عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

رائد عبيس: وثائقيات صاحب الحكيم.. تجربة عراقية فردية (1)

930 صفحة؛ هي نموذج واحد من تجربة عراقية فريدة، انبثقت من شعور إنساني عميق بحجم المسؤولية التاريخية التي أُريد لها أن تكون مقاومة لإرادة القتل، والإبادة، والاختفاء القسري، ونظرية الموت التي آمن بها البعث؛ حكومة ونظاماً وأفراداً، حين تسلطوا على حكم العراق واستبدوا بشعبه.

لقد خلّفت سياسة هذا الحكم دماراً كبيراً حلّ بكل مقومات العراق الطبيعية والبشرية، كانت بحاجة إلى تجربة تقاوم هذا الدمار، فانبرى السيد صاحب الحكيم وزوجته الدكتورة بان الحكيم، لتوثيق الآلام العراقية بطريقة استثنائية، تفرض احترامها البليغ عبر تاريخ الشعب العراقي؛ سابقاً، وحالياً، ومستقبلاً.

إن كتابتي لهذا المقال تنبع من الشعور بالامتنان تجاه هذه التجربة الإنسانية والأخلاقية الواعية بإنصاف المظلومين في العراق، وهي تجربة تدفعنا لطرح أسئلة جوهرية: كيف انبثقت فكرة التوثيق عند الدكتور صاحب الحكيم؟ وكيف خطرت له فكرة هذه التجربة الفريدة؟ وكيف ترك تخصصه الطبي، وعمل على ملاحقة كل وثيقة ومعلومة وخبر عن أي مظلوم في العراق -من الأحياء والأموات- في زمن حكم البعث، ليدون ما يحفظ حق الضحية ويدين النظام؟

هذه الأسئلة مثار بحثٍ مستفيض عن تجربة عراقية تميزت بفرادتها على مستويات عديدة؛ قانونية، وتوثيقية، وإنسانية، وأخلاقية، ودينية، واجتماعية، وسياسية، وإعلامية.

ونعود هنا إلى الـ 930 صفحة التي ذكرناها في بداية المقال، وهي صفحات لتقرير مطول جداً، جاء بعنوان (تقرير عن اغتصاب، وقتل، وتعذيب، واعتقال أكثر من 4000 امرأة في بلد المقابر الجماعية: العراق) احتوى هذا التقرير على أكثر من 450 عنواناً لقصص، وشهادات، ووثائق، وقرائن إثباتية وإدانات، تؤكد فيها كل قصة عذابٍ وأخرى وتعزز دليلها.

يعلن هذا التقرير الحقوقي عن الوجه المظلم -الذي ما يزال غير منكشف تماماً- لطبيعة النظام البعثي وحقيقته، وما تسبب به من عدوان ومظالم وضياع للحقوق وإبادة لشعب عظيم كالشعب العراقي؛ من الشمال إلى الجنوب. وهذا ما يعكس جغرافية التقرير التي امتدت من أقصى القرى الكردية في زاخو إلى أقصى القرى العربية في الفاو؛ إذ لم يفرق قط بين عراقي وآخر على أساس الانتماء أو المكون، مما يضفي عليه صبغة وطنية خالصة بعيدة عن التحيز.

إن هذا الكم الكبير من العينات اللواتي تعرضن لعذاب سُلّط عليهن بنوايا خبيثة استهدفت شرفهن، وصلابتهن، وعفتهن، وشجاعتهن، وصمودهن، وكبريائهن، وفقرهن، وصبرهن اللامحدود على ما نالهن من فقد للابن، والأخ، والزوج، والأب، والأرض، والأملاك، نتيجة تحدي صدام حسين وحكمه؛ يمثل نموذجاً عن مئات الآلاف من المفقودين، والمغيبين، والمهجرين، وغيرهم من العراقيين والعراقيات.

لقد جمع الدكتور صاحب الحكيم معلومات هذه الوثائق عبر رحلات وتنقلات مضنية بين المدن العراقية والدول المجاورة، والإقليمية، وعبر العالم؛ لتحصيل ما يثبت حق الضحايا ويدين النظام البعثي الذي عبث بدماء العراقيين، وكرامتهم، وحقهم في الحياة، والعيش الآمن، والسلامة، والسكينة.

وأعتقد جازماً بأن عملية توثيق الاعتداءات الجنسية التي تعرضت لها المواطنات العراقيات على يد جيش وأمن وعناصر البعث في العراق، لم تكن مهمة يسيرة البتة، بل كانت محرجة جداً لجميع أطراف الحق؛ ولكن فداحة هذه الجرائم جعلت من فرادة توثيقها أمراً في غاية الأهمية التاريخية، والقانونية، والحقوقية، والجنائية، والأخلاقية، والاجتماعية. إن كل ما تنطوي عليه هذه القصص المؤلمة من جرائم انتهاك العرض والاعتداءات الفاضحة يشكل جريمة متكاملة الأركان، ويُعد أهم تدوين وثائقي يُدين النظام البعثي في مراحل حكمه.

فمحاكمة النظام البعثي كانت وما زالت تحتاج إلى محاكمة أخلاقية وثقافية، لا ينبغي أن تقتصر على محاكمة جنائية وقضائية فقط؛ وقد وفرت وثائقيات (صاحب الحكيم) فرصة للمحاكمة التاريخية والأخلاقية والثقافية لتجربة حكم البعث في العراق، عبر توعية الأجيال بكل ما أُرتُكب من جرائم، ما زالت مستجداتها تظهر للعيان بين آونة وأخرى من خلال وثائق وتسريبات جديدة ينطوي عليها أرشيف البعث. ومن خلال دراسة أرشيف هذا النظام ووثائقه لتعزيز المسائلة الأخلاقية والثقافية لكل مخلفاته الإيديولوجية .

إن للدكتور صاحب الحكيم بهذه التجربة الوثائقية الفريدة فضلاً كبيراً على جميع العراقيين؛ سواء من مجتمع الضحايا أو من عامة المجتمع، بما نقله لنا من حقائق ووثائق دامغة عن مرحلة مفصلية من تاريخ العراق الحديث.

***

بقلم: د. رائد عبيس