أقلام فكرية

حاتم حميد محسن: مبدأ عدم التأكد وفشل السياسة العامة

يؤكد مبدأ عدم التأكد لللفيزيائي الالماني فيرنر هايزنبيرغ ان موقع وزخم حركة الجزيء، مثل الالكترون لا يمكن ابداً ان يُعرفان بدقة كاملة في نفس اللحظة، بسبب ان أي محاولة للتحقق من احدهما بالضرورة تغيّر الاخرى. باختصار، الملاحظة ذاتها تغيّر ما يُلاحظ.

شيء من هذا القبيل يحدث ايضا في مجال السياسة الاجتماعية. أي ان محاولة حل بعض المشاكل الاجتماعية تجعل المشكلة ذاتها غير قابلة للحل لأن الحل ذاته يصبح من بين الظروف التي تؤدي الى المشكلة في المقام الاول. بهذا تكون السياسات العامة public policies بطبيعتها معيبة.(1) وهذا بلاشك ليس حقيقة ثابتة. بعض السياسات العامة قد تعمل بشكل أفضل او أسوأ مما قُصد بها. مع ذلك، يبقى مبدأ (اللّايقين) يعمل بانتظام كاف لدرجة انه يشكل تهديدا  دائما لأي محاولة في تغيير الهندسة الاجتماعية. بالطبع، ما هو شائع عموما من التجربة ان تنفيذ السياسة الاجتماعية التي قد تبدو اتجاها واضحا في بدايتها، سوف ينتهي بها الامر الى التعثر واحيانا الى فشل تام – لكن توضيح هذا لم يُفهم بشكل دقيق. ان توضيح هذه المشكلة يتم من خلال مبدأ اللّايقين principle of uncertainty.

يمكن توضيح هذا باستخدام عدة أمثلة نبدأ بأبسطها:

1- طريق سريع ذو مسارين يصبح بمرور الزمن اكثر ازدحاما ولدرجة غير آمن.

الحل يبدو بتوسيع الطريق الى أربع مسارات. لكن السائقين عندما يكتشفون الراحة في هذا الطريق المحسّن سيندفعون نحوه وبالنهاية يصبح مزدحما كما كان في السابق.

2- احدى الجامعات تقرر البحث عن بعض الوسائل لتقييم المهارات التعليمية في الجامعة.

جرى اعتماد طريقة تقييم زملاء العمل، وتستلزم قيام الكلية بزيارة كل صف من الصفوف  وتسليم تقارير حول ذلك. هنا يدخل مبدأ اللّايقين في اللعبة: الأساتذة يشعرون بالإستياء من هكذا تدخّلات ويصبح لديهم وعي ذاتي بحساسية ما يقدّمونه من تعليم ، وان القائمين بالتقييم كونهم يدركون بانهم ذاتهم سوف يُختبرون سيميلون لتقديم تقارير لامعة عن بعضهم البعض. لذا جرى اتخاذ قرار بجعل التلاميذ أنفسهم يقومون بعملية التقييم. هؤلاء جميعهم يتّبعون نفس اللعبة ولم يُعلن عن هوياتهم، في نهاية الفصل يتم إرسال  التقارير الى رئيس الكلية،حيث انها ستؤثر على المعاشات والترقيات وطلب الإجازات وما شابه. النتيجة: هي تصاعد نسب النجاح لدرجة ان معظم الطلاب حصل على الدرجة A،وان أسوأ الطلاب حصل على تقدير B ،والطلاب الذين لم ينجزوا أي شيء حصلوا على درجة النجاح C. لم يفشل أحد بل ولم يحصل أي طالب على الدرجة المتدنية  D .

3- سياسة التقاعد الحكومية:

لنفترض ان عاملا وهو من بين المساهمين في صندوق التقاعد يموت قبل استحقاقه للتقاعد تاركا وراءه أرملة. العدالة تتطلب انه طالما ان الأرملة كانت تعتمد عليه في المساعدة وتستمر في ذلك لو كان حيا، عندئذ هي يجب ان تستلم المستحقات التقاعدية المحجوزة له سلفا. لكن ماذا لو انها تزوجت من رجل آخر، وبهذا تحصل على أساس جديد للمساعدة؟ هل هي لاتزال تستحق ذلك التقاعد؟ مثل هذه المستحقات ستبدو مبالغ او مكاسب غير متوقعة لزوجها الجديد تعفيه من مسؤوليته في المساعدة. وهكذا جُعلت الحقوق التقاعدية مشروطة بعدم الزواج من شخص آخر او على الأقل ليس قبل سن الـ 55 او 60 عاما. ما يحدث هو ان النساء الأرامل تلتف على القيود عبر الدخول بعلاقة زواج جديدة دون استحصال وثائق قانونية للزواج. وهكذا فان هذا الحل يحوّل المشكلة الى شكل آخر ويصبح الوضع اكثر سوءاً.

4- قرار التعامل مع الأمهات الوحيدات:

وُجد ان النساء المنفردات في ضواحي المدن الفقيرة والمزدحمة  بحاجة لمساعدة خاصة خوفا من ان يكبر أطفالهن وهم في فقر وينزلون الى الشوارع ويرتكبون الجرائم. أحسن حل للمرأة  هنا هو ان تتزوج وتبقى متزوجة اذا كانت تنوي تربية أطفال، وبالتالي هذا يوفر لمدى معين استقرارا ماليا. الحكومة لا تستطيع خلق حالات الزواج. لذلك قررت توفير مساعدة اقتصادية خاصة للامهات الفرادى لكي لا يتوجب عليهن الإختيار بين العمل وتربية أطفالهن.(2)

وهكذا توفرت الحوافز للامهات ليبقين فرادى لكي يطالبن بهذه الحقوق حتى لو كن في علاقة زواج مع رجل يعمل ويستطيع توفير المساعدة الاقتصادية التي كانت هي الهدف من هذا البرنامج. المشكلة الان تم مواجهتها بتعيين وكلاء يقومون بزيارات غير معلنة للامهات اللواتي يستلمن الحقوق ليروا ما اذا كان هناك أي رجل يشغل دور الزوج. مجرد اكتشاف هذا الرجل يكفي لإنهاء تلك المساعدات. ماذا كانت النتيجة؟ لم يتحقق الهدف النهائي بتعزيز الزواج واستقرار العائلة، والمشكلة تفاقمت بدلا من ان تُحل.

5- قطاع الصحة العامة يشهد العديد من المشاكل، الحل لكل واحدة منها يخلق مشكلة جديدة، حتى يصبح كامل القطاع مستنقعا لا يمكن ادارته. وهكذا، في المجتمع الديمقراطي، يجب ان يتمتع جميع الافراد  بالرعاية الصحية. المشكلة يتم مواجهتها ببناء مستشفى رعاية صحية ممول تمويلا عاما، وبالتالي سيجنب كل شخص التكاليف العالية والضرورية احيانا. هذا بالطبع،يزيل قيدا هاما على ما يفرضه المستشفى من تكاليف، وبهذا ترتفع التكاليف باستمرار.

هذا التأمين جرى تمديده لاحقا لكل أشكال الرعاية الصحية بعد ان يدفع المريض سلفا مبلغا متواضعا  قبل المطالبة بالتأمين(3). الان لا يحتاج المرضى للتشاور حول ما اذا كان يتوجب عليهم اخذ اختبارات واجراءات. بعد دفع مبلغ التأمين كل شيء بعد ذلك مجانا. بعد ذلك اضيفت تكلفة طب الاسنان . هناك القليل من القيود على المرضى او الاطباء والبيروقراط المتعاقدين لإدارة تلك البرامج والذين لايهتمون بالأرقام التي يدخلونها في كومبيوتراتهم.

الخطوة القادمة هي تضمين كلفة الأدوية التي اعتُبرت ضرورية. هذه الكلفة ترتفع حالا وبشكل خارج عن السيطرة لأن كل من المرضى وشركات الأدوية يمارسون ضغطا على ممارسي الطب العام للترخيص باستعمالها وتبرير الكلفة الهائلة لها بفعل كلفة البحوث الداخلة في التطوير. لم يبق الان سوى خطوة قصيرة لتضمين الأمراض العقلية تحت هذا الغطاء. وبالتالي، فان عدد العلاجات القابلة للتعويض لهؤلاء تتضاعف لتتضمن العلاج الطبيعي مثل الاضطراب والخجل وعدم الراحة عند مواجهة الاخرين، واحمرار الوجه في الحياة اليومية. علاجات طُورت لجميع هؤلاء متوفرة فقط بترخيص الاستعمال ويتم الاعلان عنها بكثافة من قبل المصنّعين. الآن هل تم حل مشاكل الصحة العامة بهذه السياسات؟ بالطبع، الى حد ما، لكن كل حل خلق مشاكل جديدة وبالنتيجة اصبحت الرعاية الصحية بمرور الزمن مكلفة جدا ، الاختلاف الرئيسي هو ان كلفتها تقع بشكل كبير على الجمهور وتصبح أقل أو لم تُلاحظ من جانب المستفيدين منها. ما يراه المريض هو ان العلاج الطبي هو رخيص نسبيا او حتى مجانا، ولم يلاحظ الزيادة الهائلة في أقساط التأمين والضرائب.

6- المثال الأخير يتعلق بمسؤولية التأمين المتوفر لممارسي مهنة الطب العام والجراحين. هنا يعمل مبدأ اللايقين بشكل واضح جدا وبعيد المدى. الأطباء يشعرون مجبرين لإمتلاك غطاء تأمين لأن الطب هو علم غير دقيق، ووقوع أخطاء يمكن ان يهدد الرفاهية وحتى حياة المرضى. لكن مجرد وجود هذه الحماية سيخلق مشكلة بدلا من الحل بسبب العديد من العوامل. التكاليف الهائلة لا يتحملها الأطباء وانما يتحملها مرضاهم، اما من خلال اقساط التأمين  او من خلال الضرائب. ومن غير الواضح ان كانت  المشاكل تُحل في النهاية، لكن ما هو واضح جدا هو انها تفاقمت بشكل كبير. قد يرى احد ان التعقيدات الناجمة عن مبدأ اللايقين يمكن توقّعها والتعامل معها سلفا، ولكن كما يوضح المثال الأخير هذه الحلول المقصودة سوف ببساطة تخلق لايقينيات جديدة والمشاكل تبدأ مرة اخرى.

***

حاتم حميد محسن

.................

المصادر:

1- Uncertainty and public policy: why public policies always go wrong? Philosophy now 2002

2- الاقتصاد في المبادئ دراسة تحليلية في الاقتصادين الجزئي والكلي، حاتم حميد محسن، دار كيوان للطبع والنشر والتوزيع، دمشق 2008.

الهوامش

(1) ويعمل مبدأ عدم التأكد ايضا في مجال السياسة الاقتصادية والمالية للدولة من خلال ما يسمى الفاصل الزمني time lag. القرارات المهمة المتعلقة بالضرائب او الانفاق يجب اقرارها عبر مجلس الوزراء وموافقة البرلمان. وحتى لو كان الاقتصاديون متفقين على سياسة الحكومة بشأن الضرائب او اي موضوع آخر الاّ ان ذلك يتطلب المزيد من النقاش بين السياسيين. فترة التأجيل بين التأكيد الاولي على حالة الاقتصاد والعمل القانوني المطلوب لإحداث التغيير يسمى فاصل القرار Decision lag. وحينما يتم إقرار سياسة التغيير فلايزال هناك فاصل للتنفيذ executive lag فيضيف وقتا آخرا بين سن القانون وتنفيذه، وحتى عندما يتم وضع السياسات موضع التطبيق فانها عادة تأخذ وقتا أطول قبل ان تصبح نتائجها ملموسة. وبالنظر لهذه الفواصل الزمنية فانه من الممكن (وخلال الفترة التي يُتوقع ان يحدث فيها التغيير في الاقتصاد) ان تتغير الظروف بطريقة لم تعد تنفع معها السياسة قيد التنفيذ.

 (2) البحوث تشير الى ان الامهات الوحيدات يُحتمل ان يتزوجن من رجال لايساعدون في اخراجهن من الفقر، لأن هؤلاء الرجال عادة يكون لديهم اطفال من شريكة اخرى، ووُجد ان ثلثي النساء الوحيدات اللواتي تزوجن ثانية ينتهي بهن الامر الى الطلاق حالما يصلن سن الـ 44 عاما وبهذا يصبحن اسوأ اقتصاديا من الامهات المنفردات اللواتي لم يتزوجن ابدا.

(3) التأمين يدفع الناس الى مواجهة مخاطر كان يمكن تجنّبها بدون التأمين، وهذه الحالة تسمى في الاقتصاد "بالمأزق الاخلاقي" حيث تكون الكلفة الاجتماعية عالية. فمثلا لو كان لديك منزل فيه آثاث ثمينة ولم تشتري بوليصة تأمين ضد السرقة، فانك ستكون حريصا جدا على المنزل حيث ستتأكد من غلق الباب بإحكام في كل مرة تغادر فيها المنزل وتتخذ اجراءات لمنع حالات التخريب والكسر في الأبواب، فاذا قمت بشراء تأمين للمنزل فسوف تكون أقل اهتماما، واذا خرجت من البيت وتذكرت بعد عشر دقائق انك لم تغلق الباب فسوف تستمر بالذهاب لأنك تشعر لديك تأمين ضد السرقة ولا تريد ان تخسر الوقت، وكذلك في حالة التأمين ضد الحريق حيث ستتحطم المزيد من البيوت لمن لديهم حماية التأمين ضد الحريق، وهي مخاطرة كان يمكن تجنّبها لو ان الناس يدفعون تكاليف الحماية بأنفسهم. 

في المثقف اليوم