أقلام حرة

علي علي: سبات الضمير

بتقدم التكنولوجيا ولاسيما تكنولوجيا الاتصالات، وتحقيقها طفرات هائلة في سرعة نقل المعلومة ودقتها، تمكن الإنسان من تقصي الحقائق بيسر وسهولة، وإيجاد كل شاردة وواردة عن سيرة شخص ما، أو كشف كل كبيرة وصغيرة عن كيان ما، وتذلل مع هذا التقدم البحث عن كبار أمور، كان العثور على صغائرها يتطلب جهدا ووقتا كبيرين. ومع كل هذا تخفى علينا حقائق كثيرة، تندرج أمام أنظارنا وتنطوي تحت مداركنا، من دون شعور منا بمرورها، فهل يتم هذا لعجز في وعينا؟ أم هو تحصيل غفلة وسهو! أم هي القدرة الفائقة التي يتمتع بها الشخص المقابل في إخفائها ومواراتها من أمام أعيننا ومسامعنا، إلى حيث لانعلم ولا نرى ولا نسمع ولا نلمس؟ وهذا يقودني الى سؤال له علاقة وطيدة بالحاكم والمحكوم، فماذا أخفى علينا الماضون من الذين كانوا يتحكمون بمراكز متقدمة في سدة الحكم، وكانت مصائرنا تحت رحمتهم، في زمن انعدمت فيه وسائل الاتصالات كما هي اليوم؟

  لقد صارت لمتتبع مجريات الأحداث على مدار أربع وعشرين ساعة، ملَكَة في التخمين والحدس وسرعة البديهة، في حل ما يسميه البعض ألغازا سياسية وطلاسم سياسيين، لاسيما السنون التي أعقبت عقود الدكتاتورية، حيث بات بإمكان كثير من العراقيين استقراء المستقبل القريب وما تؤول اليه الأحداث. وقطعا لم تأتِ هذه المَلَكة من اللاشيء، فقد أسهم في تبلورها تكرار تقلبات السياسيين بمواقفهم وتصريحاتهم، وتضارب آرائهم بين ليلة وضحاها، طيلة العشرين عاما الماضية. وما التقلب البهلواني السريع في هذا الجانب ناتج عن عدم إدراك أو ضعف بصيرة أو قلة حيلة -حاشاهم طبعا- من كل هذه الخصال الإنسانية الفطرية الساذجة، فهم يعرفون جيدا من أين تؤكل الكتف، ويدركون تماما كيف تورد الإبل، ويبصرون بقوة بصر (6/6) تمكِّنهم من الانقضاض على صيدهم، وانتقاء ما يصب في مصالحهم ومصالح شركائهم في (الطبخة).

 ومع غياب الرقيب الأول -وهو الضمير- او موته، وغض النظر والتسويف بالوعود السرابية عن الرقيب الثاني -وهو الشعب- والمواراة والمخاتلة عن الرقيب الثالث -وهو السلطات الأعلى- والنأي وعدم المبالاة عن الرقيب الرابع -وهو السلطة الرابعة- والتي تتمثل بالإعلام، تكون العملية السياسية قد أخذت الجادة المرسومة والمخطط الموضوع لها، لتحقيق المآرب والغايات الفردية والفئوية والحزبية والإقليمية. فبعض سياسيينا يرى أن منصبه تشريف وليس تكليفا، منفعة وليس واجبا، تجارة وليس ذمة، (كشخة) وليس التزاما، مع هذا فهو يفوز في مسيرة حياته بالمغنم الواسع والربح الكبير والريع الوافر. وباقي العراقيين ممن لاسلطة لديهم ولا نفوذا ولا (گرايب) ولا حبايب ولاحول ولاقوة، فانهم ينقسمون إلى مجاميع، فمنهم من يعود من مسيرة حياته بخفي حنين، ومنهم من (يخرج من المولد بلا حمص) وآخرون مالهم بالطيب نصيب، فـ (يمسحون إيدهم بالحايط) ومنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر.

  هنا قد يصل بعضنا -بل أغلبنا- إلى يقين راسخ، أن أيام العراقيين جميعها تمر كسابقاتها، وإن كان ثمة تغيير فهو للأسوأ لامحالة، إذ لاجديد فيها غير الاستماع الرتيب، الى القوانات المشخوطة المثبتة على لسان حاكميهم وسلاطينهم وجلاديهم منذ الأزل، وهي التي يبدأ بترديدها "زيد" بعد أن يولّي "عبيد"، وحين يولّي "زيد" تخلو الساحة إلى "شعيط" فيملأ آذاننا هو الآخر بما ملأه سابقوه من اللامفهوم واللامجدي، وبعد انقشاعه يأتي الدور الى "معيط" فيأخذ ديدن السابقين بسيئاتهم، أما "جرار الخيط" فهو جاثم على صدور العراقيين، مادامت نيات حكامه وساسته المبيتة، هي ذاتها على اختلاف أطيافهم وأشكالهم وألسنتهم وأصولهم، إذ لاجديد تحت الشمس ما زال الرقباء جميعهم -وأولهم الضمير- غارق بسابع نومة.

***

علي علي

في المثقف اليوم