المثقف - أقلام ثقافية

شابه المصنوع .. الافكار والصور

قد لا يخطرُ على بالِ احد حدود العين حين ترى الاشياء، أو تضفي عليها نورها، يكفي أن يأتي ظلال الشيء لتعرفهُ وتعرف ماهيتهُ واستعمالهُ ووظائفهُ، وفي فلسفة أخوان الصفا، لا توجد مصنوعات وأشكال خارج صورتها، والصور مجرد أفكار وصور الاشياء أو تجسيد لها، والكون بأجمعه مع مخلوقاته الأصلية والمصنوعة عبارةٌ عن صور عن الأصل، والأصل لدى اخوان الصفا يعني «الجوهر".» .

نحن لانرى الأصل.. نرى صورته، أو إن المخلوقات الجامدة والحيّة كما تفسّرُ رسائل أخوان الصفا، عبارةٌ عن صور لجواهر.. أي كل جامد ومتحرك، صورةٌ عن الأصل أو عن جوهره!! وهكذا فأن عالمنا عبارةٌ عن صورٍ مأخوذة من هيولي الجوهر أو نسخة عنه تماماً، كما تلتقطُ صورة فوتوغرافية، فتعكسُ شكلك غير المرئي لك، ما ذكّرني بفلسفة أخوان الصفا.. هو أننا نعيشُ في عالم الصور حقّاً بعد الثورة التكنولوجية الهائلة، وتسيّد العالم الرقمي ووسائل الإتصالات الفورية لوسائل الإعلام .

ففي الفضائيات، نرى العالم والاحداث بالصور والإعلانات تطغى عليها الصور من مختلف الأنواع والاحجام على الكتابة، والتي هي بدورها عبارةٌ عن صور لجواهر وجدت قبل الكتابة، فكلّ حرف في أبجديتنا عبارةٌ عن صورة هيولية لجوهر ثابت وخالد خلود الزمن، وحين نطالع كم الصور التي تصادفنا يومياً، نشعرُ بالدهشة والذهول.. سواء في الشوارع أو في الفضائيات أو على الانترنيت والكتب والجرائد والمجلات، وسواها، وحتى في الأحلام فأنها تأتي على شكل أفلام مصوّرة ولقطات، سواء كانت فنتازية وغير معقولة أو قريبة من الواقع، ويتم على الرؤية واللقطات التي حدثت فيه تفسيرها . واذا اردنا ان نجري عمليات حسابية بسيطة، نجدُ كميات الصور في مجال رؤيتنا اليومية، ربّما تفوق ما نقرأهُ من كلمات أو قد تتفوق الصورة على الكلمة أحياناً ..ليس في عددها وإنّما في مجال المرئيات اليومية التي تصادفنا في الشوارع والمنتزهات والمقاهي وأماكن العمل، وفي كل مكانٍ نرتادهُ يومياً.

اذكرُ إن استاذنا في درس الاحياء كان مولعاً بوسائل الإيضاح، وأعتقدُ بأنهُ المدرّس الوحيد الذي يرتاد مخزن ومختبر الثانوية يومياً، لأنهُ أينما نراه.. نجدهُ يحملُ ملفوفات مطوية أو ثابتة أو خرائط وصور وأشكال مُجسمة تشبهُ الرسوم، مصوّرة أو مرسومة، واذا لم يجد ضالته في مخزن الثانوية، فأنهُ يجلب وسائل الإيضاح من أماكن أخرى، نسيتُ أسمه «ما اكرمه» ولكنني اتذكرُ صورته أو شكله، لهُ عينان غير متشابهتين، واحدة خضراء والثانية زرقاء، تمنحاهُ جدّية وانفتاحاً على الطلاب، لا تجدهما لدى سائر المدرّسين أو بدرجات أقل، بحيث إن درس الاحياء، صار أشبه بمعرضٍ تشكيلي، لا تخلو منه صور الحيوانات والغابات والأنواع النادرة منها، وفي أيّ القارات والدول تتكاثر وماشابه، والأنواع المهددة منها بالانقراض والتشريح، فكان درسهُ مصوّراّ حقّاً،الصور تتكلم أكثر منه أو عنه أو عما يريد أن يشرحهُ ويوضّحهُ لدرجة، لا يمكن نسيان المعلومات التي نتلقاها بدرسه، و لدرجة يمكن ان نسمّي درسه بدرس الاحياء المصوّر، لأنها فعلاً كذلك، لا تنسى على مر السنين، وحين تتجول اليوم في الشوارع، تجدُ نفسك محاطاً بجميع أشكال الصور والإعلانات المصوّرة والشاشات التي تنقلُ أخباراً مصوّرة من جميع دول العالم، كأنما انتقلت من درس الاحياء المصوّر الى الحياة اليومية واحداثها بكل مكان، إضافة الى صور السياسيين ورجال الدين والفنانين وسواهم التي تمتلأ بها الشوارع، وتزدحم بها الأعمدة الممتدة بكل اتجاه، حتى في الأزقة والشوارع الفرعية أكثر من الاشجار والنخيل!! اشعرُ حين أرى كثرة هذه الصور، كأنني في درس الاحياء المصوّر، إضافة الى إن نفس الأشكال والصور نجدها في الصحف وعلى أغلفة المجلات، وتطلُ علينا كذلك من عشرات الفضائيات على مدار الساعة. أننا حقّاً نعيش في عصر وعالم الصور والإعلانات بمختلف دلالاتها واتجاهاتها ومعانيها وأغراضها السيئة والجيدة، ولا شيء يمكن ان يجنبنا الحاحها وحضورها لدرجة الملل واللامبالاة والقرف أحياناً .

ولكن هل كل ما نراه من صور وأفلام ثابتة ومتحركة وإعلانات واشكال فوتوغرافية أو مرسومة عبارة عن هيولي لجواهرٍ أو اشكالٍ صورية لجواهر استُبدل هيوليّ جوهرها بالصورة والشكل حسب فلسفة أخوان الصفا؟! وهل كانت صور الاشياء كامنة في الهيولى القديم أو الموغل في القدم قبل أن تتجسد بالصور والرموز والأشكال التي نراها؟! وهل كل مصنوعاً بقوة الفكر صورة لجوهر .." يوم ينفخ في الصور" !! أمّا أن تذهب الصورة ويبقى الجوهر أو تذهب الصورة الى العدم إن لم تكن جوهراً، ولكننا لا نستطيع التمييز بالعين المجردة بين الجوهر والصورة، أو اذا كانت الصورة لجوهرٍ أم لا، وكيف تشكلت تلك الصورة من هيوليّ جوهرها.

وفكرة الجوهر وصورته مشابهة لشريحة أو « تب» الحاسوب والموبايل، فالتب أو الشريحة او الجوهر حسب فلسفة أخوان الصفا، وشاشة الموبايل أو الكمبيوتر، تعطينا صور محتويات التب أو الشريحة.. أي تجسد ما هو مخزون بهذه الشريحة من صور ورسوم وابجديات وسواها، ما نراه على الشاشات صورٌ لجواهر دقيقة مخزونة بهذا التب أو الشريحة، ينقلها لنا جهازٌ مصنوع بواسطة شاشة صغيرة أو كبيرة، وما نراه عبارة عن صور للأصل أو الجواهر المخزونة في الشريحة، بهذا فإن ما نشاهدهُ يعتبرُ صوراً، يمكن التحكم بها بإزالتها أو إبقائها بعيدة عن الأصل أو جواهر مخزونة في الشريحة التي بدونها الشاشة صناعة ليست ذات قيمة أو آلة فارغة، لا يمكنها أن تجسّد الصور والأشكال والأبجديات بدون الجوهر أو التب أو الشريحة، وهو أصل فلسفة أخوان الصفا عن الجوهر وصورته أو هيولى الجواهر التي تجسّدُ الأشكال والصور منذ الأزل .. إمّا ان تزول وتفنى أو تبقى خالدة .

 

قيس العذاري

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3335 المصادف: 2015-10-23 00:31:42