 أقلام حرة

لا يعرف الناس قيمة بعضهم إلا في المحن أوالنهايات

حميد طولستيقول المثل الفرنسي: "L'habit ne fait pas le moine" أي أن اللباس لا يصنع القديس، ما يعني أنه ليست أشكال الناس ولا ألوانهم أو ألبستهم أو ما يمتلكونه من أموال وعقارات –رغم أهميتها في الترتيبات والتصنيفات المجتمعية  - هي التي تثير وتلفت النظر إليهم، لكن الجاذب في الناس عامتهم وخاصتهم، هي الابتسامة النقية، والكلمة اللطيفة، والعيون الضاحكة، والروح الخفيفة الصافية، وغيرها كثير من الإلتفاتات العفوية النابعة من العواطف الإنسانية الرقيقة التي تخلقها الوشوشات الهامسة، واللمسات الحانية، والكلمات الدانية، والنظرات الخاشعة، التي تحتضنك بها قلوب محبيك الطاهرة في وقتها، وتغمرك عيونهم الناضحة بالمحبة في إبانها، فتزرع في القلب والنفس الفرحة والسعادة  التي لا تقدر بثمن التي تظل أثرها في الذاكرة، وتدوم بما هو أكبر بكثير من كل الهدايا المادية، التي تنكمش بالصرف وتذوب بالبعثرة،  فكل ما يأتي في وقته وبحلول زمانه وحصول إبانه، لهو أفضل ألف مرة عن المتأخر منه، الذي يؤدي الواجب ولا تصفو به الخواطر، كحال الوردة التي تقدم  في غير وقتها، والكلمة التي لا تأتي في إبانها، ولذلك خدها نصحة من مجرب عانى من ويلات فوات الآوان، وتحسر على إنقضاء الأحيان، وبكى على تهاونه في إعطاء اللحظة حقها  ولم يجعلها خالدة في حياته غير عابرة، ولا تأجل مشاغل اليوم إلى الغد، كما تعلمت ذلك في المدرسة، فربما لن يأتي ذلك الغد، وحتى وإن أتى، فلن يأتي بنفس الفرصة السانحة، ولا تكن مُستسلماً، ولا تقف مكتوف الأيدي وكأنك مربوط بحبال من مسدٍ تُراقب فوات الأوان،  فكم هو قاس ادراك أن الوقت قد فات وليس له من عودة، وقد قالوا أن خير البر عاجله، فعجل باللاستمتاع  بحياتك، دون أن تجعل كل همك الجري الآهث خلف كل ما تقع عليه عينك في الطريق، فتشتت نفسك بين اللحظات في عصر لم يعد يسمح فيه بتأجيل ما يجب القيام به على الفور، كقبلة الاعتذار التي تُرسم على جباه الموتى، والدموع  التي لا تدرف في الجنائز، والندم الذي لا يُحس به في المقابر، ونظرات الحب والشوق التي لا يُشعر بها في لحظات الوداع، والابتهالات والدعوات التي تتلى في المستشفيات بعد فوات الآوان، وذلك – للأسف- لأننا لا نعرف قيمة بعضنا إلا في المحن وعند النهايات كما في قصة الألم، التي كتبها تشيخوف، ولا تدع أمواج الحيرة تتقاذفكَ بين مد يدعوكَ للمُضِي قدماً في إنجاز أمورك في وقتها، وجزر يجرك نحو التراجع عن إتيانها، ولا تسأم من المحاولة وتكرارها، وتشبث بالحياة وقدر كل دقيقة من عمرك قبل نفادها.

أرجو لا تنجعز أيها القارئ الفاضل من حديثي، فالكلام الصادق ليس جميلا دائما، والكلمات الجميلة ليست صادقة على الدوام، تحياتي وتقديري.

 ***

حميد طولست 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5727 المصادف: 2022-05-11 00:51:45


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5784 المصادف: الخميس 07 - 07 - 2022م