أقلام حرة

مزهر جبر الساعدي: السابع من اكتوبر.. منجز تاريخي رغم التضحيات

ان صمت الانظمة العربية عن كل هذه المذابح التي تقترفها دولة الاحتلال الاسرائيلي؛ يشكل مثلبة كبيرة. ان لم اقل انها تقع في مسار اكثر من كونها مثلبة؛ فالأنظمة العربية تتدخل كوسطاء بين المقاومة والكيان الصهيوني وكأن الامر ليس له علاقة بمستقبل  اوطانهم وشعوبهم، اضافة الى ما يربط فلسطين بالأمة العربية من وشائج التاريخ واللغة والمصير المشترك، والى ما هو ذو صلة بهذا كله. ان ما حدث في السابع من أكتوبر؛ قد هشم كما يقول السنوار؛ اسطورة الجيش الاسرائيلي الذي لا يقهر؛ فقد قهرته صولة فرسان المقاومة. ان الكيان الاسرائيلي لا يختلف في مجازره هذه، عن ما قام به الغرب وامريكا؛ فكلاهما قاما بالمذابح على مر كل تاريخهم، في فيتنام وفي امريكا اللاتينية وفي العراق وفي افغانستان، وقبلهما بقرون من الزمن؛ قام الامريكيون الاوائل؛ بتصفية الهنود الاحمر تقريبا، تصفية كاملة، لم يبق منهم او من ناجا منهم من المجازر والمذابح الامريكية، الا بضعة آلاف. الغرب الاستعماري هو الاخر قام بكل ما لا يمت باية صلة الى الانسانية، من محارق ومجازر ومذابح خلال سيطرتهم الاستعمارية في القرن العشرين. لقد بنى الامريكيون والغربيون بصورة عامة تطورهم وتنمية بلدانهم على دماء الشعوب؛ كي يستمروا في نهبها واخاضعها لهم، عبر دمى قاموا بصناعتها. لذا ليس غريبا؛ ان تدعم امريكا دعما حقيقيا، وايضا البعض من الدول الغربية؛ الكيان الصهيوني في ما يقوم به من قتل شامل لكل الفلسطينيين في القطاع، لم تقم به حتى النازية. فهي ثقافة استعمارية امريكية وغربية واسرائيلية؛ مترسخة في وجدان وضمائر وعقول المسؤولون في امريكا والغرب. لقد عمل الغرب وامريكا خلال عدة عقود، وبالذات خلال العقدين الاخيرين؛ على ترسيخ ثقافة الهزيمة في الوجدان العربي، وعلى بث روح القبول بالممكن الذي تمنحه له هذه القوى الاستعمارية. لكن رغم كل هذا، جاهدت وناضلت الشعوب العربية خلال القرن العشرين، نضالا داميا من اجل حريتها وسيادة اوطانها، لكنها كانت قد اصطدمت بجدار من الخنوع والانبطاح الذي مثلته؛ الكثير من الانظمة العربية. هذه الانظمة حاربت، او للصحة والدقة، الكثير منها وليست كلها؛ قد حاربت وقاتلت هذا النضال بكل من لديها وفي امكانياتها من قدرة قوة، بالإنابة عن القوى الاستعمارية؛ تثبيتا لأركان نظامها. فقد كانت ولا تزال هذه الانظمة هي من تقول لشعوبها؛ من ان امريكا لا يمكن مقارعتها فخيوط كل اللعبة الاقليمية والدولية بيدها. ان هذا يعني تماما؛ ان على هذه الشعوب ان تقبل بما تريد امريكا لأنها هي الاقوى في العالم؛ اذا ارادت هذه الشعوب ان تعيش بسلام واستقرار؛ بمعنى عليها ان تكون او ان تقبل بخضوع الانظمة التي يفترض بها؛ ان تمثلها وتمثل مصالحها؛ وبالتالي فقدان القرار السياسي والاقتصادي المستقلين، وما يجر هذا على الوطن من تكسير اعمدة السيادة، وعلى الشعوب من فقر وغيره الكثير جدا. السابع من اكتوبر حطم هذه المقولات وهذه الثقافة تحطيما كاملا، مهما كانت نتائج الحرب التي تشنها اسرائيل على القطاع وعلى كل الفلسطينيين؛ فأن تداعيات السابع من اكتوبر سوف تكون كبيرة جدا وواسعة وعميقة على الاوطان العربية وعلى القضية الفلسطينية. من المؤلم في اتجاه الركوع امام ما تريد وتطلب امريكا؛ ان تقوم البعض من الانظمة العربية، في المفاوضات التي تجري وراء الستار، وفي الغرف المظلمة؛ وتنفيذا للحلول التي تتقدم بها امريكا لإيقاف اطلاق النار في القطاع؛ منها على سبيل المثال وكما تقول بها التسريبات؛ ان تغادر قيادات المقاومة القطاع الى خارجه، الى احدى الدول او الى دول اخرى، ونزع سلاحها. الا يعني هذا؛ ان هذه الانظمة اولا؛ لا تمثل شعوبها، فهذه الشعوب واقصد بها الشعوب العربية هي داعمة ومساندة بقوة للمقاومة، وترفض كل طروحات امريكا والكيان الصهيوني، وثانيا تنطق بلسان امريكا واسرائيل، بالإنابة عنهما، وبالضد من إرادة شعوبها، وثالثا تقدم طوق نجاة للكيان الصهيوني ولنتنياهو. اسرائيل التي وفي ظل مجازرها هذه؛ تعاني من انقسامات داخلية، ووضع اقتصادي يسير نحو الاسوأ على الرغم من الدعم الامريكي له، كما ان الاثمان باهظة على هذا الكيان الصهيوني. أما من الجانب الثاني فان نتنياهو هو الأخر يخشى من العواقب التي تنتظره بعد انتهاء حربه على الفلسطينيين، وما سوف يتعرض له من محاكمة قد تقود او تدفع به الى السجن. عليه فانه يصر على الرغم من ان كل الخبراء العسكريين والاستراتيجيين الاسرائيليين؛ يقولون من ان اسرائيل سوف تخسر هذه الحرب، حتى لو استمرت لعدة شهور، وان المقاومة سوف تنتصر، يقول هؤلاء الخبراء، ان اسرائيل حتى لو افتراضا يقولون تمت خسارتها عسكريا، فان المقاومة قد ترسخت في عقول وضمائر الفلسطينيين، اكثر عمقا واتسعا، مما هي اصلا مترسخة ليس في القطاع فقط، بل حتى في الضفة الغربية، ويضيفون مع ان هذا لن يحدث؛ فإسرائيل تتكبد يوميا خسائر كبيرة في الجنود والمعدات، وتحرج حلفائها الامريكيون، وتضعهم في مربع يخسرون خططهم الدولية المتعددة فيه، ان استمرت هذه الحرب على الشكل والمسار الذي تسير فيه من قتل عشوائي. الامريكيون لا يعارضون حرب المجازر الاسرائيلية هذه، بل يريدون من اسرائيل ان تخفف اشتعالها؛ حتى بلوغ اسرائيل لأهدافها. في هذا الاتجاه تنحصر الإرادة الامريكية في ايجاد مخرج لوقف اطلاق النار بالطريقة، سابقة الذكر في هذه السطور، بالاستعانة ببعض الانظمة العربية؛ في انضاج هذه الحلول التي تضمن لإسرائيل تحقيق اهدافها، وتقديمها على طبق من ذهب للكيان الصهيوني. لأول مرة؛ تكون امريكا واسرائيل في وضع صعب، وتفقدان الامساك بخيوط اللعبة والسيطرة على كرتها المنزلقة على اراضي لزجة، بعد السابع من اكتوبر. امريكا تحاول بجهد جهيد على الاحتفاظ بالإمساك والسيطرة على مداخل ومخارج الصراع على عدة جبهات في العالم؛ في اوكرانيا، وفي تايوان، وفي بحر الصين الجنوبي، وفي المنطقة العربية. ففي حرب اوكرانيا؛ بدى بوضوح، ان امريكا على طريق خسارتها هذه الحرب لصالح روسيا. ان هذا التطور اذا ما تم او واصل تطوره حتى المحطة النهائية، في تحقيق روسيا اهدافها من غزوها لأوكرانيا؛ تكون عندها الخسارة الامريكية، خسارة استراتيجية. ان هذا هو ما يفسر، اضافة الى عوامل أخرى، في الداخل الامريكي، وفي الفضاءات الدولية، وفي المنطقة العربية؛ الضغط الامريكي على البعض من الانظمة العربية، بالمساعدة، في ايجاد طريقة، لتسكين المجازر الصهيونية، تسكينا جزئيا وليس تاما، إنما لصالح اسرائيل. اسرائيل هي الأخرى ايضا تعرضت بعد السابع من اكتوبر الى ازمة وجود؛ هناك في الداخل الاسرائيلي، انقسامات افقية وعمودية، في الاحزاب والقوى السياسية، والطبقة الحاكمة، وفي المجتمع الاسرائيلي، الذي تعرض الى اهتزاز الشعور بالأمن والامان لدى السكان، وترسخ في عقولهم ونفوسهم من أنهم يعيشون حياة قلقة تفتقر الى الاستقرار، بل تسود فيها الفوضى والاضطراب وعدم اليقين من المستقبل لهم ولعوائلهم وابناءهم واحفادهم. ان ما قامت به المقاومة الفلسطينية، من ملحمة تاريخية في طوفان الاقصى؛ سوف تكون لها، تأثيراتها على القضية الفلسطينية، وعلى الوطن العربي، وعلى العالم.. في الختام اتقدم بالتحية والتقدير والامتنان لأبطال المقاومة الفلسطينية في غزة، وفي اليمن (حركة انصار الله) وفي غير اليمن. اقول: ان المنجز التاريخي كلما كان كبيرا، لجهة التحولات الكبرى، كانت التضحيات جسيمة..

***

مزهر جبر الساعدي      

 

في المثقف اليوم