أقلام حرة

بديعة النعيمي: الحرب على غزة (48): الأعراض الجانبية.. ذريعة أم جريمة؟

جاء في البروتوكول الأول لعام ١٩٧٧ تعبيرا يلزم بما يسمى "مبدأ التمييز" وهو صالح كقانون عرفي بالرغم من أن عددا من الدول لم يصادق على البروتوكول الأول. ويعني هذا المبدأ "حماية الأشخاص المدنيين والأعيان المدنية". وطبقا لهذا البروتوكول فإن السكان المدنيين "يتمتعون بالحصانة ضد الأخطار الناجمة عن العمليات العسكرية" كما يحضر هذا البروتوكول أفعالا الغرض منها نشر الرعب بين المدنيين. كما يحظر الهجمات العشوائية ويلزم التمييز بين الأفراد المحاربين والأهداف العسكرية وبين المدنيين والأعيان المدنية.

وفي الحرب على غزة ٢٠٢٣_٢٠٢٤ وتحديدا عندما وجهت شعوب العالم اصبع الاتهام نحو دولة الاحتلال عندما اتضح أن من أهداف حربها الإبادة الجماعية لسكان القطاع ، تذرعت بأن ما يحصل مع المدنيين هو "ضرر جانبي" حيث علق رئيس حكومة دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو في بداية الحرب بعد ارتقاء ما يزيد عن ١١ ألف شهيدا في غزة بأن "الخسائر في صفوف المدنيين أضرار جانبية وأن الأهداف "الإسرائيلية " على حد قوله كانت الإرهابيين". غير أن الضرر الجانبي يحدث عندما توقع هجمات تستهدف أهدافا عسكرية خسائر بين المدنيين وضررا بالأعيان المدنية ،وكثيرا ما يحدث هذا الضرر حين تكون الأهداف العسكرية مثل المعدات أو الجنود موجودة في مدن أو قرى قريبة من المدنيين. غير أن دولة الاحتلال في حربها على غزة لا تحارب جيشا يمتلك ثكنات عسكرية أو معسكرات تحوي جنودا نظاميين أو مستودعات أسلحة. بل هي تقاتل أشباحا يخرجون لهم من أنفاق من تحت الأرض وغير معلومة المكان وفي زمن أيضا غير معروف.

وجيش الاحتلال يقصف كل مكان في غزة فأين هي الثكنات وأين هم الجنود والمعدات التي يتذرع هذا الجيش بقصفها العشوائي من أحزمة نارية أزالت مربعات سكنية بالكامل بسكانها؟ هذا القصف الذي يمارسه هذا الجيش اللاأخلاقي لمنطقة مكتظة بالسكان ما هو إلا جريمة حرب وفقا للقانون الإنساني الدولي. والسؤال، أين هذا القانون الذي غدا حبرا على ورق عندما تكون الضحية الفلسطيني ؟

وهل استشهاد ما يزيد عن ٢٨ ألف وما يزيد عن ٦٧ ألف جريح وآلاف المفقودين تحت الركام ونحن على أبواب الشهر الخامس أضرار جانبية تتذرع بها هذه الدولة التي تسِمُ غيرها بالإرهاب وهي أخطبوط الإرهاب؟

وها هو الرئيس الأمريكي جو بايدن الشريك الأول لدولة الاحتلال والداعم الرئيسي لها يعترف بأن القصف "الإسرائيلي" كان عشوائيا. ومع ذلك فقد قدم دفاعا صريحا عن رفضه الدعوة لوقف إطلاق النار في غزة متذرعا بأن حركة حماس تمثل تهديدا مستمرا لدولة الاحتلال. فأي ازدواجية تلك؟ فالاعتراف بأن قصف دولة الاحتلال عشوائي لا يعني إلا أمر واحد أن هذه حرب إبادة وجريمة صريحة تحدث أمام العالم العاجز والأنظمة العربية التي تساهم في استمرار هذه الإبادة ولا تمت بما يهذر به بنيامين نتنياهو من أضرار جانبية.

***

بديعة النعيمي

 

في المثقف اليوم