أقلام حرة

بائعة سمك تستثير الجواهري الكبير

وهو ذاهب ليشتري، مع صديقه المؤرخ والسفير والوزير العراقي المعروف فيصل السامر، سمكاً حياً، على عادة أهل التشيك، وكما هي الحال في بلادنا، وبلدان أخرى، ليعدّ منه وجبة طعام على طريقته وذائقته الخاصة... وإذ بالسمك وبائعته يبعثون لدى الجواهري دلالات وأفكاراً قد لا تخطر ببال امريء، إلا لشاعر عظيم مثل ذلك الذي نتحدث عنه...

 

والقصيدة ذات الواحد والعشرين بيتاً نموذج آخر لقدرات الجواهري الرمزية البالغة الوضوح والمقاصد... ولعلنا لا نبالغ في القول أن تلك الرائية الشهيرة تجاوزت مديات الشعر من الوصف والغزل والبلاغة إلى الفلسفة والتنوير في عديد من شؤون الحياة، وشجونها:

 

وذاتَ غَداة ٍ وقد أوجفتْ           بنا شهوةُ الجائع ِ الحائر ِ

دَلَفنا لـ "حانوتِ" سمَّاكةٍ                   نُزَوَّدُ بالسمكِ "الكابري"

فلاحتْ لنا حلوةُ المُجتلى          تَلَفَّتُ كالرشأ النافر

تـَـشـُـدُّ الحِزامَ على بانةٍ               وتفْتَرُّ عن قمرٍ زاهر

من "الجيك" حسبُكَ من فتنةٍ       تضيفُ بها رُقيةُ الساحر

فقلنا: علينا – جُعِلنا فداكِ -      بما اخترتِ من صيدِكِ النادر

فجاءت بممكورةٍ بضةٍ            لعوبٍ كذي خبرةٍ ماكر

تُنفِّضُ بالذيلِ عِطرَ الصِبا          وترمقُ بالنظرِ الخازر

تكادُ تقولُ : أمثلي تموتُ ..؟      لُعِنتَ ابنَ آدمَ من جائر ِ

أما في الصِبا ليَ من شافعٍ ..؟   أما لابنةِ "الجيك" من زاجر ِ ؟

 

وإذ يعلن الجواهري موقفاً متعاطفاً مع احدى السمكات اللعوبات الوديعات، متغزلاً بها، راح يتضامن معها، بعد أن انطقها بكل رقة، شعراً وتساؤلات، ثم ليلعن القسوة والقساة مع اليفِ الحيوانات، السواحر... وبالمناسبة، فقد بقي الشاعر طوال سنوات اغترابه الثلاثين، الدائمة او المتقطعة في براغ، يتردد زبوناً شبه ثابت على حانوت السمك ذاته، وحواليه، والقائم حتى اليوم مطعماً ومجمّعاً للتسوق وسط العاصمة التشيكية، بل وفي ميدانها الرئيس ولا ندري ان كان سبب تردده اشتهاء السمك فحسب، أو التمتع أيضاً بجمال ورقة البائعات الحسان... ثم تستمر حكاية القصيدة، أو قصيدة الحكاية لتكمل الحوار الجواهري:

 

وأهْوَتْ عليها بساطورِها          فيا لكِ من جُؤذر ٍ جازر

وثنَّتْ .. فشبَّتْ عروسُ البحار ِ   وقَرَّتْ على الجانب الآخر

فقلنا لها : يا ابنة الأجملينَ من كلِّ بادٍ ومن حاضر

ويا خيرَ من لقّن الملحدينَ دليلاً على قُدرةِ القادر

جمالُكِ ، والرقةُ المزدهاةُ خصمان ِ للذابح ِ الناحر!!

وكفُّاك ِ صيغَتْ للثم ِ الشفاه ِ      وليست لهذا الدم ِ الخائر

فقالت : أجلْ أنا ما تنظران ِ       وإن شقَّ ذاك على الناظر

تعلَّمتُ من جفوة ِ الهاجر !!!      ومن قسوة ِ الرجل الغادر!!!

 

... اما بيت القصيد في هذه الفريدة الجواهرية فقد كان – على ما نظن – تجديداً لمواقف الشاعر العظيم في الانتصار للنساء، "من سودهنَّ وبيضهنَّ" والتي استمر متبنياً لها طوال حياته الشعرية، وثبتها في قصائد عديدة، وبخاصة حول معاناتهنَّ الاجتماعية، والتفرد الرجولي في المجتمعات العربية...

 

د. رواءالجصاني

[email protected]

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (العدد: 1113  الاحد 19/07/2009)

 

في المثقف اليوم