحب لوحة الموناليزا بقوله:

ـ إن الألوان مصنوعة من ضوء وظل تمثيلا للكيان الإنساني المكون من جسد ونفس.

وقيل:

" الألوان هي شكل الأشياء ولغة الضوء "

واللغة كلام مسموع مثل لغة الكلام ولغة الموسيقى ولغة مرئية مثل لغة الإشارة والإيماء ولغة وجدانية مثل لغة الهوى فقال أمير الشعراء أحمد شوقي:

ـ وتعطلت لغة الكلام وخاطبت عينيَّ في لغة الهوى عيناك.

وهناك أيضا لغة الصمت والحدث الذي تعجز الكلمات عن تبيانه ويُدْرَكُ بالصمت والصمت لغة الفكر ولسان الحكمة وموقد العشق...

ولأن الظل كائن يمتلك مقومات الحياة برمزيته ومفاهيمه الفكرية والشعورية والإيمائية ومستويات عمقه فأن َ الفيلسوف الألماني Gute   حَدَّثَ عن العلاقة والتناسب الإيجابي الطردي بين كم الضوء الساقط وعمق الظل فقال:

" حيث يكون الكثير من الضوء يكون الظل عميقا "

وفي هذا القول الكثير من رقي الحكمة وهو قانون يدخل ويتجسد في مختلف مجالات الحياة والفكر فمثلا يمكن القول على غرار تلك الحكمة:

ـ حيث يكون الغدر يكون الألم عميقا

ـ حيث يكون التفاني يكون العمل

ـ حيث يكون النقاء يكون الإحساس عميقا والظل عمق والعمق من أهم عناصر الإبداع الذي يفوق الوصف وهو أمر بعيد الغور عصي ّ على الفهم وفِطْنَة واستدلال ودرب يسلكه  من رام وتاقَ ورجا  رحلة الكمال لإدراك كنهه وخفاياه .

قالوا:

" إذا وجدت الظل فاعلم أن الضوء أمامك"

وهنا درس آخر في التأمل والنظر الى الأمام صوب الضوء والأمل والسعي والتفاؤل واليقين بأن تقلب الليل يتبعه فجر وجانب مشرق بالتركيز على أول خطوة وتخطيها بالثانية والثالثة لنعيش اللحظة ونمتلك أسرارها ونروض قلوبنا لتتسع للحب و السَخَاء ويتحرك الزمن من خلال سعينا ونقترب من الحقيقة ويكون التيار والعطاء. أما اذا انكسرت النظرات ورضخ الإنسان الى السكون والنظر الى الأرض وفقد القدرة على رفع راسه فسيعيش هذا الكائن ببعد واحد خالٍ من المحتوى والجوهر بلا امل بلا فكر بلا عطاء أو نجده في موقف آخر مغاير ينتابه السأم ليعكس أزمة من أزمات الإنسان والزمان والتي عبر عنها الشاعر المصري صلاح عبد الصبور بقصيدة " الظل والصليب" فيقول: هذا زمن السأم  ويتابع فيقول:

لا عمق للألم

لأنه كالزيت فوق صفحة السأم

لا طعم للندم

لأنهم لا يحملون الوزر إلا لحظة

ثم يستحضر الظل بمضامين إيحائية رمزية فكرية والكثير من السأم الوجودي والرفض فيقول:

أنا الذي أحيا بلا أبعاد

أنا الذي أحيا بلا آماد

أنا الذي أحيا بلا ظل ... بلا صليب

أنا رجعت من بحار الفكر دون فكــر

قابلني الفكر، ولكني رجعت دون فكــر

أنا رجعت من بحار الموت دون موت

حين أتاني الموت لم يجد لدي ما يميته

وعدت دون موت

أبعاد الظل

1 ـ البعد التجسيدي

هو الانسجام بين الضوء والظل فمثلا رسم وجه إنسان كتخطيط سوف يعطينا وجه إنسان ببعدين خالٍ من الحيوية والجاذبية في حين إضافة الضوء والظل سوف تمنحه الحيوية والحياة بأبعاده الثلاث والتجسيد

البعد المعنوي المتمثل بقانون " الجذب الفكري "

وهو الأيمان بأن الطاقة الإيجابية تساعد الإنسان على العطاء والعمل والإبداع والصحة والكسب الصحيح أما الإنسان السلبي فهو كثير التشاؤم قليل الإنتاج يحيطه الملل والإحباط وفقدان الأمل فينعكس هذا السلب على صحته الجسدية والنفسية

2 ـ بعد التلازم والمصاحبة وحمل التناقض:

ملازمة الظل للضوء وبشكل دائم مبني على أساس التلازم والتضاد والتنافر في الاستعارات فالظل نقيض الضوء وهذا التناقض له دلالاته في الحياة كباقي تناقضات هذا العالم التي تمنحه الحركة عبر صراع الأضداد فلكل ضده يقيه أو يعارضه وكل نفس بشرية تحمل ضدها بل تحمل جميع المتناقضات في الكون وتنعكس هذه الرؤية على باقي مجالات الحياة كالأدب وأجناسه ، فقصيدة الشعر التي تحمل مثلا تضادا في المعنى أو في التوقيت والزمن أو في اللون أو في دواعي الوضوح والغموض أو التشبيه بذاك النقيض أو أن يكون التناقض والتضاد في النفس الواحدة كما جاء في أشعار أبي تمام ( نوافر الأضداد) وأشعار المتنبي وكلاهما اعتمد فن التضارب وجمع الأضداد وكلاهما ابدع:

يقول المتنبي:

"أعذب الشعر أكذبه"

والكذب هنا ليس عدم قول الصدق، بل يعني التناقض وخاصية التناقض هي التي تمنح الشعر تلك العذوبة فيقول:

وعقابُ لبنانٍ وكيف بقطعِها

وَهْوَ الشتاءُ وصيفُهنَّ شتاءُ

لبس الثلوجُ بها عليَّ مسالكي

فكأنَّها ببياضها سوداءُ

............

دانٍ بعيدٍ، محبٍّ مبغضٍ، بَهِجٍ

أغرَّ، حلوٍ ممرٍّ، لينٍ شرسِ

3 ـ البعد الديني والعقائدي

العيش في ظل الاله والإيمان به وكل إيمان يصحبه شك وهناك قصة المرأة العجوز التي مرت يوما بالإمام الرازي   وهو في الشارع وكان تلاميذه يمشون وراءه بالعشرات ما يقول كلمة إلا ويكتبوها ، فتعجبت العجوز من هذا الذي وصل إلي هذا المستوي ، فنادت العجوز علي واحد من التلاميذ وقالت يا ” يا بني من هذا ” فغضب .. غضبا شديدا

وقال أما عرفتيه؟ هذا الإمام الرازي الذي عنده ألف وألف دليل علي وجود الله تعالى .

هنا قالت العجوز قولتها العجيبة والشهيرة:

" يا بني لو لم يكن عنده ألف شك وشك ما احتاج لألف دليل ودليل، أفي الله شك؟

فلما بلغ هذا الإمام الرازي قال:

" اللهم إيمانا كإيمان العجائز"

4 ـ بعد الخلود:

ظل الأشياء والكائنات لا تنتهي إلا بموت الأشياء وتأتي هنا فكرة البقاء والخلود للظل فمثلا الشخصيات المؤثرة في التاريخ كالملوك والأنبياء والعلماء والحكام تموت ويبقى ظل اسمها وبصماتها خالدة فمثلا مات غاندي وبقي ظل اسمه في ذاكرة الهنود وكل العالم وكذلك مع جيفارا وهتلر بيكاسو وهكذا،

5 ـ البعد الأسطوري والخرافي:

الظل مقدمة للظلمة التي هي نقيض الضياء وخلق هذا المفهوم بعدا أسطوريا للظل في الوعي الإنساني فصار قرين الغموض والموت والأسرار عبر حضارات مصر وحضارات اليونان القديمة واستخدم مصطلح " ارض الظلال" للإشارة الى العالم الآخر السفلي الذي ينتقل اليه الموتى فعند اليونان كانت ارض الظلال مجمعا للأرواح الشريرة تعاني فيها أنواع العذاب، أما عند المصريين فأرواح الموتى تتجه صوب الغرب حيث تختفي الشمس هناك ويحل الظلام.

وفي العصور الوسطى كان الحكام وهم من طبقة النبلاء يحاكمون خيال النبيل (ظله) كأجراء تحايلي يجنب طبقة النبلاء الأذى الفعلي.

أما طبقة الكهان فظلهم الممدود على الأرض مقدس والخطو عليه خطيئة كبرى تستوجب العقاب حيث أن ظل الكاهن يمثل الامتداد الروحي لجسمه.

6 ـ البعد الفني والرمزي:

الرمز قبل كل شيء ومعنى خفي وإيحاء وانه اللغة التي تبدأ حين تنتهي لغة القصيدة كما يقول الشاعر " أدونيس" وان له القدرة على استفزاز فكر المتلقي وخياله للبحث عن الدلالات وما تخفي السطور.

أما قيمة الظل الفنية فقد ابتدأت بصنع ظلال على نمط حيوانات منذ سخر الإنسان يده وأصابعه وفكره لتتفاعل مع الضوء الساقط وصناعة ظل تشبه بأشكالها بعض الحيوانات لتتطور الفكرة عبر الزمن وتصل الى أفكار أكثر نضجا في مسرح الظل باستخدام الدمى لترسم بمضمونها قصص الصراع الأزلي بين الخير والشر ولتتطور من عروض تسلية الى رسم خطوط وصراع قوى كسلوك أخلاقي تعليمي .

هناك أبعاد أخرى للظل يمكن تعدادها باختصار:

ـ البعد الاجتماعي: العيش في ظل العائلة والمجتمع والحاكم

ـ البعد الاقتصادي: العيش في ظل الأزمات

ـ البعد القانوني والسياسي: العيش في ظل القانون والعيش في ظل الأحزاب

البعد الشخصي: العيش في ظل الأمجاد

إن الفتى من يقول ها أنذا

ليس الفتى من يقول كان أبي

***

الدكتور نجم السراجي

المدير والمؤسس لمجلة ضفاف الدجلتين الأدبية المستقلة 

لندن   31.07.2023

في المثقف اليوم